الدار البيضاء.. التي لم نعد نعرفها


محمد رضوان ..
لم تعد الدار البيضاء، في أعين كثير من أبنائها الذين كانوا أطفالا وشبابا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات الماضية، تلك المدينة التي عرفوها في سنوات النشأة والبراءة. فالمدينة التي تستعد اليوم لاستقبال العالم في أفق مونديال 2030 تعيش تحولات عمرانية متسارعة، جعلت منها ورشا مفتوحا لإعادة تشكيل الطرق والأحياء ووسائل النقل والفضاءات العامة. وبينما تبدو هذه التحولات ضرورية لمدينة تطمح إلى مواكبة المعايير العالمية، فإنها تثير، في الوقت نفسه، سؤالا عميقا عن الذاكرة: ماذا يبقى من الدار البيضاء القديمة حين تتغير ملامحها بهذه السرعة؟
فأبناء أجيال الأمس يتذكرون مدينة أخرى، كانت فيها قاعات السينما جزءا من الحياة اليومية والثقافية. كانت سينما الكواكب والسعادة وموريطانيا وشهرزاد ولوكس وليبيرتي والمدنية والعثمانية وغيرها من القاعات معالم نابضة في خريطة البيضاء، يلتقي عند أبوابها الشباب والعائلات، ويتحول الذهاب إلى السينما إلى طقس اجتماعي وثقافي. اليوم، اختفت بعض تلك المعالم أو تغيرت وظائفها، ومعها تراجعت صورة مدينة كانت الشاشة الكبيرة فيها نافذة مفتوحة على العالم، قبل أن تأتي الشاشات الصغيرة والمنصات الرقمية لتغير عادات المشاهدة والحياة الثقافية.
وكانت الدار البيضاء أيضا مدينة الموسيقى الجديدة والأصوات المتمردة على المألوف. فمن أزقتها وأحيائها خرجت تجارب أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية المغربية، مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب وتاكادة. لم تكن تلك المجموعات الغنائية مجرد ظواهر فنية، بل كانت تعبيرا عن روح مدينة شعبية وحديثة في آن واحد، مدينة تصنع ثقافتها من الشارع ومن المقاهي ومن الجامعات والأحياء، وتمنح لأبنائها إحساسا خاصا بالانتماء إلى فضاء لا يشبه أي مدينة أخرى.
وفي الذاكرة أيضا أسماء الأحياء والأماكن التي كانت تختصر عالما كاملا من العلاقات الإنسانية والحياة اليومية ؛ درب السلطان، باب مراكش، درب الكبير، ساحة السراغنة وعين الشق وسباتة وغيرها من الفضاءات التي صنعت الشخصية الشعبية للدار البيضاء. كانت الأزقة الضيقة، والدكاكين الصغيرة، والمقاهي، والأسواق، تشكل شبكة اجتماعية متماسكة، حيث يعرف الجيران بعضهم بعضا، وحيث كانت المدينة، رغم اتساعها، تحتفظ بدفء العلاقات الإنسانية.
أما اليوم، فإن الدار البيضاء تدخل مرحلة جديدة من تاريخها. فمشاريع التأهيل والتحديث المرتبطة بالاستعداد لمونديال 2030 تشمل النقل والتنقل والبنيات الرياضية والإقامة والتهيئة الحضرية والتنمية المستدامة، في إطار رؤية ترمي إلى الارتقاء بجاذبية العاصمة الاقتصادية وقدرتها على استقبال حدث عالمي بهذا الحجم. كما تتقدم مشاريع سككية كبرى تروم إعادة تشكيل منظومة التنقل في الدار البيضاء الكبرى، من خلال محطات ترامواي والباسواي وخطوط سككية إضافية وتعزيز الربط بين مختلف وسائل النقل.
غير أن المدينة لا تُختزل في طرقاتها الجديدة ومحطاتها الحديثة وملاعبها العملاقة. فالدار البيضاء التي يريد المغاربة تقديمها للعالم سنة 2030 هي أيضا مدينة لها ذاكرة، وتاريخها العمراني والثقافي ليس مجرد ماض جميل يمكن الاستغناء عنه باسم الحداثة. وقد أثارت عمليات الهدم وإعادة التهيئة في عدد من المناطق نقاشا حول كيفية التوفيق بين ضرورات التحديث وحماية النسيج الاجتماعي والإنساني للأحياء التاريخية.
لعل التحدي الحقيقي أمام الدار البيضاء اليوم هو أن تنجح في الجمع بين صورتين ؛ مدينة المستقبل ومدينة الذاكرة. فمن حقها أن تتوسع وتتجدد وتبني شبكات نقل عصرية وتستقبل ملايين الزوار، لكن من حق أبنائها أيضا أن يجدوا، وسط الأبراج والطرق الجديدة، شيئا من تلك البيضاء التي عرفوها؛ رائحة المقاهي القديمة، وضجيج الأسواق الشعبية، وأصوات الغيوان، وذكريات طوابير السينما.
مونديال 2030 سيكون لحظة تاريخية مهمة للدار البيضاء، لكنه قد يكون أيضا فرصة لإعادة اكتشاف روحها. فالمدن العظيمة لا تقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وحديد، بل بما تحفظه من قصص وذكريات ومعالم. وبين الدار البيضاء التي كانت والدار البيضاء التي ستكون، يبقى الرهان الأكبر هو ألا تضيع المدينة التي يسكنها البيضاويون في ذاكرة المكان، وهم يبنون المدينة التي يريدون أن يروها في المستقبل.




