ما بعد المينورسو(2):
نحو أفق استراتيجي جديد لترسيخ السيادة المغربية وبناء الاستقرار والتكامل الإقليمي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
في المقال السابق، انطلقتُ من سؤال إشكالي جوهري: لماذا لا يكفي انتهاء مهمة بعثة المينورسو لإنهاء النزاع حول الصحراء المغربية؟ وانتهيت إلى أن فهم دلالات هذا التحول يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة: المستوى المؤسساتي، المتصل بمصير البعثة وآليات اشتغالها؛ والمستوى السياسي، المرتبط بتطور المواقف والمبادرات وموازين التفاوض؛ ثم المستوى الاستراتيجي، وهو المستوى الأعمق، لأنه لا ينشغل فقط بما انتهى من آليات تدبير النزاع، بل بما ينبغي أن يبدأ من تحول في طبيعة القضية ومنطق التعامل معها وأفق مآلاتها.
فجوهر التحول الاستراتيجي لا يكمن في انتهاء تفويض مؤسسة أممية، مهما كانت دلالة ذلك، وإنما في تجاوز المنطق الذي جعل إدارة الخلاف تستمر لعقود دون أن تفضي إلى تسويته. إنه انتقال من قضية تستنزف الزمن والموارد والطاقات في إعادة إنتاج التوتر، إلى مشروع سياسي يؤسس لشروط الاستقرار والتعاون والتنمية والتكامل الإقليمي.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي قراءة انتهاء مهمة المينورسو باعتباره حسمًا تلقائيًا للنزاع، كما لا ينبغي اختزاله في مجرد نهاية إجرائية لوجود بعثة أممية؛ بل يتعين النظر إليه باعتباره لحظة استراتيجية تتيح إعادة طرح السؤال على المنتظم الدولي وعلى الأطراف المعنية: هل يستمر التعامل مع هذه القضية بمنطق إدارة الخلاف، أم تحين لحظة الانتقال إلى منطق بناء التسوية؟
إن استمرار النزاع لم يعد مجرد خلاف سياسي بين أطراف متقابلة؛ لقد أصبح، مع امتداد الزمن، كلفة استراتيجية تتحملها المنطقة بأسرها. فقد عطل فرص التقارب، وأضعف إمكانات التكامل المغاربي، واستنزف موارد كان يمكن توجيهها إلى التنمية والبناء المشترك، وترك تحديات الأمن والاستقرار والتنمية العابرة للحدود دون ما تستحقه من تعاون جماعي. وهكذا لم يعد السؤال مقتصرًا على ما يربحه هذا الطرف أو يخسره ذاك من استمرار الخلاف، بل أصبح متعلقًا بما تخسره شعوب المنطقة جميعها من تأجيل التسوية.
ومن هنا تبرز أهمية هذه اللحظة باعتبارها فرصة استراتيجية لا تخص المغرب وحده، بل تضع جميع الأطراف، كما تضع المنتظم الدولي، أمام مسؤولية تاريخية تجاه مستقبل المنطقة وأجيالها المقبلة. فالمرحلة تقتضي الانتقال من حسابات اللحظة السياسية الضيقة إلى أفق التفكير في المآلات، ومن منطق تدبير التوازنات الآنية إلى منطق بناء الاستقرار المستدام. وهذا هو جوهر التفكير بمنطق الدولة: ألا تُختزل السياسة في تدبير الخلافات القائمة، بل أن تتجه إلى استشراف المستقبل، وتقدير كلفة الخيارات، وصناعة الشروط التي تتيح للأجيال المقبلة أن ترث فضاءً للاستقرار والازدهار، لا نزاعًا مفتوحًا يستنزف طاقاتها ويقيد إمكاناتها.
إن رجال الدولة، في لحظات التحول الكبرى، لا يُقاسون فقط بقدرتهم على الدفاع عن مواقف بلدانهم، وإنما كذلك بقدرتهم على الارتقاء من منطق المصالح الآنية إلى منطق المسؤولية التاريخية، ومن حسابات الصراع إلى شجاعة بناء الحلول. فالتفكير الاستراتيجي لا يسأل فقط: كيف ندير ما هو قائم؟ بل يسأل، على نحو أعمق: أي مستقبل نريد أن نؤسس له؟ وما القرارات التي ينبغي اتخاذها اليوم حتى لا تتحول خلافات الحاضر إلى أعباء موروثة على أجيال الغد؟
وبالنسبة إلى المغرب، فإن هذا الأفق لا ينفصل عن ثوابت السيادة الوطنية والوحدة الترابية؛ بل إن التسوية المنشودة ينبغي أن تجعل من السيادة المغربية إطارًا جامعًا لتدبير الشؤون المحلية، وضمان المشاركة الفعلية، وتحقيق التنمية والإنصاف، وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي. وفي هذا السياق، يشكل الحكم الذاتي المقترح من المغرب مدخلًا سياسيًا ومؤسساتيًا لبناء مستقبل تتكامل فيه الوحدة الوطنية مع التدبير المحلي، وتلتقي فيه السيادة مع المشاركة، وتتحول فيه التنمية إلى رافعة للاستقرار والاندماج.
وعليه، فإن الرهان الاستراتيجي لا يتمثل في مجرد تجاوز مرحلة المينورسو، ولا في استبدال آلية تدبير بأخرى، وإنما في إعادة تأسيس الغاية من التعامل الدولي مع القضية: من إدارة خلاف طال أمده إلى بناء تسوية واقعية ومستدامة، ومن استنزاف إمكانات المنطقة إلى تحرير طاقاتها، ومن منطق الصراع إلى منطق المصالح المشتركة، دون التفريط في السيادة المغربية أو جعلها موضوعًا للمساومة.
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يؤطر تحليل هذا المستوى: إذا كانت نهاية البعثة تفتح نافذة لإعادة التفكير في مستقبل القضية، فما التحول المطلوب في منطق التعامل معها؟ وكيف يمكن تحويل هذه اللحظة من مجرد نهاية لآلية مؤسساتية إلى بداية لمسار استراتيجي يؤسس للاستقرار والتكامل الإقليمي في إطار السيادة المغربية؟
أولًا: من انتهاء البعثة إلى سؤال التحول الاستراتيجي
ثمة فرق جوهري بين أن تنتهي آلية دولية أُنشئت لتدبير نزاع، وأن تنتهي الأسباب السياسية والتاريخية التي أبقت ذلك النزاع قائمًا. فمجلس الأمن لم يتمكن، في 30 أكتوبر 2026، من اعتماد أي من مشروعي القرار اللذين عُرضا عليه لتمديد ولاية المينورسو؛ وبذلك انتهت الولاية في 31 أكتوبر، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة بدء مرحلة تصفية البعثة ابتداءً من فاتح نوفمبر.
إن التحول الذي عرفه مسار القضية يتمثل في أن مجلس الأمن لم يعد يتعامل مع مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره مجرد مبادرة مطروحة ضمن مبادرات متعددة، بل جعله، بموجب قراره رقم 2797 لسنة 2025، أساسًا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي، مع إقراره بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق. وبذلك يكون المجلس قد أرسى إطارًا تفاوضيًا وسياسيًا جديدًا للحل، يتجه نحو بحث الحكم الذاتي في سياق السيادة المغربية، ويفتح مرحلة مختلفة في مقاربة النزاع ومستقبله.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه ينقل مركز الثقل من مجرد تدبير الخلاف وإدارة امتداداته إلى البحث في الشروط السياسية والمؤسساتية والقانونية الكفيلة بإنهائه، والانتقال إلى بناء أفق للحل والاستقرار. غير أن هذا التحول، على أهميته، ينبغي أن يُقرأ بدقة؛ فهو لا يعني أن التسوية النهائية قد اكتملت، أو أن جميع تفاصيلها القانونية والسياسية والتفاوضية قد حُسمت بالفعل، بل يعني أن مسار الحل بات يستند إلى مرجعية تفاوضية أكثر تحديدًا، وأن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال المفاوضات وترجمة هذا الإطار إلى ترتيبات متوافق عليها.
ومن هنا، فإن التفكير الاستراتيجي الرشيد مطالب بتجاوز وهمين متقابلين: أولهما التقليل من قيمة التحول الذي كرّسه قرار مجلس الأمن، واختزاله في مجرد إجراء تقني مرتبط بولاية بعثة المينورسو؛ وثانيهما المبالغة في دلالته، وتصويره كما لو أنه أنهى، بمجرد صدوره، جميع أبعاد النزاع وحسم كل تفاصيل التسوية. فالمقاربة المتوازنة تقتضي الاعتراف بما أحدثه القرار من تحول في مرجعية المسار السياسي، مع التمييز بين إرساء إطار للحل واستكمال التسوية النهائية. وهذا التمييز هو ما يسمح بالانتقال من منطق إدارة النزاع إلى التفكير في متطلبات إنهائه، ومن تدبير الخلاف إلى تأسيس شروط الاستقرار والتكامل الإقليمي.
إن السؤال الأعمق لم يعد: هل انتهت المينورسو؟ بل: ما الذي ينبغي أن ينتهي معها من منطق سياسي، وما الذي ينبغي أن يبدأ بعدها من تصور استراتيجي؟
ذلك أن المينورسو، التي أُنشئت سنة 1991 في سياق ترتيبات وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يتحقق بسبب الخلافات المرتبطة به، ظلت على امتداد عقود عنوانًا لاستمرار إطار أممي لإدارة النزاع. ومع تعذر إنجاز المهمة الاستفتائية التي ارتبط بها اسمها، استمر وجودها في سياق سياسي لم ينتج التسوية النهائية.
ومن منظور المعنى المؤسس، لا ينبغي أن نقرأ هذه اللحظة فقط باعتبارها نهاية زمنية لمؤسسة، بل باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس المعنى السياسي للقضية: من ملف يُعاد تدويره داخل آليات دولية متكررة، إلى مشروع تسوية يعالج جذور الخلاف، ويعيد توجيه طاقات المنطقة نحو الاستقرار والتنمية والتعاون.
ثانيًا: المعنى الاستراتيجي: تغيير طبيعة القضية لا مجرد تغيير أدواتها
حين نتحدث عن المعنى الاستراتيجي، فإننا لا نقصد مجرد قراءة النتائج السياسية المباشرة لحدث معين، وإنما نقصد تحديد التحول الذي ينبغي أن يحدث في طبيعة القضية ذاتها، وفي الطريقة التي يفكر بها الفاعلون في مآلاتها.
فالمعنى المؤسس هو الذي يحدد الإطار الذي نفهم من خلاله الوقائع، ونرتب على أساسه الأولويات، ونختار بواسطته الأفعال الممكنة. وإذا ظل المعنى الحاكم للقضية هو أنها نزاع ينبغي تدبيره، فإن كل تحول مؤسساتي سيظل قابلًا لأن يتحول إلى مجرد محطة في دورة جديدة من إدارة الخلاف. أما إذا أصبح المعنى الحاكم هو ضرورة بناء تسوية سياسية مستدامة، فإن أدوات العمل الدولي والجهد الدبلوماسي والخيارات الإقليمية ستُقاس بمدى إسهامها في بلوغ هذا الهدف.
وهنا يكمن الفرق بين تغيير أدوات إدارة النزاع وتغيير منطق التعامل معه.
فالأول قد يفضي إلى إنهاء بعثة، أو تعديل اختصاصاتها، أو تغيير طبيعة حضورها، لكنه لا يضمن بالضرورة إنهاء أسباب الخلاف. أما الثاني فيقتضي إعادة تعريف المصلحة المشتركة، والانتقال من منطق تثبيت المواقف المتقابلة إلى منطق بناء مستقبل يستطيع الجميع أن يجدوا فيه مصلحة ملموسة.
وبهذا المعنى، فإن الفرصة الاستراتيجية التي تتيحها نهاية ولاية المينورسو لا تخص المغرب وحده، وإن كان المغرب معنيًا بها في المقام الأول؛ إنها فرصة للمنتظم الدولي أيضًا، لكي يعيد النظر في جدوى استمرار مقاربة استنفدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على إنتاج التسوية، ولكي ينتقل من تكرار إدارة الأزمة إلى المساهمة في بناء شروط الحل.
فليس من المعقول استراتيجيًا أن تظل منطقة المغرب العربي رهينة خلاف طويل، بينما تتزايد حولها تحديات الأمن والتنمية والهجرة والتغير المناخي والتنافس الاقتصادي، وتتعاظم الحاجة إلى فضاء إقليمي قادر على التنسيق والتكامل. إن استمرار النزاع لا يستهلك الموارد الدبلوماسية والسياسية فحسب، بل يستهلك كذلك فرصًا تاريخية للتعاون، ويؤجل مشاريع اقتصادية وإنسانية كان يمكن أن تعود بالنفع على شعوب المنطقة.
ثالثًا: لماذا أصبح استمرار النزاع كلفة استراتيجية على الجميع؟
إن أحد أوجه القصور في المقاربة التقليدية أنها ظلت تنظر إلى النزاع باعتباره خلافًا حول الوضع النهائي للإقليم، دون أن تمنح ما يكفي من الاهتمام للكلفة الإقليمية المتراكمة لاستمراره.
والحقيقة أن هذه الكلفة متعددة الأبعاد:
1. الكلفة السياسية والدبلوماسية: استمرار التوتر بين دول المنطقة يضعف الثقة، ويجعل العلاقات الثنائية رهينة ملف واحد، ويحد من قدرة المؤسسات الإقليمية على الاضطلاع بوظائفها.
2. الكلفة الاقتصادية: تعطيل التكامل المغاربي يحرم المنطقة من فرص توسيع المبادلات التجارية، وربط البنيات التحتية، وتطوير سلاسل الإنتاج والاستثمار المشترك، وتنسيق السياسات الطاقية واللوجستية.
3. الكلفة الأمنية: إن غياب التعاون الإقليمي الفعال يضعف القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بما فيها الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع والهشاشة الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.
4. الكلفة الإنسانية : استمرار وضعية الانتظار واللجوء والانقسام الأسري والاجتماعي يحول قضية الإنسان إلى رهينة للتجاذب السياسي، ويؤخر البحث عن حلول تحفظ الكرامة والحرية والحقوق والمستقبل.
ومن ثم، فإن إنهاء النزاع ليس مجرد مطلب سياسي مغربي، بل هو مصلحة إقليمية ودولية؛ لأن الاستقرار في هذه المنطقة لا يمكن أن يُبنى بصورة مكتملة في ظل استمرار أحد أبرز مصادر التوتر فيها.
والذكاء الاستراتيجي يقتضي هنا أن ننتقل من سؤال: من يربح من استمرار الخلاف؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي تخسره المنطقة كلها بسبب عدم الوصول إلى تسوية؟
إن تحويل هذا السؤال إلى مدخل للتفكير الدولي يمكن أن يغير طبيعة النقاش، لأنه ينقل القضية من دائرة التنافس على المواقف إلى دائرة البحث عن المصالح المشتركة، ومن استدعاء الماضي بوصفه مصدرًا دائمًا للاختلاف إلى استثمار المستقبل بوصفه مجالًا ممكنًا للتوافق.
رابعًا: السيادة المغربية والحكم الذاتي: من مبدأ التسوية إلى هندسة المستقبل
لا يمكن بناء أفق حل واقعي ومستدام دون تحديد المرجعية السياسية التي يمكن أن تنتظم حولها التسوية. ومن المنظور المغربي، فإن هذه المرجعية واضحة: السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة، في إطار حكم ذاتي حقيقي يتيح تدبير الشؤون المحلية من طرف سكان المنطقة، ويضمن مشاركتهم الفعلية في تدبير مستقبلهم.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين السيادة باعتبارها الإطار الوطني الجامع الذي يصون وحدة الدولة ومؤسساتها ومكانتها الدولية، والحكم الذاتي باعتباره آلية مؤسساتية لتدبير الاختصاصات المحلية وتوسيع مجال المشاركة في الشأن العام. فالمفهومان لا يتعارضان، بل يمكن أن يتكاملا ضمن هندسة سياسية ومؤسساتية متوازنة، تقوم على سيادة وطنية راسخة، وحكم ذاتي يتيح للسكان الإسهام المباشر في تدبير شؤونهم وصياغة السياسات المرتبطة بحياتهم اليومية.
ويكتسب هذا التصور وجاهته في ضوء الاختيار الذي تبناه المغرب، من خلال اعتماد ورش الجهوية المتقدمة والشروع في تنزيله، بما يعكس توجهاً نحو توسيع اللامركزية وتعزيز التدبير الترابي القائم على المشاركة والمسؤولية. ومن ثم، يمكن النظر إلى الحكم الذاتي باعتباره امتداداً لهذا التوجه في صيغة مؤسساتية ملائمة لخصوصية الأقاليم المعنية، وفي إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
وقد اكتسب هذا التصور أهمية إضافية في ضوء القرار 2797 الصادر سنة 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق، مع التأكيد على ضرورة الوصول إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، في إطار ميثاق الأمم المتحدة.
لكن القيمة الاستراتيجية لهذا المقترح لا ينبغي أن تُختزل في كونه صيغة تفاوضية أو مكسبًا دبلوماسيًا؛ بل تكمن في قدرته على التحول إلى مشروع مؤسساتي قابل للتطبيق، يترجم السيادة إلى مسؤولية، والانتماء الوطني إلى مشاركة، والوحدة الترابية إلى تنمية عادلة ومتوازنة.
ومن هنا أؤكد أن الحق الحقيقي لا يكتمل بمجرد إثباته في الخطاب أو تسجيله في المواقف، بل يتحقق حين يجد الإنسان نفسه داخل إطار سياسي يضمن له الكرامة والحرية والمشاركة والإنصاف والأمن وفرص التنمية. ومن منظورنا الوطني، فإن هذه الحقوق لا ينبغي أن تُطرح في مواجهة السيادة المغربية، بل ينبغي أن تتحقق في ظلها، ومن خلالها، وبما يعززها ويجعلها إطارًا جامعًا للمواطنة وتدبير الاختلاف.
فالحكم الذاتي، في هذا التصور، ليس تنازلًا عن السيادة، ولا مجرد ترتيب إداري، بل هو آلية لتجسيد السيادة في صورة مؤسسات قريبة من المواطن، وقادرة على الاستجابة لحاجاته، وتوسيع مشاركته في تدبير شؤونه، وصون خصوصياته الثقافية والاجتماعية في إطار الوحدة الوطنية.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن ينتقل به النقاش من مجرد الدفاع عن الموقف إلى تقديم نموذج سياسي ومؤسساتي قادر على إقناع المترددين، وطمأنة المعنيين، وفتح أفق المستقبل.
خامسًا: من إدارة النزاع إلى هندسة الحل: خمسة مداخل استراتيجية مبتكرة
إذا كان التحول المطلوب هو تغيير طبيعة القضية، فإن ذلك لا يتحقق بالشعارات أو بإعلان نهاية مرحلة، وإنما يحتاج إلى هندسة استراتيجية متكاملة، تنتقل من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، ومن الاكتفاء بتثبيت المكتسبات إلى إنتاج شروط التسوية. ويمكن اقتراح خمسة مداخل مترابطة:
- إطلاق مبادرة مغربية لبناء أفق ما بعد النزاع
يقتضي الذكاء الاستراتيجي ألا يظل المغرب في موقع الدفاع عن مشروعية موقفه فحسب، بل أن ينتقل إلى موقع تقديم تصور متكامل لمستقبل المنطقة. ويمكن أن يتجسد ذلك في بلورة مبادرة مغربية لأفق الاستقرار والتكامل في الصحراء والمغرب العربي، تكون امتدادًا سياسيًا وتنمويًا لمقترح الحكم الذاتي، وتقدم رؤية لما يمكن أن تصبح عليه المنطقة بعد التسوية.
وتقوم هذه المبادرة على ثلاثة أبعاد:
- البعد المؤسساتي: بناء مؤسسات جهوية منتخبة وذات اختصاصات واضحة، تتيح تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية، مع ضمان آليات الرقابة والمساءلة والشفافية.
- البعد التنموي: جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للاستثمار المنتج، والاقتصاد البحري، والطاقات المتجددة، والربط اللوجستيكي، والخدمات، والابتكار.
- البعد الإقليمي: تحويل الموقع الجغرافي للمنطقة إلى جسر للتعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي، وبين الساحل والمحيط الأطلسي، بما يجعل الاستقرار فيها مصلحة مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.
إن تقديم تصور واضح لما بعد التسوية من شأنه أن ينقل النقاش من سؤال الوضع السياسي وحده إلى سؤال المستقبل الممكن، ويجعل المبادرة المغربية أكثر من صيغة تفاوضية؛ يجعلها مشروعًا قابلًا للتصور والقياس والتنفيذ.
- الانتقال من الدبلوماسية القائمة على المواقف إلى الدبلوماسية القائمة على المصالح
لقد حققت الدبلوماسية المغربية مكاسب مهمة في توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، لكن المرحلة الجديدة تستدعي تطوير طبيعة هذا العمل. فليس كافيًا أن تتبنى الدول موقفًا سياسيًا مؤيدًا؛ الأهم أن يتحول هذا التأييد إلى انخراط عملي في بناء التسوية.
وهذا يقتضي العمل على تشكيل ائتلاف دولي من أجل الحل والاستقرار الإقليمي، لا يكون مجرد تجمع للدول المؤيدة للموقف المغربي، بل إطارًا لتنسيق الجهود السياسية والاقتصادية والتنموية حول أفق التسوية.
ويمكن أن يتضمن هذا المسار:
- عقد لقاءات دولية متخصصة حول الحكم الذاتي وتجارب التدبير الترابي واللامركزية.
- تشجيع الشراكات الاستثمارية في الأقاليم الجنوبية، بما يجعل التنمية عاملًا ملموسًا في تثبيت الاستقرار.
- إطلاق حوار مع الدول المترددة، يقوم على تفكيك مخاوفها القانونية والسياسية، وتقديم ضمانات مؤسساتية واضحة.
- توسيع الدبلوماسية البرلمانية والجامعية ومراكز التفكير، حتى لا يظل النقاش محصورًا في القنوات الحكومية والرسمية.
والفكرة المركزية هنا هي أن الدعم السياسي يصبح أكثر رسوخًا حين يجد ما يسنده من مصالح عملية، وشراكات مستدامة، ومؤسسات قادرة على تحويل المواقف إلى نتائج.
- جعل الإنسان محور التسوية : من منطق الأطراف إلى منطق الحقوق والمصير المشترك
لا يمكن لأي تسوية أن تكون نهائية إذا بقي الإنسان في مرتبة ثانوية، أو ظل مجرد موضوع للتفاوض بين الفاعلين السياسيين. ولذلك ينبغي أن يتقدم البعد الإنساني إلى قلب المعادلة الاستراتيجية.
ويقتضي ذلك العمل على فتح مسارات عملية لمعالجة الآثار الإنسانية للنزاع، وفي مقدمتها وضعية المحتجزين في مخيمات تندوف، وضمان حرية التنقل، وتحسين شروط الحياة، وتيسير الروابط الأسرية، وتوسيع فرص العودة الطوعية والاندماج، وفق ضمانات تحفظ الكرامة والحقوق والاختيار الحر.
كما ينبغي تطوير خطاب وطني يتجاوز ثنائية الولاء والخصومة، ويجعل المصالحة وإعادة بناء الثقة جزءًا من مشروع التسوية. فالمطلوب ليس فقط استعادة المجال في معناه الترابي، بل توسيع الانتماء في معناه الإنساني والسياسي، وإتاحة المجال لكل من يرغب في الإسهام في بناء المستقبل المشترك.
ومن هنا، فإن نجاح المشروع المغربي لا يقاس فقط بمدى قدرته على تثبيت الموقف السياسي، بل كذلك بقدرته على أن يقدم أفقًا إنسانيًا يطمئن السكان، ويضمن الحقوق، ويجعل المشاركة في تدبير الشأن المحلي تجربة ملموسة.
- تحويل الحكم الذاتي إلى نموذج مؤسساتي قابل للفحص والتقييم
من أهم ما يمكن أن يعزز قوة المقترح المغربي الانتقال من شرحه السياسي إلى تفصيله المؤسساتي. فالمقترحات السياسية تكتسب المصداقية حين تتحول إلى هندسة واضحة للاختصاصات والمسؤوليات والضمانات.
ولذلك يمكن التفكير في إعداد تصور مؤسساتي تفصيلي للحكم الذاتي، يوضح:
- اختصاصات المؤسسات الجهوية المنتخبة وعلاقتها بالمؤسسات الوطنية.
- آليات انتخاب الهيئات التمثيلية وضمان التعددية السياسية.
- طرق تدبير الموارد المحلية وتوزيع عائدات التنمية وفق قواعد الإنصاف والشفافية.
- ضمانات المشاركة في إعداد السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها.
- آليات مستقلة للتقييم والمساءلة وتسوية الخلافات المؤسساتية.
- سبل حماية الحقوق الثقافية والاجتماعية واللغوية، وصون الخصوصيات المحلية في إطار الهوية الوطنية الجامعة.
ويمكن أن يواكب ذلك إنشاء مرصد مؤسساتي وتنموي مستقل، يتولى قياس مؤشرات المشاركة والعدالة المجالية وجودة الخدمات وفرص الشغل والاستثمار، ونشر تقارير دورية تسمح بتقييم الأثر الفعلي للسياسات العمومية.
إن القيمة الاستراتيجية لهذه الخطوة تكمن في أنها تحول الحكم الذاتي من فكرة سياسية قابلة للتأويل إلى مشروع مؤسساتي قابل للفهم والتقييم والمقارنة. وبذلك يصبح النقاش حوله نقاشًا حول ضمانات التطبيق وجودة المؤسسات، لا مجرد تبادل للمواقف المجردة.
- بناء مسار إقليمي تدريجي يجعل التكامل نتيجة عملية للتسوية
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي مرحلة من إدارة النزاع، دون أن يبدأ مسار جدي لإصلاح العلاقات الإقليمية التي أضعفها هذا النزاع. فالتسوية الحقيقية لا ينبغي أن تكون نهاية خلاف فحسب، بل بداية لإعادة بناء الثقة بين دول المنطقة.
ومن هنا يمكن اقتراح مسار تدريجي للتكامل المغاربي، يبدأ بالمجالات التي تفرضها المصالح المشتركة، ولا يشترط انتظار التسوية النهائية لكل الملفات من أجل إطلاق التعاون.
ومن بين المبادرات الممكنة:
- إنشاء آليات للتنسيق الاقتصادي واللوجستيكي بين دول المنطقة.
- تطوير مشاريع مشتركة في الأمن الغذائي والمائي والطاقي.
- إحياء الربط التجاري والبري والبحري، وتيسير حركة السلع والاستثمارات.
- تعزيز التعاون في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود.
- إطلاق برامج للتبادل الجامعي والبحث العلمي والتعاون الثقافي.
- وضع تصور مرحلي لإعادة تنشيط مؤسسات العمل المغاربي المشترك.
ويمكن أن يكون للأقاليم الجنوبية دور محوري في هذا التصور، باعتبارها فضاءً استراتيجيًا يربط المغرب بعمقه الإفريقي، ويفتح إمكانات واسعة للتعاون الأطلسي والساحلي.
والرسالة التي ينبغي أن يحملها هذا المسار هي أن التسوية ليست مكسبًا لطرف على حساب مستقبل المنطقة، بل فرصة للجميع للخروج من معادلة الاستنزاف إلى معادلة البناء المشترك.
سادسًا: مسؤولية المنتظم الدولي: من إدارة الأزمة إلى صناعة التسوية
إن انتهاء ولاية المينورسو يضع المنتظم الدولي أمام مسؤولية تتجاوز تدبير الآثار المباشرة لانتهاء البعثة. فالأمم المتحدة ليست مطالبة فقط بتدبير مرحلة تصفية مؤسسة أممية، وإنما مطالبة كذلك بالتفكير في كيفية منع عودة المنطقة إلى فراغ سياسي وأمني، وفي كيفية تحويل هذا المنعطف إلى فرصة لإطلاق مسار جاد نحو التسوية.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة المقاربة الدولية من ثلاثة وجوه:
أولًا: مراجعة فلسفة الوساطة. ينبغي ألا تتحول الوساطة إلى غاية مستقلة عن التسوية، ولا أن يصبح استمرار العملية السياسية دليلًا على نجاحها في حد ذاته. فنجاح الوساطة يقاس بقدرتها على تقريب المواقف وإنتاج اتفاق قابل للتنفيذ، لا بعدد الاجتماعات والتقارير والقرارات المتعاقبة.
ثانيًا: مراجعة مفهوم الحياد الإيجابي. فالحياد لا ينبغي أن يعني الوقوف على المسافة نفسها من كل المبادرات، بصرف النظر عن واقعيتها وقابليتها للتطبيق. بل يقتضي تقييم المقترحات وفق قدرتها على إنتاج حل سياسي مستدام، وضمان الحقوق، وتوفير شروط الاستقرار، واحترام المرجعيات الأممية ذات الصلة.
ثالثًا: الانتقال إلى دبلوماسية النتائج. أي ربط الجهد الأممي بمؤشرات واضحة للتقدم، وجدول زمني واقعي، والتزامات محددة، وآليات متابعة وتقييم، حتى لا يعود الزمن عنصرًا في تكريس الوضع القائم بدل أن يكون عاملًا مساعدًا على تجاوزه.
ومع ذلك، ينبغي إدراك أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني تلقائيًا انتهاء جميع المسارات الأممية المرتبطة بالقضية؛ فالأمم المتحدة ما تزال، وفق المعطيات المنشورة على موقعها، تدرج الصحراء الغربية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، كما أن الجمعية العامة تتناول المسألة سنويًا. وهذا يبين أن الانتقال الاستراتيجي يحتاج إلى عمل قانوني ودبلوماسي متواصل، ولا يتحقق بمجرد انتهاء تفويض بعثة ميدانية.
ومن ثم، فإن المطلوب من المنتظم الدولي هو أن يجعل من هذه اللحظة مدخلًا لتجديد مقاربته، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسام داخل مؤسساته، وأن يضع ثقله السياسي والدبلوماسي في اتجاه تسوية واقعية، تحفظ الاستقرار، وتفتح أفق التعاون، وتستجيب لمقتضيات الحل السياسي المستدام.
سابعًا: التحدي المغربي: كيف نحول اللحظة إلى مكسب استراتيجي مستدام؟
إن الفرص التاريخية لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب دائمة؛ فهي تحتاج إلى رؤية تحسن قراءة اللحظة، وقدرة على استثمارها، ومؤسسات قادرة على تحويلها إلى واقع. ولذلك فإن الرهان المغربي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بانتهاء ولاية المينورسو، أو تقديم ذلك باعتباره انتصارًا سياسيًا نهائيًا، بل يتعين أن ينصرف إلى بناء شروط الحسم السياسي المستدام.
ويمكن تلخيص هذا الرهان في أربع تحولات مترابطة:
1. من شرعية الموقف إلى قوة النموذج: أي الانتقال من الدفاع عن السيادة المغربية إلى تقديم نموذج متكامل للحكم الذاتي والتنمية والمشاركة والعدالة المجالية، يبرهن على قدرة الدولة على تحويل الوحدة الترابية إلى مشروع مواطنة وتنمية.
2. من المكسب الدبلوماسي إلى التراكم الاستراتيجي: أي تثبيت الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتوسيعه، وربطه بشراكات سياسية واقتصادية وتنموية، بما يجعل التسوية مصلحة عملية للدول المعنية.
3. من تدبير المجال إلى إشراك الإنسان: أي جعل السكان في صلب المشروع، عبر تمثيلية ديمقراطية فعلية، ومشاركة في اتخاذ القرار، وضمان الحقوق، وتكافؤ الفرص، وتوزيع منصف لثمار التنمية.
4. من الوحدة الوطنية إلى أفق التكامل الإقليمي: أي تقديم التسوية باعتبارها مدخلًا لإنهاء التوتر وفتح إمكانات التعاون المغاربي والإفريقي والأطلسي، بدل أن تظل المنطقة رهينة حسابات الصراع.
وهذه التحولات لا تعني التخلي عن ثوابت الموقف الوطني، بل تعني الارتقاء بها من مستوى الدفاع السياسي إلى مستوى البناء الاستراتيجي. فالسيادة المغربية ليست مجرد عنوان للموقف، وإنما ينبغي أن تتجسد في مؤسسات فعالة، ومواطنة كاملة، وتنمية منصفة، ومشاركة مسؤولة، وأمن واستقرار.
إن قوة المشروع الوطني لا تقاس فقط بقدرته على مواجهة الأطروحات المناوئة، بل بقدرته على إنتاج واقع يجعل الوحدة خيارًا ذا مضمون إنساني ومؤسساتي وتنموي، ويجعل الحكم الذاتي إطارًا عمليًا لتدبير الاختلاف وتوسيع المشاركة في ظل السيادة المغربية.
خاتمة: من نهاية آلية إلى بداية معنى جديد
إن المستوى الاستراتيجي هو، في نهاية المطاف، مستوى التحول في المعنى. فالقضية لا تبلغ أفق الحل حين تتغير المؤسسات التي تدبرها فحسب، ولا حين تتبدل مواقف بعض الفاعلين تجاهها فقط، وإنما حين تتغير النظرة إلى طبيعتها ومآلاتها: من نزاع يُدار، إلى تسوية تُبنى؛ ومن خلاف يستنزف طاقات المنطقة، إلى مشروع يحرر إمكاناتها؛ ومن ذاكرة تُستحضر لتجديد الانقسام، إلى ذاكرة تُستثمر لبناء مستقبل مشترك.
ومن هذا المنظور، فإن انتهاء ولاية المينورسو يمثل منعطفًا يستحق القراءة الاستراتيجية، لكنه لا يغني عن العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي والمؤسساتي اللازم لإنجاز التسوية. فالمؤسسة انتهى تفويضها، لكن آثار النزاع وتداعياته وأسئلته لم تنته بمجرد ذلك. وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية المغرب، ومسؤولية الأطراف المعنية، ومسؤولية المنتظم الدولي في تحويل هذا المنعطف إلى بداية لمسار مختلف.
إن الحل الذي ننشده لا ينبغي أن يكون مجرد إغلاق لملف أممي، بل تأسيسًا لواقع جديد، تُصان فيه السيادة المغربية، وتُضمن فيه الحقوق والمشاركة والكرامة، وتُفتح فيه أمام سكان المنطقة آفاق التنمية والاندماج، وتستعيد فيه شعوب المغرب العربي فرصة بناء فضاء إقليمي يجمعها بدل أن يفرقها.
فالحق لا تكتمل قيمته بمجرد الاعتراف به، وإنما بقدرته على أن يتحول إلى واقع يحفظ الكرامة ويضمن الحقوق ويؤسس للاستقرار. ومن منظورنا الوطني، فإن هذا الأفق لا يتحقق إلا في إطار السيادة المغربية، من خلال حكم ذاتي حقيقي يجعل الوحدة الوطنية مجالًا للمشاركة والإنصاف والتنمية، لا مجرد عنوان سياسي.
وهنا تتجلى دلالة المعنى المؤسس: أن ننتقل من الدفاع عن معنى الوحدة إلى بناء شروط تجسيدها، ومن إدارة الخلاف إلى إنتاج أفق الحل، ومن استنزاف الزمن في تكرار الأزمة إلى استثمار الزمن في صناعة المستقبل.
إن التحدي الحقيقي لما بعد المينورسو ليس أن نملأ الفراغ الذي خلفته البعثة، بل أن نتجاوز المنطق الذي جعل هذا الفراغ ممكنًا؛ وليس أن نبحث عن آلية جديدة لإدارة النزاع، بل أن نؤسس لمعنى سياسي جديد يجعل التسوية ضرورة مشتركة، والاستقرار مصلحة متبادلة، والتكامل الإقليمي أفقًا ممكنًا.
ذلك هو الانتقال من تدبير النزاع إلى تأسيس أفق الحل؛ وهو، في تقديري، جوهر المعنى والذكاء الاستراتيجي في هذه اللحظة من تاريخ القضية الوطنية.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.




