ما بعد المينورسو: من تدبير النزاع إلى تأسيس أفق الحل

المعنى المؤسس والذكاء الاستراتيجي في الانتقال من إدارة القضية إلى حسمها لصالح المغرب

.. بقلم: د. محمد السنوسي (*)

مدخل: هل انتهت المينورسو أم بدأ اختبار جديد للسيادة؟

ليست أهمية ما جرى في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 في أن مشروع القرار الأمريكي لم يمر، أو أن المشروع الروسي لم يحصل بدوره على الأصوات الكافية، أو أن ولاية بعثة المينورسو انتهت دون تجديد؛ فهذه وقائع إجرائية، على أهميتها، لا تستنفد المعنى الاستراتيجي للحدث. إن الأهمية الحقيقية تكمن في السؤال الذي فتحه هذا التعثر: هل وصلت الصيغة التي أدارت بها الأمم المتحدة قضية الصحراء المغربية منذ سنة 1991 إلى حدودها التاريخية، وهل أصبح بالإمكان الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق تأسيس الحل؟

إننا أمام لحظة تتطلب أكثر من قراءة دبلوماسية لنتائج التصويت؛ تتطلب إعادة بناء المعنى الذي تنتظم داخله القضية، وفهم العلاقة بين المؤسسات والوقائع، وبين الشرعية السياسية والفعالية الميدانية، وبين ما تحقق في ميزان العلاقات الدولية وما ينبغي إنجازه حتى يتحول ذلك إلى تسوية مستقرة.

ومن هنا، أقترح مقاربة تنطلق من مبدأ منهجي أساسي: المعنى ليس وصفًا نضيفه إلى الوقائع بعد حدوثها، وإنما هو الإطار المؤسس الذي يجعلنا نفهمها ونحدد قيمتها واتجاهها، ثم نختار على أساس ذلك كيفية التصرف إزاءها. فالحدث الواحد قد يكون انتكاسة في نظر من يقرأه باعتباره خسارة لآلية مؤسساتية، وقد يكون فرصة استراتيجية في نظر من يدرك أن الآلية لم تعد قادرة على إنتاج الحل. غير أن تحويل الفرصة إلى مكسب تاريخي لا يتحقق بالتأويل وحده، بل بامتلاك القدرة على إنتاج واقع سياسي وقانوني ومؤسساتي يترجم هذا التأويل.

وعليه، فإن السؤال المركزي ليس: هل سقطت المينورسو؟ بل: ما الذي ينبغي أن يسقط من منطق إدارة النزاع معها، وما الذي ينبغي أن يؤسس مكانه حتى يصبح إنهاء النزاع ممكنًا؟

أولًا: دلالة عدم تجديد المينورسو: نهاية ولاية أم نهاية نموذج؟

تأسست بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، بموجب القرار 690 لسنة 1991، في سياق تصور أممي كان يربط وقف إطلاق النار بإعداد استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم. لكن الاستفتاء لم يُنظم، بسبب الخلافات المعقدة حول تحديد الهيئة الناخبة وشروط العملية، بينما استمر وجود البعثة وتطورت وظيفتها العملية لتشمل مراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة الوضع الميداني.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: تحولت آلية أنشئت في الأصل لمواكبة مرحلة انتقالية محددة إلى مؤسسة دائمة تقريبًا، فيما ظل الهدف السياسي الذي برر إنشاءها معلقًا. وبمرور السنوات، لم يعد السؤال هو متى سينظم الاستفتاء، بل كيف يمكن الخروج من حالة الانتظار التي أنتجها تعذر تنظيمه.

لقد جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 ليعكس تحولًا مهمًا في المرجعية السياسية للمفاوضات، حين جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا للمسار التفاوضي، وطلب مراجعة استراتيجية لمستقبل المينورسو. وبذلك لم يعد النقاش محصورًا في تجديد البعثة كما هي، بل أصبح يتصل بمدى ملاءمة وظيفتها للمرحلة السياسية الجديدة.

ثم جاءت جلسة 30 أكتوبر 2026 لتكشف عن عجز المجلس عن الاتفاق على مستقبل البعثة: مشروع أمريكي حظي بأحد عشر صوتًا مؤيدًا، لكنه سقط بالفيتو الروسي، ومشروع روسي بديل لم يحصل على الأغلبية المطلوبة. والنتيجة أن ولاية البعثة انتهت في 31 أكتوبر دون تجديد في ذلك التصويت.

إن القراءة الاستراتيجية لهذا التطور لا ينبغي أن تتوقف عند القول إن روسيا عطلت المشروع الأمريكي، أو إن موسكو عجزت عن تمرير مشروعها. فهذه قراءة تصف التنافس بين القوتين، لكنها لا تفسر التحول الأعمق: لقد أصبح مستقبل المينورسو نفسه موضع خلاف دولي، بعدما كان تجديد ولايتها يتم بصورة دورية شبه منتظمة.

وهذا يكشف أن الصيغة التي حكمت تدبير القضية على امتداد عقود لم تعد تحظى بالتوافق الدولي الذي كان يضمن استمرارها دون مراجعة جوهرية. غير أن انتهاء ولاية بعثة أممية، مهما بلغت دلالته السياسية، لا يعني، من الناحية القانونية، أن النزاع الذي أُنشئت لمعالجته قد سُوِّي أو حُسم نهائيًا.

فما انتهى، في هذه المرحلة، هو الإطار الزمني لتفويض البعثة؛ أما التحول الاستراتيجي المنشود، فيكمن في إنهاء منطق إدارة النزاع باعتباره غاية في حد ذاته، والانتقال إلى بناء شروط تسويته بصورة نهائية ومستدامة.

ثانيًا: المعنى المؤسس: لماذا لا يكفي إنهاء البعثة لإنهاء النزاع؟

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه القراءة السياسية هو الخلط بين زوال الأداة وزوال المشكلة، وبين نهاية مؤسسة ونهاية السياق الذي أنتجها. فالمؤسسات لا تختفي بمجرد تعثر تجديد ولايتها، كما أن النزاعات لا تنتهي بمجرد توقف آلية من آليات إدارتها.

ومن منظور المعنى المؤسس، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: المعنى المؤسساتي. ويتمثل في انتهاء ولاية المينورسو، وما يترتب على ذلك من ضرورة تحديد وضعها الإداري والعملي، ومصير أفرادها ومعداتها ومقارها، وفق الإجراءات والترتيبات القانونية المعمول بها. وهذا مستوى يتعلق بمصير البعثة بوصفها مؤسسة أممية.

المستوى الثاني: المعنى السياسي. ويتمثل في السؤال عما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا للانتقال من صيغة ظلت مرتبطة بالاستفتاء المتعذر إلى صيغة سياسية واقعية يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا للتفاوض بشأنها.

المستوى الثالث: المعنى الاستراتيجي. وهو الأعمق؛ لأنه يتعلق بتغيير طبيعة القضية من ملف يستهلك الزمن في إدارة الخلاف إلى مشروع تسوية ينتج شروط الاستقرار والتعاون والتنمية والاندماج الإقليمي.

وهنا تظهر قيمة البلاغ الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026. فقد اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطورًا مهمًا وخطوة ذات دلالة نحو الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، ودعا إلى إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، وإلى وضع حد لإحالة القضية على مجلس الأمن وسحبها من جدول أعماله، مع تأكيد استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار ومواصلة الدينامية الدولية الداعمة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

إن قوة هذا البلاغ لا تكمن فقط في الموقف من البعثة، بل في محاولة نقل مركز الثقل من إدارة آلية أممية إلى إعادة تحديد الإطار السياسي الذي ينبغي أن ينتظم داخله الحل.

ومع ذلك، ينبغي فهم هذا التوجه باعتباره إعلانًا عن إرادة استراتيجية مغربية ومطلبًا سياسيًا يراد تثبيته، لا باعتباره قرارًا أمميًا نافذًا بسحب القضية من جميع أجهزة الأمم المتحدة. فالأمر يتطلب مسارًا دبلوماسيًا وقانونيًا متكاملًا، خصوصًا أن القضية ما زالت حاضرة في أطر أممية أخرى.

والتمييز هنا ليس تفصيلًا قانونيًا، بل هو شرط للذكاء الاستراتيجي: لا ينبغي أن نعلن تحقق النتيجة قبل استكمال شروطها، بل ينبغي أن نجعل من الإعلان عن الأفق السياسي قوة دافعة لبناء الوقائع والمؤسسات التي تجعله قابلًا للتحقق.

ثالثًا: الذكاء الاستراتيجي: كيف يتحول الفراغ المؤسساتي إلى فرصة سياسية؟

إن عدم تجديد المينورسو يفتح احتمالين متعارضين: إما أن يتحول إلى فراغ أمني وسياسي يضاعف المخاطر، وإما أن يصبح مدخلًا لإعادة بناء شروط التسوية. والفرق بين الاحتمالين لا تصنعه نتيجة التصويت وحدها، وإنما تصنعه القدرة على إدارة المرحلة التالية.

فالذكاء الاستراتيجي لا يعني استثمار لحظة ضعف الخصم فحسب، بل يعني القدرة على تحديد ما ينبغي فعله بعد اللحظة، وما ينبغي تجنبه، وكيفية تحويل المكسب الآني إلى وضع مستقر طويل الأمد.

ومن هذا المنطلق، يمكن تحديد أربع قواعد استراتيجية:

  1. تحويل المكسب الدبلوماسي إلى مرجعية سياسية متراكمة

لقد أظهرت التطورات السابقة أن الحكم الذاتي المغربي لم يعد مجرد مبادرة مطروحة من طرف واحد، بل أصبح أساسًا للمفاوضات بموجب القرار 2797 لسنة 2025، ثم عاد ليحتل موقعًا مركزيًا في مشروع القرار الأمريكي لسنة 2026.

وهذا تطور مهم، لكنه لا يعفي المغرب من مواصلة العمل على توسيع قاعدة الدعم الدولي، وتحويل المواقف المؤيدة إلى التزامات سياسية واضحة، وتطوير قنوات الحوار مع الدول التي لم تحسم موقفها أو التي تتحفظ على بعض جوانب المقاربة المغربية.

فالذكاء هنا ليس في عدّ الدول المؤيدة فقط، بل في فهم طبيعة تأييدها: هل هو تأييد سياسي عام؟ أم دعم صريح للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟ أم استعداد للمساهمة في تسوية تفاوضية؟ أم التزام عملي باستثمارات وشراكات ومواقف دبلوماسية؟

إن التمييز بين درجات الدعم يمنع المبالغة في تقدير المكاسب، ويساعد على توجيه الجهد الدبلوماسي نحو تحويل التأييد إلى قوة سياسية قابلة للاستمرار.

  • عدم السماح بتحول انتهاء البعثة إلى فراغ أمني

إن انتهاء ولاية المينورسو لا ينبغي أن يفسر باعتباره إذنًا تلقائيًا بإحداث تغييرات ميدانية أحادية دون مراعاة الالتزامات القانونية والأمنية القائمة. فالمغرب نفسه أكد في البلاغ الملكي التزامه بوقف إطلاق النار، وفي ذلك رسالة استراتيجية بالغة الأهمية.

إن المحافظة على الاستقرار ليست تنازلًا عن السيادة، بل هي جزء من ممارستها الرشيدة. فالدولة الواثقة من موقفها لا تحتاج إلى إنتاج التوتر كي تثبت حضورها، وإنما تجعل الأمن والاستقرار والتنمية عناصر متكاملة في تثبيت الواقع السياسي.

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تقتضي ترتيبات واضحة تحول دون سوء الفهم أو الاحتكاك أو التصعيد، وتضمن حماية المدنيين واستمرار قنوات الاتصال الضرورية، مع احترام الاختصاصات القانونية لكل طرف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول غياب المراقب الأممي إلى سبب في إنتاج وقائع أمنية جديدة تعيد تدوير النزاع في صورة أكثر تعقيدًا. ولذلك ينبغي أن يكون إنهاء البعثة، إذا تم وفق الترتيبات المقررة، جزءًا من انتقال منظم لا من فراغ مفتوح.

  • الانتقال من شرعية الموقف إلى قوة النموذج

لا يكفي أن يقول المغرب إن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي؛ بل ينبغي أن يجعل من هذا الحكم الذاتي نموذجًا مؤسساتيًا قابلًا للفهم والاقتناع والقياس.

وهنا ينبغي الانتقال من الدفاع عن المبادرة باعتبارها موقفًا دبلوماسيًا إلى تقديمها باعتبارها تصورًا متكاملًا للحكم والتمثيل والمشاركة والتدبير المحلي والتنمية والعدالة.

فكلما كان النموذج أكثر وضوحًا في تحديد صلاحيات المؤسسات الجهوية، وآليات انتخابها ومساءلتها، وضمانات المشاركة السياسية، وتوزيع الاختصاصات والموارد، وحماية الحقوق الثقافية والاجتماعية، ازدادت قدرته على إقناع المترددين، وعلى مخاطبة السكان المعنيين، وعلى تفكيك المخاوف التي قد تستثمرها الأطراف الرافضة.

إن الحكم الذاتي لا يكتسب قوته من اسمه، بل من مضمون مؤسساته، ومن قدرته على الجمع بين السيادة الوطنية والتدبير الديمقراطي المحلي.

  • تحويل التنمية إلى حجة سياسية وأخلاقية

إن التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست مجرد واجهة اقتصادية، ولا ينبغي أن تختزل في حجم الاستثمارات أو البنيات التحتية. إنها عنصر في بناء الثقة، وإثبات أن الوحدة الترابية ليست مجرد قضية حدود، بل مشروع مواطنة ومشاركة وعدالة ومساواة في الفرص.

فالسيادة التي تستند إلى المؤسسات والخدمات والعدالة والكرامة تصبح أكثر رسوخًا من السيادة التي تكتفي بالخطاب. والتنمية التي لا تنعكس على حياة المواطنين تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها السياسية.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل من جودة التعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية والمشاركة السياسية وتكافؤ الفرص مؤشرات أساسية لنجاح النموذج المغربي.

رابعًا: هل يحسم انتهاء المينورسو القضية لصالح المغرب؟

الجواب العلمي والسياسي الدقيق هو: لا، ليس بمفرده؛ لكنه قد يكون عنصرًا مهمًا في مسار الحسم إذا أُحسن توظيفه.

ولفهم ذلك، ينبغي التمييز بين أربعة أنواع من الحسم:

الحسم الميداني: يتعلق بمدى قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها وضمان الأمن والاستقرار وتدبير المجال. وهو واقع له أهميته، لكنه لا يحسم وحده كل أبعاد النزاع الدولي.

الحسم الدبلوماسي: يتعلق بتوسيع دائرة الدول التي تدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتحويل هذا الدعم إلى مواقف ثابتة ومؤثرة في المؤسسات الدولية.

الحسم القانوني والمؤسساتي: يتعلق بتطور المرجعيات والقرارات والمواقف الدولية، وبكيفية معالجة الوضع في مختلف أجهزة الأمم المتحدة، لا في مجلس الأمن وحده. فعدم تجديد ولاية المينورسو لا يؤدي تلقائيًا إلى حذف الصحراء الغربية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولا ينهي تلقائيًا اختصاص الجمعية العامة ولجنتها الرابعة.

الحسم السياسي والتوافقي: وهو المستوى الذي تتوقف عليه إمكانية الوصول إلى تسوية نهائية مستقرة، تتعامل مع الأطراف المعنية، وتوفر شروط القبول والتنفيذ، وتغلق الباب أمام إعادة إنتاج النزاع.

وهذا المستوى الأخير هو الذي ينبغي أن يكون هدف الاستراتيجية المغربية. فالحسم الحقيقي ليس مجرد أن يتراجع الطرف الآخر، بل أن تصبح العودة إلى النزاع أقل احتمالًا، وأن تتحول التسوية إلى إطار مستقر يحمي السيادة ويضمن الحقوق ويؤسس للتعاون الإقليمي.

ومن المهم هنا ألا يتحول التفاؤل السياسي إلى يقين قانوني غير مؤسس. فالمواقف الدولية المؤيدة للحكم الذاتي، مهما اتسعت، لا تعني أن جميع جوانب النزاع قد حسمت قانونيًا، كما أن انتهاء ولاية المينورسو لا يساوي صدور قرار من مجلس الأمن يعلن السيادة المغربية بصورة نهائية.

إن القوة الحقيقية للموقف المغربي تكمن في الجمع بين تطور الاعترافات والمواقف الدولية، وتماسك المرجعية الوطنية، وواقعية مبادرة الحكم الذاتي، والقدرة على بناء نموذج مؤسساتي وتنموي قابل للاستمرار.

خامسًا: ما الذي ينبغي أن يفعله المغرب؟ نحو هندسة استراتيجية لما بعد المينورسو

إن المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى ردود فعل متفرقة، بل إلى هندسة استراتيجية متكاملة يمكن تنظيمها في ستة مسارات مترابطة:

المسار الأول: هندسة قانونية دقيقة للانتقال.

ينبغي تحديد الوضع القانوني للبعثة بعد انتهاء ولايتها، وتنظيم مسألة إنهاء وجودها ومغادرة أفرادها ومعداتها وفق القواعد والإجراءات المعمول بها، مع تجنب أي فراغ قانوني أو أمني. كما ينبغي إعداد تصور قانوني واضح للتعامل مع استمرار تناول القضية في أجهزة الأمم المتحدة الأخرى.

المسار الثاني: هندسة دبلوماسية متعددة المستويات.

لا ينبغي حصر الجهد في مجلس الأمن. فالعمل يجب أن يمتد إلى الجمعية العامة، واللجنة الرابعة، والعلاقات الثنائية، والتكتلات الإقليمية، والشركاء الاقتصاديين والاستراتيجيين. والهدف هو أن يصبح دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية موقفًا متماسكًا لا مجرد تصويت ظرفي.

المسار الثالث: هندسة تفاوضية تستثمر المرجعية الجديدة.

ينبغي الانتقال من الدفاع عن الحكم الذاتي بوصفه مبادرة مغربية إلى تقديمه بوصفه إطارًا عمليًا لتسوية النزاع. وهذا يقتضي تطوير تفاصيله المؤسساتية، وتوضيح ضماناته، والاستعداد للتفاوض بشأن آليات تطبيقه، دون المساس بالثوابت السيادية للمملكة.

المسار الرابع: هندسة داخلية تعزز الثقة والمشاركة.

إن قوة الموقف الخارجي تتغذى من قوة البناء الداخلي. ولذلك ينبغي تعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسكان الأقاليم الجنوبية، وتطوير الحكامة الجهوية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان أن يشعر المواطن بأن الوحدة الترابية تعني أيضًا الإنصاف والفرص والكرامة.

المسار الخامس: هندسة إقليمية تتجاوز منطق الخصومة.

إن استمرار النزاع لا يضر المغرب وحده، بل يعطل إمكانات الاندماج المغاربي، ويضعف التعاون الأمني والاقتصادي في منطقة تحتاج إلى الاستقرار. ومن ثم، فإن نجاح المغرب لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على تثبيت موقفه، بل أيضًا بقدرته على فتح أفق إقليمي جديد يجعل التسوية مدخلًا للتعاون لا مناسبة لإدامة الخصومة.

المسار السادس: هندسة تواصلية تحرر الخطاب من المبالغة.

إن الخطاب الاستراتيجي القوي هو الذي يميز بين ما تحقق وما هو قيد الإنجاز، وبين الموقف السياسي والقرار القانوني، وبين الدعم الدولي والتسوية النهائية. فالمبالغة قد تمنح انتصارًا إعلاميًا سريعًا، لكنها تضعف المصداقية عندما تصطدم بتعقيدات الواقع.

لذلك ينبغي أن يكون الخطاب المغربي واثقًا، هادئًا، مؤسسًا على الوثائق، ومقنعًا للمجتمع الدولي وللرأي العام، وأن يقدم الحكم الذاتي باعتباره مشروعًا للحل والاستقرار والتنمية، لا مجرد أداة للرد على مواقف الخصوم.

سادسًا: البعد الإنساني والإقليمي: لا حسم مستدامًا دون معالجة جذور النزاع

إن أي تصور استراتيجي يتجاهل البعد الإنساني سيظل ناقصًا، مهما كان متماسكًا دبلوماسيًا. فهناك سكان يعيشون في الأقاليم الجنوبية، وهناك سكان في مخيمات تندوف، وهناك أجيال نشأت في ظل نزاع طويل، وحملت تصورات ومخاوف وانتظارات مختلفة.

ومن ثم، فإن التسوية المستدامة لا ينبغي أن تنظر إلى هؤلاء باعتبارهم مجرد عناصر في معادلة جيوسياسية، بل باعتبارهم بشرًا لهم حقوق وتطلعات ومصالح ينبغي أن تكون في صلب أي حل.

إن فتح أفق للحل يقتضي الاهتمام بالثقة، وضمان الكرامة، وتيسير الروابط الإنسانية والاجتماعية، والبحث عن آليات واقعية لمعالجة الملفات الإنسانية، بما في ذلك أوضاع المحتجزين واللاجئين ولمّ الشمل، في إطار القانون الدولي والضمانات الضرورية.

كما أن تجاوز النزاع لا ينبغي أن يتحول إلى تعميق للقطيعة مع الجزائر؛ فمهما كانت الخلافات السياسية، يظل الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة. ولا يمكن بناء مغرب عربي متكامل في ظل استمرار نزاع يستنزف الثقة والموارد ويعطل التعاون.

إن الرؤية الاستراتيجية الأبعد ليست أن ينتصر طرف في خصومة مفتوحة إلى الأبد، بل أن يصبح الحل ممكنًا، وأن تتحول المنطقة من مجال للتنافس والصراع إلى مجال للتكامل والتنمية.

خاتمة: من إنهاء آلية إدارة النزاع إلى تأسيس شروط إنهائه

إن ما وقع يوم 30 أكتوبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية القضية، ولا أن يُختزل في انتصار طرف على طرف داخل مجلس الأمن. إنه حدث يكشف عن وصول صيغة مؤسساتية إلى لحظة تعثر حاسمة، ويفتح المجال أمام إعادة التفكير في الإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة.

لقد أظهرت التجربة الممتدة منذ سنة 1991 أن إدارة النزاع لا تعني بالضرورة الاقتراب من حله، وأن استمرار الآليات والمؤسسات قد يتحول أحيانًا إلى شكل من أشكال استمرار الانتظار. لكن إنهاء الآلية لا يضمن وحده إنهاء الانتظار؛ فذلك يحتاج إلى مشروع سياسي واضح، ومرجعية قانونية متماسكة، ودبلوماسية نشطة، ونموذج مؤسساتي وتنموي قادر على إنتاج الثقة والاستقرار.

ومن هنا، فإن الرهان المغربي الحقيقي ليس فقط إنهاء وجود المينورسو، بل تحويل هذه اللحظة إلى مدخل لإنهاء منطق إدارة النزاع، وتأسيس منطق التسوية. وليس فقط المطالبة بسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن، بل بناء الشروط التي تجعل استمرار تدويله أقل ضرورة، وتجعل الحل السياسي أكثر قابلية للقبول والتنفيذ والاستمرار.

إن المعنى المؤسس لهذه المرحلة هو الانتقال من سؤال: كيف ندير النزاع؟ إلى سؤال: كيف نبني شروط الحل؟ ومن سؤال: كيف نثبت الموقف؟ إلى سؤال: كيف نجعل هذا الموقف إطارًا مؤسساتيًا عادلًا ومستقرًا؟ ومن منطق الانتصار في لحظة دبلوماسية إلى منطق صناعة وضع تاريخي لا يحتاج إلى إعادة إنتاج النزاع.

إن السيادة لا تكتمل بمجرد غياب بعثة دولية، كما أن الحسم لا يتحقق بمجرد تعثر خصم أو مؤسسة؛ السيادة تترسخ حين تصبح ممارسة مستقرة، والحسم يصبح نهائيًا حين يتحول الموقف إلى حل قابل للحياة، والواقع إلى شرعية سياسية ومؤسساتية، والوحدة إلى مشروع مشترك يضمن الكرامة والمشاركة والتنمية.

وهذه هي المسافة التي ينبغي أن يقطعها المغرب في مرحلة ما بعد المينورسو: من مكسب دبلوماسي مهم إلى تسوية سياسية مستدامة؛ ومن إدارة ملف الصحراء إلى تأسيس أفقها النهائي؛ ومن الدفاع عن الوحدة الترابية إلى جعلها واقعًا مؤسساتيًا وإنسانيًا وتنمويًا لا يترك للنزاع أسبابًا جديدة للاستمرار.

فالمعركة الاستراتيجية الأعمق لم تعد فقط معركة على من يملك القدرة على تعطيل قرار أو تمريره، بل معركة على من يستطيع أن يقدم المعنى الأكثر واقعية وعدلًا وقابلية للاستمرار لمستقبل المنطقة. وفي هذا المستوى تحديدًا، تتحدد قيمة الذكاء الاستراتيجي: ليس في استثمار لحظة عابرة، بل في تحويلها إلى بداية لمسار تاريخي جديد.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;