المغرب يتقدم… فهل تتقدم نُخَبه معه؟
من أزمة النخب إلى معركة استعادة القيادة: من يملك رؤية التغيير، ومن يكتفي باحتلال موقعه؟

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
ثمة سؤال ينبغي أن يزعج النخب المغربية قبل أن يطمئنها أي خطاب عن الإصلاح والتحديث: إذا كان المغرب يمتلك مشروعاً استراتيجياً للمستقبل، فمن هي النخب القادرة على تحويل هذا المشروع إلى وعي مجتمعي، وقوة اقتصادية، ومؤسسات فعالة، ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
ليس السؤال تفصيلاً في النقاش العمومي، ولا مجرد مدخل لنقد الأحزاب أو المقاولات أو جمعيات المجتمع المدني. إنه سؤال في صميم القدرة الاستراتيجية للدولة على تحويل طموحاتها إلى واقع، وإمكانات المجتمع إلى قوة إنتاج، والتغيير الذي تقوده المؤسسات إلى تحول تاريخي في علاقة المواطن بالسياسة والاقتصاد والمصلحة العامة.
فالمغرب لا يعيش نقصاً في الطموحات المعلنة، ولا يفتقر إلى الأوراش والمشاريع، ولا تنعدم فيه الكفاءات والطاقات. لكن التحدي الحقيقي يبدأ حين ننتقل من سؤال ما الذي نريد بناءه؟ إلى سؤال أكثر إحراجاً: من يمتلك القدرة على بنائه، ومن يتحمل مسؤولية قيادته، ومن يملك الشجاعة الفكرية والمؤسساتية لمراجعة المسارات حين لا تحقق النتائج المنتظرة؟
هنا تحديداً تبرز أزمة النخب.
إنها ليست بالضرورة أزمة غياب الكفاءات، بل قد تكون أزمة عدم تحويل الكفاءات إلى قوة تأثير. وليست مجرد أزمة ضعف في الأداء، بل أزمة في المعنى الذي يمنح للمسؤولية، وفي الوظيفة التي يفترض أن تؤديها المواقع السياسية والاقتصادية والمدنية. فقد يحتل الفاعل موقعاً متقدماً داخل مؤسسة، دون أن يكون له تأثير موازٍ في توجيه المستقبل. وقد يمتلك النفوذ والموارد، دون أن يتحول ذلك إلى قيمة مضافة للمجتمع. وقد يتحدث باسم المواطنين، دون أن ينجح في فهم ما يتغير داخلهم.
وهنا المفارقة التي تستحق المواجهة: قد تتوسع مواقع النخب، بينما تضيق قدرتها على القيادة؛ وقد يرتفع حضورها في المشهد، بينما يتراجع أثرها في الواقع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تختلف نُخَبه حول الطريق، بل أن تفقد بعض هذه النخب قدرتها على إنتاج الطريق أصلاً.
أولاً: حين يصبح الموقع بديلاً عن الوظيفة
النخبة ليست صفة يمنحها المنصب، ولا امتيازاً تنتجه الثروة، ولا مكانة يخلقها الظهور الإعلامي. إنها وظيفة تاريخية قوامها إنتاج الأفكار، وتوسيع أفق المجتمع، وتقديم البدائل، وتحمل مسؤولية المبادرة، والقدرة على رؤية ما لا يظهر في الحسابات اليومية.
النخبة، بهذا المعنى، لا تكتفي بالتكيف مع الواقع؛ إنها تسعى إلى فهمه وتغييره. ولا تنتظر أن تفرض التحولات أسئلتها عليها، بل تستبقها بالتفكير والاستعداد. ولا تختزل النجاح في حماية موقعها، بل تقاس قيمتها بما تتركه من أثر بعد مغادرة ذلك الموقع.
لكن ماذا يحدث حين تنفصل المكانة عن الوظيفة؟ وحين يصبح الوصول إلى المسؤولية نهاية المسار، بدلاً من أن يكون بدايته؟ وحين تتحول المواقع إلى غايات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالنتائج والأثر والمصلحة العامة؟
في هذه الحالة، لا تختفي النخب بالضرورة، بل يتغير معناها. تستمر في الحضور، وتحتفظ بأدوات التأثير، لكنها قد تفقد تدريجياً القدرة على تجديد مبرر وجودها. وتصبح إدارة المواقع أكثر أهمية من إنتاج الأفكار، والمحافظة على النفوذ أكثر إلحاحاً من اقتحام المشكلات، والتكيف مع موازين القوة أكثر حضوراً من محاولة تغييرها.
وهذا هو الفارق بين نخبة تستمد شرعيتها من الوظيفة التي تؤديها، وأخرى تستمدها أساساً من الموقع الذي تحتله.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح في المغرب ليس: هل لدينا نخب؟ بل: هل ما تزال النخب السياسية والاقتصادية والمدنية تؤدي الوظائف التي تجعل منها قوة قائدة، أم أن جزءاً منها أصبح أقرب إلى تدبير المواقع منه إلى صناعة المستقبل؟
ثانياً: السياسة المغربية… من تمثيل المجتمع إلى اختبار معنى التمثيل
السياسة هي المجال الذي يفترض أن تتحول فيه مطالب المجتمع إلى برامج، وتطلعات المواطنين إلى اختيارات، والتنافس على المسؤولية إلى تنافس على جودة الحلول.
لكن السياسة تفقد جزءاً من معناها حين تنفصل عن هذه الوظيفة.
في الحملات الانتخابية، لا يكفي أن تتعدد الشعارات أو تتكاثر الوعود. فالانتخابات ليست موسماً لتوزيع الأمل، ولا مناسبة لتسويق الكلام الذي يصعب تحويله إلى التزامات قابلة للتقييم. إنها لحظة يفترض أن يُعرض فيها على المواطنين تصور واضح للمستقبل، وأن تتم المقارنة بين البدائل، وأن يُشرح ما يمكن إنجازه، وبأي موارد، وفي أي آجال، وبأي كلفة اجتماعية واقتصادية.
أما حين تتراجع البرامج أمام الشعارات، ويحل التنافس على استمالة الناخب محل التنافس على إقناعه، فإن السياسة تفقد أهم وظائفها: تأهيل المجتمع للاختيار الواعي.
وتتضاعف المفارقة داخل البرلمان، حيث يفترض أن تبلغ الممارسة السياسية أعلى درجات المسؤولية الفكرية واللغوية والمؤسساتية. فحين تنحدر بعض المداخلات إلى خطاب لا يليق بمكانة المؤسسة، أو يتحول الاختلاف إلى تجريح، أو يطغى الاستعراض على النقاش، فإن الأمر لا يتعلق بذوق لغوي أو بلياقة شخصية فحسب؛ بل بمشكلة أعمق في تصور وظيفة التمثيل السياسي.
فالبرلمان ليس مسرحاً لتصفية الحسابات، ولا منصة لإثبات الحضور بأي ثمن. إنه فضاء للتشريع والرقابة والمساءلة، ومكان ينبغي أن تُختبر فيه الأفكار بالحجج، والمواقف بالقدرة على الدفاع عنها، والوعود بمدى قابليتها للتنفيذ.
إن أخطر ما يصيب السياسة ليس ضعف الخطاب وحده، بل أن يصبح الخطاب بديلاً عن الفعل، وأن تتحول القدرة على إثارة الانتباه إلى بديل عن القدرة على إنتاج الحلول.
ومع ذلك، فإن اختزال أزمة السياسة في سلوك بعض المنتخبين سيكون تبسيطاً مضراً. فالمسألة ترتبط أيضاً بقدرة الأحزاب على إنتاج الكفاءات، وتجديد قياداتها، وتأهيل أعضائها، وبناء مؤسسات داخلية للتفكير والتكوين، وربط المسؤولية السياسية بحصيلة يمكن للمواطنين تقييمها.
فالحزب الذي لا ينتج معرفة بالمجتمع، ولا يطور تصوراً للاقتصاد، ولا يهيئ قيادات قادرة على إدارة المؤسسات، يصبح معرضاً لأن يتحول إلى آلة انتخابية أكثر منه مدرسة لصناعة القرار.
والبرلماني الذي لا يجد ما يقوله خارج منطق التجاذب اليومي، لا تعالج مشكلته بمجرد تحسين خطابه، بل بإعادة بناء العلاقة بين التمثيل والكفاءة والمعرفة والمسؤولية.
المطلوب، إذن، ليس سياسة أكثر تهذيباً فحسب، بل سياسة أكثر قدرة على التفكير والإنجاز. سياسة تعيد الاعتبار للبرنامج، وتربط الوعود بالموارد، وتمنح المواطن حق مساءلة ممثليه على أساس النتائج، لا على أساس ما يسمعه منهم في المواسم الانتخابية.
ثالثاً: الاقتصاد المغربي… أين هي نخبة المغامرة والابتكار؟
إذا كانت النخبة السياسية مطالبة بقيادة النقاش العمومي، فإن النخبة الاقتصادية مطالبة بقيادة الانتقال من اقتصاد الإمكانات إلى اقتصاد المبادرة والإنتاج.
لقد راكم المغرب تجارب مهمة في الصناعة والتصدير والبنيات التحتية والطاقات المتجددة، وأصبح جزءاً من سلاسل إنتاج دولية في قطاعات استراتيجية. غير أن وجود هذه التجارب لا يلغي سؤالاً جوهرياً حول مدى اتساع قاعدة المقاولات الوطنية القادرة على الابتكار والتوسع، وخلق فرص شغل ذات جودة، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، والانتقال من منطق النشاط المحدود إلى منطق بناء مؤسسات اقتصادية قادرة على المنافسة والاستمرار.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة المقاولات المغربية، ولا بتجاهل الصعوبات التي تواجهها، بل بطرح سؤال حول نوعية القيادة الاقتصادية التي يحتاجها البلد في المرحلة المقبلة.
فالمقاول الذي يقود التغيير ليس مجرد مالك لرأس المال، ولا مجرد فاعل بارع في اقتناص الفرص المتاحة. إنه شخص يمتلك رؤية للسوق، ويجرؤ على الاستثمار في المجهول المحسوب، ويحول المعرفة إلى منتج، والمخاطرة إلى ابتكار، والموارد البشرية إلى قدرة تنافسية.
إنه المقاول الذي لا يسأل فقط: كيف أنجح داخل السوق القائمة؟ بل يسأل أيضاً: كيف أرفع مستوى هذه السوق، وأطور إنتاجيتها، وأفتح أمامها مجالات جديدة؟
لكن هذه الدينامية لا يمكن أن تُطلب من المقاولة بمعزل عن البيئة التي تعمل فيها. فلا مغامرة اقتصادية حقيقية دون منافسة عادلة، ولا استثمار منتج دون وضوح القواعد، ولا ابتكار مستدام حين تواجه المقاولات صعوبات في التمويل أو الولوج إلى الأسواق أو استقطاب الكفاءات.
ولهذا، فإن بناء نخبة اقتصادية قائدة يقتضي إصلاحاً متبادلاً: مؤسسات تفتح المجال أمام المبادرة وتحد من الريع، ومقاولات تراهن على الإنتاجية والابتكار بدل الاكتفاء بالمكاسب قصيرة الأمد.
إن التحدي ليس أن يكون للمغرب رجال أعمال ناجحون فقط، بل أن يمتلك نخبة مقاولاتية قادرة على صناعة التحول الاقتصادي، لا مجرد التكيف معه.
نخبة تستثمر في البحث والتطوير، وتؤهل الكفاءات، وتخلق القيمة المضافة، وتوسع حضور المقاولة الوطنية في الأسواق الدولية، وتدرك أن نجاحها لا ينفصل عن قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة وتوزيع فرص إنتاجها.
فالاقتصاد الذي لا تتجدد فيه روح المغامرة يظل معرضاً للتبعية التكنولوجية، والاقتصاد الذي لا تتوسع فيه المقاولات القادرة على النمو يظل محدود القدرة على خلق فرص الشغل، والاقتصاد الذي لا يجعل الابتكار أساس المنافسة يفقد جزءاً من قدرته على الاستعداد للمستقبل.
رابعاً: المجتمع المدني… كثرة التنظيمات لا تعني بالضرورة قوة المجتمع
في المجال المدني، تبدو المفارقة مختلفة، لكنها ترتبط بالإشكال نفسه: كيف يمكن أن يتوسع الحضور التنظيمي دون أن يتحول دائماً إلى قوة مجتمعية مؤثرة؟
فالمجتمع المدني ليس مجرد عدد من الجمعيات، ولا شبكة من الأنشطة والمبادرات، ولا فضاءً لتنظيم المناسبات. إنه، في جوهره، قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، والتعبير عن مصالحه، والدفاع عن قضاياه، واقتراح الحلول، ومساءلة المؤسسات، والمساهمة في بناء الثقة والتضامن.
غير أن جزءاً من العمل المدني لا يزال يواجه صعوبات في الانتقال من منطق النشاط إلى منطق الأثر، ومن تدبير المبادرات المحدودة إلى بناء مشاريع مستدامة، ومن التعبير عن المطالب إلى إنتاج مقترحات تستند إلى المعطيات والخبرة والتقييم.
كما أن بعض التنظيمات تظل رهينة مبادرات أفراد، أو موارد ظرفية، أو أنماط تدبير لا تتيح تجديد القيادة وتوسيع قاعدة المشاركة. وحين تضعف الاستقلالية التنظيمية والمالية، أو تغيب آليات قياس الأثر، يصبح استمرار النشاط في حد ذاته غاية، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق تغيير ملموس.
لكن النقد هنا ينبغي أن يكون منصفاً. فهناك تجارب مدنية جادة تؤدي أدواراً مهمة في التنمية المحلية والتضامن والدفاع عن الحقوق ومواكبة الفئات الهشة. والمطلوب ليس إنكار هذه الجهود، بل توسيع أثرها، وتطوير قدرتها على التأثير في السياسات العمومية.
فالجمعية القائدة ليست التي تنظم أنشطة أكثر بالضرورة، بل التي تستطيع أن تحدد مشكلة حقيقية، وتبني حولها معرفة، وتقترح حلاً، وتعبئ الشركاء، وتقيس النتائج، وتراجع عملها بناءً على ما تحقق.
إن المجتمع المدني الذي يكتفي بنقل المطالب يظل جزءاً من المشهد؛ أما المجتمع المدني الذي يعطي المطالب معنى ويحولها إلى معرفة ومقترحات وشراكات ومساءلة، فيصبح شريكاً فعلياً في صناعة التغيير.
فالمجتمع لا يصبح قوياً بكثرة الجمعيات التي يتوفر عليها، بل بقدرته على تحويل التنظيم المدني إلى قوة اقتراح ومبادرة ومحاسبة.
خامساً: الخلل ليس في النخب وحدها… بل في منظومة تُعيد إنتاج العجز وتحرس مصالح المستفيدين منه
ليس كافياً أن نحمّل النخب القائمة مسؤولية تعثر التغيير، ثم نطالب باستبدالها بوجوه جديدة، وكأن الأزمة مجرد خلل في الأسماء أو نقص في الكفاءات. فالسؤال الأكثر إزعاجاً، والأجدر بالمواجهة، هو: من يستفيد من بقاء الأوضاع على حالها؟ ومن يملك مصلحة في تعطيل التغيير، أو احتوائه، أو إفراغه من مضمونه؟ ومن يغلق الأبواب أمام الكفاءات الجديدة، ثم يتحدث عن ضرورة التشبيب والتجديد؟
إن ما يعطّل تجدد النخب ليس دائماً ضعف الكفاءة أو غياب الرؤية؛ فقد يكون، في بعض الحالات، شبكة من المصالح المتشابكة، وتوازنات غير معلنة، وعلاقات نفوذ تتغذى من استمرار الوضع القائم. فهناك من لا يرى في الإصلاح فرصة لبناء وطن أقوى، بل تهديداً لموقع راكمه، أو امتياز اعتاد الاستفادة منه، أو مجال نفوذ يخشى أن يفقد السيطرة عليه. وهناك من يرفع شعار التغيير في العلن، بينما يعمل في الكواليس على ضبط حدوده، وتحديد سقفه، ومنع وصوله إلى المصالح التي ينبغي أن يمسّها. وهكذا قد يتحول الإصلاح، في بعض التجارب، من مشروع لتغيير قواعد اللعبة إلى وسيلة لإعادة ترتيب المواقع داخل اللعبة نفسها.
لكن النقد الجاد يقتضي ألا نخلط بين الشك والبرهان، وألا نحول الحديث عن المصالح الخفية إلى اتهامات مرسلة. فليس كل تعثر مؤامرة، وليس كل مقاومة للإصلاح دليلاً على وجود غرفة مغلقة تدير المشهد. غير أن غياب الدليل على وجود تنسيق سري لا يعني غياب المصالح التي تتقاطع موضوعياً في مقاومة التغيير؛ إذ يمكن أن تتواطأ النتائج من دون أن يتفق أصحابها، وأن تتكامل آليات التعطيل من دون أن يصدر بشأنها قرار معلن. فقد يكفي أن تحمي كل جهة امتيازها، وأن تتجنب كل مؤسسة مساءلة نفسها، وأن يفضّل كل فاعل سلامة موقعه على مصلحة الوطن، حتى تتشكل منظومة كاملة لمقاومة التغيير، من دون أن تحتاج إلى إعلان نفسها أو الاعتراف بوجودها.
هنا يكمن المضمَر الأخطر: قد لا تكون المشكلة في غياب مشاريع الإصلاح، بل في وجود مصالح أقوى من إرادة تنفيذها؛ وقد لا يكون الخلل في ندرة الكفاءات، بل في نظام انتقاء لا يمنحها فرصاً عادلة للصعود والتأثير؛ وقد لا تكون الأزمة في ضعف الخطاب عن المستقبل، بل في أن بعض المستفيدين من الحاضر لا يريدون للمستقبل أن يأتي بالشروط التي تهدد مواقعهم. وحين تصبح الولاءات، وشبكات المصالح، والقدرة على تدبير التوازنات، أكثر حسماً من الكفاءة والاستحقاق، فإن المؤسسات قد تحتفظ بأسمائها وهياكلها، بينما تتآكل قدرتها الفعلية على إنتاج التغيير.
في المجال السياسي، قد يُختزل التنافس في تدبير المواقع بدل التنافس على البرامج، وتتحول الانتخابات إلى آلية لتجديد الشرعية الشكلية من دون تجديد كافٍ في الرؤية والممارسة. وقد يُستدعى الشباب والنساء والكفاءات عند الحاجة إلى تحسين الصورة، ثم يُتركون خارج دوائر القرار الفعلي. وقد تُرفع شعارات المحاسبة، بينما تظل المسافة واسعة بين المسؤولية السياسية وتبعات الإخفاق. وفي مثل هذه البيئة، لا يعود السؤال من يمتلك أفضل مشروع للمغرب، بل من يمتلك أفضل قدرة على البقاء داخل منظومة المصالح القائمة.
وفي الاقتصاد، لا يكفي الاحتفاء بالمبادرة والاستثمار والمقاولة إذا ظلت المنافسة غير متكافئة، أو إذا كانت فرص النمو والتأثير تتفاوت تبعاً للقرب من مراكز النفوذ بقدر تفاوتها تبعاً للإنتاجية والابتكار. فحين يشعر المقاول الصغير، أو المستثمر الجديد، أو صاحب الفكرة المبتكرة، بأن الطريق إلى النجاح لا تحكمه دائماً جودة المشروع وحدها، فإننا لا نخسر فرصاً اقتصادية فحسب، بل نُضعف الثقة في عدالة القواعد نفسها. والخطر هنا ليس في وجود فاعلين اقتصاديين كبار، فذلك أمر طبيعي في اقتصاد حديث، بل في احتمال تحول القوة الاقتصادية إلى نفوذ يصوغ القواعد لمصلحته، أو يحدّ من المنافسة، أو يخلط بين خدمة السوق وحماية الامتيازات.
أما المجتمع المدني، الذي يفترض أن يكون رافعة للمساءلة والتجديد، فقد يفقد جزءاً من استقلاليته حين تتحول بعض مكوناته إلى واجهات موسمية، أو منصات لتلميع الصور، أو كيانات تتكيف مع مصادر التمويل على حساب أولويات المجتمع. وعندما يصبح القرب من مراكز القرار أهم من القدرة على تمثيل المواطنين، أو يصبح الحصول على الدعم غاية تتقدم على الأثر الاجتماعي، فإن المجتمع المدني يخاطر بفقدان وظيفته النقدية، ويغدو جزءاً من المشهد الذي كان يفترض أن يراقبه ويصحح اختلالاته.
ولا ينبغي، في المقابل، أن نغفل دور الثقافة السياسية والاجتماعية التي قد تتسامح مع الزبونية، وتبرر الولاءات الضيقة، وتتعامل مع الامتيازات باعتبارها أمراً طبيعياً، وتمنح المكانة لمن يحسن تدبير العلاقات أكثر مما تمنحها لمن يحقق النتائج. فالشبكات التي تعطل التغيير لا تعيش فقط داخل المؤسسات؛ إنها تستمد بعض قوتها أيضاً من الصمت، والتطبيع مع الاختلال، والخوف من المواجهة، وقبول فكرة أن الأمور لا يمكن أن تكون على نحو أفضل. وعندما يقتنع المجتمع بأن النفوذ أقوى من القانون، وأن العلاقات أسبق من الاستحقاق، وأن القرار محصّن ضد المساءلة، يصبح العجز ثقافة متوارثة، لا مجرد خلل عابر في الأداء.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو الاكتفاء بتسمية «الأيادي الخفية» من دون كشف الآليات التي تمنحها قدرتها على التأثير. فالتحدي ليس في اختراع خصم غامض نحمّله كل الإخفاقات، بل في تفكيك ما هو قابل للرصد والمساءلة: تضارب المصالح، وغموض معايير التعيين، وضعف الشفافية، وعدم تكافؤ الفرص، وغياب التقييم المستقل، وتداخل المسؤوليات، واحتكار المعلومة، وتعطيل المنافسة، والإفلات من المحاسبة. هذه هي الأبواب التي يمكن أن تتسلل منها المصالح الضيقة إلى القرار العام؛ وهذه هي المساحات التي ينبغي إخضاعها للضوء والقانون والرقابة.
من هنا، يصبح تجديد النخب معركة تتجاوز تغيير الأشخاص إلى تغيير القواعد التي تمنح بعضهم القدرة على احتكار المواقع، وتمنح آخرين القدرة على تعطيل الإصلاح من دون تحمل كلفته. فلا قيمة لوجوه جديدة إذا كانت مطالبة بالعمل وفق القواعد القديمة، ولا معنى لاستقطاب الكفاءات إذا كانت صلاحياتها شكلية، ولا جدوى من إطلاق مشاريع طموحة إذا أمكن إفراغها من مضمونها عند أول اصطدام بمصالح راسخة. كما لا يمكن الحديث عن نخبة قائدة إذا ظلت مراكز التأثير الفعلي خارج نطاق الشفافية والمساءلة، أو إذا ظل القرار العمومي عرضة لضغوط لا يعرف المواطن مصدرها ولا يستطيع تقييم مشروعيتها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه المغرب اليوم ليس فقط: من يقود؟ بل أيضاً: من يؤثر في القرار من وراء الواجهة؟ ومن يحدد حدود الممكن والممنوع؟ ومن يربح من تأجيل الإصلاح؟ ومن يدفع كلفة هذا التأجيل؟ والإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالتلميح وحده، ولا بالتشهير، ولا بتوزيع الاتهامات، بل بإرساء قواعد تجعل كل نفوذ قابلاً للفحص، وكل قرار قابلاً للتبرير، وكل مسؤولية قابلة للمحاسبة، وكل امتياز غير مشروع قابلاً للكشف والمعالجة.
فالوطن لا يتعثر فقط حين يفتقر إلى الكفاءات، بل حين تُحاصر الكفاءات، ولا يتأخر فقط حين تغيب الرؤية، بل حين تتقدم المصالح الضيقة على المصلحة العامة، ولا يفقد فرص المستقبل فقط بسبب ضعف الإمكانات، بل أيضاً بسبب إهدارها في حماية مواقع كان يفترض أن تكون مؤقتة ومشروطة بالأداء. والمعركة الحقيقية ليست مع أشخاص بأسمائهم، بل مع كل قاعدة أو ممارسة أو شبكة مصالح تجعل بقاء الوضع القائم أكثر ربحاً لبعض الفاعلين من نجاح التغيير بالنسبة إلى الوطن.
ومن دون هذه المواجهة الصريحة، سيظل تجديد النخب شعاراً قابلاً للاستهلاك، وستظل الوجوه تتبدل فيما تستمر الآليات نفسها في إنتاج النتائج نفسها. أما إذا امتلك المغرب الجرأة على كشف تضارب المصالح، وتوسيع المنافسة العادلة، وربط المسؤولية بالنتائج، وحماية استقلال المؤسسات، وفتح المجال أمام الكفاءات، فإن تجديد النخب يمكن أن يتحول من تبديل شكلي للمواقع إلى تحول حقيقي في موازين التأثير وصناعة القرار.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان المغرب يحتاج إلى التغيير؛ بل ما إذا كانت قواعد تدبير السلطة والثروة والنفوذ تسمح بهذا التغيير فعلاً، أم أنها تترك له مساحة كافية كي يُعلَن، ثم تحاصره كلما اقترب من المصالح التي ينبغي أن يمسّها.
سادساً: من مقاومة التغيير إلى احتكار المستقبل… لماذا تحتاج النخب إلى ذكاء استراتيجي؟
إذا كان تعثر تجديد النخب مرتبطاً، في جانب منه، بشبكات المصالح وتوازنات النفوذ وآليات إعادة إنتاج المواقع، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو تحسين أدوات التدبير، بل يتطلب تغييراً أعمق في طريقة فهم التحولات، وصناعة القرار، وتحديد الأولويات الوطنية. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود مصالح قد تقاوم التغيير، بل أيضاً في غياب القدرة الاستراتيجية التي تجعل المجتمع قادراً على استباق هذه المصالح، وتفكيك آليات تأثيرها، وفتح مسارات بديلة أمام المستقبل.
وهنا يصبح الذكاء الاستراتيجي أكثر من مجرد امتلاك للمعلومات أو إنتاج للتقارير والدراسات؛ إنه القدرة على قراءة ما وراء الوقائع، وفهم العلاقات بين السلطة والاقتصاد والمجتمع، ورصد التناقضات بين الخطاب والممارسة، واستشراف النتائج التي قد تترتب على القرارات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. إنه، في جوهره، الانتقال من تدبير ما تسمح به موازين القوى القائمة إلى التفكير في كيفية تغيير هذه الموازين بما يخدم المصلحة العامة.
فالنخب التي تنشغل بإدارة الحاضر وفق شروطه القائمة، من دون مساءلة هذه الشروط أو استشراف حدودها، قد تتحول إلى جزء من المشكلة التي يفترض أن تعالجها. والنخب التي تكتفي بتبرير الاختيارات المتخذة، أو تسوّق النتائج باعتبارها إنجازات من دون إخضاعها لتقييم مستقل، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج البدائل. أما حين يصبح الحفاظ على التوافقات القائمة غاية في حد ذاته، ويتقدم تجنب الصدام مع مراكز النفوذ على ضرورة تصحيح الاختلالات، فإن التدبير يتحول من وسيلة لخدمة التغيير إلى آلية لاحتوائه وتأجيله.
ولا يعني ذلك أن كل توافق تواطؤ، أو أن كل حذر في اتخاذ القرار دليل على غياب الإرادة؛ فالدول تحتاج إلى الاستقرار، كما تحتاج الإصلاحات الكبرى إلى التدرج والتفاوض. لكن الخط الفاصل يظل واضحاً: هل تُستخدم التوافقات لتسهيل الإصلاح وتوسيع قاعدته، أم لتفريغه من مضمونه وحماية المصالح التي يفترض أن يعيد النظر فيها؟ وهل يُستثمر الاستقرار لبناء شروط التحول، أم يُتخذ ذريعة لتأجيله إلى أجل غير معلوم؟
إن النخبة ذات الذكاء الاستراتيجي لا تكتفي بطرح سؤال ما الذي ينبغي فعله، بل تسأل أيضاً: لماذا لم يُنجز ما كان ينبغي إنجازه؟ ومن يملك القدرة على تعطيله؟ وما المصالح التي قد تتأثر به؟ وما الكلفة التي يتحملها المجتمع بسبب تأجيله؟ وأي قواعد ومؤسسات يمكن أن تجعل الإصلاح أقل ارتهاناً للأشخاص والتوازنات الظرفية؟ فالسؤال الاستراتيجي الحقيقي لا يبحث عن الحل التقني وحده، بل يكشف كذلك شروط إمكان الحل، والعوامل التي قد تعرقله، والجهات التي تملك مصلحة في إنجاحه أو إفشاله.
ومن هذا المنظور، فإن مستقبل المغرب لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات، أو عدد المشاريع المنجزة، أو المؤشرات الاقتصادية المعلنة، على أهميتها، بل أيضاً بمدى قدرة مؤسساته على التعلم والتصحيح، وقدرة اقتصاده على الابتكار والمنافسة، وقدرة مجتمعه على المشاركة، وقدرة نخبه على العمل بمنطق الأجيال لا بمنطق الاستحقاقات القصيرة. فالتنمية ليست حصيلة قرارات منفصلة، وإنما نتيجة تفاعل بين الرؤية والمؤسسات والموارد والثقة والقدرة على الاستمرار.
ولهذا، يصبح بناء الجسور بين الدولة والجامعة ومراكز البحث والتفكير والمقاولة والمجتمع المدني ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار للتعاون المؤسسي. غير أن هذه الجسور لن تنتج أثراً حقيقياً إذا ظلت المعرفة بعيدة عن مراكز القرار، أو إذا جرى استدعاء الخبراء لتبرير اختيارات حُسمت سلفاً، أو إذا احتُكرت صناعة السياسات داخل دوائر ضيقة لا تخضع بما يكفي للنقاش والتقييم. فالمطلوب ليس توظيف المعرفة لتزيين القرار، بل تمكينها من التأثير في صياغته ومراجعته، بما في ذلك عندما تتعارض نتائجها مع حسابات سياسية أو اقتصادية آنية.
ويقتضي ذلك أيضاً حماية استقلال التفكير والخبرة من الضغوط التي قد تدفعهما إلى مجاملة أصحاب النفوذ أو تجنب القضايا الحساسة. فمراكز التفكير التي لا تستطيع مساءلة الفرضيات السائدة، والجامعات التي لا تجد طريقاً إلى السياسات العمومية، والخبراء الذين يُستدعون من دون أن يُمنحوا مجالاً للتأثير، لا يمكن أن يشكلوا قاعدة صلبة لقيادة استراتيجية. وحين تصبح المعرفة تابعة للموقع بدل أن يكون الموقع خاضعاً لاختبار المعرفة، تتراجع قدرة المجتمع على اكتشاف أخطائه وتصحيح مساره.
لكن الذكاء الاستراتيجي يظل ناقصاً إذا لم يقترن بالشجاعة السياسية والمؤسساتية لمراجعة الاختيارات. فقد تعرف النخب مكامن الخلل، وتدرك المخاطر، وتمتلك البيانات والدراسات اللازمة، ومع ذلك تتردد في التحرك لأن التصحيح قد يهدد مصالح قائمة، أو يفرض الاعتراف بفشل سابق، أو يستلزم إعادة توزيع المسؤوليات والموارد. وهنا لا تعود الأزمة أزمة معرفة، بل أزمة إرادة وقدرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تغيير قابل للقياس.
لذلك، لا تُقاس القيادة الاستراتيجية بقدرة أصحابها على تقديم صورة متماسكة عن المستقبل فحسب، بل بقدرتهم على مواجهة الحاضر الذي يمنع الوصول إليه. وهي لا تعني امتلاك الحقيقة أو ادعاء العصمة، بل امتلاك مؤسسات وآليات تسمح باختبار الفرضيات، وكشف الأخطاء، وتعديل المسارات، ومحاسبة المسؤولين عن النتائج، من دون أن يتحول الاعتراف بالإخفاق إلى تهديد للمكانة أو مبرر لإخفاء الوقائع.
إن التحدي الاستراتيجي أمام المغرب ليس فقط أن يعرف إلى أين يريد أن يتجه، بل أن يفهم أيضاً ما الذي يمنعه من الوصول، ومن يتحمل مسؤولية استمرار العوائق، وكيف يمكن تغيير القواعد التي تجعل تعطيل الإصلاح أقل كلفة على أصحابه من إنجاحه بالنسبة إلى الوطن. ومن دون هذا الانتقال من تشخيص الأهداف إلى تحليل موانع تحقيقها، سيظل التفكير الاستراتيجي وفيراً في الوثائق، محدوداً في التأثير، وستظل الرؤية الوطنية معرضة للاحتواء داخل منظومة الممارسات التي يُفترض أن تتجاوزها.
سابعاً: من احتكار المواقع إلى استحقاق القيادة… كيف نغيّر قواعد إنتاج النخب؟
إذا كان الخلل يتجاوز قصور بعض الأفراد ليطال القواعد التي تنتقي النخب وتمنحها فرص الصعود والتأثير، وإذا كانت المصالح الراسخة قادرة، بوسائل مباشرة أو غير مباشرة، على الحد من أثر الإصلاح، فإن تجديد النخب لا يمكن أن يُختزل في استبدال الوجوه أو الدعوة العامة إلى النزاهة والكفاءة. فالمطلوب هو مشروع مؤسساتي ومجتمعي يعيد النظر في كيفية الوصول إلى مواقع المسؤولية، وفي طبيعة الصلاحيات الممنوحة لأصحابها، وفي آليات تقييم أدائهم ومحاسبتهم، وفي قدرة المجتمع على مراقبة مراكز التأثير التي تتجاوز أحياناً حدود المسؤولية الرسمية.
أول شروط هذا المشروع هو إعادة الاعتبار للاستحقاق، لا بوصفه شعاراً أخلاقياً، بل قاعدة عملية تحكم التعيين والترقية والتكليف بالمسؤوليات وتقييم الأداء. فلا معنى للحديث عن الكفاءة إذا كانت فرص الوصول إلى مواقع القرار تتأثر بالولاء أو القرب أو القدرة على المحافظة على التوازنات أكثر مما تتأثر بالقدرة على الإنجاز. ولا معنى للنزاهة إذا لم تقترن بقواعد واضحة لتدبير تضارب المصالح، والإفصاح عن المصالح ذات الصلة، ومنع استغلال المسؤولية لتحقيق منافع خاصة.
ولا يقتصر الأمر على وضع معايير معلنة، بل يتطلب ضمان تطبيقها على الجميع. فالمعيار الذي يُفرض على الضعفاء ويُستثنى منه أصحاب النفوذ ليس معياراً للاستحقاق، بل أداة إضافية لإعادة إنتاج التفاوت في الوصول إلى السلطة والفرص. كما أن فتح المنافسة لا يتحقق بمجرد الإعلان عن المباريات أو المناصب، إذا كانت شروط المشاركة أو آليات الانتقاء أو فرص التأثير مصممة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لصالح من يحتلون المواقع بالفعل. إن العدالة في إنتاج القيادة تقتضي أن تكون قواعد الوصول إليها مفهومة، وقابلة للفحص، ومفتوحة أمام الكفاءات على أساس متكافئ.
أما الشرط الثاني، فيتمثل في نقل المحاسبة من مستوى الخطاب إلى مستوى النتائج. فالمسؤولية ليست موقعاً رمزياً ولا تفويضاً مفتوحاً، بل التزام بتحقيق أهداف محددة ضمن صلاحيات وموارد معلومة. ولذلك ينبغي أن ترتبط كل مسؤولية عامة بتعاقد واضح حول الأولويات والنتائج المنتظرة، وبمؤشرات قابلة للتقييم، وبنشر منتظم للحصيلة، وبآليات مستقلة للتحقق من مدى الوفاء بالالتزامات. كما ينبغي ألا تقتصر المحاسبة على الأخطاء الفردية الظاهرة، بل أن تشمل أيضاً القرارات التي أهدرت الفرص، والسياسات التي استمرت رغم ثبوت محدودية أثرها، والتأخيرات التي لم تُقدَّم بشأنها تفسيرات مقنعة.
والأهم أن تشمل المحاسبة مراكز التأثير الفعلي، لا المسؤولين الرسميين وحدهم. فحين تتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، أو تؤثر شبكات النفوذ في توجيه القرار، يصبح من الضروري توفير قواعد فعالة للشفافية، ورصد تضارب المصالح، وتكافؤ المنافسة، وتحديد المسؤوليات. ولا يتعلق الأمر بافتراض وجود جهة خفية تتحكم في كل شيء، بل بمنع أي نفوذ، أياً كان مصدره، من العمل خارج قواعد المساءلة والمصلحة العامة.
والشرط الثالث هو فتح مسارات حقيقية أمام الشباب والكفاءات الجديدة، بعيداً عن توظيفهم في حملات التجميل أو استدعائهم عند الحاجة إلى تحسين صورة المؤسسات. فالتجديد لا يتحقق بمنح الأجيال الجديدة حضوراً في الصور والواجهات، بينما تظل سلطة القرار الفعلي محصورة في الدوائر نفسها. وإنما يتحقق بإشراكها في صياغة البرامج، وتولي المسؤوليات، وإدارة المشاريع، وتقييم السياسات، مع توفير شروط موضوعية تسمح لها بإثبات قدرتها على الإنجاز.
ويقتضي ذلك مراجعة الآليات التي تجعل بعض المواقع أقرب إلى الملكيات الخاصة منها إلى المسؤوليات المؤقتة، وتوسيع فرص التداول على القيادة، وضمان انتقال الخبرة من دون تحويلها إلى أداة لاحتكار القرار. فالمؤسسات التي لا تستطيع تجديد قياداتها تفقد تدريجياً قدرتها على التجدد، والمجتمع الذي يضطر فيه أصحاب الكفاءات إلى الاختيار بين الانسحاب والهجرة والاندماج في قواعد لا يؤمنون بها، يهدر جزءاً من أهم موارده: قدرته البشرية والفكرية.
أما الشرط الرابع، فهو بناء منظومة مستقلة لإنتاج المعرفة الاستراتيجية وربطها بصناعة القرار. فلا يمكن أن تُدار التحولات الكبرى بالحدس وحده، أو بردود الفعل، أو بتكرار الوصفات نفسها رغم تغير الظروف. ويحتاج المغرب إلى فضاءات بحث وتفكير قادرة على تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدولية، وتقييم السياسات العمومية، واختبار البدائل، وتقديم سيناريوهات متعددة، مع ضمان استقلالها الفكري وحرية نتائجها. لكن هذه المنظومة لن تكون فعالة ما لم تتوافر لها قنوات مؤسساتية واضحة للتأثير، وما لم تُعامل نتائجها باعتبارها مدخلاً للمراجعة والتصحيح، لا مادة انتقائية تُستعمل حين توافق الاختيارات القائمة وتُهمل حين تخالفها.
والشرط الخامس هو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة المتبادلة والحق في المساءلة. فالثقة لا تُطلب من المواطنين بقدر ما تُبنى عبر وضوح القرارات، وعدالة الفرص، وصدق التواصل، والقدرة على الاعتراف بالإخفاق. والمشاركة لا ينبغي أن تظل محصورة في لحظات انتخابية أو استشارات شكلية تأتي بعد تحديد الاختيارات الأساسية، بل يجب أن تصبح جزءاً من دورة صنع السياسات: من تشخيص المشكلة إلى اقتراح البدائل، ومن اتخاذ القرار إلى التنفيذ والتقييم.
غير أن هذا المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإنتاج نخبة جديدة تدّعي احتكار الوطنية أو امتلاك الحقيقة، أو تستبدل احتكاراً قديماً باحتكار جديد. فالنخبة القائدة ليست جماعة مغلقة تمنح نفسها حق الحديث باسم المجتمع، بل فضاء مفتوح لتنافس القيادات والأفكار والمشاريع، ضمن قواعد تحمي التعدد وتمنع تحويل النفوذ إلى امتياز دائم. وهي لا تُقاس بقدرتها على إسكات النقد أو إقصاء المنافسين، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى معرفة، والتنافس إلى ابتكار، والمساءلة إلى أداة لتحسين الأداء.
ومن هنا، فإن الهدف ليس البحث عن نخبة مثالية لا تخطئ، بل بناء منظومة تمنع الخطأ من التحول إلى ممارسة دائمة، وتمنع الإخفاق من أن يصبح بلا كلفة، وتمنع النفوذ من أن يتحول إلى حصانة. فالمؤسسات القوية ليست تلك التي لا تواجه الاختلالات، بل تلك التي تستطيع كشفها وتصحيحها، مهما كان مصدرها ومهما كانت مكانة المسؤول عنها.
إن الفرق الجوهري ليس بين نخبة قديمة ونخبة جديدة، بل بين منظومة تعيد إنتاج أصحاب المواقع، ومنظومة تنتج القيادات وفق الاستحقاق والنتائج والمساءلة. وقد تتغير الأسماء والوجوه من دون أن يتغير شيء في جوهر السلطة والنفوذ؛ وقد تتبدل التوازنات داخل المؤسسات بينما تظل قواعد الوصول إلى القرار مغلقة. لذلك فإن معيار التجديد الحقيقي ليس عدد الوجوه الجديدة، بل مدى اتساع المنافسة، وشفافية القواعد، واستقلال المؤسسات، وقدرة الكفاءات على التأثير، وخضوع مراكز النفوذ للمساءلة.
وهذا هو الفارق بين مجتمع ينتظر ظهور قائد استثنائي لينقذه من أزماته، ومجتمع يبني مؤسسات قادرة على إنتاج القيادات وتجديدها ومحاسبتها باستمرار. فالمستقبل لا ينبغي أن يظل رهين إرادة أفراد، ولا أن يُختزل في حسن نية مسؤول أو براعة فاعل؛ بل يجب أن يستند إلى قواعد تجعل القيادة وظيفة عامة، وتضمن استمرارها وتطويرها مهما تغير الأشخاص.
خاتمة: من يملك حق قيادة المستقبل المغربي؟
في نهاية المطاف، لا تختزل أزمة النخب في المغرب في ضعف الخطاب السياسي، أو محدودية الابتكار الاقتصادي، أو تراجع تأثير بعض مكونات المجتمع المدني. إنها أزمة أعمق تتعلق بمن يحدد الأولويات الوطنية، وكيف تُصنع القرارات، ومن يؤثر فيها، ومن يستفيد من نتائجها، ومن يتحمل كلفة إخفاقاتها. إنها أزمة في العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وبين الموقع والوظيفة، وبين الطموح الوطني والقواعد التي تسمح بتحويله إلى واقع.
فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية، وتطوير نموذجه التنموي، وتوسيع فرص مواطنيه، لا يستطيع أن يكتفي بنخب تجيد تدبير الحاضر، بينما تترك شروط المستقبل تتشكل بفعل التحولات الخارجية والمصالح الضيقة وردود الفعل المتأخرة. إنه يحتاج إلى قيادات قادرة على استشراف التحولات، وإنتاج البدائل، ومواجهة الاختلالات، والأهم من ذلك، تغيير الشروط التي تجعل بعض الإصلاحات ممكنة في الخطاب ومعطلة في الممارسة.
لكن مواجهة هذا التحدي تقتضي شجاعة في طرح الأسئلة التي غالباً ما يجري الالتفاف حولها: هل تتوافر إرادة فعلية لتوسيع المنافسة على مواقع القيادة؟ هل تُعامل الكفاءة باعتبارها معياراً مستقلاً، أم تخضع أحياناً لاعتبارات الولاء والقرب والتوازنات؟ هل تُراجع السياسات عندما تثبت محدودية نتائجها، أم تُحمى لأنها ارتبطت بأسماء أو مصالح يصعب مساءلتها؟ وهل يُسمح للمؤسسات والخبراء والمجتمع بكشف مواطن الخلل والتأثير في القرار، أم يُستدعون بعد حسم الاختيارات لتوفير الغطاء لها؟
هذه ليست أسئلة بلاغية، ولا اتهامات جاهزة، بل اختبارات عملية لمدى جدية أي مشروع للتغيير. والإجابة عنها لا تُقاس بما تعلنه النخب عن نفسها، بل بما تسمح به من شفافية ومنافسة ومساءلة، وبقدرتها على قبول الرقابة، وتصحيح الأخطاء، والتخلي عن الامتيازات التي تتعارض مع المصلحة العامة. فحيث لا يمكن فحص النفوذ، ولا تتضح معايير الاختيار، ولا تترتب نتائج على الإخفاق، تظل دعوات التجديد معرضة لأن تتحول إلى خطاب للاستهلاك، فيما تستمر آليات إعادة إنتاج الواقع.
إن النخب لا تستحق القيادة لمجرد أنها وصلت إلى مواقع القرار، ولا لأنها تتحدث باسم الدولة أو المجتمع، ولا لأنها تتقن تقديم صورة إيجابية عن حصيلتها. إنها تستحقها بقدر ما تنتج من معرفة، وتفتح من فرص، وتحقق من نتائج، وتقبل من مساءلة، وتنجح في تحويل السلطة والموارد والنفوذ إلى قيمة عامة. أما الموقع الذي لا ينتج أثراً، والمسؤولية التي لا تخضع للتقييم، والامتياز الذي لا يقابله واجب، فكلها عناصر تُضعف شرعية القيادة، مهما طال بقاؤها أو تحسنت قدرتها على تسويق نفسها.
إن المغرب لا يحتاج إلى نخب أكثر حضوراً في المشهد بقدر ما يحتاج إلى نخب أكثر تأثيراً في الواقع؛ ولا يحتاج إلى وجوه جديدة داخل القواعد القديمة، بل إلى تغيير القواعد التي تحدد من يصعد، ومن يقرر، ومن يستفيد، ومن يُحاسَب. فالتحدي ليس أن نملأ مواقع القيادة بأسماء مختلفة، وإنما أن نجعل هذه المواقع مفتوحة أمام الاستحقاق، وأن نمنع تحولها إلى امتيازات محمية، وأن نضمن ألا يستطيع أي مركز نفوذ تعطيل المصلحة العامة من دون أن يخضع للمساءلة.
ومن ثم، فإن معركة تجديد النخب ليست معركة ضد أشخاص بأسمائهم، بل ضد كل ممارسة تحوّل المسؤولية إلى حصانة، والمنافسة إلى واجهة، والمعرفة إلى زينة، والإصلاح إلى شعار منزوع الأثر. إنها معركة من أجل مؤسسات لا تخشى كشف اختلالاتها، واقتصاد لا تُصاغ قواعده لخدمة الامتيازات، ومجتمع مدني لا يتنازل عن استقلاليته، وحياة سياسية تجعل التنافس على البرامج والنتائج أهم من التنافس على المواقع.
ولا يمكن أن تنجح هذه المعركة إذا ظلت مسؤولية التغيير ملقاة على عاتق النخب نفسها، من دون رقابة مجتمعية ومؤسساتية قادرة على مساءلتها. فتجديد النخب لا يتحقق بقرار أخلاقي يصدر عنها، ولا بمبادرات محدودة تطلقها حين تشتد الانتقادات، بل ببناء شروط تجعل التجديد ضرورة مؤسساتية مستمرة، وتمنح المجتمع أدوات لمتابعة الأداء، وتوفر للكفاءات فرصاً عادلة، وتجعل تكلفة تعطيل الإصلاح أعلى من تكلفة إنجاحه.
وهنا نصل إلى السؤال الفاصل: هل تريد نخبنا أن تقود التحول الذي يعرفه المغرب، أم أن تحافظ على مواقعها فيما يتقدم المغرب رغمها؟
إن الإجابة لن تُحسم في الخطب والبرامج وحدها، بل في الاستعداد لتغيير قواعد اللعبة نفسها: قواعد الوصول إلى المسؤولية، وتوزيع الفرص، وصناعة القرار، ومراقبة النفوذ، وربط السلطة بالنتائج. فإما أن يصبح تجديد النخب مدخلاً لتجديد قدرة المغرب على الفعل وصناعة المستقبل، وإما أن يظل التغيير عنواناً جذاباً تُستهلك تحته الوعود، بينما تستمر آليات التعطيل وإعادة إنتاج المواقع.
فالمغرب لا يحتاج إلى نخب تكتفي بمواكبة المستقبل، بل إلى نخب تستحق المشاركة في صناعته؛ ولا يحتاج إلى من يشرح له لماذا يتعثر التغيير، بل إلى من يملك الشجاعة لتفكيك أسبابه، والقدرة على تغيير شروطه، والاستعداد لتحمل كلفته.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط



