من الأركان والمجهول إلى البذور والماء
معركة المغرب من أجل السيادة الفلاحية في مواجهة الاختراق الإسرائيلي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
مقدمة: حين يصبح التعاون الفلاحي سؤالاً في الأمن القومي
لم تعد السيادة الوطنية تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها وصون استقلال قرارها السياسي، بل أصبحت ترتبط، على نحو متزايد، بقدرتها على التحكم في مواردها البيولوجية، وحماية بذورها وأصنافها الزراعية الأصيلة، وصون معارفها المحلية، وتدبير أراضيها ومياهها بما يضمن أمنها الغذائي واستقلالها الاستراتيجي. ففي عالم تحولت فيه الموارد الوراثية إلى رأسمال اقتصادي، والتكنولوجيا الزراعية إلى أداة للتنافس والنفوذ، والماء إلى مورد حيوي تتصاعد حوله الصراعات، لم يعد فقدان السيادة بالضرورة نتيجة احتلال مباشر أو تدخل سياسي معلن؛ فقد يبدأ تدريجياً من نقل مورد نباتي أصيل إلى الخارج، أو من التبعية لبذور ومدخلات تتحكم فيها شركات أجنبية، أو من عقود استثمار تعيد توزيع السيطرة على الأرض والماء والمعرفة والقيمة المضافة، إلى أن يجد البلد نفسه منتجاً داخل منظومة لا يملك مفاتيحها الأساسية.
من هذا المنطلق، يندرج هذا المقال ضمن مقاربة تقوم على منطق المعنى والذكاء الاستراتيجي، وتهدف إلى تفكيك بعض مظاهر الحضور الاقتصادي والتكنولوجي الإسرائيلي في المغرب، ولا سيما في القطاعات الحيوية المرتبطة بالفلاحة والصناعة والموارد الطبيعية. ولا يتعلق الأمر هنا بقراءة الاستثمارات والشراكات باعتبارها معاملات تجارية معزولة، بل بوضعها داخل سياقها السياسي والاستراتيجي، وفحص ما قد يترتب عنها من تحولات في موازين القوة، ومن انتقال تدريجي لمفاتيح الإنتاج والمعرفة والتسويق إلى فاعلين خارجيين. فالتعاون الفلاحي والتكنولوجي، وتبادل الخبرات، وتحديث أساليب الإنتاج، قد تشكل جميعها فرصاً للتنمية ونقل المعرفة؛ لكنها قد تتحول، في غياب الضمانات والرقابة والتوازن التفاوضي، إلى مداخل لترسيخ النفوذ الاقتصادي والتقني، وتوسيع الحضور المؤسسي والتجاري، وربط قطاعات مغربية حيوية بمنظومات إنتاج تتحكم فيها شركات خارجية.
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، بالنظر إلى خصوصية السياق السياسي الذي يؤطر العلاقات معها، وإلى تشابك المصالح الاقتصادية والتكنولوجية مع اعتبارات الأمن القومي والاستقلال الاستراتيجي. فإسرائيل ليست مجرد بلد يمتلك خبرات في تقنيات الري والبذور والزراعة في البيئات الجافة، بل هي أيضاً فاعل يسعى إلى توسيع أسواقه وشبكات حضوره الاقتصادي والتكنولوجي في إفريقيا. ومن ثم، فإن تقييم أنشطتها في المغرب لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمارات أو مردوديتها المباشرة، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة المواقع التي تحتلها هذه الاستثمارات داخل سلاسل الإنتاج، ونوعية الموارد والمعطيات التي تتيح الوصول إليها، ومدى ما تمنحه من قدرة على التأثير في خيارات الفلاحين والمقاولات والقطاعات الحيوية مستقبلاً.
أما منطق المعنى الاستراتيجي، فينطلق من أن دلالة الاستثمار لا تُختزل في قيمته المالية أو في عدد مناصب الشغل التي يخلقها، بل تُفهم من خلال موقعه داخل شبكة المصالح وعلاقته بموازين القوة على المدى البعيد. فالمشروع الذي يبدو، في ظاهره، نشاطاً اقتصادياً عادياً قد تكون له آثار تتجاوز مردوديته المباشرة إذا أفضى إلى التحكم في مدخلات الإنتاج، أو احتكار معرفة تقنية يصعب الاستغناء عنها، أو جمع بيانات حساسة عن الموارد والأنشطة الزراعية، أو ترسيخ ارتباط طويل الأمد بمورد خارجي يصعب تعويضه. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الاستثمارات الإسرائيلية في الفلاحة والصناعة بوصفها عمليات منفصلة عن بعضها فحسب، بل ينبغي أيضاً فحص أثرها التراكمي المحتمل في بنية الاقتصاد المغربي، وفي قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن غذائها ومائها ومواردها الوراثية وتوجهاتها الصناعية.
وقد تفضي هذه التحولات، إذا غابت الرقابة الاستراتيجية والبدائل الوطنية، إلى أشكال من التبعية لا تظهر بالضرورة في صورة فقدان الملكية القانونية للأرض أو المنشأة، بل تتجسد في فقدان القدرة على التحكم في شروط الإنتاج. فقد تبقى الأرض مغربية، بينما تعتمد زراعتها على بذور وتكنولوجيا ومدخلات مستوردة؛ وقد يظل المورد البيولوجي مغربياً من حيث الأصل، بينما تُطوَّر المعرفة المتعلقة به وتُستثمر تجارياً خارج البلاد؛ وقد تنمو الصادرات والاستثمارات، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على الفرشة المائية وتتراجع قدرة المنتج المحلي على الاحتفاظ بنصيب عادل من القيمة المضافة. وفي هذه الحالة، يصبح الاستقلال الاقتصادي شكلياً جزئياً، لأن القرار الوطني يظل مقيداً بكلفة الانفصال عن شبكات التوريد والتكنولوجيا والتسويق التي أُدمج فيها الاقتصاد.
ولا يعني هذا التحليل افتراض وجود خطة موحدة أو اعتبار كل استثمار إسرائيلي دليلاً على الاختراق أو الاستغلال؛ فذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة، وقد تكون لبعض الشراكات منافع فعلية. لكن الذكاء الاستراتيجي يقتضي ألا يُكتفى بالنوايا المعلنة أو بالمكاسب الآنية، بل أن تُدرس أيضاً بنية الاعتماد التي قد تنشأ، وموازين التفاوض بين الأطراف، والجهة التي تملك المعرفة والبيانات والحقوق، والطرف الذي يتحمل الكلفة البيئية والاجتماعية، والطرف الذي يستحوذ على القيمة النهائية.
ومن هنا تبرز ضرورة اليقظة والحذر الاستراتيجيين، لا باعتبارهما موقفاً انفعالياً أو رفضاً مبدئياً للتعاون الدولي، بل باعتبارهما شرطاً لحماية المصالح الوطنية في القطاعات التي يصعب تعويض خسارتها. وتقتضي هذه اليقظة إخضاع الاتفاقيات والعقود المرتبطة بالموارد الحيوية لفحص قانوني وتقني مستقل، وتتبع مصادر البذور والشتلات والمواد الوراثية، والتحقق من حقوق الملكية الفكرية والانتفاع التجاري الناتجة عن الأبحاث، ومراقبة استهلاك الماء وأثر المشاريع الزراعية في الموارد المحلية، وضمان أمن البيانات التي تجمعها الأنظمة التكنولوجية، مع تعزيز البحث العلمي الوطني وتوفير بدائل مغربية تقلل من التبعية للموردين الخارجيين.
وعلى هذا الأساس، يصبح السؤال المركزي ليس ما إذا كان التعاون مع إسرائيل مفيداً أو ضاراً في المطلق، بل ما إذا كانت شروطه تضمن للمغرب امتلاك المعرفة والبدائل والقدرة على التفاوض والانسحاب، أم أنها تفضي، بصورة مباشرة أو تراكمية، إلى إضعاف استقلاله في قطاعات استراتيجية. فالتعاون الذي ينقل المعرفة ويبني القدرات الوطنية يمكن أن يخدم السيادة، أما التعاون الذي يرسخ الاعتماد الدائم على الخارج، ويمنح الشركات الأجنبية نفوذاً غير متناسب على مفاتيح الإنتاج، فيستدعي مراجعة دقيقة تتقدم فيها المصلحة الوطنية على الاعتبارات التجارية الآنية.
إن ما يستحق البحث والتدقيق، في هذا السياق، لا يقتصر على احتمال الاستيلاء غير المشروع على مورد مغربي، بل يشمل أيضاً المسارات التي قد تنتقل عبرها السيطرة من المورد الطبيعي إلى المعرفة المرتبطة به، ومن المعرفة إلى البذور والتقنيات التجارية، ومن المدخلات إلى شروط الإنتاج، ومن الاستثمار في الأرض إلى التأثير في استخدام الماء وتوزيع القيمة المضافة. ومن خلال تتبع هذه المسارات، يمكن الانتقال من رصد الوقائع المتفرقة إلى فهم دلالتها الاستراتيجية، وتحديد ما إذا كانت تعزز قدرة المغرب على التحكم في موارده ومستقبله، أم تفتح المجال أمام تبعيات جديدة تمس أمنه الغذائي والمائي والصناعي واستقلال قراره الوطني.
أولاً: الأركان المغربي… من مورد طبيعي محلي إلى موضوع للبحث والاستنبات خارج موطنه
تمثل شجرة الأركان واحدة من أوضح الحالات التي تطرح سؤال السيادة البيولوجية المغربية. فهي ليست مجرد شجرة تنتج زيتاً مرتفع القيمة، وإنما مورد طبيعي أصيل ارتبط تاريخياً بالمجالات الجنوبية الغربية للمغرب، وبالمعارف المحلية في جمع الثمار واستخراج الزيت وتثمين مخلفاته، وبأنماط عيش واقتصاد اجتماعي تشارك فيهما تعاونيات ونساء قرويات ومجتمعات محلية.
لكن القيمة الحقيقية للأركان لا تكمن في الزيت وحده؛ إنها تشمل أيضاً خصائصه البيولوجية، وقدرته على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة، وإمكانات إكثاره وتحسين إنتاجيته، والمعارف المتراكمة حول زراعته واستعمالاته. وهذه العناصر تجعل منه مورداً استراتيجياً في اقتصاد عالمي يبحث عن نباتات قادرة على مقاومة الإجهاد المناخي وتوفير مواد أولية للصناعات الغذائية والتجميلية.
توجد هنا واقعة علمية واضحة: فقد نُشرت منذ تسعينيات القرن الماضي أبحاث حول نمو الأركان وإنتاج الزيت في صحراء النقب بإسرائيل، كما نشرت دراسات أحدث نتائج عن انتقاء أشجار الأركان المزروعة هناك وإكثارها خضرياً انطلاقاً من العقل. وتناولت هذه الأبحاث خصائص التجذير والتكاثر والاختلاف بين السلالات المنتقاة. وهذا يعني أن الأركان المغربي انتقل، منذ عقود، من مجال نموه الأصلي إلى مجال البحث الزراعي والاستنبات خارج المغرب.
لكن من حقنا أن نتساءل: كيف انتقلت هذه الشجرة إلى إسرائيل، وبأي طرق وقنوات جرى نقل بذورها أو شتلاتها، وتحت أي شروط؟ فمجرد وجود شجرة الأركان في إسرائيل وإخضاعها للأبحاث يكفي، في حد ذاته، لإثبات وقوع سرقة غير مشروعة أو انتهاك قانوني. إن الوصول إلى مصدر دقيق في هذه النازلة يقتضي تتبّع مسار انتقال المادة النباتية، والتحقق من مدى مشروعية نقلها، وما إذا كان قد تم بموافقة الجهات المعنية ووفق اتفاقات واضحة، وما إذا كانت هذه الاتفاقات تتضمن شروطاً لتقاسم المنافع الناشئة عن استغلالها. كما يستلزم الأمر فحص أي براءات اختراع أو حقوق ملكية فكرية قد تكون سُجّلت على أساس هذه الموارد الوراثية أو على تقنيات إكثارها وتطويرها. فالقضية تُحسم بمجرد وجود الأركان خارج موطنها الأصلي، وبالكشف الكيفية التي انتقلت بها، والإطار القانوني الذي حكم انتقالها، ومن يملك حق الانتفاع بها والعائد المعرفي والاقتصادي المتولد عنها.
ومع ذلك، تفرض هذه الحالة طرح السؤال الاستراتيجي الجوهري. فإذا استطاعت مؤسسات خارج المغرب تطوير تقنيات إكثار الأركان، وانتقاء سلالات عالية الإنتاج، وتوسيع زراعته في بيئات أخرى، ثم تحويل تلك المعرفة إلى منتجات قابلة للتسويق، فقد تتقلص تدريجياً الأفضلية الاقتصادية التي اكتسبها المغرب من ارتباط الأركان بأرضه وتاريخه ومعارفه المحلية.
وقد نبهت مراجعة علمية منشورة سنة 2023 حول تثمين الأركان إلى أن انتشار زراعته خارج مجاله الأصلي قد يؤثر في القيمة الاقتصادية والرمزية المرتبطة بكونه مورداً مغربياً مميزاً، خاصة إذا أصبحت منتجات الأركان المزروع خارج المغرب تنافس المنتجات المغربية دون أن تستفيد المجتمعات المحلية المغربية من القيمة المتولدة عن المعرفة المرتبطة به.
إن الخطر، إذن، ليس بالضرورة اقتلاع شجرة من أرض مغربية ونقلها إلى الخارج، بل احتمال أن يتحول مورد مغربي أصيل إلى قاعدة لنشاط بحثي وتجاري خارجي، بينما يظل المنتج المغربي محصوراً في بيع المادة الخام أو تسويقها بهوامش محدودة.
ومن هنا ينبغي أن تتحول حالة الأركان إلى ملف وطني للتدقيق في مصادر المادة النباتية التي نُقلت إلى الخارج، وفي حقوق الانتفاع الناتجة عن الأبحاث، وفي تسجيل الأصناف والبراءات، وفي مدى حماية المعارف المحلية. فالمطلوب ليس منع البحث العلمي أو احتكار الطبيعة، وإنما منع تحويل مورد مغربي ومعارف مرتبطة به إلى قيمة اقتصادية خارجية دون ضمان حقوق المغرب ومجتمعاته المحلية.
ثانياً: تمور المجهول… حين ينتشر الصنف المغربي في العالم وتبقى معركة القيمة مفتوحة
تمثل تمور المجهول مثالاً واضحاً على الفارق بين الأصل الجغرافي للمورد ومكان انتشار زراعته، وبين امتلاك الصنف من حيث منشؤه والاستفادة التجارية منه خارج موطنه الأصلي.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن صنف المجهول ينحدر من منطقة تافيلالت المغربية، وأنه نُقل إلى الولايات المتحدة سنة 1927، ثم إلى مستوطنة في فلسطين سنة 1934، أي قبل قيام دولة إسرائيل سنة 1948. كما اعترف المغرب سنة 2010 بالمؤشر الجغرافي «تمور المجهول لتافيلالت»، بما يربط هذه التسمية بمنشئها الجغرافي ويخضع إنتاجها لشروط محددة ضمن دفتر التحملات.
وتبرز هذه المعطيات أهمية التمييز بين الاعتراف بالأصل المغربي للصنف وبين امتلاك حقوق استغلاله تجارياً في الأسواق الدولية؛ فانتشار زراعته خارج المغرب لا يعني، في حد ذاته، وقوع استيلاء غير مشروع عليه، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول ظروف انتقاله، والإطار القانوني الذي نظّم ذلك، ومدى قدرة المغرب على صون القيمة الاقتصادية والمعنوية المرتبطة بأصنافه الزراعية الأصيلة.
هذه معطيات مهمة تؤكد أن تمر المجهول ليس صنفاً نشأ في إسرائيل، بل هو صنف مغربي الأصل انتقلت زراعته إلى خارج موطنه التاريخي. غير أن ذلك يفتح بدوره باب التساؤل عن الكيفية التي انتقل بها إلى الخارج، والظروف التي أحاطت بنقل فسائله أو مواده النباتية، ومدى احترام الضوابط القانونية المنظمة لذلك، فضلاً عن الحقوق المرتبطة باستغلاله والانتفاع بقيمته الاقتصادية. فالإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي توثيق مسار انتقال الصنف والتحقق من الإطار القانوني الذي حكمه، دون الخلط بين انتشاره خارج المغرب وبين إثبات وقوع استيلاء غير مشروع عليه
ومع ذلك، تطرح الحالة سؤالاً اقتصادياً بالغ الأهمية: كيف يمكن لصنف ذي أصل مغربي أن يتحول إلى نشاط تجاري واسع في بلدان أخرى، بينما تواجه مناطق إنتاجه الأصلية تحديات مرتبطة بالجفاف، وتدهور الواحات، وضعف تثمين الإنتاج، وتكاليف التجديد والتأهيل؟
إن امتلاك الصنف في الذاكرة الزراعية لا يعني تلقائياً امتلاك سوقه العالمية. فقد تتمكن دول أخرى من إنتاجه على نطاق واسع، وتحسين أساليب زراعته، وتطوير التعبئة والتسويق والتصدير، فتستحوذ على جزء من القيمة المضافة التي كان يمكن أن تتولد في بلد المنشأ.
ويزداد التحدي حين تكون لدى المنتجين في الخارج إمكانات أكبر في التمويل والتكنولوجيا والتسويق، بينما يواجه المنتج المحلي صعوبات في تحديث الواحات، ومكافحة الأمراض، وتوفير الماء، وتنظيم سلاسل التوزيع. عندئذ تصبح المنافسة غير متكافئة، حتى من دون أن تكون هناك سرقة مثبتة للصنف.
لذلك لا ينبغي أن يقتصر الدفاع عن المجهول على تسجيل المؤشر الجغرافي؛ بل يجب أن يشمل تجديد الواحات المغربية، وحماية الموارد الوراثية للنخيل، وتطوير البحث المحلي، وتحسين التعبئة والتسويق، وضمان استفادة المنتجين من السعر النهائي، ومتابعة أي محاولة لاستغلال التسمية الجغرافية خارج شروطها القانونية.
إن الدرس الاستراتيجي من المجهول هو أن الأصل المغربي لا يحمي نفسه تلقائياً. فالحماية الحقيقية تتطلب مؤسسات بحثية قوية، ونظاماً فعالاً للحقوق الزراعية، وسلاسل إنتاج وتصدير قادرة على تحويل الأصل التاريخي إلى تفوق اقتصادي مستدام.
ثالثاً: البذور الإسرائيلية في المغرب… واقعة موثقة وأسئلة تتجاوز مجرد الاستيراد
إذا كانت حالة الأركان تطرح سؤال نقل الموارد والمعرفة، فإن ملف البذور يضعنا أمام علاقة مباشرة بين الشركات الأجنبية والقدرة الإنتاجية للفلاحة المغربية.
في يوليوز 2025، نشرت صحيفة «هسبريس» تقريراً يفيد بأن قراراً وزارياً مغربياً رقم 1467.25، صدر في يونيو ونُشر في الجريدة الرسمية، أتاح تسجيل سبعة أصناف من الطماطم طورتها شركات إسرائيلية، ضمن أصناف أخرى من مصادر مغربية وأجنبية. وذكر التقرير أصنافاً مثل RESILIA وMINIRUBI وVIGORIS وELSA وSOLANGE وGIUBILO وNEMETON، مرتبطة بثلاث شركات إسرائيلية أو شركات ذات حضور إسرائيلي.
كما أوضح التقرير، نقلاً عن مصدر مأذون، أن تسجيل الأصناف يخضع لمساطر رسمية تشمل تجارب ميدانية وفحوصاً للتحقق من التميز والتجانس والثبات، وأن تسجيل صنف في السجل الرسمي لا يعني بالضرورة أن الشركة الأجنبية نفسها هي التي تستورده مباشرة إلى المغرب.
هذه نقطة لا ينبغي إغفالها: تسجيل صنف إسرائيلي المنشأ واقعة يمكن التحقق منها، لكنه ليس دليلاً على أن الصنف مسروق من المغرب أو أنه يضر بالفلاحين بالضرورة. فالتحدي الاستراتيجي يكمن في طبيعة العلاقة التي تنشأ بعد إدخاله إلى السوق.
عندما يعتمد الإنتاج الفلاحي على أصناف هجينة تطورها شركات خارجية، يمكن أن تتزايد تبعية الفلاح للموردين الذين يملكون البذور أو حقوق استغلالها، خصوصاً إذا ارتبطت تلك البذور بحزم من المدخلات الزراعية، أو بمتطلبات محددة في الري والتسميد والمكافحة والتسويق. وقد يؤدي ذلك إلى تضييق المجال المتاح للبذور المحلية، وإضعاف الاستثمار في برامج وطنية لاستنباط أصناف تتلاءم مع حاجات الفلاحين المغاربة والظروف المناخية والمائية للمملكة.
ويجب هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:
أولاً، الاستيراد القانوني للبذور، وهو أمر لا يثبت في ذاته وجود استغلال أو قرصنة.
ثانياً، التبعية التقنية والتجارية، التي قد تنشأ حين تصبح المزارع معتمدة على أصناف أو مدخلات لا تستطيع إنتاجها محلياً أو استبدالها بسهولة.
ثالثاً، الاستيلاء غير المشروع على الموارد الوراثية، وهو ادعاء يحتاج إلى أدلة محددة حول منشأ المادة الوراثية، وحقوقها، وظروف الحصول عليها، وأي انتهاك قانوني وقع بشأنها.
المشكلة الاستراتيجية ليست أن تكون البذور أجنبية فحسب، بل أن يفقد المغرب القدرة على التفاوض من موقع القوة، وأن تصبح خياراته الزراعية مرهونة بقرارات عدد محدود من الشركات.
ويزداد هذا السؤال أهمية عندما يتعلق الأمر بالطماطم والبطيخ الأحمر، وهما من الزراعات التي تشغل حيزاً مهماً في الإنتاج التجاري المغربي. فهناك شركات إسرائيلية تعمل في تطوير بذور الطماطم والبطيخ، لكن لا يجوز استنتاج أن كل البذور المتداولة في المغرب إسرائيلية، أو أن أصناف البطيخ المغربي سُرقت، دون بيانات جمركية وتجارية وسجلات أصناف محددة.
لذلك ينبغي نشر بيانات مفصلة حول أصناف الطماطم والبطيخ المسجلة في المغرب، والشركات المطورة لها، والجهات التي تستوردها، وحقوق الملكية الفكرية المتعلقة بها، ونسبة اعتماد المزارع عليها، وكلفة البذور والمدخلات المرتبطة بها. وينبغي كذلك الاستثمار في بنك وطني للموارد الوراثية، وبرامج تربية نباتية مغربية، وأصناف محلية مقاومة للجفاف والحرارة والأمراض.
فالسيادة على البذور لا تعني إغلاق السوق أمام العالم، وإنما امتلاك بدائل وطنية تجعل الاستيراد خياراً لا ضرورة مفروضة.
رابعاً: البطيخ الأحمر والطماطم… بين اقتصاد التصدير واختبار الأمن المائي
لا يمكن اختزال النقاش حول البذور في جنسية الشركة المطورة. فالسؤال الأعمق يتعلق بالنموذج الزراعي الذي تختاره الدولة: هل تُوجَّه الزراعة لخدمة الأمن الغذائي المحلي واستدامة الموارد، أم لتوسيع الإنتاج التجاري والتصدير حتى عندما تكون الكلفة المائية والبيئية مرتفعة؟
قد تكون بعض الأصناف التجارية أكثر إنتاجية أو أكثر تحملاً لظروف معينة، لكنها قد تفرض في المقابل اعتماداً على بذور جديدة في كل موسم أو على مدخلات محددة، بحسب طبيعة الصنف وشروط استخدامه. ولا يصح تعميم هذه الخصائص على جميع البذور الهجينة، لأن بعضها قد يقدم بالفعل مزايا إنتاجية أو مقاومة للأمراض.
غير أن اعتماد أصناف عالية المردودية لا يكفي وحده لتقييم جدواها الوطنية. ينبغي احتساب كمية الماء المستهلكة، وكلفة المدخلات المستوردة، وتوزيع الأرباح، وأثر الإنتاج على أسعار الغذاء محلياً، ومدى قدرة الفلاح على الاحتفاظ بجزء عادل من القيمة المضافة.
في حالة البطيخ الأحمر، مثلاً، ينبغي أن يركز التدقيق على المناطق التي تتوسع فيها زراعته تحت ظروف ندرة الماء، وعلى تراخيص الضخ، وحالة الفرشات المائية، ومدى احترام القيود المفروضة على الزراعات المستنزفة للمياه. أما نسبة هذه الممارسات إلى بذور إسرائيلية بعينها، فهو ما يوفر لنا حقيقة أن شركات إسرائيلية تطور أصنافاً من البطيخ وهو في حد ذاته دليل كافي لإثباتها.
وبالمثل، فإن توسع إنتاج الطماطم الموجهة للتصدير قد يدعم الدخل وفرص الشغل، لكنه يثير أسئلة حول توازن المصالح بين التصدير وتوفير الغذاء للسوق الداخلية، وحول الاعتماد على البذور والمدخلات الأجنبية، وحول الأثر البيئي للإنتاج المكثف.
إن المسألة هنا ليست صراعاً بين بذور مغربية وأخرى أجنبية فحسب، بل صراع بين نموذج يجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الاستقلالية الوطنية، ونموذج قد يحول التكنولوجيا إلى قناة للتبعية التجارية واستنزاف الموارد.
خامساً: الأفوكا والاستثمار الزراعي الإسرائيلي… من ملكية الأرض إلى التحكم في الماء
تبدو قضية الأفوكا أكثر وضوحاً عندما ننتقل من البذور إلى الأرض والماء.
في تقرير نشره مشروع «Middle East Research and Information Project» في أكتوبر 2025، أُشير إلى أن شركة Mehadrin الإسرائيلية أعلنت عن مشروع لزراعة الأفوكا على مساحة تبلغ 455 هكتاراً في المغرب، باستثمار معلن يقارب ثمانية ملايين دولار، وبهدف تصدير نحو عشرة آلاف طن سنوياً.
كما نقل التقرير تقديراً لوزارة الفلاحة يفيد بأن ري هكتار واحد من الأفوكا بالتنقيط قد يحتاج إلى ما بين أربعة آلاف وثمانية آلاف متر مكعب من الماء سنوياً. وبناء على هذا التقدير، فإن المساحة المعلنة البالغة 455 هكتاراً قد تحتاج نظرياً إلى نحو 1.82 إلى 3.64 ملايين متر مكعب من الماء سنوياً، إذا كانت جميع المساحة مزروعة وتُروى وفق هذا المعدل.
هذا حساب تقريبي، وليس قياساً منشوراً للاستهلاك الفعلي للمشروع. وهنا، وبمناسبة الإعلان عن أي مشروع أو استثمار، يحق لنا أن نتساءل عن الصيغة القانونية التي تعتمدها الشركة الأجنبية للاستثمار في أرض مغربية: هل تملكت العقار، وبأي طريقة؟ أم تعتمد على الكراء، أو على الشراكة مع مستثمر مغربي، أو على حقوق الاستغلال الزراعي؟ فهذه تفاصيل جوهرية لفهم طبيعة الاستثمار وحدود الحقوق المترتبة عليه، ولا يجوز حسمها بالافتراض أو الاستنتاج، بل ينبغي التحقق منها بالرجوع إلى السجلات العقارية والعقود والوثائق القانونية ذات الصلة.
ومع ذلك، فإن المشروع يثير سؤالاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله: ما الجدوى الوطنية من تخصيص مساحات واسعة لزراعة موجهة أساساً للتصدير، إذا كانت كلفتها المائية تضغط على مناطق تعاني أصلاً من الإجهاد المائي؟
الماء ليس مجرد عنصر إنتاج يمكن حساب ثمنه في دفتر المقاولة؛ إنه مورد مشترك يرتبط بمياه الشرب، وباستمرار النشاط الفلاحي المحلي، وبقدرة الواحات والأنظمة البيئية على الصمود. وقد تكون زراعة الأفوكا مربحة للمستثمر، لكنها لا تصبح بالضرورة خياراً وطنياً سليماً إذا كانت الأرباح الخاصة لا تعكس الكلفة الحقيقية لاستنزاف المياه الجوفية.
وتتفاقم المخاطر إذا كانت أسعار الماء أو شروط الولوج إليه لا تعكس ندرته، أو إذا لم تكن هناك رقابة فعالة على حجم الضخ، أو إذا استفاد مشروع تجاري من موارد مائية يحتاج إليها السكان والفلاحون الصغار.
ومن هنا، لا يكفي السؤال عما إذا كانت الشركة إسرائيلية أو مغربية أو أوروبية. ينبغي أولاً معرفة كمية الماء المرخص بها والمستهلكة فعلياً، ومصدره، وحالة الفرشة المائية، وحجم القيمة المضافة التي تبقى في المغرب، وعدد فرص الشغل ونوعيتها، ومدى استفادة الفلاحين المحليين، وشروط تصدير الإنتاج.
لكن خصوصية الشركة الإسرائيلية تجعل التدقيق أكثر أهمية في السياق السياسي الراهن، لا لأن جنسيتها تثبت المخالفة، بل لأن الاستثمار الزراعي يتقاطع هنا مع علاقة استراتيجية حساسة، ومع قطاع حيوي يتعلق بالأمن الغذائي والمائي.
إن الأرض قد تبقى مغربية قانونياً، بينما تتوزع السيطرة الاقتصادية على البذور والتكنولوجيا والتسويق والتمويل في الخارج. وقد يبقى الماء داخل الحدود، لكن استخدامه يخدم سلسلة إنتاج تُصدّر قيمتها إلى الأسواق الخارجية، فيما تتحمل المنطقة جزءاً من الكلفة البيئية. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية على الموارد.
سادساً: النحل والتين الهندي… كيف نحمي الأمن البيولوجي دون تحويل الشك إلى اتهام؟
يحتاج ملف النحل والتين الهندي إلى مقاربة دقيقة، لأنه يكشف مخاطر حقيقية على الأمن البيولوجي، لكنه لا يقدم، في المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها، دليلاً على أن جهة اجنبية تعمدت إلحاق الضرر بهذين الموردين.
في يناير 2022، أُعلن في المغرب عن ظاهرة انهيار أو اختفاء أعداد من طوائف النحل في مناطق متعددة. وتناولت دراسات وتقارير علمية عوامل محتملة، منها الجفاف والتغيرات المناخية والمبيدات والطفيليات والفيروسات. وأظهرت دراسة ميدانية شملت مربي النحل في جهة بني ملال–خنيفرة أن عدداً كبيراً منهم أبلغ عن نفوق النحل أو تراجع نشاطه، كما بحثت الدراسة في التعرض للمبيدات باعتباره أحد العوامل الممكنة.
لكن تزامن هذه الظاهرة مع توسع بعض الأنشطة الفلاحية أو استخدام بذور أجنبية لا يثبت وجود علاقة سببية مباشرة. ولإثبات أثر شركة أو منتج بعينه، يلزم تحليل المبيدات المستخدمة، وتحديد المواد الفعالة ومصادرها، وإجراء فحوص مخبرية للنحل والبيئة المحيطة، وربط النتائج بأنماط التعرض والتوقيت والموقع.
أما التين الهندي، فقد وثقت المنظمة الأوروبية والمتوسطية لوقاية النباتات ظهور الحشرة القرمزية المدمرة للتين الهندي في المغرب سنة 2014، ثم رصدها في مناطق أخرى خلال 2015. وتسبب هذه الحشرة أضراراً كبيرة للصبار، الذي يؤدي وظائف اقتصادية وبيئية مهمة في المناطق الجافة وشبه الجافة، إذ يوفر الغذاء والعلف ويساهم في مقاومة التعرية والتصحر.
وقد تراجعت مساحات واسعة من التين الهندي في بعض المناطق بسبب انتشار هذه الآفة. وتُظهر هذه الحالة كيف يمكن لآفة نباتية أن تتحول إلى تهديد للاقتصاد المحلي وللتوازن البيئي ولدخل الأسر التي تعتمد على هذه الزراعة.
لكن إثبات أن الحشرة أُدخلت عمداً، أو أنها مرتبطة بجهة إسرائيلية، يحتاج إلى أدلة وبائية وجينية وتجارية موثوقة. فلا يكفي أن تكون إسرائيل أو شركاتها ناشطة في قطاع البذور والتكنولوجيا الزراعية حتى تُنسب إليها آفة ظهرت في المغرب.
ومع ذلك، فإن الدرس الأمني واضح: إن حماية الموارد الزراعية المغربية تقتضي نظاماً قوياً للرقابة على البذور والشتلات والمواد النباتية المستوردة، ورصداً مبكراً للآفات، وتتبعاً لمصادرها، وتطوير أصناف مقاومة، وتعويض المتضررين، وحماية المعرفة المحلية المرتبطة بالزراعات التقليدية.
إن الأمن البيولوجي لا يتحقق بامتلاك القدرة على معرفة ما يدخل إلى البلاد، ومن أين يأتي، وما يحمله، وما إذا كان يشكل خطراً على النباتات والحيوانات والأنظمة البيئية.
سابعاً: من التعاون التقني إلى النفوذ الاقتصادي… لماذا تستحق العلاقة مع إسرائيل تدقيقاً خاصاً؟
لا ينبغي أن يُفهم التمييز بين إسرائيل وسائر الشركاء الدوليين باعتباره إعفاءً للشركات الأخرى من الرقابة أو اتهاماً مسبقاً للشركات الإسرائيلية. فكل استثمار أجنبي في الموارد الحيوية يستحق فحصاً دقيقاً، أياً كانت جنسية المستثمر.
لكن السياق المغربي الإسرائيلي يكتسي خصوصية سياسية واستراتيجية تجعل تدقيق العقود والبيانات أكثر إلحاحاً. فالعلاقات التي توسعت بعد استئناف العلاقات الرسمية سنة 2020 لم تعد محصورة في المجال الدبلوماسي والتبادل التجاري، بل امتدت إلى التكنولوجيا الزراعية، وتقنيات الري، والبحث العلمي، والشراكات الجامعية، والاستثمار في الإنتاج الموجّه للتصدير. وهنا تبرز ضرورة قراءة هذا التوسع في ضوء ما تمثله إسرائيل من مصالح وأهداف استراتيجية بعيدة المدى، وما قد يترتب عليها من مخاطر محتملة على استقلالية القرار المغربي إذا لم تُحط الشراكات بضمانات قانونية وتقنية واضحة.
ومن الأمثلة على ذلك شركة Netafim المتخصصة في تقنيات الري بالتنقيط، التي افتتحت مصنعاً في القنيطرة سنة 2023، إلى جانب اتفاقات للتعاون الزراعي والبحثي. ومع أننا لا نملك، إلى حدود الساعة، أدلة تثبت أن الشركة تمارس التجسس أو تستغل بيانات المزارعين بصورة غير مشروعة، فإن ذلك لا يلغي مشروعية التساؤل عن طبيعة البيانات التي تجمعها المنصات الزراعية، والجهات التي يمكنها الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها، وشروط استخدامها، وإمكانية نقلها خارج المغرب. فالمطلوب ليس إطلاق اتهامات دون دليل، بل ضمان ألا تتحول الشراكات التكنولوجية، مهما كانت فوائدها الاقتصادية، إلى منافذ محتملة للتبعية أو المساس بأمن البيانات والمعطيات الاستراتيجية للقطاع الزراعي المغربي.
فبيانات المزرعة ليست مجرد معلومات تقنية محايدة. قد تشمل مواقع الأراضي، والمحاصيل، وأنماط الإنتاج، واستهلاك الماء، ومواعيد الزراعة والحصاد، والمشكلات التي تواجه الفلاح. وعندما تُجمع هذه البيانات على نطاق واسع، يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي واستراتيجي له قيمة كبيرة في فهم السوق الزراعية وتحديد فرص الاستثمار والتنافس.
لذلك ينبغي أن تنص العقود الزراعية والتكنولوجية على قواعد واضحة لملكية البيانات، ومكان تخزينها، والجهات المخولة بالوصول إليها، وشروط مشاركتها مع أطراف أخرى، وحق الدولة في التدقيق المستقل. كما ينبغي أن تكون هناك ضمانات تحول دون ربط المزارع بمنصة أو نظام تقني واحد على نحو يمنعه من تغيير المزود أو استرجاع بياناته.
ويجب ألا تقتصر المراجعة على الشركات الإسرائيلية، بل تشمل جميع الشركات الأجنبية والمحلية التي تدير أنظمة رقمية أو مدخلات استراتيجية. غير أن خصوصية العلاقة السياسية مع إسرائيل تبرر إخضاع الاتفاقات المرتبطة بها لمراجعة أمنية وقانونية دقيقة، خصوصاً عندما تتصل بالماء والبذور والبيانات والموارد الوراثية.
ثامناً: ما الذي يجعل هذه الحالات مسألة أمن قومي؟
قد يبدو الأركان والمجهول والطماطم والبطيخ والأفوكا والنحل والتين الهندي ملفات منفصلة. لكنها تلتقي عند خمس دوائر استراتيجية:
1. السيادة على الموارد الوراثية.
إذا انتقلت مواد نباتية مغربية إلى الخارج دون توثيق كافٍ لشروط نقلها أو حقوق الانتفاع بها، فقد يفقد المغرب فرصاً علمية واقتصادية. ويتطلب ذلك جرداً للموارد الوراثية، وتتبعاً لحركة العينات والشتلات، وحمايةً للمعارف المحلية، وتطبيقاً فعلياً للقواعد المنظمة للوصول إلى الموارد وتقاسم منافعها.
2. السيادة على البذور.
حين يعتمد الفلاح على أصناف لا يملك تطويرها أو استبدالها، قد يصبح أكثر تعرضاً لتقلب الأسعار وشروط الموردين وتغير سياسات الشركات. ويكون الرد بتقوية البحث الوطني، وحفظ الأصناف المحلية، وتطوير بدائل تجارية قادرة على المنافسة.
3. السيادة على الماء.
إن توسع الزراعات الموجهة للتصدير في مناطق تعاني من الإجهاد المائي قد يخلق تعارضاً بين الربح الخاص والمصلحة العامة. وينبغي ربط الترخيص الزراعي بتقييم مائي شفاف، وتحديد سقوف للضخ، ومراقبة الاستهلاك الفعلي، ومحاسبة المستثمر على الكلفة البيئية التي يتحملها المجال المحلي.
4. السيادة على المعرفة والبيانات.
تمنح التكنولوجيا الزراعية قيمة كبيرة لمن يملك البيانات والخوارزميات وأنظمة التشغيل. ولهذا يجب أن تكون الشراكات التقنية مصممة لنقل المعرفة وبناء قدرات مغربية، لا لمجرد بيع الخدمات وجمع البيانات.
5. السيادة على القرار الزراعي.
إذا أصبحت قرارات الزراعة مرتبطة أساساً بمتطلبات التصدير أو بعروض الشركات أو بتوافر البذور المستوردة، فقد تتراجع قدرة الدولة على توجيه الإنتاج وفق حاجات الأمن الغذائي والمائي. ويقتضي ذلك أن تكون الأولويات الوطنية واضحة وقابلة للقياس، وأن تخضع الاستثمارات الزراعية لتقييم مستقل للمنافع والتكاليف.
إن الخطر الاستراتيجي لا يتطلب بالضرورة وجود خطة سرية موحدة. فقد تتراكم آثار قرارات استثمارية وتجارية منفصلة، كل منها قانوني في ظاهره، لتنتج في مجموعها تبعية تقنية أو ضغطاً مائياً أو تراجعاً في القدرة الوطنية على التحكم في الموارد.
ولهذا فإن الذكاء الاستراتيجي لا يكتفي بالبحث عن «فاعل خفي»، بل يدرس بنية العلاقات، وموازين القوة، وتوزيع المعلومات، ومن يملك البدائل، ومن يستطيع الانسحاب من العلاقة بأقل كلفة.
تاسعاً: من التشخيص إلى الفعل… برنامج لحماية السيادة البيولوجية والفلاحية
إذا كان الهدف هو الانتقال من الخطاب إلى سياسة عمومية واضحة وقابلة للتنفيذ، فإن المرحلة الراهنة، ونحن على أعتاب تشكيل حكومة جديدة وتنصيب مجلس نيابي جديد، تتيح فرصة لطرح هذه القضايا ضمن الأولويات الوطنية. وانطلاقاً من مسؤوليتنا الفكرية والتاريخية، كمواطنين يحملون همّ الوطن وينشغلون بحماية مصالحه وصون مقدراته، ويسعون إلى الإسهام في تعزيز سيادة الدولة المغربية واستقلالية قرارها الاستراتيجي، يمكن اقتراح برنامج وطني يقوم على ستة مسارات متكاملة، تروم تحويل اليقظة إلى إجراءات عملية، والمخاوف المشروعة إلى آليات مؤسساتية للوقاية والحماية.
أولاً: فتح ملفات الموارد الوراثية ذات الأولوية.
ينبغي إعداد سجل وطني لمصادر الأركان والمجهول والموارد النباتية المحلية ذات القيمة التجارية، مع تتبع انتقال العينات والشتلات إلى الخارج، وفحص الاتفاقات البحثية وبراءات الاختراع والحقوق المرتبطة بالأصناف وتقنيات الإكثار. ويجب أن يكون الهدف تحديد ما إذا كانت الحقوق الوطنية مصانة، لا إطلاق أحكام مسبقة.
ثانياً: نشر بيانات البذور بشكل قابل للتدقيق.
يتعين نشر قائمة محدثة بالأصناف المسجلة في المغرب، والشركات المطورة لها، والجهات التي قدمت طلبات تسجيلها، ومصدر المادة الوراثية، وحقوق الاستغلال المعلنة، مع احترام المعلومات التجارية المحمية قانوناً. وينبغي تخصيص تقارير دورية للطماطم والبطيخ والمحاصيل التي يعتمد عليها الإنتاج التجاري بكثافة.
ثالثاً: إخضاع الاستثمارات الزراعية لتقييم مائي معلن.
يجب نشر بيانات المشاريع الكبرى التي تتطلب استهلاكاً مائياً مرتفعاً، بما في ذلك المساحة المزروعة، وحجم الماء المرخص به، ومصدره، والاستهلاك السنوي الفعلي، وأثر المشروع على الفرشة المائية المحلية. وينبغي ألا يُحسم تقييم المشروع على أساس عدد الوظائف أو قيمة الصادرات وحدهما، بل أيضاً على أساس كلفته المائية والاجتماعية.
رابعاً: تعزيز الأمن البيولوجي.
تقتضي حماية النحل والصبار وبقية الزراعات المحلية تطوير نظام وطني للإنذار المبكر، ومراقبة حركة الشتلات والمواد النباتية، وتحليل مصادر الآفات، وإجراء فحوص مخبرية مستقلة، وتنسيق العمل بين مؤسسات البحث والمصالح الزراعية والمربين والفلاحين.
خامساً: جعل نقل المعرفة شرطاً في الشراكات الاستراتيجية.
ينبغي أن تتضمن الاتفاقات مع الشركات الأجنبية برامج لتكوين الباحثين والتقنيين المغاربة، وتطوير البحث المحلي، وإتاحة الصيانة والتشغيل محلياً، وضمان الوصول إلى البيانات الزراعية، وتحديد قواعد واضحة بشأن الملكية الفكرية الناتجة عن الأبحاث المشتركة.
سادساً: حماية المنتجين المحليين من اختلال توزيع القيمة.
لا تكفي زيادة الصادرات إذا ظلت الأرباح الكبرى مركزة في حلقات البذور والتكنولوجيا والتعبئة والتسويق خارج المغرب. ولهذا ينبغي دعم التعاونيات، وتطوير الصناعات التحويلية المحلية، وتحسين الولوج إلى التمويل، وتشجيع البحث الزراعي الوطني، وتعزيز قدرة الفلاحين على التفاوض داخل سلاسل القيمة.
خاتمة: ليست القضية من يزرع في المغرب، بل من يملك شروط الزراعة
إن الأركان والمجهول والبذور التجارية والأفوكا والنحل والتين الهندي ليست مجرد أمثلة متفرقة في النقاش الزراعي؛ إنها مداخل لفهم التحولات التي تطال العلاقة بين الأرض والمعرفة ورأس المال والسيادة.
فالأركان يطرح سؤال مصير الموارد الوراثية المغربية عندما تصبح موضوعاً للبحث والاستنبات خارج موطنها. والمجهول يكشف أن الأصل المحلي لا يضمن وحده التفوق التجاري. والبذور تطرح مسألة القدرة على التحكم في المدخلات الزراعية. والأفوكا تضع الماء في قلب المعادلة بين الاستثمار الخاص والمصلحة العامة. أما النحل والتين الهندي فيذكران بأن الأمن البيولوجي جزء لا يتجزأ من الأمن الغذائي والبيئي.
وتبرز خصوصية العلاقة مع إسرائيل لأن هذه الملفات تتقاطع مع سياق سياسي حساس، ومع توسع شركات إسرائيلية في قطاعات زراعية وتكنولوجية ذات أهمية استراتيجية. وهذا يبرر رقابة مشددة وشفافية أكبر ومراجعة دقيقة للعقود والبيانات والحقوق المرتبطة بالموارد الحيوية، لكنه لا يعفي التحليل من التمييز بين الوقائع المثبتة والشكوك والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة.
إن القرصنة البيولوجية، بمعناها القانوني الدقيق، تُبحث من خلال مصدر الموارد الوراثية، وشروط الوصول إليها، وحقوق المجتمعات المحلية، وتقاسم المنافع، والملكية الفكرية، ومدى احترام القوانين والاتفاقات ذات الصلة. أما التبعية الزراعية واستنزاف الماء واختلال توزيع القيمة، فهي مخاطر يمكن تقييمها ببيانات اقتصادية ومائية وتقنية واضحة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة ضد جنسية بعينها، بل معركة من أجل ألا يتحول المغرب إلى سوق للمدخلات الزراعية، ومجال لاستنزاف الماء، ومصدر للمواد الخام، بينما تُراكم الأطراف الأخرى المعرفة والحقوق والأرباح.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل خصوصية إسرائيل السياسية والاستراتيجية، ولا التعامل مع التعاون معها كما لو كان منفصلاً عن السياق الذي نشأت فيه العلاقات الحالية. المطلوب هو أن تخضع الشراكات معها، كما تخضع سائر الشراكات الحيوية، لمعيار صارم يضع السيادة الوطنية والمصلحة العامة فوق أي اعتبار تجاري أو سياسي.
فالسيادة الفلاحية ليست أن تبقى الأرض داخل الحدود فحسب، بل أن يملك المغرب القدرة على اختيار ما يزرعه، وبأي بذور، وبأي كلفة مائية، ولمن يبيع، ومن يستفيد من المعرفة المتولدة عن موارده. وعندما يمتلك هذه القدرة، يصبح التعاون أداة لتقوية الاستقلالية؛ أما حين يفقدها، فقد تتحول الشراكة، حتى من دون مخالفة قانونية ظاهرة، إلى قناة لتكريس التبعية.
إن حماية الثروة البيولوجية المغربية تبدأ من معرفة ما نملكه، وتتقدم بتحديد من ينتفع به، ولا تكتمل إلا بامتلاك القدرة العلمية والقانونية والاقتصادية على صون موارده وتحويلها إلى قوة وطنية مستدامة.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
المصادر التي يسند عليها المقال
- الأركان: دراسة عن نمو الأركان وإنتاج الزيت في صحراء النقب بإسرائيل، منشورة سنة 1994 في مجلة Industrial Crops and Products، ودراسة أحدث حول إكثار أشجار الأركان المزروعة في إسرائيل. الدراسة الأولى · الدراسة الثانية
- المجهول: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تذكر أن الصنف أصله من تافيلالت، وأنه أُدخل إلى الولايات المتحدة سنة 1927 وإلى إسرائيل سنة 1934. مرجع FAO. كما اعترف المغرب بالمؤشر الجغرافي «تمور المجهول لتافيلالت» سنة 2010. مرجع WIPO
- بذور الطماطم الإسرائيلية: تقرير «هسبريس» في 16 يوليوز 2025 بشأن تسجيل سبعة أصناف طماطم طورتها شركات إسرائيلية، مع توضيح أن التسجيل يمر عبر مسطرة رسمية ولا يثبت بحد ذاته وقوع قرصنة. التقرير. السجل الرسمي للأصناف لدى ONSSA
- الأفوكا والاستثمار الإسرائيلي: تقرير «Middle East Research and Information Project» الصادر في أكتوبر 2025، ويتناول مشروع Mehadrin المعلن بمساحة 455 هكتاراً، وتقديرات احتياجات الري ومخاوف الضغط على الموارد المائية. التقرير
- التين الهندي: المنظمة الأوروبية والمتوسطية لوقاية النباتات توثق رصد الحشرة القرمزية في المغرب سنة 2014–2015 والأضرار التي تسببها للصبار. قاعدة بيانات EPPO
- النحل: دراسة ميدانية حول المبيدات وصحة النحل وانهيار الطوائف في جهة بني ملال–خنيفرة. الدراسة
- المراجع الرسمية والأكاديمية ألتي بني عليها المقال يستند الى أرقام موثوقة : المغرب يضم أكثر من 24 ألف نوع حيواني و7 آلاف نوع نباتي وفق معطيات وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، فيما تقدر دراسة أكاديمية منشورة سنة 2024 عدد الأنواع النباتية الوعائية وشبه الأنواع في الجرد المغربي بنحو 5,211، منها قرابة 800 ذات استعمالات طبية أو عطرية. هذه الأرقام تعود إلى عمليات جرد ومناهج مختلفة، لذلك لا ينبغي جمعها أو التعامل معها باعتبارها قياساً واحداً.
environnement.gov.ma
+1
- وتبرز فجوة أكثر دلالة: صادق المغرب على بروتوكول ناغويا سنة 2022، ودخل حيز التنفيذ بالنسبة إليه في 21 يوليوز من السنة نفسها، لكن سجل آلية تبادل معلومات الحصول وتقاسم المنافع التابعة لاتفاقية التنوع البيولوجي، في بياناته المتاحة، لا يعرض حتى الآن سلطة وطنية مختصة مُدرجة أو شهادات امتثال دولية معترفاً بها للمغرب. هذه مؤشرات على ما هو مسجل في الآلية الدولية، وليست وحدها دليلاً على غياب كل إجراء إداري أو وقوع قرصنة.
Collection des Traités de l’ONU
+1
- وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية — التقييم الوطني للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية: الصفحة الرسمية بالعربية.
environnement.gov.ma
- دراسة مراجعة علمية (2024) — Moroccan aromatic and medicinal plants: A review of economy, ethnobotany, chemical composition, and biological activities: الدراسة المنشورة في Food and Humanity.
ScienceDirect
- الأمم المتحدة، مجموعة المعاهدات — تصديق المغرب على بروتوكول ناغويا في 22 أبريل 2022: سجل التصديق الرسمي.
Collection des Traités de l’ONU
- اتفاقية التنوع البيولوجي — ملف المغرب في آلية الحصول وتقاسم المنافع، ويشمل المعلومات المسجلة بشأن الإجراءات والسلطات والشهادات: الملف الوطني للمغرب.
Access and Benefit-Sharing Clearing-House
- وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة — شرح بروتوكول ناغويا والإطار المغربي المتعلق بالحصول على الموارد الجينية وتقاسم المنافع: المرجع الرسمي المغربي.
environnement.gov.ma
- المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO Lex) — القانون المغربي رقم 9.94 بشأن حماية المستنبطات النباتية: نص القانون ومعلوماته التشريعية.
WIPO


