إسرائيل تتوجه إلى صناديق الاقتراع: حكومة الإنكار

نشرت مجلة “إيسبري” (Esprit) الفرنسية في عددها الأخير مقالا عن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة جاء فيه؛ أنه في خضم الحملة الانتخابية الجارية استعداداً للانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، تغيب القضية الفلسطينية تماماً عن المشهد؛ إذ يغلق اليمين الباب أمامها عبر التمسك بمشروع “إسرائيل الكبرى”، في حين تلتزم المعارضة الصمت حيالها. إن هذا الإنكار ليس مجرد تهرب، بل هو نهجٌ في الحكم.

جان-ماكسنس غرانييه

في الثاني من سبتمبر 2026، وخلال زيارة لمدرسة “اليشيفا” الدينية في سديروت -التي تقع على بعد بضعة كيلومترات من غزة- استمع بنيامين نتنياهو إلى طلاب ينشدون أمامه أغنية “زخرينا نا” (Zochreini Na). وهي أغنية انتقامية أُلفت عام 1996 استناداً إلى دعاء شمشون ضد الفلسطينيين، حيث جرت العادة لدى المؤدين على استبدال كلمة “الفلسطينيين” بكلمة “فلسطين”. ابتسم نتنياهو؛ وجرى تصوير المشهد وبثه والتعليق عليه ليوم واحد، ثم تلاشى أثره.

إن ما يستحق الاهتمام ليس الأغنية بحد ذاتها، بل ردود الفعل المحدودة التي أثارتها؛ إذ لم يرَ أي مرشح في هذا الأمر مادةً صالحة للحملة الانتخابية. ومع ذلك، فإن هذه المسألة ليست غائبة عن الاقتراع؛ فحزب الليكود يتحدث عنها بلا كلل ويطرح خياراً يصيغه بوضوح تام: “دولة فلسطينية أم دولة يهودية”، وذلك عبر ملصقات تظهر فيها صور -تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي- لغادي آيزنكوت محاطاً بقادة الأحزاب العربية. إن المحظور هنا لا يتعلق بالمسألة ذاتها، بل بإمكانية تقديم إجابة مغايرة لها. والحال أن الأمر يتعلق بمصير سبعة ملايين فلسطيني: خمسة ملايين يخضعون منذ عام 1967 لإدارة الدولة التي يجري انتخاب برلمانها دون أن يتمتعوا بحقوق سياسية، ومليونان يشاركون في هذا الاقتراع دون أن يتم توجيه الخطاب إليهم. وسيحسم يوم 27 أكتوبر مصيرهم، في ختام حملة ساد فيها الاعتقاد بأن هذا الموضوع ليس هو القضية المطروحة.

مشهد سياسي بلا بديل

تُظهر استطلاعات الرأي لشهر أكتوبر أن رصيد نتنياهو وحزب “الليكود” يتراوح بين 19 و23 مقعداً – مقابل 32 مقعداً في الكنيست المنتهية ولايته – ومع ذلك يظل الحزب الركيزة الحتمية لأي ائتلاف يميني. وتتمحور حوله كتلتان: الأولى هي اليمين القومي المتطرف، المتمثل في حزبي “عوتسما يهوديت” (بقيادة إيتامار بن غفير) و”الصهيونية الدينية” (بقيادة بتسلئيل سموتريتش)، اللذين يتبنيان مشروع ضم الضفة الغربية والدعوة إلى “تشجيع هجرة” الفلسطينيين “سواء من غزة أو من يهودا والسامرة”. أما الكتلة الثانية فتضم الأحزاب الحريدية (اليهودية المتشددة) – “شاس” و”يهدوت هتوراة” (يهودية التوراة الموحدة) – التي تحظى بما بين 15 و16 مقعداً؛ وهي تشارك في الائتلاف دون تبني هذه الأيديولوجيا المتعلقة بالأراضي، إذ ينصبّ اهتمامها الأساسي على مسألة إعفاء ناخبيها من الخدمة العسكرية.

وفي المقابل، لم يعد المعسكر الأبرز في الجانب الآخر معارضةً يسارية منذ فترة طويلة، بل أصبح معارضةً يمينية. إذ يُتوقع أن يحصل حزب “ياشار” – حزب رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت – على 22 مقعداً، منافساً بذلك “الليكود” بقوة، كما يلاحق زعيمه نتنياهو في استطلاعات الرأي حول الشخصية الأنسب لمنصب رئيس الوزراء. ويخوض آيزنكوت – وهو والد لجندي قُتل في غزة في ديسمبر 2023 – حملته الانتخابية معتمداً على صورته كشخصية تحظى بإجماع واسع، لا على برنامج سياسي محدد؛ ونظراً لأنه لم يطلب من الناخبين تفويضاً لإحداث تغيير، فإنه قد يصل إلى السلطة دون أن يكون قد مهد الطريق لسياسة مغايرة. وخلفه تأتي القائمة المشتركة لنفتالي بينيت ويائير لابيد، المسماة “معاً” (Together) – والتي أُعلن عنها في أبريل بقيادة بينيت – حيث يُتوقع أن تحصد 13 مقعداً، بينما يحظى حزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان – وهو حزب قومي علماني يعارض الإعفاءات الممنوحة للحريديم – بتسعة مقاعد. أما اليسار الصهيوني، الذي انحصر تمثيله في حزب “الديمقراطيين”، فيقوده يائير غولان -نائب رئيس الأركان السابق- ويعود الفضل في تجدده بالدرجة الأولى إلى حركة جنود الاحتياط المعارضة للإصلاح القضائي، وليس إلى مشروع سياسي محدد.

وتتبقى الأحزاب العربية -أي “القائمة المشتركة” وحزب “القائمة العربية الموحدة” (راعم) بقيادة منصور عباس- التي تحوز ما بين 11 و14 مقعداً، وتشكل جوهر المعادلة دون أن تحلها. وكان حزب “راعم” -وهو حزب إسلامي محافظ- قد تخلى عام 2021 عن نهج المعارضة المطلقة بانضمامه إلى ائتلاف بينيت-لابيد، في سابقة هي الأولى من نوعها لمشاركة حزب عربي في أغلبية حكومية.

وتشير استطلاعات الرأي لشهر أكتوبر/تشرين الأول إلى أن كتلة نتنياهو تتراوح بين 49 و53 مقعداً، بينما تتراوح مقاعد أحزاب المعارضة الصهيونية بين 52 و54 مقعداً؛ ولا يصل أي من الطرفين إلى عتبة الـ61 مقعداً. وهكذا، يمثل هذا الخُمس من الخريطة السياسية عاملاً حاسماً من الناحية الحسابية، لكنه غائب سياسياً، إذ لا يعتبره أي من المعسكرين شريكاً محتملاً. وتظل البلاد رهينة معادلة حسابية مستحيلة، حيث يُعتبر الحل الوحيد لها أمراً محرماً سياسياً؛ فقد كلّف تحالف عام 2021 بينيت جزءاً من قاعدته الانتخابية وأجّج في أوساط اليمين اتهامات مستمرة بعدم الشرعية، ومنذ ذلك الحين، لا يرغب أي زعيم كتلة في دفع ثمن تكرار هذه التجربة.

ولم يعد هذا “التحريم” مجرد عرف ضمني؛ ففي 23 سبتمبر/أيلول، قررت لجنة الانتخابات المركزية استبعاد جميع القوائم العربية، بالإضافة إلى النائب اليهودي عن حزب “الجبهة” (حداش)، عوفر كاسيف، بينما رفضت في اليوم نفسه الالتماسات التي استهدفت حزبي بن غفير وسموتريتش. في الأول والثاني من أكتوبر، ألغت المحكمة العليا القرارات المتعلقة بالقائمتين بالإجماع، معتبرة أن الأدلة المقدمة “لا تستوفي المعايير التي أرساها الاجتهاد القضائي”. فاللجنة ليست هيئة قضائية، بل يمثل أعضاؤها الذين يتمتعون بحق التصويت أحزاب الكنيست المنتهية ولايته. وعلى مدى عشرة أيام – وقبل خمسة أسابيع من موعد الاقتراع – حُرم خُمس الهيئة الناخبة من التمثيل نتيجة تصويت خصومهم، ولم تتم استعادة هذا الحق إلا بفضل المحاكم التي تسعى “الإصلاحات القضائية” إلى إضعافها. وكانت القائمة العربية الموحدة (راعم) ضمن هذه المجموعة؛ إذ أعلنت لجنة – تضم في عضويتها حزب الشخصية التي كانت قد رحبت سابقاً بمشاركة هذا الحزب – عدم أهليته لخوض الانتخابات، علماً بأنه الحزب العربي الوحيد الذي سبق له المشاركة في ائتلاف حكومي.

وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى ما لن يكون له وجود. فقد انسحبت قائمة “ماكوم ليكولانو” (أي “مكان لنا جميعاً”) – وهي قائمة قائمة على مبدأ المناصفة بين اليهود والعرب وتنبثق عن حركة “نقف معاً” (Standing Together) – في الثامن من سبتمبر، وهو الموعد النهائي لتقديم القوائم؛ وكانت هذه القائمة تمثل الخيار الوحيد في الانتخابات الذي يضع السلام الإسرائيلي الفلسطيني والانسحاب من غزة على رأس أولوياته. ونظراً لأن التوقعات أشارت إلى حصولها على نسبة أصوات تقل عن العتبة الانتخابية (3.25%)، فقد آثرت الانسحاب، مما أدى إلى حرمان تيار أقلية من التمثيل، وسيُستغل غيابه لاحقاً كدليل على عدم وجود طلب شعبي عليه.

ومن هذا المشهد، تبرز خلاصة واحدة تملي كل ما يلي: لا يوجد أي ائتلاف محتمل يضم طرفاً مكلفاً بإعادة طرح القضية الفلسطينية؛ فلا الائتلاف المنتهية ولايته جعل من طي هذه الصفحة برنامجاً له، ولا قوى المعارضة وعدت بشيء من هذا القبيل، ولا الأحزاب العربية ستُسمح لها بالمشاركة في الحكم. لذا، قد يؤدي تاريخ 27 أكتوبر إلى تغيير الحكومة دون تغيير السياسة المتبعة. فالرهان الحقيقي يكمن في مكان آخر: في الأسباب التي جعلت هذه القضية، على مدى السنوات الثلاث الماضية، موضوعاً لا يُمكن حتى الحديث عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;