الإسلام في الصين كما يراه المؤرخون الفرنسيون: طريق الحرير، الأويغور والجمهوريات المنسية

خصصت مجلة "عالم التاريخ والحضارات" «Le Monde Histoire & Civilisations»، صفحتين من ملفها عن الصين لموضوع بعنوان: " البوذية والإسلام – الإمبراطورية في مواجهة الآخر الديني" (Bouddhisme et Islam – L’empire face à l’altérité religieuse) ويسرنا في باب نصوص أن نورد تقريرا عن هذا الموضوع كما تناولته المجلة الفرنسية في عددها الأخير.

لا تبدو علاقة الصين بالإسلام، في العدد الأخير من مجلة “عالم التاريخ والحضارات”، مجرد قصة أقلية دينية تعيش داخل دولة شاسعة، بل تبدو جزءاً من تاريخ طويل ومعقد تشكلت ملامحه على امتداد طرق التجارة والهجرات والصراعات السياسية. ففي ملفها الخاص بالإمبراطورية الصينية، تعود المجلة إلى تاريخ الإسلام في تركستان الشرقية، وإلى حضور المسلمين الأويغور والهوي، كما تتوقف عند الجمهوريات التي ظهرت في المنطقة قبل أن تندمج مجدداً في الدولة الصينية. Le Monde Histoire & Civilisatio…

من طريق الحرير دخل الإسلام إلى الصين

تضع المجلة وصول الإسلام إلى تركستان في سياق التحولات الكبرى التي عرفتها آسيا منذ القرن السابع الميلادي. فقد كان طريق الحرير أكثر من مجرد طريق تجاري لنقل الحرير والتوابل والسلع؛ كان أيضاً قناة لانتقال الأفكار واللغات والأديان والثقافات. ومن خلال هذه الشبكات التجارية وصل الإسلام إلى مناطق واسعة من آسيا الوسطى، قبل أن يصبح لاحقاً مكوناً أساسياً في هوية شعوبها.

وتبرز المجلة أن الإسلام لم يكن وافداً عابراً على المنطقة، وإنما أصبح مع مرور الزمن جزءاً من بنيتها الاجتماعية والثقافية، خصوصاً في تركستان الشرقية، التي أصبحت تعرف في العصر الحديث باسم شينجيانغ.

تركستان الشرقية: الإسلام والهوية

تحتل تركستان الشرقية موقعاً مركزياً في رؤية المجلة للعلاقة بين الصين والإسلام. فالمنطقة، التي تقع في أقصى غرب الصين، تختلف تاريخياً وثقافياً ودينياً عن المناطق الصينية الداخلية.

وفي ملف بعنوان «البوذية والإسلام: الإمبراطورية في مواجهة الآخر الديني»، تشير المجلة إلى أن التبت وتركستان ومنغوليا الداخلية حافظت على خصوصيات دينية وثقافية تميزها عن الصين، وأن الإسلام أصبح أحد العناصر الرئيسية التي تحدد هوية سكان تركستان الشرقية. Le Monde Histoire & Civilisatio…

ومن هنا، فإن قضية الأويغور في تصور المجلة ليست مجرد قضية إثنية، بل ترتبط بثلاثة عناصر متداخلة: الهوية القومية، واللغة، والدين الإسلامي.

الأويغور بين القومية والإسلام

يقدم الملف الأويغور باعتبارهم أحد أبرز المكونات التاريخية لتركيبة تركستان الشرقية. وقد تعاقبت على المنطقة قوى وإمبراطوريات مختلفة، بينما ظلت خصوصيتها الثقافية والدينية حاضرة.

وتشير المجلة إلى أن التحولات السياسية خلال القرن العشرين جعلت مسألة الهوية أكثر حساسية، خصوصاً بعد تأسيس الدولة الصينية الحديثة ثم قيام جمهورية الصين الشعبية سنة 1949.

فمع إدماج المنطقة بصورة كاملة في الدولة الصينية، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات إعادة تنظيم الحياة السياسية والثقافية والدينية، وهو ما وضع الهوية الإسلامية للأويغور في مواجهة مباشرة مع مشروع الدولة المركزية.

جمهوريات إسلامية لم تعمر طويلاً

ومن أكثر الجوانب إثارة في المادة التاريخية التي تقدمها المجلة الحديث عن الجمهوريات المنسية في تركستان الشرقية.

فقد شهدت المنطقة إعلان جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية سنة 1933، وهي تجربة سياسية قصيرة العمر، ثم ظهرت لاحقاً جمهورية تركستان الشرقية الثانية سنة 1944 في ظروف دولية وإقليمية مختلفة.

لكن هذه التجارب لم تستطع الاستمرار طويلاً. ومع انتصار الشيوعيين الصينيين سنة 1949، دخلت تركستان الشرقية مرحلة سياسية جديدة، وأصبحت المنطقة جزءاً من جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتحول سنة 1955 إلى منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم للأويغور. Le Monde Histoire & Civilisatio…

وهكذا بقيت تلك الجمهوريات في الذاكرة التاريخية للمنطقة باعتبارها تجارب سياسية قصيرة، لكنها ذات أهمية كبيرة في فهم تطور فكرة الاستقلال والهوية الأويغورية.

المسلمون الهوي: إسلام داخل الثقافة الصينية

ولا تقتصر المادة على الأويغور. فالمجلة تتوقف أيضاً عند الهوي (Hui)، وهم المسلمون الصينيون الذين يمثلون نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين الإسلام والهوية الصينية.

وتكشف هذه التجربة عن قدرة الإسلام على التعايش مع بيئات ثقافية مختلفة. فالهوي، بخلاف الأويغور، اندمجوا بدرجة أكبر في المجال الثقافي الصيني، مع احتفاظهم بهويتهم الدينية الإسلامية.

وتلفت المجلة إلى أن مفهوم «الهوي» عرف تحولات تاريخية، قبل أن يصبح في التصنيف الرسمي الصيني اسماً لإحدى القوميات المعترف بها. كما تشير إلى أن مسلمين من الهوي لعبوا أدواراً سياسية وعسكرية في تاريخ الصين الحديث. Le Monde Histoire & Civilisatio…

عندما التقى الإسلام بالثقافة الصينية

ومن أكثر جوانب الملف إثارة للاهتمام أنه لا يقدم العلاقة بين الصين والإسلام باعتبارها علاقة صراع فقط.

فقد نشأ، عبر قرون من التفاعل، تأثير متبادل بين الحضارتين. وتتناول المجلة مظاهر هذا التفاعل، ومنها أشكال من الخط الإسلامي بالصينية، والتأثيرات المتبادلة في الفن والثقافة، فضلاً عن ظهور تيارات فكرية حاولت التوفيق بين الإسلام وبعض عناصر الفكر الصيني، ومن بينها الكونفوشيوسية.

وتشير المادة إلى ظاهرة Han Kitab، وهي مجموعة من المؤلفات الإسلامية الصينية التي سعت إلى التعبير عن الأفكار الإسلامية باستخدام المفاهيم واللغة الفكرية الصينية. Le Monde Histoire & Civilisatio…

وهنا تظهر صورة مختلفة للإسلام في الصين: ليس مجرد دين «أجنبي»، وإنما دين استطاع أن يدخل في حوار طويل مع الثقافة المحلية وأن ينتج أشكالاً خاصة من التعبير الديني والفكري.

من التعايش إلى سياسة «الصيننة»

لكن هذا التفاعل الحضاري لم يمنع ظهور توترات سياسية ودينية حادة، خصوصاً في تركستان الشرقية.

فالمجلة تشير إلى ما تعتبره سياسة لصيننة المنطقة، شملت اللغة والتعليم والمجال الديني والعمران، كما تتحدث عن إعادة تنظيم المؤسسات الإسلامية وإخضاعها للرقابة الرسمية.

وفي هذا السياق، يصبح المسجد والمدرسة واللغة والدين عناصر تتجاوز وظيفتها الدينية لتصبح جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بالهوية والانتماء السياسي.

وتعرض المجلة كذلك مساراً طويلاً من القيود والصدامات والاضطرابات التي عرفتها المنطقة، وصولاً إلى العقود الأخيرة. Le Monde Histoire & Civilisatio…

أين يظهر العرب في هذه القصة؟

الحضور العربي في هذا الملف أقل بكثير من الحضور الإسلامي. ومع ذلك، تسجل المجلة إشارة لافتة إلى السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، في سياق الحديث عن المساعدات المالية التي وصلت إلى النشاط الإسلامي في تركستان الشرقية.

وهذه الإشارة مهمة لأنها تكشف أن قضية الإسلام في تركستان لم تكن محصورة دائماً في حدود الصين وآسيا الوسطى، وإنما ارتبطت أيضاً بشبكات دينية ومالية عابرة للحدود. Le Monde Histoire & Civilisatio…

لكن المجلة لا تجعل من هذه الدول موضوعاً مستقلاً، ولا تقدم في هذا العدد دراسة مفصلة للدور العربي في تاريخ الإسلام الصيني.

الجزائر حاضرة في مقارنة لافتة

ومن المفارقات التاريخية أن الجزائر تظهر في الملف الصيني، لا باعتبارها جزءاً من تاريخ الصين، وإنما بوصفها نموذجاً للمقارنة مع مفهوم «الاستعمار الداخلي».

فعند مناقشة وضع التبت وتركستان الشرقية ومنغوليا الداخلية، تستحضر المجلة التجربة الجزائرية في ظل الاستعمار الفرنسي، لتوضح أن إدماج إقليم ما قانونياً أو إدارياً في دولة لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع حول هويته أو وضعه الاستعماري. Le Monde Histoire & Civilisatio…

وهذه المقارنة تمنح القارئ العربي مدخلاً مهماً إلى الموضوع، لأنها تضع تجربة تركستان الشرقية في سياق أوسع من تاريخ الإمبراطوريات والاستعمار وإعادة تشكيل الهويات.

تاريخ لم ينتهِ

تكشف قراءة ملف «Le Monde Histoire & Civilisations» أن قصة الإسلام في الصين ليست قصة مواجهة بسيطة بين دين ودولة، ولا مجرد فصل من تاريخ الأقليات.

إنها قصة تمتد من طريق الحرير إلى تشكل المجتمعات الإسلامية، ومن التفاعل الحضاري بين الإسلام والثقافة الصينية إلى ظهور حركات وجمهوريات سياسية في تركستان الشرقية، ثم إلى مرحلة الدولة الصينية الحديثة وسياسات إعادة صياغة الهوية.

والأهم أن المجلة تضع الأويغور والمسلمين في قلب سؤال تاريخي أكبر: كيف تتعامل الإمبراطوريات والدول المركزية مع مجتمعات تمتلك لغة وديناً وذاكرة تاريخية مختلفة؟

من هذه الزاوية، لا تبدو الجمهوريات الإسلامية التي ظهرت في تركستان الشرقية مجرد صفحات منسية في تاريخ آسيا، بل حلقات تساعد على فهم واحدة من أكثر قضايا الهوية والدين والسياسة تعقيداً في الصين المعاصرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;