إلى الحكومة المقبلة: اقرأوا المغرب قبل أن يفرض نفسه عليكم

من «الدولة العميقة» إلى «المغربي الذي لم يُقرأ»: نحو ذكاء استراتيجي يسبق الأزمة

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

من باريس، حيث أتابع باهتمام مشاورات السيدة رئيسة الحكومة مع الأحزاب السياسية من أجل التوصل إلى الصيغة التي ستقود إلى تشكيل الحكومة الجديدة، أكتب هذا المقال لا لأضيف رأياً آخر إلى النقاش حول توزيع الحقائب أو هندسة الأغلبية، وإنما لأطرح سؤالاً أعتقد أنه أسبق من كل ذلك وأكثر أهمية منه:

بأي عقل استراتيجي ستقرأ الحكومة المقبلة المغرب الذي ستتولى تدبيره؟

فالمشكلة التي ينبغي أن تقلقنا اليوم ليست فقط: من سيدخل الحكومة؟ ومن سيغادرها؟ وما هي الأحزاب التي ستشكل أغلبيتها؟ ولا حتى ما هي الأولويات التي ستعلنها في برنامجها؟

السؤال الأكثر جدية هو:

هل ستدخل الحكومة الجديدة بعقلية تدبير المغرب الذي نعرفه، أم بعقلية فهم المغرب الذي يتشكل؟

أطرح هذا السؤال لأن مراجعة أداء الحكومات السابقة لا ينبغي أن تتوقف عند حصيلة الإنجازات والإخفاقات، ولا عند عدد المشاريع التي أطلقت أو البرامج التي نفذت. فذلك جزء من الحقيقة، وليس الحقيقة كلها.

هناك خطأ سياسي أخطر من أن تتخذ الحكومة قراراً خاطئاً.

إنه أن تقرأ الواقع قراءة خاطئة، ثم تنفذ بكفاءة سياسات صحيحة بالنسبة إلى واقع لم يعد موجوداً.

وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أعمق مشكلات التجربة الحكومية المغربية المتعاقبة.

لقد انشغلنا طويلاً بالسؤال: ماذا فعلت الحكومة؟

ومن عرقلها؟

ومن امتلك القرار؟

ومن كان أقوى داخلها؟

وأين نجحت وأين فشلت؟

لكننا لم نمنح السؤال الأكثر جوهرية ما يستحقه من اهتمام:

كيف قرأت الحكومة المغرب قبل أن تقرر ماذا ستفعل فيه؟

فالحكم لا يبدأ لحظة اتخاذ القرار.

الحكم يبدأ قبل ذلك بكثير: لحظة تعريف الواقع.

وعندما يكون تعريف الواقع ناقصاً، أو متأخراً، أو مبنياً على مؤشرات لا تلتقط التحولات العميقة في المجتمع، تصبح الحكومة معرضة لخطر بالغ: أن تقدم إجابات صحيحة عن أسئلة لم يعد المجتمع يطرحها بالطريقة نفسها.

وهنا تحديداً تبدأ الحاجة إلى الذكاء الاستراتيجي.

فالسياسة الحكومية لا ينبغي أن تتحرك فقط من المعلومة إلى القرار.

بل يجب أن تمر عبر سلسلة أكثر عمقاً:

المعنى أولاً؛ لأنه هو الذي يمنح المعلومة دلالتها، ويكشف الإشارة الكامنة فيها، ويساعد على استشراف الاتجاه الذي ينبغي أن يقود إلى القرار.

المعلومة تقول لنا إن البطالة ارتفعت أو انخفضت. لكنها لا تقول لنا، بذاتها، ماذا يعني هذا التحول.
هنا يبدأ التفكير الاستراتيجي: لا نسأل فقط ماذا حدث، بل ماذا يعني ما حدث، ولمن، وإلى أين يمكن أن يقود.

فارتفاع البطالة، في حد ذاته، معلومة. لكن حين نقرأ ما وراءها، قد نكتشف إشارات أعمق: جيل يؤجل استقلاله، شباباً يؤجلون الزواج وتكوين الأسرة، شعوراً متنامياً بانسداد الأفق، أو تحولاً في نظرة الناس إلى العمل والعدالة الاجتماعية وعلاقتهم بالدولة والمؤسسات.

وهنا تحديداً يصبح المعنى أكثر أهمية من الرقم نفسه. فالمعنى لا يسأل فقط: كم بلغت البطالة؟ بل يسأل: ماذا أصبحت البطالة تعني لجيل كامل؟ ماذا فعلت بتصوره عن المستقبل؟ عن العمل؟ عن الاستقلال؟ عن تكوين الأسرة؟ عن العدالة الاجتماعية؟ وعن علاقته بالدولة والمؤسسات؟

عندما نصل إلى هذا المستوى من القراءة، لا تعود البطالة مجرد مؤشر اقتصادي، بل تصبح إشارة استراتيجية إلى تحول أعمق في علاقة المجتمع بالمستقبل. ومن هنا يبدأ استشراف الاتجاه، ومنه يتشكل القرار.

ثم يأتي السؤال الاستراتيجي الحاسم:

إذا استمر هذا الاتجاه، فما الذي يمكن أن يعنيه غداً؟

هنا تحديداً يبدأ الفرق بين حكومة تدير المعطيات وحكومة تمتلك ذكاءً استراتيجياً.

الحكومة قد تكون غنية بالتقارير وفقيرة في الفهم.

قد تمتلك آلاف المؤشرات ولا ترى الاتجاه.

قد تعرف ماذا يحدث ولا تفهم لماذا يحدث.

وقد تفهم لماذا يحدث، لكنها لا تستشرف إلى أين يمكن أن يقود.

وقد لا تكتشف المشكلة إلا عندما تخرج من مستوى الإشارة الضعيفة إلى مستوى الأزمة الصاخبة؛ وعندها تكون قد خسرت أهم مورد في السياسة الاستراتيجية:

الوقت.

فالذكاء الاستراتيجي لا يعني امتلاك قدرة سحرية على معرفة المستقبل. ولا يعني أن تكون الحكومة قادرة على التنبؤ بكل ما سيحدث.

إنه يعني شيئاً أكثر واقعية وأكثر أهمية:

أن تمتلك الدولة القدرة على رؤية التحول وهو لا يزال في بدايته، وأن تفهم دلالته قبل أن يتحول إلى ضغط سياسي أو اجتماعي، وأن تتصرف قبل أن يصبح هامش الحركة ضيقاً ومكلفاً.

وهنا أقول للحكومة المقبلة: إذا أردتم أن تفهموا المغرب الذي ستتولون تدبيره، فلا تبدأوا بالأرقام؛ ابدأوا بالمعنى.

فالمجتمع لا يتحرك بالأرقام وحدها. الناس لا يعيشون معدل التضخم؛ يعيشون ما يعنيه التضخم في حياتهم. ولا يعيشون نسبة البطالة؛ يعيشون ما تعنيه البطالة لمستقبلهم. ولا يعيشون الإصلاح الإداري كما يظهر في التقارير؛ يعيشون تجربة الانتظار، والولوج، والكرامة، والإنصاف. ولا يعيشون مؤشر الثقة في حد ذاته؛ يعيشون الأسباب التي تجعلهم يثقون أو يفقدون الثقة.

وهذا الفارق ليس تفصيلاً في طريقة القراءة، بل هو جوهر العمل الحكومي. فقد ترى الحكومة تحسناً في مؤشر معين، بينما لا يرى المواطن تحسناً في معنى حياته. وقد تنجح في تنفيذ برنامج وفق معايير الإنجاز، بينما لا ينجح البرنامج في إنتاج الأثر الذي كان يفترض أن ينتجه في حياة الناس.

وهنا تحديداً ينبغي أن تكون الحكومة المقبلة أكثر صرامة مع نفسها: ليست كل مشكلة في التنفيذ؛ أحياناً تكون المشكلة في التشخيص الذي سبق التنفيذ. وقد يكون البرنامج منفذاً بكفاءة، لكن السؤال الذي جاء ليجيب عنه لم يعد هو السؤال الحقيقي الذي يعيشه المجتمع.

لذلك، فإن مراجعة تجربة الحكومات السابقة لا ينبغي أن تتوقف عند جرد ما أنجز وما تعثر، ولا عند تعداد البرامج التي نجحت أو أخفقت. السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه الحكومة المقبلة هو: هل كنا نرى التحولات وهي تتشكل، أم كنا ننتظر حتى تتحول إلى مطالب صريحة وأزمات ظاهرة؟

هنا تحديداً يظهر الفرق بين الحكومة التفاعلية والحكومة الاستراتيجية.

الحكومة التفاعلية تنتظر أن يرتفع صوت المجتمع حتى تستجيب. أما الحكومة الاستراتيجية فتحاول أن تسمع الهمس قبل أن يتحول إلى صراخ. الأولى تسأل: ما المشكلة التي تواجهنا اليوم؟ والثانية تسأل: ما الذي يتغير اليوم، ويمكن أن يصبح مشكلة غداً؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة وهي تتشكل الآن.

فالمغرب الذي ستتولى الحكومة المقبلة تدبيره ليس هو المغرب الذي دخلت إليه الحكومات السابقة. لقد تغيرت الأجيال، وتغيرت انتظارات الشباب، وتغيرت علاقة المواطن بالمعلومة، وتغيرت معايير النجاح، وتغيرت علاقة الناس بالعمل والدولة والمؤسسات. كما تغيرت سرعة انتشار المعلومة، وسرعة تشكل الرأي، وسرعة انتقال التوقع إلى استياء، والاستياء إلى مطالبة.

بل إن معنى الدولة نفسه أصبح، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع، مرتبطاً بصورة متزايدة بما يختبره المواطن في حياته اليومية، لا بما تقوله الخطب والبرامج.

ولهذا، فإن الحكومة المقبلة لا تحتاج فقط إلى برنامج حكومي جديد؛ إنها تحتاج إلى طريقة جديدة في النظر إلى المغرب.

لا تحتاج فقط إلى وزراء قادرين على تدبير القطاعات، بل إلى عقل حكومي قادر على ربط الإشارات المتفرقة، وقراءة ما وراء الأرقام، واختبار الفرضيات، واكتشاف التحولات قبل أن تصبح أزمات، وفهم المعنى الذي يمنحه المواطن لما يحدث في حياته.

وهذا، في تقديري، هو أحد أهم الدروس التي ينبغي أن تستخلصها الحكومة المقبلة من تجربة من سبقها: ليس المطلوب أن تكون أكثر نشاطاً فقط، ولا أن تكون أسرع في تنفيذ البرامج، ولا أن تنتج خطاباً أكثر إقناعاً؛ المطلوب أولاً أن تكون أدق في تعريف المشكلة، وأسرع في التقاط التحول، وأكثر شجاعة في مراجعة تشخيصها عندما يتغير الواقع.

فالمعنى هنا ليس مرحلة تأتي بعد المعلومة؛ بل هو البوصلة التي تعيد ترتيب المعلومة، وتكشف الإشارة، وتساعد على استشراف الاتجاه، وتمنح القرار السياسي معناه ووجهته.

ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق تشكيل الحكومة الجديدة ليس فقط: من سيحكم؟

بل السؤال الأصعب والأعمق:

هل ستستطيع الحكومة المقبلة أن تقرأ المغرب كما يتغير، أم أنها ستكتفي بإدارة المغرب كما تتصوره؟

لأن الفارق بين حكومة وأخرى قد لا يكون في عدد القرارات التي تتخذها، بل في قدرتها على رؤية ما لم يتحول بعد إلى قرار، وما لم يصبح بعد مطلباً، وما لم يصل بعد إلى مستوى الأزمة.

هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين الصمت والاحتجاج، وبين المؤشر والاتجاه، وبين المعلومة والمعنى، تتحدد قيمة الذكاء الاستراتيجي.

وهناك يبدأ الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة: أن تفهم معنى ما يحدث قبل أن تضطر إلى إدارة نتائجه.

أولاً: حين يصبح «الغموض» تفسيراً أسهل من مواجهة فشل القراءة

في النقاش السياسي المغربي، كلما بدت بعض القرارات غامضة، أو تداخلت مستويات التأثير، أو عجزت الأحزاب والحكومات عن تفسير اتجاه معين، عاد مفهوم «الدولة العميقة» إلى الواجهة.

لا ينبغي إنكار أن بنية الدولة المغربية معقدة، وأن صناعة القرار لا تختزل في الحكومة وحدها، وأن هناك مؤسسات وموازين قوى واستمراريات تتجاوز الدورة الانتخابية والحكومية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول «الغموض» إلى تفسير شامل ومريح لكل ما يعجز الفاعل السياسي عن فهمه.

فهذا التفسير قد يتحول من أداة تحليل إلى وسيلة لإعفاء الذات من المسؤولية.

إذا فشل الحزب، فهناك جهة خفية.

إذا تعثرت الحكومة، فهناك من عرقلها.

إذا لم يفهم الفاعل السياسي اتجاه الدولة، فالمشكلة في الدولة.

لكن ماذا لو كان جزء من المشكلة في مكان آخر؟

ماذا لو كان الفاعل السياسي يمتلك معلومات كافية، لكنه يفتقر إلى القدرة على تركيبها؟ ماذا لو كانت الإشارات موجودة، لكنها لا تُقرأ؟ وماذا لو كان بعض ما نسميه «غموضاً استراتيجياً» ليس غموضاً في الدولة بقدر ما هو قصور استراتيجي في عين من يحاول قراءة الدولة والمجتمع معاً؟

هذا السؤال أكثر إزعاجاً، لأنه يعيد المسؤولية إلى الداخل.

بدلاً من السؤال المستهلك: من يقف خلف القرار؟ يصبح السؤال: من كان قادراً على قراءة التحول الذي سبق القرار؟

وهنا تحديداً ينبغي أن تُحاسب الحكومة.

فالحكومة لا تُنتخب فقط لكي تنفذ برنامجاً؛ تُنتخب لكي تفهم المجتمع الذي ستنفذ فيه ذلك البرنامج.

والبرنامج الحكومي ليس دليلاً تلقائياً على الذكاء السياسي. قد يكون برنامجاً متماسكاً على الورق، لكنه مبني على تشخيص ناقص للواقع. وهذا ما يجعل فشل بعض الحكومات أعمق من مجرد ضعف التنفيذ.

أحياناً لا تكون المشكلة أن المشروع لم ينفذ، بل أن المشروع نفسه كان يجيب عن سؤال لم يعد المواطن يطرحه بالطريقة التي افترضتها الحكومة.

خذ مثلاً البطالة. يمكن للحكومة أن تنظر إليها باعتبارها رقماً اقتصادياً، وأن تبحث عن الوظائف والاستثمارات والتكوين. لكن شاباً في الثلاثين قد لا يعيش البطالة باعتبارها «غياب وظيفة» فقط، بل باعتبارها تأجيلاً دائماً لحياته: تأجيل الاستقلال، والزواج، والسكن، والاستقرار، والشعور بالقيمة.

هنا يتحول المؤشر الاقتصادي إلى معنى اجتماعي وسياسي.

وهذا بالضبط ما لا تلتقطه القراءة البيروقراطية للواقع.

المجتمع لا يعيش في جداول البيانات. المواطن يعيش في المعنى الذي تعطيه الدولة لما يحدث في حياته.

قد تقول الحكومة إن الدخل تحسن، بينما يظل المواطن يشعر أن المستقبل أصبح أكثر كلفة. قد تقول إن الاستثمار ارتفع، بينما يسأل الشاب: أين فرصتي؟ قد تقول إن إصلاحاً مؤسسياً تحقق، بينما يسأل المواطن: هل تغيرت تجربتي فعلاً؟

وهنا لا تكفي المؤشرات.

نحتاج إلى منهج المعنى: أن نسأل ليس فقط ماذا تغير، بل ماذا يعني هذا التغير في حياة الناس، وفي علاقتهم بالدولة، وفي تصورهم للمستقبل.

ثانياً: المغرب تغيّر… لكن الحكومات ظلت تقرأه بأدوات قديمة

المغرب الذي تدخل إليه الحكومات اليوم ليس هو المغرب الذي عرفته السياسة قبل عقدين.

المواطن تغير. الشباب تغيروا. الأسرة تغيرت. مصادر المعلومة تغيرت. مفهوم النجاح تغير. العلاقة بالعمل تغيرت. والأهم أن علاقة المواطن بالمؤسسات أصبحت أكثر مباشرة وأكثر نقداً وأقل قابلية للاكتفاء بالخطاب.

لقد تغير زمن السياسة.

المواطن يستطيع خلال دقائق أن يقارن بين خدمة عمومية محلية وتجارب في دول أخرى، وأن يرى كيف يعيش الآخرون، وأن يكتشف التناقض بين خطاب رسمي وتجربة يومية، وأن يحول تجربة فردية إلى قضية رأي عام.

بينما قد تحتاج المؤسسة إلى شهور حتى تعترف بأن مؤشراً معيناً أصبح مشكلة سياسية.

هذه الفجوة الزمنية ليست تفصيلاً تقنياً؛ إنها فجوة استراتيجية.

فالحكومة التي تكتشف التحول الاجتماعي بعد أن يتحول إلى أزمة تكون قد فقدت القدرة على تشكيله، ولم يبق لها إلا التعامل مع نتائجه.

وهنا يمكن فهم بعض إخفاقات الحكومات المتعاقبة من زاوية مختلفة.

ليس بالضرورة أنها لم تكن تعرف أن التعليم مشكلة، أو أن الصحة مشكلة، أو أن التشغيل مشكلة. لكنها لم تكن دائماً تلتقط المعنى الجديد للمشكلة.

التعليم لم يعد فقط قضية مناهج ومدرسين وبنية تحتية؛ إنه قضية ثقة في المستقبل.

والصحة ليست فقط عدد المستشفيات والأطباء؛ إنها قضية كرامة وأمان.

والشغل ليس فقط نسبة البطالة؛ إنه سؤال عن مكان الفرد في المجتمع وعن جدوى السنوات التي أنفقها في الدراسة والتكوين.

والإدارة ليست فقط مساطر ورقمنة؛ إنها تجربة يومية في الاعتراف بالمواطن واحترام وقته.

عندما تفشل الحكومة في التقاط هذه الطبقة من المعنى، تصبح أسيرة سياسة المؤشرات: سياسة قد تبدو ناجحة في التقارير، لكنها عاجزة عن إنتاج الإحساس نفسه بالنجاح في المجتمع.

وهنا تظهر المفارقة:

قد تنجح الحكومة في تحسين المؤشر، وتفشل في تحسين معنى المؤشر بالنسبة إلى المواطن.

وهذا يفسر لماذا لا تتحول الإنجازات دائماً إلى ثقة سياسية.

فالإنجاز لا يصبح ثقة تلقائياً. لكي يتحول إلى ثقة، يجب أن يشعر المواطن أنه يمس حياته، وأن يلمس أثره، وأن يرى أن المؤسسة تفهم ما يعيشه.

وهنا أخطأت، بدرجات متفاوتة، حكومات متعاقبة: الاعتقاد بأن الإنجاز الموضوعي يكفي وحده لإنتاج الرضا السياسي.

لا يكفي.

لأن المواطن لا يعيش «الحصيلة» كما تعرضها الحكومة؛ إنه يعيش تجربته الخاصة معها.

الدولة ترى مؤشرات، والمواطن يرى تجربة.

الدولة ترى سياسات، والمواطن يرى نتائجها في حياته.

الدولة قد ترى الاستقرار، بينما قد يرى المواطن صمتاً.

والفرق بين الاثنين هو بالضبط المكان الذي ينبغي أن يعمل فيه الذكاء الاستراتيجي.

فالهدوء ليس بالضرورة رضا. والامتناع عن الاحتجاج ليس بالضرورة اقتناعاً. وانخفاض المشاركة السياسية ليس بالضرورة لامبالاة.

قد تكون هذه كلها إشارات إلى شيء أعمق: انسحاب المواطن من قنوات يرى أنها لم تعد قادرة على تحويل انتظاراته إلى نتائج.

وهنا يظهر «المغربي الذي لم يُقرأ».

إنه ليس المواطن الذي لا تتوفر عنه معلومات، بل المواطن الذي تتوفر عنه معلومات كثيرة، بينما يظل معناه غائباً عن التشخيص السياسي.

الحكومة تعرف عدد الشباب، لكن هل تعرف ماذا يعني أن يكون شاباً مغربياً اليوم؟

تعرف معدلات الهجرة، لكن هل تفهم ماذا يعني أن يرى جزء من الشباب مستقبله خارج البلد؟

تعرف حجم استخدام الإنترنت، لكن هل تدرك كيف غيرت الشبكات الاجتماعية علاقة المواطن بالحقيقة وبالسلطة وبالخطاب؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها الإدارة التقليدية.

ثالثاً: من حكومة تنتظر الأزمة إلى دولة تلتقط الإشارة قبل أن تصبح أزمة

أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومة ليس أن تخطئ في توقع المستقبل. المستقبل بطبيعته غير يقيني. الأخطر أن تفشل في رؤية المستقبل وهو يتشكل أمامها.

وهنا ينبغي الانتقال من مفهوم «الحكومة التي تدبر» إلى مفهوم «الحكومة التي تستشرف».

الحكومة التفاعلية تنتظر المشكلة.

الحكومة الاستراتيجية تبحث عن الإشارة التي تسبق المشكلة.

الحكومة التفاعلية تنتظر ارتفاع الاحتجاج.

الحكومة الاستراتيجية تسأل: ما الذي يتغير في المجتمع قبل أن يصبح احتجاجاً؟

الحكومة التفاعلية ترى انخفاض المشاركة السياسية.

الحكومة الاستراتيجية تسأل: لماذا انسحب الناس؟ وما الذي فقدوه في علاقتهم بالتمثيل؟

الحكومة التفاعلية ترى أزمة في الأسعار.

الحكومة الاستراتيجية تبحث عن المعنى الأوسع: ماذا تفعل الأسعار بإحساس المواطن بالعدالة والأمان والمستقبل؟

هذا هو الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة الاتجاه.

وهو أيضاً الفرق بين حكومة تستجيب للمجتمع وحكومة تستطيع استباقه.

لكن الاستباق لا يُبنى بالشعارات، ولا يُدار بمنطق ردّ الفعل. إنه يحتاج إلى بنية مؤسسية للذكاء الاستراتيجي، قادرة على التقاط الإشارات الضعيفة قبل أن تتحول إلى أزمات، وربط البيانات المتناثرة قبل أن تصبح وقائع منفصلة، والاستماع إلى ما لا يظهر في التقارير الرسمية، واختبار الفرضيات المتعارضة، وبناء السيناريوهات، والأهم من ذلك كله: امتلاك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بأن التشخيص الرسمي قد يكون خاطئاً.

وفي هذا السياق، يحق لي أن أطرح سؤالاً من واقع تجربة شخصية: كم مرة طالبتُ رؤساء حكومات سابقة بالتفكير في تأسيس هيئة عليا للذكاء الاستراتيجي، لا لتضيف مؤسسة أخرى إلى الجهاز الإداري، وإنما لتبني داخل الدولة قدرة دائمة على قراءة التحولات واستشراف المخاطر والتقاط الإشارات قبل فوات أوانها؟

لم يكن جوهر المقترح مجرد إنشاء هيئة جديدة، بل الانتقال من ثقافة القرار المبني على المعطيات المتاحة إلى ثقافة القرار المبني على فهم الاتجاهات والمعاني والسيناريوهات.

واللافت أن هذه الدعوات لم تجد، في حدود ما تلقيته من تفاعل،

وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف في الثقافة الحكومية والسياسية: المؤسسات تميل إلى البحث عما يؤكد التشخيص الذي تبنته، لا عما يهدده.

والحزب يقع في الخطأ نفسه.

قد يبحث عن المواطن الذي يؤكد خطابه، لا عن المواطن الذي يجبره على إعادة صياغة خطابه.

وقد يفسر النقد باعتباره خصومة، والاحتجاج باعتباره مؤامرة، والعزوف باعتباره لامبالاة، والسخرية باعتبارها ضجيجاً رقمياً.

بينما قد تكون هذه كلها، في مجموعها، إشارات إلى تغير عميق في العلاقة بين المجتمع والسياسة.

وهذا يعني أن أزمة القراءة ليست حكومية فقط؛ إنها أزمة في الذكاء السياسي للنظام التمثيلي كله.

لكن الحكومة تظل الطرف الأكثر مسؤولية، لأنها تمتلك أدوات القرار والموارد والمؤسسات.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومات المتعاقبة ليس: لماذا لم تستطع حل كل مشاكل المغرب؟ فلا توجد حكومة تستطيع ذلك.

السؤال الأكثر صرامة هو:

لماذا تتأخر الحكومة في إدراك أن المشكلة تغيرت قبل أن تغير أدواتها؟

هذه هي المساءلة الاستراتيجية الحقيقية.

فالحكومة لا تُقاس فقط بقدرتها على تنفيذ ما قررته، بل بقدرتها على إعادة النظر فيما قررته عندما يتغير الواقع.

وهنا تكمن قيمة الذكاء الاستراتيجي: ليس أن تعرف المستقبل، بل أن تكون قادراً على اكتشاف أنك تسير في الاتجاه الخطأ قبل أن يصبح الرجوع مكلفاً.

في النهاية، ربما بالغنا طويلاً في سؤال: من يحكم المغرب؟

وربما بالغنا أيضاً في البحث عن اليد الخفية وراء كل قرار، وعن «الدولة العميقة» خلف كل غموض.

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم أبسط وأكثر قسوة:

من يفهم المغرب؟

من يفهم شاباً حصل على شهادة ولم يحصل على أفق؟

من يفهم أسرة تحسنت بعض مؤشرات دخلها لكنها لا تشعر بالضرورة بأمان أكبر؟

من يفهم مواطناً لا يحتج، لكنه لم يعد يثق؟

ومن يفهم أن المجتمع لا يرسل رسائله دائماً في شكل مطالب سياسية واضحة؟

أحياناً يرسلها في شكل صمت.

أحياناً في شكل هجرة.

أحياناً في شكل سخرية.

أحياناً في شكل عزوف.

وأحياناً في شكل غضب مفاجئ يبدو، لمن لم يكن يراقب الإشارات، وكأنه جاء من العدم.

لكنه لم يأت من العدم.

كانت هناك دائماً إشارات.

وكان هناك تغير في السلوك، وفي التوقعات، وفي المعنى.

لكن أحداً لم يربط بينها بالسرعة الكافية.

لهذا فإن المعضلة الاستراتيجية للمغرب ليست بالضرورة أن الدولة غامضة، ولا أن المجتمع صامت، ولا أن المعلومات ناقصة.

المعضلة قد تكون في المسافة المتزايدة بين سرعة تحول المجتمع وسرعة فهم السياسة لهذا التحول.

وهذه المسافة، إذا اتسعت، تصبح خطراً سياسياً.

لأن الحكومة التي لا تلتقط الإشارة في وقتها لا تفقد فقط فرصة الاستباق؛ إنها تفقد تدريجياً القدرة على تعريف الواقع قبل أن يفرض الواقع تعريفه عليها.

ومن هنا ينبغي أن يبدأ الإصلاح الحقيقي الذي ينتظره المغاربة من الحكومة المقبلة: ليس بإعادة تدوير البرامج نفسها، ولا بتغيير العناوين، ولا بإعادة إنتاج الخطاب نفسه بعبارات جديدة، وإنما بكسر المنهج الذي جعل الحكومات تصل دائماً بعد أن يكون المجتمع قد قطع مسافة أخرى.

الحكومة المقبلة مطالبة بأن تفهم أن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة تنفذ أكثر، بل إلى حكومة تفهم قبل أن تنفذ، وتستشرف قبل أن تتفاجأ، وتلتقط الإشارة قبل أن تتحول إلى أزمة.

لقد آن الأوان للخروج من عقلية التدبير اليومي ورد الفعل، ومن وهم أن كثرة التقارير تعني جودة الفهم، وأن كثرة البرامج تعني عمق الرؤية، وأن تحسين المؤشرات يكفي لإنتاج الثقة.

لا يكفي أن تعرف الحكومة كم بلغ معدل البطالة؛ عليها أن تفهم ماذا فعلت البطالة بمعنى المستقبل لدى الشباب. ولا يكفي أن تعرف حجم الاحتجاج؛ عليها أن تفهم ما الذي سبقه. ولا يكفي أن تقيس الثقة؛ عليها أن تسأل لماذا ترتفع أو تنخفض، وما الذي تقوله هذه الحركة عن علاقة المغربي بمؤسساته.

فالحكومة التي لا تفهم المعنى الكامن وراء الأرقام ستظل تطارد النتائج.

والحكومة التي لا تلتقط الإشارات الضعيفة ستظل تصل دائماً بعد فوات اللحظة.

والحكومة التي لا تراجع تشخيصها عندما يتغير الواقع ستظل تنفذ بكفاءة سياسات قد تكون فقدت صلاحيتها.

لذلك، فإن الحكومة المقبلة مطالبة بأكثر من تغيير الوزراء أو ترتيب الأولويات؛ إنها مطالبة بـ تغيير طريقة النظر إلى المغرب نفسه.

تحتاج إلى أن تجعل الذكاء الاستراتيجي جزءاً من صناعة القرار، لا ترفاً فكرياً على هامشها؛ وأن تبني قدرة مؤسسية دائمة على رصد التحولات، وقراءة الإشارات، وفهم المعاني، واختبار السيناريوهات، والتنبيه المبكر إلى المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.

المغرب لا يحتاج إلى حكومة تنتظر أن يتكلم المجتمع بصوت مرتفع حتى تسمعه. يحتاج إلى حكومة تستطيع أن تسمع الهمس قبل أن يتحول إلى صراخ.

تحتاج إلى رادار استراتيجي يرى التحول قبل أن يصبح أزمة، وإلى شجاعة سياسية تسمح لها بأن تقول: ربما كان تشخيصنا خاطئاً، وربما تغير المجتمع أسرع مما تغيرت أدواتنا.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة.

فإما أن تستمر في إدارة مغرب الأمس بأدوات اليوم، وإما أن تمتلك شجاعة الانتقال إلى سياسة تقرأ مغرب الغد قبل أن يفرض نفسه عليها.

والفارق بين الخيارين ليس في اللغة، ولا في البرامج، ولا في الشعارات؛ الفارق في القدرة على قراءة الإشارة قبل أن تصبح أزمة.

لأن أخطر حكومة ليست تلك التي لا تملك الإجابات.

بل تلك التي لا تعرف أنها تطرح الأسئلة الخطأ.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أخطر ما في السياسة المغربية أن هناك إشارات لا تصل إلى أصحاب القرار.

بل أن الإشارات تصل.

وتُقرأ.

لكنها تُقرأ بالمعنى الخطأ.

وهنا تحديداً يظهر «المغربي الذي لم يُقرأ».

ليس لأنه لم يتكلم.

بل لأن السياسة لم تكن دائماً تملك الأدوات اللازمة لفهم ما يعنيه كلامه، وما يعنيه صمته، وما الذي يخبر به سلوكه عن المغرب الذي يتشكل الآن.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;