أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومة المقبلة: أن تدير المستقبل بأدوات الماضي

في المدرسة تظهر علاقة جيل كامل بالمستقبل الذي ينتظره

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

أكتب هذه السطور من إحدى مدن الضاحية الباريسية، حيث تشهد فرنسا اليوم احتجاجات طلابية بدأت من المدارس ثم اتسعت إلى مئات المؤسسات، تحت عناوين تبدو تعليمية: نقص المدرسين، اكتظاظ الأقسام، تدهور المؤسسات، الضغط النفسي وتفاوت فرص التعليم.

لكن ما يهمني ليس الاحتجاج نفسه، ولا المقارنة السطحية بين فرنسا والمغرب. ما يهمني هو السؤال الذي يكشفه هذا المشهد: ماذا يحدث عندما ترى الدولة الأزمة فقط بعد أن تصبح أزمة؟

فالاحتجاج لا يبدأ في الشارع. قبله تتراكم إشارات صغيرة: شكوى تتكرر، ثقة تتراجع، سلوك يتغير، وتوقعات لا تجد طريقها إلى الواقع. ثم تأتي لحظة يصبح فيها ما كان مجرد إشارات متفرقة قضية عامة، وما كان قابلاً للمعالجة بهدوء مشكلة تحتاج إلى استجابة عاجلة.

وهنا يبدأ السؤال المغربي، وخصوصاً أمام الحكومة المقبلة.

ليس السؤال: هل يمكن أن يتكرر المشهد في المغرب؟ فهذا هو السؤال الأسهل، وربما الأقل أهمية.

السؤال الحقيقي هو: هل تملك الحكومة المقبلة القدرة على قراءة التحولات وهي لا تزال إشارات، قبل أن تتحول إلى أزمات؟

لأن أخطر ما يمكن أن تفعله حكومة ليس أن تفشل في مواجهة أزمة، بل أن تصل إليها متأخرة.

حين تصل المشكلة إلى الشارع، أو إلى الأسواق، أو إلى المستشفيات، أو إلى المدارس، لا تكون الدولة قد اكتشفتها؛ تكون قد خسرت وقتاً كان يمكن أن تستخدمه لتجنبها أو تخفيف كلفتها. والوقت، بالنسبة للدولة، ليس مجرد أيام تمر؛ إنه مساحة الاختيار.

الدولة التي تلتقط التحول مبكراً تستطيع أن تجرب، وتصحح، وتغير المسار قبل أن ترتفع كلفة القرار. أما حين تصل متأخرة، فإن هامشها يضيق، وتتحول السياسة من صناعة الخيارات إلى إدارة التداعيات.

وهنا بالضبط يكمن أحد أكبر الاختبارات التي ستواجه الحكومة المقبلة في المغرب: هل ستدير المستقبل بعقلية الاستجابة، أم بعقلية الاستباق؟

لأن إدارة المستقبل بأدوات الماضي تعني أن ننتظر المشكلة حتى تصبح واضحة، ثم نشخّصها، ونجتمع، ونشكل لجنة، ونطلب دراسة، ونعد تقريراً، ثم نتخذ قراراً بعد أن يكون الواقع قد تحرك مرة أخرى.

لكن العالم لم يعد ينتظر كل هذا.

المعلومة تنتقل في ثوانٍ، والأسواق تتغير في أيام، والتكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل قطاعات اقتصادية كاملة خلال أشهر، والرأي العام يستطيع أن ينتقل من الهمس إلى الاحتجاج قبل أن تنتهي المؤسسة من إعداد مذكرة داخلية.

ولهذا فإن الحكومة المقبلة لن تُختبر فقط في قدرتها على إدارة الأزمات التي قد تقع، بل في قدرتها على رؤية التحولات قبل أن تصبح أزمات.

وهنا يتغير السؤال من: ماذا حدث؟ إلى: ماذا يتشكل الآن؟

من مراقبة المؤشرات الصاخبة إلى التقاط الإشارات المبكرة. ومن انتظار المشكلة حتى تفرض نفسها إلى بناء قدرة مؤسسية على استباقها.

وهذا ليس ترفاً فكرياً بالنسبة إلى المغرب، بل أصبح ضرورة في إدارة الدولة. فالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والماء والديموغرافيا والتشغيل والتحول التكنولوجي، فضلاً عن تحولات الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، لا تنتظر اكتمال التقارير ولا صدور القرارات حتى تبدأ آثارها في الظهور. إنها تتشكل في صمت، وتتراكم تدريجياً، ثم تظهر فجأة في صورة أزمة يصعب التحكم في مسارها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة لن يتحدد فقط بمن سيدخل التشكيلة الحكومية، ولا بعدد البرامج التي ستعلنها، ولا بحجم المشاريع التي ستطلقها، بل بقدرتها على الخروج من أسر التدبير اليومي، وبناء داخل الدولة قدرة مؤسسية دائمة على التقاط التحولات وقراءة إشاراتها والاستعداد لنتائجها قبل أن تصبح واقعاً مفروضاً.

فالحكومة التي تنتظر الأزمة لكي تتحرك ستظل تطارد الحاضر، بينما الحكومة التي تقرأ ما يتشكل اليوم تستطيع أن تصنع، ولو جزئياً، شروط المستقبل الذي تريد أن تصل إليه.

. أما الدولة التي تتعلم كيف تقرأ المستقبل، فتملك مورداً لا يعوضه المال ولا تعوضه القوة: الوقت. فالوقت يمنحها مساحة للتفكير، ولتوسيع الخيارات، ولتجريب البدائل، ولتصحيح المسار قبل أن يصبح التصحيح مكلفاً أو مستحيلاً.

ولهذا ينبغي أن يرافق الحكومة المقبلة، منذ يومها الأول، سؤال يتجاوز ما ستنجزه خلال ولايتها. ليس فقط: ماذا سنفعل؟ بل السؤال الأكثر إزعاجاً والأكثر أهمية: ما الذي يتغير الآن من حولنا، ولم ننتبه إليه بعد؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تواجه الحكومة أزمة لم تكن تتوقعها، وإنما أن تكتشف بعد فوات الأوان أن مقدمات الأزمة كانت أمامها، والإشارات كانت واضحة، لكنها لم تمتلك القدرة المؤسسية على قراءتها، ولا الشجاعة السياسية للتحرك قبل أن تصبح الأزمة واقعاً.

وهنا يبدأ الفرق بين حكومة تدير ما يحدث وحكومة تستعد لما سيحدث.

الدولة لا تحتاج إلى كرة بلورية

إذا كانت الحكومة المقبلة في المغرب ستدخل مرحلة تتسارع فيها التحولات، وتتداخل فيها المخاطر، وتتزايد فيها مشاعر الإحباط والابتعاد عن السياسة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، فإن أول ما تحتاج إليه ليس أن تعرف المستقبل؛ فهذا مستحيل، ولا أن تتنبأ بكل ما سيحدث؛ فذلك ليس دور الدولة.

ما تحتاج إليه هو شيء أكثر واقعية وأكثر أهمية: أن تبني داخل الدولة قدرة دائمة على قراءة التغيير قبل أن يتحول إلى أزمة، وعلى التقاط الإشارات قبل أن تصبح اتجاهات، وعلى تحويل هذه الإشارات إلى معرفة تساعد على القرار.

أن يكون هناك، داخل منظومة الحكم، من يسأل باستمرار: ماذا يحدث في التعليم والصحة والهشاشة الاجتماعية؟ كيف يتغير وضع الماء؟ إلى أين تتجه الديموغرافيا؟ ماذا يحدث للشباب؟ كيف يعاد تشكيل سوق العمل؟ ما الذي يمكن أن يغيره الذكاء الاصطناعي في الوظائف والمهارات؟ كيف تتحول أوروبا؟ ماذا يجري في إفريقيا ومنطقة الساحل؟ إلى أين تتجه أسواق الطاقة والغذاء؟ كيف تتغير أنماط الهجرة؟ ما المخاطر السيبرانية الجديدة؟ كيف يتغير المزاج الاجتماعي؟ وما التداعيات المحتملة لتحولات الصراعات والحروب في الشرق الأوسط على المغرب ومصالحه؟

لكن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد طرح هذه الأسئلة. ستحتاج إلى عقل استراتيجي يعرف كيف يربط بينها.

فالتغيرات الكبرى لا تصل دائماً في صورة مؤشر واضح، ولا تعلن عن نفسها في تقرير واحد. قد يبدأ التحول في سلوك الشباب، ويتقاطع مع تغير في سوق العمل، ويتزامن مع تحول ديموغرافي، ثم تظهر آثاره تدريجياً في المدرسة والأسرة والمدينة، قبل أن تدرك الدولة أن ما كانت تراه بوصفه ظواهر منفصلة لم يكن في الحقيقة سوى أجزاء من تحول واحد.

وهنا تكمن قيمة التفكير الاستراتيجي: ليس في جمع أكبر عدد من المعلومات، وإنما في اكتشاف الروابط التي لا تظهر للوهلة الأولى، وفهم كيف يمكن لتحولات تبدو متباعدة أن تتفاعل وتنتج أثراً جديداً.

فارتفاع القلق لدى الشباب، مثلاً، لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال مؤشرات البطالة، كما أن أزمة التعليم لا ينبغي أن تُفصل عن تحولات سوق العمل، ولا أن تُقرأ التحولات الديموغرافية بمعزل عن الماء أو المدن أو أنماط الهجرة. وفي عالم شديد الترابط، قد يبدأ التهديد في مكان بعيد، لكنه يصل إلى المغرب عبر سعر الطاقة، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو موجات الهجرة، أو التكنولوجيا، أو التحولات الجيوسياسية.

لذلك فإن الحكومة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تجمع المعلومات، بل إلى قدرة مؤسسية تربط المعلومات ببعضها، وتحولها إلى فهم، والفهم إلى سيناريوهات، والسيناريوهات إلى خيارات، والخيارات إلى قرارات.

وهذا هو الفارق بين حكومة تدير الملفات وحكومة تبني القدرة على إدارة التحولات.

ولهذا، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يرافق الحكومة المقبلة منذ يومها الأول ليس فقط: ماذا سننجز؟ ولا حتى: ما هي المشكلات التي سنعالجها؟

بل سؤال أكثر إزعاجاً، وأكثر فائدة في الوقت نفسه:

ما الذي تغير، ولم ندرك بعد أنه تغير؟

فقد تكون الإجابة عن هذا السؤال، في كثير من الأحيان، أهم من أي تقرير عن الأزمات القائمة؛ لأنها تمنح الحكومة ما تحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر: وقتاً أطول للفهم، ومساحة أوسع للاختيار، وقدرة أكبر على الفعل قبل أن يفرض المستقبل شروطه عليها.

فهذه هي الدولة الاستشرافية.

ليست الدولة التي تدعي معرفة المستقبل، بل الدولة التي تدرك أن المستقبل قد يكون قد بدأ بالفعل داخل الحاضر، لكنه لا يزال متناثراً في إشارات صغيرة، موزعة بين القطاعات والمؤسسات والمجتمع، ولا تصبح واضحة إلا عندما تعرف الدولة كيف تجمعها وتقرأها معاً.

قد يتغير سلوك الشباب هنا، وتتغير بنية الأسر هناك، ويتراجع مؤشر مائي في منطقة، وتتغير طبيعة وظيفة في قطاع آخر، وتتقدم تكنولوجيا جديدة، وتتبدل توقعات الناس من الدولة.

كل إشارة منفردة قد تبدو صغيرة.

لكن اجتماعها قد يخبر الحكومة بأن تحولاً أكبر بدأ بالفعل.

فرنسا ليست مرآة للمغرب… لكنها إشارة

ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة ما يحدث في فرنسا، لا باعتبارها نموذجاً ينبغي للمغرب أن يحتذي به، ولا باعتبار أن ما يجري فيها يعني بالضرورة أن المغرب سيسلك المسار نفسه. فلكل مجتمع تاريخه وبنيته ومؤسساته وتحولاته الخاصة. لكن قيمة التجربة الفرنسية بالنسبة إلى الحكومة المقبلة لا تكمن في المقارنة بين البلدين، بقدر ما تكمن في القدرة على قراءة الإشارات التي تسبق الأزمات.

فالاحتجاجات الطلابية التي نشهدها اليوم لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية نقص المدرسين، أو اكتظاظ الأقسام، أو تدهور ظروف المؤسسات التعليمية. هذه عوامل مباشرة ومهمة، لكنها تفسر جزءاً من الظاهرة ولا تستنفد معناها. والسؤال الذي ينبغي أن يهم الحكومة ليس فقط: كيف نعالج المشكلة التي ظهرت؟ بل سؤال أكثر عمقاً: ماذا تكشف هذه المشكلة عن مجتمع يتغير من حولنا؟

وهنا يصبح التعليم في المغرب أكثر من قطاع حكومي يحتاج إلى الإصلاح. إنه، في الحقيقة، أحد أهم أجهزة الإنذار المبكر للتحولات التي يعيشها المجتمع.

فأزمة التعليم في المغرب ليست وليدة اليوم، ولا يمكن اختزالها في نقص الموارد أو اختلالات التدبير. إنها أزمة تراكمت عبر سنوات، وتوسعت معها الفجوات، وتغيرت توقعات الأسر، وتبدلت طموحات الشباب، واتسعت المسافة بين ما تقدمه المدرسة وما ينتظره سوق العمل، وتزايدت الضغوط داخل المدرسة والجامعة دون أن تجد دائماً طريقها إلى القرار بالسرعة الكافية.

ولهذا فإن استمرار التعامل مع التعليم باعتباره مجرد قطاع يحتاج إلى إصلاحات متتالية قد يحجب عنا طبيعته الحقيقية: التعليم جزء من البنية الاستراتيجية للدولة، وأزمة التعليم يمكن، إذا طال أمدها، أن تتحول من أزمة قطاعية إلى مصدر لمخاطر اجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع.

وهنا لا يعود السؤال: هل نصلح التعليم؟ فهذا لم يعد موضع نقاش جدي. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل نملك السرعة والقدرة المؤسسية لإصلاحه قبل أن تتسع كلفة التأخر؟

فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة تقدم الدروس والامتحانات والشهادات. إنها واحدة من أكثر الأماكن التي تستطيع الدولة، إذا أحسنت الإصغاء إليها، أن ترى فيها المجتمع وهو يتغير.

في المدرسة تظهر الديموغرافيا، والفوارق الاجتماعية، وضغوط الأسر، وطموحات الشباب ومخاوفهم، والتحولات في سوق العمل، وتغير علاقة الأجيال بالمؤسسات، والأهم من ذلك كله: علاقة جيل كامل بالمستقبل الذي ينتظره.

ولهذا، عندما يتغير مزاج الشباب داخل المدرسة أو الجامعة، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد أمام الحكومة: لماذا يحتجون؟ لأن هذا السؤال يبحث عن السبب المباشر فقط. أما السؤال الذي ينبغي أن يذهب أبعد فهو: ماذا يخبرنا هذا الاحتجاج عن المستقبل الذي لا يرونه؟

هذه النقلة في السؤال تغير طبيعة العمل الحكومي نفسه. فهي تنقل الحكومة من إدارة الظاهرة إلى فهم التحول الذي أنتجها، ومن معالجة الأزمة باعتبارها حدثاً منفصلاً إلى قراءتها باعتبارها نتيجة لمسار طويل من التراكمات والإشارات.

فالحكومة التي تبحث فقط عن سبب الأزمة ستتعامل معها باعتبارها مشكلة تحتاج إلى حل. أما الحكومة التي تبحث عما سبقها، وما تراكم خلفها، وما الذي تقوله عن توقعات جيل كامل، فقد تكتشف أن الاحتجاج ليس سوى الجزء الظاهر من تحول أعمق.

قد تكتشف خللاً في التعليم، نعم، لكنها قد تكتشف في الوقت نفسه ما هو أعمق من الخلل القطاعي: فجوة تتسع بين التوقعات والواقع، وتحولاً في علاقة الشباب بالمؤسسات، وقلقاً متزايداً بشأن المستقبل، وتغيراً في طبيعة سوق العمل، وتحولات اجتماعية تتشكل بصمت قبل أن تجد طريقها إلى الشارع.

وما ينطبق على التعليم ينطبق على الصحة، وعلى الفوارق الاجتماعية والمجالية التي لا تتوقف عند حدود التفاوت في الدخل أو الولوج إلى الخدمات، بل تكشف عن اختلالات أعمق في توزيع الفرص والقدرات وإمكانات الاندماج في مشروع الدولة. فالمشكلة ليست فقط أن هناك فوارق تتسع يوماً بعد يوم، وإنما أن بعضها يتراكم دون أن يجد معالجة لجذوره، فيتحول من تفاوت قابل للتدبير إلى شعور بالابتعاد عن المستقبل المشترك.

ومن هنا، فإن قراءة الدولة لهذه الملفات لا ينبغي أن تتوقف عند قياس حجم الخلل داخل كل قطاع، بل أن تبحث عما تكشفه هذه الاختلالات مجتمعة عن المغرب الذي يتشكل تحت السطح، وعن التحولات التي قد تعيد صياغة علاقة المجتمع بالدولة وبالمستقبل.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم مسؤوليات الحكومة المقبلة في المغرب: ألا تنتظر حتى يتحول التغيير إلى مشكلة لكي تبدأ في التعامل معه.

فالمشكلة لا تبدأ عندما تصل إلى الشارع، ولا عندما تصبح عنواناً في وسائل الإعلام. إنها تبدأ في وقت أبكر بكثير: داخل المدرسة والأسرة وسوق العمل والحي والمنصات الرقمية، وفي السلوك اليومي للناس، وفي الفجوة التي قد تتسع تدريجياً بين ما يعيشه المواطن وما تتوقعه الدولة منه.

ومن هنا، فإن الحكومة المقبلة لا تحتاج فقط إلى إصلاحات قطاعية، بل إلى قدرة مؤسسية على التقاط الإشارات المبكرة، وربطها ببعضها، وفهم اتجاهاتها، وتحويلها إلى معرفة تدخل في صميم صناعة القرار.

فقد تكون إشارة صغيرة في المدرسة مرتبطة بتحول في سوق العمل، وقد يكون تغير سلوك الشباب مرتبطاً بتحول ديموغرافي أو اقتصادي، وقد تكون شكوى تبدو قطاعية في ظاهرها مؤشراً على تغير أوسع في علاقة المجتمع بالمؤسسات.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تتعلم منها الحكومة المقبلة: الأزمة لا تبدأ عندما تصبح مرئية للجميع؛ بل تبدأ عندما تكون الإشارات موجودة ولا تجد من يربط بينها.

لذلك، فإن الحكومة التي لا ترى الاحتجاج إلا عندما يبدأ، تكون قد وصلت إلى آخر حلقات الأزمة. أما الحكومة التي تقرأ ما سبقه من إشارات، وتفهم الروابط بينها، فتكون قد بدأت العمل في اللحظة الأهم: قبل أن تتحول الإشارات إلى أزمة، وقبل أن يصبح هامش الاختيار أضيق من أن يسمح بإصلاح حقيقي.

لكن امتلاك القدرة على قراءة التحولات لا يكفي وحده؛ فالسؤال التالي هو: هل تستطيع الحكومة أن تحول ما تراه إلى طريقة مختلفة في العمل والقرار؟ لأن حكومة ترى التغيير مبكراً، ثم تستمر في إدارة الدولة بالأدوات والإيقاعات نفسها، ستظل محكومة بمنطق رد الفعل. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى تغيير أعمق في طريقة اشتغال الحكومة نفسها.

الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون حكومة تنفيذ فقط

وإذا كانت الحكومة المقبلة مطالبة بأن ترى التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات، فإن ذلك يفرض عليها تغييراً أعمق من مجرد تحسين أدوات الرصد والتحليل. عليها أن تغير الطريقة التي تنظر بها إلى برنامجها الحكومي نفسه.

فالحكومة التي تدخل المرحلة المقبلة ببرنامج ثابت، ثم تتعامل معه طوال ولايتها باعتباره خريطة مكتملة لا تتغير، قد تجد نفسها بعد سنوات تنفذ برنامجاً كان صحيحاً بالنسبة إلى عالم لم يعد موجوداً.

فالبرنامج الحكومي ليس نصاً مقدساً، ولا ينبغي أن يتحول إلى قائمة التزامات تُنفذ مهما تغيرت الظروف. إنه، في جوهره، مجموعة من الفرضيات حول المستقبل: فرضيات حول الاقتصاد، وسوق العمل، والديموغرافيا، والماء، والتكنولوجيا، والشركاء الدوليين، والمخاطر الاجتماعية والجيوسياسية. وهذه الفرضيات قد تصيب وقد تخطئ، وقد تتغير البيئة التي بُنيت عليها قبل أن تكتمل الولاية الحكومية.

لذلك، لا تحتاج الحكومة المقبلة فقط إلى برنامج واضح، بل إلى نظام يسمح لها بأن تختبر فرضياتها باستمرار، وأن تعرف متى يجب أن تثبت على مسارها ومتى يجب أن تصححه.

إذا تغيرت أسعار الطاقة، فقد تتغير بعض الأولويات الاقتصادية والاستثمارية. وإذا أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل، فلا يمكن أن يبقى التعليم والتكوين منفصلين عن هذا التحول. وإذا اشتد الضغط المائي، فقد يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض أنماط الزراعة والاستثمار والتخطيط الترابي. وإذا تغيرت أوروبا، وجب أن تتغير بعض حسابات المغرب تجاهها. وإذا تغيرت إفريقيا، وجب أن تتطور الاستراتيجية الإفريقية للمغرب. وإذا تغيرت البيئة المعلوماتية، فإن أدوات الدولة في التواصل وبناء الثقة ومواجهة التضليل تحتاج بدورها إلى التطور.

لكن هذا لا يعني أن تتحول الحكومة إلى حكومة تتغير سياساتها مع كل خبر أو اضطراب. الذكاء الاستراتيجي ليس التقلب، بل القدرة على التمييز بين التغير العابر والتحول العميق.

وهنا بالضبط تبدأ فكرة الحكومة التي تتعلم.

فالدولة الذكية ليست الدولة التي لا تخطئ، فهذا غير ممكن. وليست الدولة التي تضع برنامجاً لا يتغير، لأن ذلك قد يكون علامة على الجمود لا على الاستقرار. الدولة الذكية هي التي تكتشف أخطاءها مبكراً، وتختبر افتراضاتها باستمرار، وتتعلم من النتائج، وتمتلك القدرة والشجاعة المؤسسية على تغيير المسار عندما تتغير المعطيات.

ولهذا ينبغي أن تصبح لدى الحكومة المقبلة، وبصورة دورية، أسئلة لا تقل أهمية عن سؤال: كم أنجزنا؟

بل أسئلة أكثر عمقاً:

ماذا تغير؟
أي فرضية لم تعد صحيحة؟
أي خطر جديد ظهر؟
أي فرصة لم تكن موجودة عندما وضعنا البرنامج؟
أي مشروع ينبغي تسريعه؟
وأي مشروع لم يعد يحتفظ بالمعنى نفسه؟

عندها فقط ننتقل من حكومة تنفذ برنامجاً إلى حكومة تدير عملية تعلم مستمرة؛ حكومة لا تقيس نجاحها فقط بمدى وفائها لما وعدت به، بل أيضاً بقدرتها على معرفة ما إذا كان ما وعدت به لا يزال هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله.

ومن هنا نصل إلى سؤال أوسع: إذا كانت الدولة تريد أن تتعلم وتتكيف، فما الذي تحتاج إلى امتلاكه حتى تظل قادرة على اتخاذ قرار مستقل في عالم تتغير فيه مصادر القوة نفسها؟

السيادة لم تعد فقط عند الحدود

السيادة ما زالت حدوداً، وجيشاً، وأمناً، وقدرة على حماية التراب الوطني. لكنها لم تعد تتوقف عند هذه العناصر. فقد أصبحت السيادة أيضاً ماءً وغذاءً وطاقة وتكنولوجيا وبيانات ومعرفة وسلاسل إمداد، وأصبحت، قبل ذلك كله، قدرة على إنتاج القرار المستقل في بيئة دولية شديدة الترابط.

فالدولة قد تكون مستقلة سياسياً، لكنها تصبح أكثر هشاشة استراتيجياً إذا كانت تعتمد على تكنولوجيا لا تفهم آلياتها، أو تستهلك المعرفة دون أن تنتج ما يكفي منها، أو تعتمد على سلاسل إمداد لا تملك بدائل لها، أو تستورد التوقعات الجاهزة بدلاً من أن تبني قدرتها الخاصة على قراءة المستقبل.

وهنا يتغير معنى السيادة نفسه. فالسيادة، في جوهرها، ليست مجرد امتلاك القرار عند لحظة الأزمة، وإنما امتلاك القدرة على أن نحدد بأنفسنا ما الذي نريده، ولماذا نريده، وكيف نحمي قدرتنا على تحقيقه في عالم متغير. ومن هذا المعنى تنشأ الحاجة إلى المعرفة، وتُبنى القدرات، وتُصنع البدائل، وتُدار الموارد والعلاقات والتكنولوجيا.

فالسيادة لا تبدأ عندما تضطر الدولة إلى الاختيار، بل تبدأ عندما تكون قادرة على صناعة خياراتها انطلاقاً من معنى واضح لمصالحها وموقعها ومستقبلها. وكلما امتلكت الدولة معنىً أوضح لما تريد أن تكون عليه، ازدادت قدرتها على إنتاج المعرفة التي تحتاجها، وبناء القدرات التي تحمي خياراتها، وتطوير البدائل التي تمنحها حرية الحركة.

وبذلك تصبح السيادة مساراً متكاملاً:

المعنى يحدد الغاية، والمعرفة تفسر الواقع، والقدرة تحول الغاية إلى فعل، والبدائل تحمي حرية الاختيار، والقرار يجسد السيادة.

ومن هنا، فإن الدولة التي لا تنتج معنىً واضحاً لمستقبلها، قد تمتلك مؤسسات قوية وموارد كبيرة، لكنها تظل أكثر عرضة لأن تتحول خياراتها إلى ردود أفعال تفرضها التحولات من الخارج.

ولهذا فإن السيادة الجديدة تبدأ من القدرة على الفهم.

ومن لا يفهم التحول، لا يستطيع أن يديره.

وهذا يقودنا، بصورة طبيعية، إلى سؤال سابق على كل ذلك: إذا كانت المعرفة شرطاً للسيادة، فهل نملك معرفة كافية عن أنفسنا؟

المغرب يحتاج إلى أن يعرف نفسه من جديد

ربما يكون هذا أحد الأسئلة التي لا نطرحها بما يكفي: هل نملك معرفة كافية عن المغرب الذي يتشكل الآن؟

نعرف الكثير عن المغرب الذي كان، ونملك كماً متزايداً من البيانات عن المغرب الذي يوجد اليوم. لكن التحدي الاستراتيجي هو أن نعرف كيف نقرأ المغرب الذي يتشكل.

كيف تتغير توقعات الشباب؟ كيف أعاد الهاتف والخوارزمية تشكيل الرأي العام والسلوك الاجتماعي؟ ما الوظائف التي ستتغير بفعل التكنولوجيا؟ وما المهارات التي ستصبح أكثر قيمة؟ ما المناطق الأكثر هشاشة أمام الجفاف والتحولات المناخية؟ ما المدن الأكثر تعرضاً للضغط؟ ما سلاسل الإمداد التي يمكن أن تهتز؟ أين توجد التبعيات التكنولوجية؟ ما المعارف التي نستوردها ولا ننتجها؟ وما القدرات التي ينبغي أن نبنيها اليوم حتى لا نضطر إلى شرائها غداً؟

هذه ليست أسئلة أكاديمية ولا ترفاً بحثياً. إنها أسئلة تتصل مباشرة بقدرة الدولة على حماية مصالحها، وتحديد خياراتها، وتوزيع استثماراتها، والاستعداد للمخاطر.

وهنا ينبغي أن تنتقل الدولة من إحصاء المجتمع إلى فهم اتجاهاته، ومن جمع البيانات إلى بناء ذكاء قادر على اكتشاف الروابط بينها.

فقد يكون ارتفاع القلق لدى الشباب مرتبطاً بسوق العمل أكثر مما يبدو، وقد تكون أزمة التعليم مرتبطة بتحول أعمق في طبيعة الوظائف، وقد تكون الهجرة الداخلية مرتبطة بالماء والمناخ وفرص العمل في آن واحد. والمشكلة أن المؤسسات، حين تنظر إلى هذه الظواهر كل واحدة من داخل قطاعها، قد ترى أجزاء صحيحة من الصورة، لكنها لا ترى الصورة نفسها.

وهذا هو أحد أهم تحديات الذكاء الاستراتيجي: أن يرى ما بين الملفات، لا الملفات فقط.

فالمخاطر الجديدة لا تأتي دائماً في شكل تهديد عسكري مباشر. قد تأتي من البيانات، أو الخوارزميات، أو الهجمات السيبرانية، أو الاختراقات، أو التلاعب بالمعلومات، أو الاعتماد التكنولوجي، أو هشاشة سلاسل الإمداد، أو فقدان الثقة. ولهذا فإن أمن المستقبل لن يكون فقط قدرة على الرد عندما يقع الخطر، بل قدرة على التوقع والمنع والامتصاص والتكيف واستعادة القدرة بعد الصدمة.

وهذه القدرة تبدأ بالمعرفة.

لكن هنا يظهر خطر آخر أكثر هدوءاً، وربما أكثر خداعاً: أن تكون الدولة ناجحة في إدارة حاضرها إلى درجة تجعلها لا ترى ما يتراكم في مستقبلها.

لا تخسروا المستقبل وأنتم تربحون الحاضر

وهنا ربما تكمن المشكلة الأكبر.

يمكن لدولة أن تحقق نتائج ملموسة في الحاضر، وأن تتوسع بنيتها التحتية، وأن تكبر موانئها، وأن تتطور صناعتها، وأن تزداد قدرتها على جذب الاستثمار، وأن تحافظ مؤسساتها على قدر من الاستقرار، ومع ذلك كله تبدأ قدرتها على مواجهة المستقبل في التراجع.

فالنجاح في الحاضر لا يضمن تلقائياً القدرة على المستقبل.

بل إن الخطر الأكثر تعقيداً هو أن تنجح الدولة بالمعايير التي اعتادت استخدامها، بينما يتغير العالم بالمعايير التي ستحدد نجاحها غداً.

أن تستمر المؤسسات في أداء وظائفها، بينما تتغير طبيعة المشكلات.

أن تستمر البرامج في التنفيذ، بينما تتغير الفرضيات التي قامت عليها.

أن تستمر مؤشرات الأداء في التحسن، بينما تتراكم نقاط ضعف لا تظهر في مؤشرات اليوم.

أن تستمر الدولة في بناء ما تعرف كيف تبنيه، بينما يتغير السؤال حول ما تحتاج إلى بنائه.

وهذا هو المعنى الحقيقي لإدارة المستقبل بأدوات الماضي.

فالمشكلة ليست أن الدولة لا تعمل. المشكلة أن تعمل بكفاءة عالية على أسئلة لم تعد هي الأسئلة الأكثر أهمية.

ومن هنا يصبح النجاح نفسه بحاجة إلى مراجعة دورية. فالمغرب حقق خلال السنوات الماضية استثمارات وتحولات ومشاريع مهمة، كما أن السياسات العمومية الحالية تتضمن رهانات على التشغيل والتعليم والصحة والماء والتحول الرقمي. لكن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يتوقف عند حجم ما أُنجز، بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر صعوبة:

هل ما نبنيه اليوم يزيد فعلاً قدرة المغرب على مواجهة عالم الغد؟

وهذا يقودنا مباشرة إلى السؤال الذي ينبغي أن يسبق أسماء الوزراء أنفسهم.

السؤال الذي يجب أن يسبق أسماء الوزراء

لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي للمرحلة المقبلة ليس فقط: من سيدخل الحكومة؟

بل: أي دولة يريد هؤلاء أن يتركوا وراءهم؟

هل يرون خمس سنوات، أم يستطيعون التفكير في عشرين سنة؟

هل يقيسون النجاح بعدد المشاريع التي أُنجزت، أم بحجم القدرات التي تركتها هذه المشاريع وراءها؟

هل يرون الشباب كتلة تستهدفها البرامج، أم رأس مال استراتيجياً للمغرب؟

هل يرون إفريقيا كسوق، أم فضاءً لبناء شبكات وشراكات وقدرات ونفوذ طويل المدى؟

هل يرون أوروبا كشريك ثابت، أم كقارة تتغير ويجب على المغرب أن يعيد اكتشاف تحولاتِها باستمرار؟

هل يرون الذكاء الاصطناعي ملفاً تقنياً يخص قطاعاً بعينه، أم تحولاً يعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإدارة والأمن وموازين القوة؟

وهل يرون الأمن باعتباره قدرة على الرد فقط، أم قدرة على التوقع أيضاً؟

هذه الأسئلة أهم من شكل الحكومة، لأنها تتعلق بنظام التفكير الذي سيحكم عملها.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة لا تدير الملفات فقط، بل تفهم العلاقة بينها. حكومة ترى الماء في علاقته بالزراعة، والزراعة في علاقتها بالتشغيل، والتشغيل في علاقته بالشباب، والشباب في علاقته بالتعليم والهجرة والثقة، والتعليم في علاقته بالذكاء الاصطناعي، وكل ذلك في علاقته بموقع المغرب في أوروبا وإفريقيا والعالم.

عندها فقط يتغير معنى الحكومة: لا تعود مجرد مجموعة وزارات تدير قطاعات متجاورة، بل تصبح عقلاً للدولة قادراً على رؤية الصورة الكاملة، واكتشاف الروابط، وتحديد الأولويات، وتحريك الموارد قبل أن تفرض التحولات نفسها.

لكن إذا كان هذا هو الرهان، فإن السؤال الأخير ليس: هل يمكن للمغرب أن ينجح؟ فقد أثبت قدرته على النجاح في مجالات متعددة. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع أن يحول نجاحه الحالي إلى قدرة دائمة على التجدد؟

الخطر ليس أن نفشل

وهنا أصل إلى الخلاصة التي أراها الأهم.

المغرب لا يحتاج إلى خطاب يخيفه من الانهيار، كما لا يحتاج إلى خطاب يقول إن كل شيء يسير على ما يرام. ما يحتاجه هو خطاب أكثر صعوبة: أن يضع النجاح نفسه تحت السؤال.

لقد نجح المغرب في بناء الكثير. والتحدي الآن ليس فقط أن يبني أكثر، بل أن يعرف ماذا يجب أن يبني بعد ذلك، ولماذا، وبأي قدرات يريد أن يخرج من كل مشروع.

نجح في البنية التحتية؛ فهل يستطيع تحويلها إلى قوة اقتصادية متراكمة؟

ونجح في الصناعة؛ فهل يستطيع تحويل الصناعة إلى معرفة وتكنولوجيا وقدرات محلية؟

وطور حضوره الإفريقي؛ فهل يستطيع تحويل هذا الحضور إلى شبكات وشراكات وقدرات طويلة المدى؟

وطور قدراته الأمنية؛ فهل يستطيع بناء أمن المستقبل، بما يشمله من أمن سيبراني ومعلوماتي ومائي وغذائي ومجتمعي؟

وحقق قدراً من الاستقرار؛ فهل يستطيع أن يجعل الاستقرار منصة للتحول المستمر، لا سبباً لتأجيل الأسئلة الصعبة؟

هذه هي المعادلة التي ستحدد معنى المرحلة المقبلة.

فالدول لا تخسر مستقبلها في يوم واحد.

تخسره على دفعات.

قرار مؤجل.

إصلاح مؤجل.

سؤال لم يُطرح.

إشارة لم تُقرأ.

تهديد لم يُفهم.

فرصة لم تُلتقط.

مؤسسة لم تتغير.

معرفة لم تُنتج.

موهبة لم تُستثمر.

وشاب لم يجد مكانه في الصورة التي ترسمها الدولة للمستقبل.

ولهذا فإن أعظم مهمة أمام الحكومة المقبلة ليست أن تدير السنوات الخمس القادمة بكفاءة فقط، بل أن تزيد قدرة المغرب على إدارة العقود القادمة.

فالمستقبل لا ينتظر الحكومة، ولا ينتظر الدولة، ولا ينتظر أحداً.

المستقبل يتشكل الآن.

والخيار الاستراتيجي أمام المغرب ليس بين النجاح والفشل فقط، بل بين أن يظل ناجحاً في عالم يتغير من حوله، أو أن يمتلك القدرة على تغيير نفسه قبل أن يضطره العالم إلى ذلك.

وهنا بالضبط تكمن المعركة الحقيقية للحكومة المقبلة:

ألا تدير مستقبل المغرب بأدوات الماضي، بل أن تبني دولة تملك القدرة على رؤية المستقبل، وفهمه، والاستعداد له، ثم تحويل هذا الفهم إلى قدرة على صناعته.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;