هل تملك الحكومة المقبلة العقل الاستراتيجي؟

المغرب أمام امتحان لا يحتمل حكومة بلا رؤية

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

وأنا في باريس، أتتبع تطورات الأحداث في بلادي، لا أجدني منشغلاً كثيراً بأسماء الوزراء، ولا بحجم الحقائب، ولا بطبيعة التحالفات التي ستتشكل بعد الانتخابات التشريعية وتعيين رئيسة الحكومة. فهذه التفاصيل مهمة في تشكيل الحكومة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: هل تملك الحكومة المقبلة العقل الاستراتيجي الذي يحتاجه المغرب، أم أنها ستكتفي بتدبير الحاضر بأدوات الماضي؟

فالمغرب لا يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها ببرنامج حكومي تقليدي، بل يقف عند تقاطع تحولات جيوستراتيجية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية تتسارع في آن واحد. العالم يتغير، وموازين القوى يعاد تشكيلها، والمنافسة على إفريقيا تشتد، والماء يتحول إلى قضية سيادة، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الاقتصاد والدولة والعمل.

في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن تكون الحكومة جيدة في الإدارة. المطلوب حكومة تستطيع أن تقرأ ما وراء الأحداث، وأن تفهم معناها، وأن تستشرف ما ستنتجه قبل أن تفرض نتائجها نفسها على الدولة والمجتمع.

لكن الاستشراف وحده لا يكفي. فالعقل الاستراتيجي لا يبدأ فقط من سؤال: ماذا يحدث؟ بل ينتقل إلى السؤال الأعمق: ماذا نريد أن تكون عليه الدولة؟ وإلى أي غاية نريد أن نقودها؟ وهنا يظهر مفهوم المعنى، باعتباره البوصلة التي تمنح الاستراتيجية اتجاهها، وتحدد الغاية التي ينبغي أن تنتظم حولها قرارات الدولة وسياساتها واختياراتها.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد الانتخابات وتعيين رئيسة الحكومة ليس فقط: من سيحكم وبأي أدوات؟ بل إلى أي غاية ستقود الحكومة الدولة؟ وما المعنى الذي سيمنح اتجاهها؟

فالعقل الاستراتيجي يقرأ الطريق، أما المعنى فيحدد وجهته. والاستراتيجية من دون معنى قد تجعل الدولة أكثر قدرة على الإدارة، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يسبق كل شيء: إلى أين نريد أن نصل؟

من إدارة الواقع إلى صناعة القوة

حقق المغرب خلال السنوات الماضية تحولات لا يمكن إنكارها: بنية تحتية متقدمة، موانئ، صناعة، طاقات متجددة، استثمارات، وانفتاح اقتصادي ودبلوماسي متزايد على إفريقيا. لكن الخطر هو أن نخلط بين تراكم المشاريع وتراكم القوة. فالميناء لا يصبح قوة إلا إذا وضع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية؛ والاستثمار لا يصبح مكسباً استراتيجياً إذا لم ينقل المعرفة والتكنولوجيا ويخلق قيمة محلية؛ والحضور الإفريقي لا يصبح نفوذاً إذا بقي مجرد توسع تجاري. السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة هو: ماذا نريد أن يكون المغرب بعد عشر أو عشرين سنة، وكيف تخدم مشاريع اليوم هذا الهدف؟ هنا يظهر الفارق بين حكومة تنجز المشاريع وحكومة تعرف لماذا تنجزها. المغرب يحتاج إلى الانتقال من استقطاب الاستثمار إلى إنتاج القيمة، ومن إدارة العلاقات الدولية إلى بناء شبكات مصالح ونفوذ، ومن موقع جغرافي واعد إلى قوة جيوسياسية واقتصادية فاعلة.

العقل الاستراتيجي ليس وزارة جديدة

العقل الاستراتيجي ليس مؤسسة تُضاف إلى الدولة، ولا جهازاً بيروقراطياً جديداً، ولا مكتباً لإنتاج التقارير. إنه مسؤولية مباشرة للحكومة، وجزء من صميم ممارسة السلطة.

فالحكومة ليست موجودة فقط لتدبير ما هو قائم، بل لتحديد ما يجب أن يكون. ومسؤوليتها لا تتوقف عند قراءة الواقع، وإنما تبدأ من استشراف ما سيأتي، وتحديد الخيارات، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرار قبل أن تفرض التحولات نفسها.

العقل الاستراتيجي يعني أن تعرف الحكومة إلى أين تقود البلاد، ولماذا، وبأي أدوات، وما الذي يجب أن تفعله اليوم حتى لا تجد نفسها غداً أمام واقع صنعه الآخرون.

المشكلة ليست في نقص الخبراء أو الدراسات أو المعطيات. المسؤولية السياسية هي أن تجمع الحكومة هذه المعرفة، وتحولها إلى رؤية، والرؤية إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، ثم تتحمل مسؤولية النتائج.

لا يجوز أن تصبح الاستراتيجية عملاً مؤجلاً، أو ملفاً يُحال إلى الخبراء، أو وثيقة تُحفظ في الأرشيف. حين تكون الحكومة صاحبة القرار، فهي صاحبة المسؤولية عن امتلاك الرؤية أيضاً.

الحكومة التي تدير الملفات من دون أن ترى الصورة الكاملة تظل أسيرة رد الفعل. والحكومة التي تعرف ولا تستبق، ثم تتأخر في القرار، لا تستطيع أن تدّعي أن المستقبل فاجأها.

المطلوب إذن ليس إنشاء «عقل استراتيجي» خارج الحكومة، بل أن تمتلك الحكومة نفسها العقل الاستراتيجي والمعنى الذي يحدد غاية الدولة: أن تعرف إلى أين تريد أن تقود البلاد، ولماذا، ولأي غاية، ثم تفكر قبل أن تقرر، وتستشرف قبل أن تتحرك، وتختار قبل أن تُجبر على الاختيار. فالعقل الاستراتيجي يحدد كيف تتحرك الدولة، أما المعنى فيحدد لماذا تتحرك وإلى أي غاية. وبدون هذا المعنى، تتحول الدولة إلى إدارة للحاضر بلا اتجاه، والحكومة إلى جهاز لتدبير الواقع بلا مشروع.

وهنا تحديداً تُقاس مسؤولية الحكومة: ليس فقط بما فعلته، بل بما رأت أنه قادم، وما قررت أن تفعله حياله، وما اختارت أن تتركه للوقت.

فالاستراتيجية ليست وظيفة إدارية. إنها مسؤولية سياسية. وليست مهمة مؤسسة جديدة. إنها مسؤولية الحكومة في صلب الدولة.

التحدي الجيوستراتيجي: هل يتحول الموقع إلى نفوذ؟

المغرب يوجد في موقع لا يملك كثير من الدول مثيلاً له: المتوسط، الأطلسي، أوروبا وإفريقيا في نقطة واحدة. لكن الموقع الجغرافي لا يصنع القوة وحده. القوة تصنعها القدرة على استثمار الموقع في بناء المصالح والتأثير. لذلك لم يعد كافياً أن تكون للمغرب علاقات جيدة مع أوروبا أو حضور متزايد في إفريقيا؛ المطلوب أن يتحول إلى عقدة استراتيجية في شبكات التجارة والطاقة والإنتاج واللوجستيك والتكنولوجيا بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي. وفي عالم تتراجع فيه قواعد اليقين القديمة، تحتاج السياسة الخارجية المغربية إلى أن تكون أكثر اتصالاً بالاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والأمن الغذائي والمائي. المطلوب ليس فقط أن يكون للمغرب شركاء، بل أن تكون له أوراق تفاوض وتأثير ومبادرة.

التحدي الاقتصادي: النمو الذي لا يخلق قيمة لا يكفي

المغرب يحتاج إلى النمو، لكن النمو في حد ذاته لم يعد جواباً كافياً. السؤال الاستراتيجي هو: أي نمو؟ ولمن؟ وبأي قيمة مضافة، وبأي معنى لمستقبل البلاد؟ فاقتصاد يكتفي باستيراد التكنولوجيا واستهلاكها سيظل في موقع التابع داخل اقتصاد المستقبل، واقتصاد يجذب الشركات والاستثمارات من دون أن يبني في المقابل قاعدة وطنية من المقاولات القادرة على الابتكار والمنافسة عالمياً، سيظل محدود القدرة على إنتاج القيمة والاحتفاظ بها. لذلك لم يعد ممكناً النظر إلى التعليم والجامعة والبحث العلمي والصناعة والتمويل وريادة الأعمال كقطاعات منفصلة، بل ينبغي أن تنتظم داخل رؤية وطنية واحدة لصناعة القيمة وبناء السيادة الاقتصادية. فالانتقال الحقيقي ليس فقط من اقتصاد تقوده البنية التحتية إلى اقتصاد تقوده المعرفة، وإنما إلى اقتصاد يستند إلى معنى واضح لما نريد أن نكونه، ويحوّل المعرفة إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى ابتكار، والابتكار إلى قوة اقتصادية؛ ومن اقتصاد يبحث عن وظائف بأي شكل إلى اقتصاد يصنع فرص العمل التي يحتاجها المستقبل.

الشباب: الثروة التي قد تتحول إلى أزمة

أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومة المرتقبة هو أن تختزل الشباب في مجرد «فئة تحتاج إلى الإدماج»، أو أن تتعامل معه بمنطق البرامج الظرفية والحلول الانتقائية. الشباب هو الرصيد الاستراتيجي الأهم للمغرب، والقوة التي سيتحدد بها جزء كبير من موقعه في المستقبل. لكن هذا الرصيد لا يتحول تلقائياً إلى قوة؛ فقد يصبح طاقة للإنتاج والابتكار وصناعة المستقبل، كما يمكن أن يتحول، إذا أُهدرت فرصه، إلى إحباط وفقدان للثقة وشعور بانسداد الأفق. فالشاب الذي يقضي سنوات في التعليم ثم يجد نفسه خارج سوق العمل لا يواجه فقط مشكلة اقتصادية، بل يواجه سؤالاً أعمق عن جدوى التعليم والعمل وعن مكانه في المستقبل الوطني. لذلك لم يعد المطلوب مجرد سياسات لتشغيل الشباب، بل مشروع وطني لبناء الإنسان القادر على إنتاج المستقبل، من خلال إعادة توجيه التعليم والتكوين نحو مجالات المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية والطاقة والصناعات المتقدمة. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط على الأسواق والثروات، بل على العقول التي ستنتج المعرفة وتصنع التكنولوجيا وتحدد اتجاهات المستقبل.

الماء: من أزمة قطاعية إلى قضية سيادة

الماء هو الاختبار الأكثر وضوحاً لجدية العقل الاستراتيجي. يمكن للحكومة أن تبني السدود، وتوسع التحلية، وتعيد استعمال المياه؛ لكن ذلك لن يكون كافياً إذا استمرت السياسات الاقتصادية والزراعية والعمرانية بمنطق منفصل عن حقيقة الندرة. السؤال ليس فقط: كيف نوفر الماء؟ بل: أي زراعة نريد؟ وأي مدن نستطيع أن نبني؟ وما الصناعات التي تستحق مواردنا المائية؟ وما الذي يجب أن نغيره في نموذجنا الاقتصادي؟ عندما يصبح الماء محدداً للإنتاج والغذاء والأسعار والهجرة والاستقرار، فإنه لم يعد قطاعاً من قطاعات الدولة؛ إنه جزء من الأمن القومي. والحكومة التي لا تضع الماء في قلب استراتيجيتها الاقتصادية والاجتماعية تخاطر بإدارة المستقبل بعقلية الماضي.

العدالة الاجتماعية: السؤال الذي لا يمكن تأجيله

يمكن للدولة أن ترفع العمارات، وتشق الطرق، وتنجز الموانئ والملاعب والمشاريع الكبرى، وأن تحتفل كل عام بأرقام النمو والاستثمارات، لكن كل ذلك يفقد كثيراً من معناه عندما يظل المواطن البسيط عاجزاً عن تأمين أبسط شروط العيش الكريم. فالتنمية ليست معرضاً للمنشآت ولا سباقاً في الأرقام؛ التنمية الحقيقية هي أن يشعر المواطن بأن حياته تتحسن، وأن أبناءه يملكون فرصاً أفضل، وأن العمل يضمن له الكرامة، وأن الصحة والتعليم والسكن ليست امتيازات مرتبطة بالقدرة على الدفع.

المفارقة الصارخة اليوم هي أن بلدًا يمكن أن يحقق إنجازات عمرانية واقتصادية لافتة، بينما تتسع في المقابل دائرة الإحساس بالفقر والهشاشة والتهميش. والأسوأ من ذلك أن تتراكم الثروة والنفوذ الاقتصادي في أيدي أقلية محدودة، في وقت تجد فيه شرائح واسعة من المجتمع نفسها تحت ضغط الغلاء، وضعف القدرة الشرائية، والبطالة، وتراجع الخدمات العمومية. هنا لا يعود السؤال: كم أنجزنا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً للسياسة: من استفاد من هذا الإنجاز، ومن بقي خارج حساباته؟

فالعدالة الاجتماعية لا يمكن اختزالها في إعانات تُوزع على الفئات المتضررة من اختلالات اقتصادية أعمق، ولا في برامج للحماية الاجتماعية تُستخدم للتخفيف من نتائج التفاوت دون معالجة أسبابه. العدالة تعني أن تكون الثروة الوطنية وسيلة لتوسيع قاعدة الرفاه، لا أن تتحول التنمية إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق. وتعني أن يكون التعليم والصحة والعمل والسكن والفرص الاقتصادية حقوقاً فعلية، وأن يكون الأصل الاجتماعي والجغرافي للفرد أقل تأثيراً في مستقبله من قدرته وكفاءته واجتهاده.

إن الخطر الحقيقي ليس في وجود الأغنياء، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع فيه القليل أن يراكم الثروة والنفوذ بسرعة، بينما يُطلب من الأغلبية أن تتكيف باستمرار مع ارتفاع تكاليف الحياة وتقلص فرص الصعود الاجتماعي. وحين تصبح الفوارق بين من يملكون الكثير ومن يكافحون من أجل الأساسيات واسعة إلى هذا الحد، فإن الحديث عن التنمية يفقد معناه الاجتماعي والسياسي إذا لم تصاحبه سياسات واضحة لإعادة توزيع الفرص والثروة.

المشكلة، في نهاية المطاف، ليست أن المغرب يبني كثيراً؛ المشكلة أن ثمار ما يُبنى لا تصل بالقدر نفسه إلى الجميع. وحين يرى المواطن مشاريع ضخمة تُنجز أمام عينيه، لكنه لا يرى في المقابل مدرسة أفضل لأبنائه، أو مستشفى يحفظ كرامته، أو أجراً يحمي أسرته، أو فرصة عمل تفتح أمامه باب المستقبل، فإن الفجوة بين خطاب التنمية وتجربته اليومية تصبح فجوة سياسية بامتياز. وعندما تتسع هذه الفجوة، لا تعود القضية مجرد عجز اجتماعي أو خلل اقتصادي؛ إنها تتحول إلى أزمة ثقة في النموذج التنموي نفسه، وفي عدالة توزيع ثماره، وفي قدرة السياسات العمومية على جعل التقدم ملكاً للمجتمع بأسره، لا امتيازاً لقلة منه.

كأس العالم 2030: هل نريد حدثاً أم إرثاً؟

كأس العالم 2030 يمكن أن يكون واحداً من أكبر الاستثمارات الاستراتيجية في تاريخ المغرب، لكنه يمكن، في المقابل، أن يتحول إلى أكبر ورش مكلف إذا اختُزلت الغاية في تنظيم الحدث وإنجاز المنشآت ثم الاحتفال بنجاح الاستضافة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل سينجح المغرب في تنظيم كأس العالم؟ بل: ماذا سيبقى للمغاربة بعد أن تنتهي آخر مباراة وتطفئ الملاعب أضواءها؟

المطلوب ليس أن نستضيف كأس العالم فقط، وإنما أن نجعل كأس العالم يخدم مغرب ما بعد 2030. هل سنخرج بشبكة نقل أكثر كفاءة تخدم المواطنين قبل السياح وبعدهم؟ هل ستصبح مدننا أكثر تنظيماً وذكاءً وقدرة على الاستجابة لحاجات سكانها؟ هل ستتحول الطفرة السياحية إلى صناعة وطنية مستدامة تخلق القيمة وفرص العمل، بدل أن تكون مجرد انتعاشة مؤقتة؟ هل ستتمكن الشركات المغربية من اقتناص جزء حقيقي من سلاسل القيمة المرتبطة بهذا الحدث، أم ستذهب العقود والأرباح الكبرى إلى الشركات الأكثر قوة وقدرة على المنافسة؟ وهل سنبني بنية رقمية وصناعية ورأسمالاً بشرياً يستمران في خدمة الاقتصاد الوطني بعد انتهاء البطولة؟

هنا تحديداً يُختبر القرار السياسي: هل نريد كأس عالم يمر بالمغرب، أم نريد كأس عالم يغيّر المغرب؟ لأن الفرق بين الاثنين ليس في عدد الملاعب التي ستُبنى، ولا في حجم الاستثمارات التي ستُعلن، وإنما في طبيعة الأثر الذي سيبقى بعد 2030. وإذا كانت فاتورة المونديال ستُدفع من المال العمومي، فمن حق المواطن أن يسأل بوضوح: ما نصيبه من عائداته؟ وما الذي سيعود عليه وعلى أبنائه بعد انتهاء الحدث؟

أما أن ننفق المليارات، ونضاعف المشاريع، ونرفع سقف التوقعات، ثم نكتشف بعد إسدال الستار أن جزءاً كبيراً من القيمة الاقتصادية قد غادر مع الشركات والمستثمرين، وأن المواطن لم يحصل سوى على صورة جميلة عن بلد استضاف حدثاً عالمياً، فذلك لن يكون تحولاً استراتيجياً، بل فرصة تاريخية جرى استهلاكها في لحظة احتفالية.

المونديال إذن ليس غاية في ذاته، ولا ينبغي أن يصبح مناسبة لتجميل المؤشرات أو تسويق صورة البلد. إنه اختبار لقدرة الدولة على تحويل الاستثمار الاستثنائي إلى تغيير دائم في الاقتصاد والمجتمع. فإذا خرج المغرب من 2030 بمدن أفضل، ونقل أكثر كفاءة، وشركات وطنية أقوى، وسياحة أكثر إنتاجاً، وبنية رقمية متقدمة، وفرص عمل نوعية، ورأسمال بشري أكثر تأهيلاً، فسيكون المونديال قد أدى وظيفة تاريخية تتجاوز كرة القدم. أما إذا انتهت المباريات وانتهت معها القيمة المضافة، فسيكون السؤال المؤلم هو: كم أنفقنا من أجل ثلاثة أسابيع من الفرجة، وماذا ربح المغرب فعلاً لعقود قادمة؟

الذكاء الاصطناعي: المعركة التي بدأت قبل أن نستعد لها

السؤال لم يعد: هل سيستخدم المغرب الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح أكثر قسوة: هل سيمتلك المغرب الذكاء الاصطناعي، أم سيظل مجرد مستهلك لتكنولوجيا يصنعها الآخرون؟

فالذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة تكنولوجية جديدة تضاف إلى ما نملكه من أدوات. إنه تحول سيعيد تشكيل التعليم، والصناعة، والصحة، والإدارة، والزراعة، والتجارة، وسوق العمل، وحتى طريقة صناعة القرار وقراءة المستقبل. ومن لا يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة والبيانات والتكنولوجيا، سيجد نفسه مضطراً إلى شراء الحلول من الخارج، ودفع كلفتها، والخضوع لمنطقها، بينما تتحول بياناته واحتياجاته وسلوك مجتمعه إلى مادة تُحلل وتُستثمر في أماكن أخرى.

وهنا تصبح القضية أكبر من التحول الرقمي. إنها قضية سيادة وطنية. فمن يمتلك البيانات يمتلك جزءاً من القوة، ومن يمتلك المعرفة يمتلك القدرة على التأثير، ومن يمتلك التكنولوجيا يمتلك هامشاً أكبر لصناعة قراره بنفسه. لذلك لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفاً تقنياً يخص وزارة أو إدارة، بل باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للمغرب.

المطلوب ليس فقط شراء أحدث الأنظمة، وإنما بناء القدرة على إنتاجها وتطويرها وتكييفها مع حاجات المغرب. وهذا يعني جامعة أقوى، وبحثاً علمياً أكثر جرأة، ومهارات رقمية حقيقية، وشركات تكنولوجية قادرة على المنافسة، وسياسة وطنية للبيانات، وقدرة على الاحتفاظ بالعقول والكفاءات بدل دفعها إلى البحث عن مستقبلها في الخارج.

من حكومة القطاعات إلى دولة المنظومات

المشكلة في الحكومات التقليدية أنها تنظر إلى الدولة كما لو كانت مجموعة من الملفات المنفصلة: وزارة للماء، وأخرى للفلاحة، وثالثة للاقتصاد، ورابعة للتعليم، وخامسة للصناعة. لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة، والأزمات لا تحترم الحدود بين الوزارات.

الماء ليس ملفاً تقنياً فقط. الماء يعني الزراعة، والزراعة تعني الأسعار، والأسعار تعني القدرة الشرائية، والقدرة الشرائية تعني الاستقرار الاجتماعي. والطاقة ليست مجرد إنتاج للكهرباء؛ إنها الصناعة والنقل والأسعار والتنافسية. والتعليم ليس مجرد قطاع اجتماعي؛ إنه مستقبل سوق العمل، والإنتاجية، والابتكار، وقدرة الاقتصاد على المنافسة.

لهذا يحتاج المغرب إلى الانتقال من حكومة تدير القطاعات إلى دولة تدير المنظومات. حكومة ترى العلاقة بين الملفات قبل أن ترى حدود الاختصاصات، وتقرأ النتائج المتسلسلة للقرار قبل أن تعلن عنه، وتعرف أن معالجة مشكلة في قطاع قد تخلق أزمة في قطاع آخر إذا غابت الرؤية الشاملة.

وهذا يتطلب شيئاً نفتقده كثيراً في إدارة الشأن العام: الاستشراف الحقيقي. ليس المطلوب أن تنتظر الحكومة الأزمة حتى تقع، ثم تشكل لجنة وتعلن خطة طوارئ. المطلوب أن تعرف من الآن أين يمكن أن تكون البلاد بعد خمس سنوات، وبعد عشر سنوات، وأن تبني أكثر من سيناريو، وتحدد مسبقاً ماذا ستفعل إذا تغيرت أسعار الطاقة، أو اشتدت ندرة المياه، أو تسارعت أتمتة الوظائف، أو تغيرت خريطة التجارة العالمية.

الدولة التي لا تبني سيناريوهات للمستقبل تترك مستقبلها للصدفة.

الاختبار الحقيقي: هل تستطيع الحكومة أن ترى ما لا يظهر بعد؟

وهنا يصبح السؤال السياسي الأكبر بعد الانتخابات أكثر وضوحاً وأقل قابلية للهروب منه:

ما الذي ستفعله الحكومة، تحديداً، بكل هذه التحولات والمخاطر والفرص؟ ومن سيتحمل مسؤولية القرارات التي ستُتخذ، أو القرارات التي سيجري تأجيلها؟

فالحكومة ليست مجرد جهاز لتسيير الإدارة اليومية، وليست مجرد وسيط بين المشاكل والحلول. الحكومة هي الجهة التي تضع الأولويات، وتوجه المال العام، وتحدد أين تستثمر الدولة، وأي قطاعات تحمي، وأي مهارات تبني، وأي مخاطر تستبق. ولذلك فإن مسؤوليتها لا تبدأ عندما تقع الأزمة؛ مسؤوليتها تبدأ قبل الأزمة، عندما تكون لديها القدرة على رؤيتها والاستعداد لها.

لا يمكن لحكومة أن تكتفي بالقول إن الماء أصبح نادراً بعدما تتفاقم الأزمة، أو أن سوق العمل يتغير بعدما يفقد آلاف الشباب وظائفهم، أو أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بعدما يصبح المغرب مستهلكاً لتقنياته، أو أن البحث العلمي ضعيف بعدما تصبح الفجوة التكنولوجية مع الدول الأخرى واسعة. الحكومة تُحاسب سياسياً على ما تراه اليوم وما تفعله اليوم، لأن كلفة التأخر ستُدفع غداً من المال العام ومن فرص المغاربة ومستقبلهم.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تُقاس بعدد البرامج التي تعلنها الحكومة، بل بقدرتها على تحويل التشخيص إلى قرار، والقرار إلى استثمار، والاستثمار إلى نتائج قابلة للقياس. فإذا كانت أزمة الماء معروفة، فمن المسؤول عن سرعة الاستجابة؟ وإذا كان سوق العمل يتغير، فمن المسؤول عن إصلاح التعليم والتكوين؟ وإذا كانت الثورة الرقمية تعيد توزيع القوة الاقتصادية، فمن المسؤول عن بناء السيادة الرقمية؟ وإذا كان المغرب يستعد لتحولات كبرى مثل كأس العالم 2030، فمن المسؤول عن ضمان أن تتحول هذه الفرصة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية دائمة؟

هذه ليست أسئلة تقنية يمكن ترحيلها إلى اللجان والخبراء؛ إنها أسئلة سياسية تقع في صميم مسؤولية الحكومة.

والمطلوب لذلك ليس حكومة تنتظر حتى تصبح الكلفة أكبر، ثم تقدم حلولاً متأخرة، ولا حكومة تختبئ خلف تعقيدات الواقع لتبرير بطء القرار. المطلوب حكومة تتحمل مسؤولية الاختيار، وتعلن بوضوح ماذا ستفعل، ولماذا ستفعله، ومتى ستنجزه، وكيف سيُقاس نجاحها أو فشلها.

فالمال العام ليس بلا نهاية، والوقت السياسي ليس بلا ثمن، والفرص التاريخية لا تتكرر بالضرورة. وكل سنة تضيع في التردد أو سوء ترتيب الأولويات قد تعني موارد أكبر غداً، وفرصاً أقل، وهوامش أضيق للمناورة.

لذلك فإن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تُحاسب فقط على ما أنجزته، بل أيضاً على ما كان يمكن أن تستبق حدوثه ولم تفعل، وما كان يمكن أن تبنيه ولم تبنه، وما كان يمكن أن تحولّه إلى فرصة وتركته يتحول إلى أزمة.

وهنا تحديداً سيكون الاختبار السياسي الحقيقي:

هل نريد حكومة تدير الانتظار، أم حكومة تتحمل مسؤولية صناعة التحول؟
هل نريد حكومة تكتفي برد الفعل، أم حكومة تستبق الأحداث وتتحمل كلفة القرار؟
هل نريد حكومة تقيس نجاحها بعدد المشاريع والخطب والتقارير، أم حكومة تقبل أن تُحاسب على أثر سياساتها في حياة المواطنين ومستقبل البلاد؟

لأن الحكومة لا تُمنح السلطة لكي تراقب المستقبل وهو يقترب؛ تُمنح السلطة لكي تستعد له، وتختار موقع المغرب داخله، وتتحمل مسؤولية النتائج.

وفي النهاية، لن يكون السؤال: هل كانت الظروف صعبة؟ فالظروف ستكون دائماً صعبة. ولن يكون السؤال: هل كانت الأزمات متوقعة؟ فكثير منها معروف منذ سنوات.

السؤال الذي سيبقى هو: ماذا فعلت الحكومة عندما كانت تعرف؟

وهنا تحديداً يبدأ الحساب السياسي الحقيقي.

فالحكومة التي تعرف ولا تتحرك تتحمل مسؤولية التأخر، والحكومة التي ترى الخطر ولا تستعد له تترك كلفته لمن سيأتي بعدها. أما الحكومة التي تمتلك الرؤية والشجاعة والقدرة على القرار، فهي التي تستطيع أن تجعل من التحولات الكبرى فرصة لبناء مغرب أقوى وأكثر عدالة واستقلالاً.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;