الحزب الشيوعي الصيني أمام تحول الأجيال.. هل يفتح صعود الجيل السابع باباً لتغيير سياسي؟

تطرح مجلة «ذي إيكونوميست» في تحليل نشرته في 22 سبتمبر 2026 سؤالاً لافتاً حول مستقبل القيادة السياسية في الصين: هل يؤدي الانتقال التدريجي من جيل إلى آخر داخل الحزب الشيوعي إلى تغيير في طريقة التفكير وإدارة الدولة؟ ويأتي هذا السؤال في لحظة تستعد فيها الصين لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب النخبة الحاكمة، مع اقتراب موعد المؤتمر الوطني المقبل للحزب في عام 2027، حيث ينتظر أن تشهد مواقع قيادية عديدة تغييراً في شاغليها.

بينما يواصل شي جين بينغ إحكام قبضته على مركز القرار، تستعد الصين لصعود جيل جديد من القيادات وُلد معظم أفراده بعد الثورة الثقافية، وتكوّن وعيه في سنوات الانفتاح الاقتصادي والانفتاح النسبي على العالم. فهل يعني ذلك تحولاً في طريقة إدارة الصين، أم أن منظومة الحزب قادرة على إعادة إنتاج نفسها مهما تغيرت الوجوه؟

من جيل ماو إلى جيل شي

لفهم ما يجري، لا بد من العودة إلى الطريقة التي تُقسَّم بها أجيال القيادة في الصين. فقد ارتبط الجيل الأول بماو تسي تونغ، بينما ارتبط الجيل الثاني بدينغ شياو بينغ وسياسات الإصلاح والانفتاح. أما شي جين بينغ، الذي وصل إلى السلطة عام 2012، فينتمي إلى ما يعرف بالجيل الخامس، الذي وُلد معظم أفراده في خمسينيات القرن الماضي.

لكن القواعد التي كانت توحي بتداول منتظم نسبياً بين الأجيال تغيرت بصورة كبيرة خلال عهد شي. فقد أُزيل الحد الدستوري لفترات تولي منصب الرئاسة، واستمر شي في قيادة الحزب والدولة والجيش بعد أن كان متوقعاً، وفق الأعراف التي ترسخت بعد عهد دينغ، أن تنتقل القيادة إلى شخصية من الجيل السادس. وفي الوقت نفسه، أدت حملته لمكافحة الفساد وإعادة تشكيل شبكات النفوذ إلى إبعاد عدد كبير من المسؤولين الذين كانوا ينتمون إلى الجيل السادس أو يُنظر إليهم باعتبارهم من قياداته الصاعدة.

الجيل السابع يدخل المشهد

في ظل تراجع حضور الجيل السادس، بدأ ما يسمى «الجيل السابع» يفرض نفسه على المشهد. ويضم هذا الجيل، بصورة عامة، مسؤولين ولدوا في أواخر الستينيات والسبعينيات، أي أنهم لم يعيشوا تجربة الثورة الثقافية كما عاشها الجيل السابق، ولم تكن طفولتهم وشبابهم مرتبطين مباشرة بمرحلة ماو.

لقد تشكل وعي هؤلاء المسؤولين في ثمانينيات القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت انفتاح الصين على الاقتصاد العالمي، واتساع مساحة التفكير الاقتصادي الجديد، وتزايد التواصل مع الخارج. ولهذا تختلف تجربتهم التاريخية عن تجربة شي وكبار المسؤولين الذين سبقوهم. وتلفت «ذي إيكونوميست» إلى أن هذا الفارق في النشأة قد يكون مهماً عندما يتعلق الأمر بأسلوب التفكير السياسي والاقتصادي لدى النخبة الصينية الجديدة.

ومن بين الأسماء التي بدأت تحظى بالاهتمام تشو تشونغ مينغ، الذي يبلغ من العمر 54 عاماً، وعُيّن في أغسطس الماضي عمدة بالإنابة لشنغهاي. كما يبرز ليو جي، حاكم تشجيانغ، وآ دونغ، المسؤول الأول عن رابطة الشبيبة الشيوعية. وتندرج هذه الشخصيات ضمن مجموعة من المسؤولين الأصغر سناً الذين قد يزداد حضورهم في مؤسسات القيادة خلال السنوات المقبلة.

جيل أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم

لا يتميز الجيل الجديد بالعمر فقط، بل أيضاً بنوع مختلف من التكوين. فبحسب المعطيات التي يستند إليها تحليل «ذي إيكونوميست»، حصل عدد كبير من المسؤولين المنتمين إلى هذا الجيل على تعليم جامعي متقدم، فيما درس بعضهم الهندسة والاقتصاد والمالية، وحصل عدد منهم على درجات علمية عليا.

كما أن بعض الشخصيات الصاعدة أمضت فترات دراسية أو مهنية خارج الصين. ويشير المقال إلى يين يونغ، عمدة بكين، الذي يحمل درجة ماجستير من جامعة هارفارد، وإلى غو نينغنينغ، التي عملت لسنوات في قطاع مصرفي مملوك للدولة في هونغ كونغ وسنغافورة. ويختلف ذلك عن المسار التقليدي لكثير من القيادات السابقة التي أمضت معظم حياتها المهنية داخل أجهزة الحزب والدولة والجيش.

غير أن التعليم في الخارج أو الخبرة الدولية لا يعنيان بالضرورة تبني أفكار سياسية مختلفة. فالوصول إلى المراتب العليا داخل الحزب يمر عبر سنوات طويلة من العمل والتدرج والاختبارات السياسية والتنظيمية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هؤلاء المسؤولون أكثر تعليماً أو أكثر احتكاكاً بالعالم، بل كيف سيستخدمون هذه الخبرات داخل منظومة سياسية شديدة الانضباط؟

هل نحن أمام ليبراليين محتملين؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فقد بلغ كثير من أفراد الجيل السابع سن الشباب خلال الثمانينيات، وهي الفترة التي شهدت واحدة من أكثر مراحل الصين انفتاحاً فكرياً منذ منتصف القرن العشرين. وكانت البلاد آنذاك تعيش نقاشات واسعة حول الإصلاح والاقتصاد والمجتمع والعلاقة مع العالم.

لكن هذا الانفتاح توقف بصورة عنيفة مع أحداث تيانانمن عام 1989. وكان بعض أفراد الجيل السابع في سن قريبة من سن المشاركين في تلك الاحتجاجات. ومن ثم تطرح «ذي إيكونوميست» احتمالاً نظرياً: هل يمكن أن يكون بعض هؤلاء المسؤولين قد احتفظوا بأفكار أكثر انفتاحاً مما يوحي به موقعهم الحالي داخل الحزب؟

مع ذلك، لا توجد أدلة كافية تسمح بتحويل هذا الاحتمال إلى استنتاج سياسي. فالمسؤول الذي يصل إلى المراتب العليا في الحزب يكون قد أمضى سنوات طويلة داخل منظومة سياسية وفكرية تعمل على إعادة تشكيل مواقف أعضائها. ويشير الباحث وو غوه غوانغ من جامعة ستانفورد، كما تنقل عنه «ذي إيكونوميست»، إلى أن الكوادر السياسية تكون قد خضعت لعملية طويلة من التنشئة والتدريب عندما تصل إلى مواقع النفوذ.

شي جين بينغ والعقدة الأصعب: الخلافة

وربما تكون أهم نقطة في هذا التحول الجيلي هي مسألة الخلافة السياسية. فشي، الذي ينتمي إلى جيل أقدم، سيبلغ 79 عاماً في عام 2032، إذا استمر في منصبه حتى ذلك الوقت. وفي المقابل، سيكون أعضاء الجيل السابع في الخمسينيات والستينيات من أعمارهم، وهي أعمار تسمح نظرياً بتوليهم أعلى المناصب لفترة طويلة.

لكن المشكلة تكمن في أن بروز شخصية شابة جداً إلى جانب شي قد يُقرأ باعتباره إعلاناً مبكراً عن خليفة محتمل. وهذا قد يجعل عملية اختيار الجيل الجديد أكثر حساسية. فالتقاليد السياسية الصينية خلال العقود الماضية شهدت صراعات وتبدلات متعددة في مسألة تحديد من سيخلف الزعيم في المستقبل.

ولهذا، فإن صعود الجيل السابع لا يعني بالضرورة انتقال السلطة فوراً، ولا يعني أن شي قد حسم مسألة خليفته. بل إن الأمر يتعلق أكثر بإعادة تشكيل تدريجية للطبقة السياسية التي ستضطلع بمسؤوليات أكبر خلال السنوات المقبلة.

تغيير الوجوه أم تغيير طريقة الحكم؟

السؤال الأكبر، إذن، لا يتعلق بعمر المسؤولين الجدد، وإنما بما إذا كان التغيير الديموغرافي داخل الحزب سيؤدي إلى تغيير في السياسات.

فالصين اليوم ليست الصين التي كانت عليها في الثمانينيات. فقد تحولت إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى، وأصبحت أكثر اندماجاً في النظام العالمي وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار. كما أن الحزب الشيوعي أعاد خلال السنوات الأخيرة التأكيد على الانضباط التنظيمي والأمن القومي والسيطرة السياسية.

وفي مثل هذه البيئة، يمكن لجيل جديد أن يكون أكثر معرفة بالعالم وأكثر تخصصاً في الاقتصاد والتكنولوجيا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً في الأسس السياسية للنظام. وقد يكون التغيير الحقيقي في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، أكثر منه في طبيعة النظام السياسي نفسه.

إعادة تشكيل النخبة قبل مرحلة جديدة

وتكتسب المسألة أهمية أكبر بسبب حجم التغيير المتوقع في تركيبة القيادة. فبحسب تحليل «ذي إيكونوميست»، يمكن أن يغادر نحو ثلثي أعضاء اللجنة المركزية الحالية مناصبهم في المؤتمر المقبل نتيجة قواعد التقاعد المتعارف عليها، فيما قد ترتفع حصة مسؤولي الجيل السابع داخل اللجنة المركزية بصورة كبيرة.

وهذا يعني أن الصين قد تدخل، خلال السنوات القليلة المقبلة، مرحلة تتغير فيها تركيبة النخبة السياسية على نطاق واسع، حتى إذا بقي مركز السلطة الأعلى ثابتاً.

ومن هنا، فإن التحول الجيلي لا ينبغي قراءته باعتباره تغييراً سياسياً مكتمل المعالم، بل باعتباره عملية إعادة تشكيل للطبقة التي ستقود الصين في العقود المقبلة.

الصين بعد شي.. السؤال الذي بدأ مبكراً

قد يكون السؤال الأهم الذي تطرحه هذه التحولات هو: من سيقود الصين بعد شي جين بينغ، وكيف سيقودها؟

ليس من الممكن في الوقت الراهن تقديم إجابة حاسمة. فالأسماء الصاعدة قد تتغير مواقعها، والتحالفات داخل النخبة قد تتبدل، كما أن القرار السياسي الصيني يظل شديد المركزية والغموض بالنسبة إلى المراقبين الخارجيين.

لكن المؤكد أن جيلاً جديداً يقترب من مركز المشهد. جيل لم يعرف الصين الماوية بصورة مباشرة، ونشأ في الصين الإصلاح والانفتاح، ودرس في جامعات أكثر تطوراً، وبعض أفراده احتك بالاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية.

وهنا تكمن أهمية التحول الذي ترصده «ذي إيكونوميست»: ليس لأن الجيل الجديد يمثل بالضرورة قطيعة مع شي جين بينغ، وإنما لأن مستقبل الصين سيعتمد، في مرحلة ما، على كيفية انتقال السلطة والخبرة والنفوذ من جيل إلى آخر داخل الحزب الشيوعي.

وبينما يبدو استمرار شي في مركز القيادة أمراً منفصلاً عن هذا التحول في المدى القريب، فإن صعود الجيل السابع يضع سؤال المستقبل على الطاولة: هل تستطيع منظومة الحزب أن تنتقل من جيل إلى آخر من دون أن تعيد إنتاج الصراعات نفسها حول السلطة والخلافة؟

ذلك أن التحولات الكبرى في الصين لا تبدأ دائماً بتغيير الزعيم، بل قد تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما تتغير تدريجياً الوجوه التي تجلس خلفه، والأجيال التي تتولى إدارة الدولة، والخبرات التي تحملها إلى مركز القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;