هذه الفكرة ليست مجرد تأمل نظري. فالكاتب يستند إلى أعمال مؤرخ التكنولوجيا ناثان روزنبرغ، وإلى أبحاث عالم السياسة جيفري دينغ، الذي خلص في كتابه Technology and the Rise of Great Powers الصادر عام 2024 إلى أن الدول لا تصبح قوى كبرى لمجرد أنها تبتكر تكنولوجيا جديدة قبل غيرها، وإنما لأنها تنجح في تكييف التكنولوجيا ونشرها عبر قطاعات الاقتصاد والمجتمع على نطاق واسع.
بريطانيا اخترعت… وأمريكا انتشرت
يبدأ المقال بقصة تاريخية شديدة الدلالة.
في عام 1884، اخترع البريطاني تشارلز بارسونز التوربين البخاري، وهو اختراع أحدث تحولًا كبيرًا في إنتاج الكهرباء. وكانت بريطانيا آنذاك تمتلك تقليدًا علميًا وصناعيًا قويًا، وارتبط اسمها بمخترعين كبار مثل مايكل فاراداي.
كان من الطبيعي إذن أن يبدو أن بريطانيا ستكون القوة التي تقود عصر الكهرباء.
لكن التاريخ اتخذ مسارًا آخر.
فبينما بقيت بريطانيا بطيئة في بناء البنية التحتية اللازمة لتعميم الكهرباء، توسعت الشركات الأمريكية بسرعة في إنشاء محطات الكهرباء، وتحولت الولايات المتحدة تدريجيًا إلى القوة الصناعية الأكبر. ويستخدم تشانغ تشي هذه الواقعة ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل المهم أن تكون أول من يكتشف التكنولوجيا، أم أن تكون أول من يعرف كيف يجعلها جزءًا من الحياة الاقتصادية اليومية؟
هذه ليست مسألة تاريخية عابرة، لأن الذكاء الاصطناعي قد يكون أمام المسار نفسه.
أسطورة «من اخترع أولًا؟»
اعتادت المنافسة التكنولوجية أن تُقاس بمنطق السباق: من وصل أولًا؟ من يمتلك النموذج الأقوى؟ من يملك أكبر عدد من براءات الاختراع؟ من يسيطر على أكبر شركات التكنولوجيا؟
لكن جيفري دينغ يقترح تغيير السؤال.
ففي كتابه عن التكنولوجيا وصعود القوى الكبرى، يميز بين الابتكار وانتشار التكنولوجيا. ويجادل بأن الاقتصادات التي استفادت تاريخيًا من التحولات التكنولوجية الكبرى لم تكن دائمًا تلك التي اخترعت كل شيء أولًا، بل تلك التي استطاعت تحويل الابتكارات إلى أدوات تستخدمها قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وقد خلص بحث دينغ التاريخي إلى أن الولايات المتحدة لم تكن صاحبة الأغلبية من الابتكارات الكبرى في قطاعات مثل الكيمياء والكهرباء والسيارات والصلب خلال الثورة الصناعية الثانية؛ ومع ذلك تمكنت من تحقيق تفوق إنتاجي كبير بفضل قدرتها على نشر تقنيات وأساليب إنتاجية على نطاق واسع.
وهنا تصبح المسألة مختلفة جذريًا.
الفائز في الثورة التكنولوجية ليس بالضرورة من يملك المختبر الأفضل، وإنما من يملك المجتمع الأكثر قدرة على استخدام ما ينتجه المختبر.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد نموذج
من هذه الزاوية، فإن التركيز الحالي على الفارق بين نموذج أمريكي وآخر صيني قد يكون مضللًا إذا تحول إلى المقياس الوحيد للقوة التكنولوجية.
فالنموذج المتقدم يحتاج إلى مستخدمين، وشركات، ومهندسين، ومؤسسات، ومدارس، وبنية تحتية رقمية، وقواعد تنظيمية، واستثمارات، وأسواق قادرة على تحويل قدراته إلى إنتاج فعلي.
وهذا هو مفهوم انتشار التكنولوجيا الذي يحتل موقعًا مركزيًا في تحليل دينغ.
فالذكاء الاصطناعي، بخلاف كثير من التقنيات المتخصصة، يمكن أن يتحول إلى تكنولوجيا عامة الاستخدام؛ أي إنه قادر على الانتقال من قطاع إلى آخر، من الصناعة إلى الطب، ومن التعليم إلى الخدمات المالية، ومن الإدارة إلى البحث العلمي. ويشرح دينغ أن التقنيات العامة لا تحقق أثرها الكامل إلا عندما تنتشر عبر عدد كبير من القطاعات.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى واشنطن وبكين قد لا يكون: من يمتلك النموذج الأكثر ذكاءً؟
بل:
من يستطيع جعل الذكاء الاصطناعي أكثر حضورًا في الاقتصاد الحقيقي؟
الصين والولايات المتحدة أمام معركة مختلفة
الخطاب السياسي الأمريكي يقدم المنافسة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها معركة استراتيجية ذات تداعيات هائلة على الأمن القومي والاقتصاد والتوازن العالمي. ويشير مقال New Yorker إلى تحذيرات أمريكية متكررة من أن تأخر الولايات المتحدة أمام الصين قد تكون له نتائج خطيرة.
لكن الكاتب يحذر من اختزال المسألة في فكرة «الفوز بالسباق».
فحتى إذا حققت الصين تقدمًا كبيرًا في النماذج، فهذا لا يعني تلقائيًا أنها ستصبح القوة الاقتصادية والتكنولوجية المهيمنة.
وبالعكس، فإن تقدم الولايات المتحدة في تطوير نماذج متقدمة لا يضمن وحده استمرار تفوقها إذا لم تستطع نشر الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات اقتصادها.
وقد لخصت مراجعة لمعهد صندوق النقد الدولي لكتاب دينغ الفكرة بوضوح: التبني الواسع للتكنولوجيا عبر الاقتصاد هو الذي يدفع النمو، وليس مجرد وجود قطاعات رائدة.
من «النخبة التقنية» إلى المجتمع كله
وهنا يصل المقال إلى نقطة شديدة الأهمية.
إذا كانت المنافسة المستقبلية ستتحدد بمدى انتشار الذكاء الاصطناعي، فإن الاستثمار في حفنة من المختبرات والشركات العملاقة لن يكون كافيًا.
المطلوب هو بناء مجتمع قادر على استخدام التكنولوجيا.
وهذا يعني الاستثمار في الجامعات، والكليات التقنية، والتعليم المهني، والتكوين المستمر، وتأهيل الموظفين والعمال، وإعداد جيل قادر على إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المصانع والمستشفيات والبنوك والمدارس والإدارات.
ويولي دينغ أهمية خاصة لما يمكن تسميته «البنية التحتية للمهارات»: أي وجود قاعدة واسعة من الأشخاص القادرين على فهم التكنولوجيا وتطبيقها وتكييفها مع احتياجات القطاعات المختلفة.
وهذه الفكرة تقلب النقاش رأسًا على عقب.
فبدل السؤال عن عدد العلماء الذين يعملون على أحدث نموذج، يصبح السؤال:
كم مليون شخص يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة منتجة؟
الكهرباء كانت درسًا مبكرًا
تقدم تجربة الكهرباء درسًا مهمًا.
فالاختراع وحده لم يغير الاقتصاد بين ليلة وضحاها.
كان لا بد من إنشاء الشبكات، ومحطات الإنتاج، والمعايير، والآلات الجديدة، والمهارات، والمصانع القادرة على استخدام الكهرباء، ثم إعادة تنظيم عمليات الإنتاج نفسها.
ولهذا استغرق الانتقال إلى الاقتصاد الكهربائي عقودًا.
ويؤكد بحث دينغ أن الكهرباء مثال نموذجي على «التكنولوجيا العامة» التي لا تحقق أثرها الاقتصادي بمجرد اختراعها، بل من خلال عملية طويلة من التكيف والانتشار المؤسسي.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي مشابهًا.
فحتى أقوى نموذج يمكن أن يبقى محدود التأثير إذا ظل محصورًا في شركات التكنولوجيا ومختبرات البحث.
أما إذا أصبح جزءًا من عمل الطبيب والمهندس والمحاسب والمدرس والمزارع والموظف الحكومي، فإن أثره الاقتصادي يصبح مختلفًا جذريًا.
«لكن الصين…» كذريعة
يناقش تشانغ تشي أيضًا ما يسميه منطق «لكن الصين».
والمقصود هو استخدام الخوف من التفوق الصيني لتبرير تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وأحيانًا لتبرير مواقف تنظيمية أو اقتصادية أكثر تساهلًا مع شركات التكنولوجيا.
ويرى الكاتب أن هذه الحجة أصبحت جزءًا من الخطاب السياسي والتكنولوجي الأمريكي، بحيث يجري تقديم المنافسة مع الصين باعتبارها مبررًا كافيًا لتسريع السباق.
لكن المشكلة، بحسب المقال، أن الخوف من خسارة السباق قد يدفع إلى التركيز على السرعة والحدود القصوى للتكنولوجيا بدل التركيز على سؤال أكثر عملية: كيف نجعل التكنولوجيا مفيدة وآمنة وقابلة للاستخدام على نطاق واسع؟
وهنا تظهر مفارقة مثيرة.
قد يكون الهوس بمن يسبق الآخر سببًا في إهمال ما يجعل التفوق مستدامًا أصلًا.
الأمن القومي… بين الواقع والخيال
لا يتجاهل المقال المخاطر الأمنية الحقيقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
فهناك بالفعل مخاوف من استخدام التكنولوجيا في الهجمات السيبرانية، والتجسس، والتضليل، وتطوير الأسلحة، وغيرها من المجالات.
لكن الكاتب يميز بين القدرة على اختراق شبكة والقدرة على تعطيلها بالكامل، وبين امتلاك نموذج متقدم والقدرة على تحويله إلى أداة عسكرية فعالة.
ويستشهد بخبرات مسؤولين وخبراء عسكريين سابقين للتأكيد على أن إدخال التقنيات الجديدة إلى المؤسسات العسكرية ليس عملية فورية، لأن البيروقراطية والتدريب وإعادة بناء الإجراءات والميزانيات والبيانات تحتاج إلى وقت.
وهذه النقطة مهمة للغاية.
فحتى إذا كانت التكنولوجيا تتطور بسرعة، فإن المؤسسات البشرية لا تتطور بالسرعة نفسها.
وهنا يكمن أحد التناقضات الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي: الآلة قد تتقدم خلال أشهر، بينما تحتاج المؤسسة إلى سنوات كي تتعلم كيف تستخدمها.
الصين ليست مجرد منافس تقني
يناقش المقال أيضًا مفارقة تتعلق بالصين.
فبينما تركز بعض الخطابات الأمريكية على احتمال أن تستخدم الصين الذكاء الاصطناعي لتحقيق تفوق استراتيجي شامل، يشير الكاتب إلى أن السياسة الصينية تركز بدرجة كبيرة على نشر الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد والمجتمع.
وهذا ينسجم مع أطروحة دينغ حول الانتشار.
لكن المقال يضيف عنصرًا آخر: الصين نفسها فرضت خلال السنوات الأخيرة قيودًا وتنظيمات واسعة على شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراجعة الخوارزميات وبعض أشكال المحتوى والأنظمة التوليدية.
وهذا يجعل الصورة أكثر تعقيدًا من الثنائية البسيطة: «أمريكا تبتكر والصين تلحق بها».
كلا البلدين يواجهان مشكلة مختلفة في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
هل يمكن للصين أن «تفوز»؟
السؤال نفسه، وفق منطق المقال، قد يكون غير دقيق.
فالفوز ليس حدثًا يقع في لحظة محددة.
ليس هناك يوم تستيقظ فيه دولة لتكتشف أن منافستها أصبحت متأخرة إلى الأبد.
التاريخ التكنولوجي أكثر تعقيدًا.
بريطانيا كانت مهد الثورة الصناعية، لكنها لم تبقَ القوة الصناعية المهيمنة إلى الأبد.
اليابان أصبحت قوة تكنولوجية رائدة في بعض المجالات خلال القرن العشرين، لكن ذلك لم يؤدِ إلى إزاحة الولايات المتحدة عن مركزها الاقتصادي.
والولايات المتحدة نفسها لم تكن أول من اخترع كل التقنيات التي ساعدت على صعودها الصناعي.
تقدم دينغ يفسر هذه التحولات من خلال قدرة المؤسسات على التكيف والتعلم ونشر التكنولوجيا، وليس فقط من خلال التفوق في لحظة الاختراع.
المعركة الحقيقية: من يملك القدرة على التكيف؟
إذا كان هناك «سباق» فعلًا، فهو إذن ليس بالضرورة سباق النماذج.
إنه سباق بين المؤسسات.
من يستطيع تدريب ملايين العمال؟
من يستطيع إصلاح نظامه التعليمي؟
من يستطيع جعل الشركات الصغيرة تستخدم الذكاء الاصطناعي؟
من يستطيع إدخاله إلى الإدارة العامة؟
من يستطيع تطوير قوانين مرنة تحمي المجتمع دون خنق الابتكار؟
من يستطيع بناء الثقة في التكنولوجيا؟
ومن يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي من منتج للنخبة التقنية إلى بنية تحتية للاقتصاد بأكمله؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية، على المدى الطويل، من السؤال عن أي شركة أطلقت النموذج الأقوى هذا الشهر.
الذكاء الاصطناعي كاختبار للمجتمع
قد يكون هذا هو الجانب الأكثر أهمية في المقال.
فالذكاء الاصطناعي لا يختبر قدرات المختبرات العلمية فقط، وإنما يختبر قدرة المجتمعات على التغيير.
قد تمتلك دولة أفضل العلماء، لكنها تفتقر إلى مدارس تقنية جيدة.
وقد تمتلك شركات عملاقة، لكنها تعاني من فجوة كبيرة بين التكنولوجيا والاقتصاد الحقيقي.
وقد تمتلك نماذج قوية، لكنها لا تعرف كيف تدمجها في المؤسسات.
وفي المقابل، يمكن لدولة أقل تفوقًا في البحث الأساسي أن تحقق مكاسب كبيرة إذا نجحت في التطبيق السريع واسع النطاق.
وهذا ما يجعل تجربة الكهرباء والتكنولوجيا الرقمية والسيارات والاتصالات دروسًا مهمة عند التفكير في المستقبل.
من «سباق الذكاء» إلى «سباق الانتشار»
في النهاية، لا يقول مقال The New Yorker إن المنافسة الأمريكية-الصينية في الذكاء الاصطناعي غير موجودة، بل يشكك في الصورة المبسطة للسباق.
فالتنافس حقيقي، والاستثمارات ضخمة، والأمن القومي حاضر، والشركات تتنافس على تطوير نماذج أكثر قدرة.
لكن تحويل هذه المنافسة إلى معادلة: «من يملك النموذج الأفضل أولًا سيسيطر على العالم» قد يكون اختزالًا مفرطًا.
فالتاريخ التكنولوجي أكثر بطئًا وتعقيدًا.
والدولة التي تستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى زيادة مستمرة في الإنتاجية، وإلى تحسين التعليم والصحة والخدمات والإدارة والصناعة، قد تمتلك ميزة أهم من مجرد التفوق في الاختبارات التقنية.
ومن هنا تصبح العبارة الأهم في المقال ليست أن «لا يوجد سباق»، وإنما أن طبيعة السباق نفسها قد تكون مختلفة عما نتصور.
فالمنافسة الحقيقية ليست فقط على من يصل إلى القمة أولًا، بل على من يستطيع جعل القمة قاعدة واسعة تنتشر تحتها التكنولوجيا في المجتمع كله.
وقد يكون هذا هو الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه واشنطن وبكين، بل وكل الدول التي تريد دخول عصر الذكاء الاصطناعي: لا يكفي أن تصنع التكنولوجيا؛ يجب أن تعرف كيف تجعلها تعمل داخل المجتمع.
وفي هذه النقطة تحديدًا تكتسب أطروحة جيفري دينغ وزنها: الانتشار الواسع للتكنولوجيا عبر الاقتصاد، والتكيف المؤسسي، وبناء المهارات، قد يكون أكثر حسمًا في تحديد القوة الاقتصادية طويلة الأمد من مجرد السبق في الابتكار.





