سبتة ومليلية: لماذا تعتبرهما أوروبا حدودًا أوروبية رغم الجدل حول أصلهما الاستعماري؟

كيف يمكن لأوروبا التي جعلت من إنهاء الاستعمار وتقرير المصير جزءًا من تاريخها السياسي والقانوني أن تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما حدودًا أوروبية، رغم أن المدينتين تقعان جغرافيًا في شمال إفريقيا وأن المغرب يطالب بهما؟

 تمثل قضية سبتة ومليلية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العلاقات المغربية-الإسبانية؛ فالمغرب يعتبر المدينتين جزءًا من ترابه الوطني، ويرى أن استمرار الوجود الإسباني فيهما يمثل امتدادًا لوضع استعماري لم تنتهِ آثاره بالكامل، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءًا من أراضيها وتتمسك بسيادتها عليهما.

بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، المسألة تُقرأ أساسًا من زاوية الوضع القانوني والسياسي القائم. فإسبانيا دولة عضو في الاتحاد، والمدينتان تخضعان فعليًا للسيادة الإسبانية، ولذلك يتعامل الاتحاد الأوروبي معهما باعتبارهما جزءًا من الإطار الأوروبي، ويعتبر حدودهما البرية مع المغرب من الحدود الخارجية للاتحاد.

هذا الموقف لا يعني بالضرورة أن الاتحاد الأوروبي فتح نزاعًا تاريخيًا مع المغرب وحسمه لصالح إسبانيا، وإنما يعكس اعتماد المؤسسات الأوروبية على الواقع القانوني والسياسي للدول الأعضاء.

ولذلك فإن بروكسل تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، وبالتالي أوروبيتين، بدل إعادة النظر في تاريخ السيطرة الإسبانية عليهما.

في المقابل، يستند الموقف المغربي إلى منظور مختلف، يقوم على استكمال الوحدة الترابية وتصفية آثار الاستعمار.

فمنذ استقلال المغرب سنة 1956، بقيت سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية، بينما استعاد المغرب السيطرة على مناطق أخرى كانت خاضعة لإسبانيا، وهو ما جعل المدينتين تمثلان في التصور المغربي حالة غير مكتملة من استرجاع الأراضي.

وتزداد القضية تعقيدًا لأن القانون الدولي لا يقدم وضعًا مماثلًا تمامًا لكل الحالات الاستعمارية. فلم تُعامل سبتة ومليلية في الأمم المتحدة بالطريقة نفسها التي عوملت بها الأقاليم المدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو عامل أساسي في تفسير غياب مسار دولي مشابه لمسارات تصفية الاستعمار في مناطق أخرى.

كما أن الجغرافيا تمنح القضية خصوصية واضحة؛ فالمدينتان تقعان في القارة الإفريقية وتحدهما الأراضي المغربية برًا، لكنهما في الوقت نفسه تشكلان نقطتين من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ومع تصاعد قضايا الهجرة والأمن، أصبحت سبتة ومليلية جزءًا من منظومة حماية الحدود الأوروبية، ما أضفى على القضية أبعادًا تتجاوز التاريخ والسيادة إلى الأمن والهجرة.

لذلك تتعايش في هذه القضية ثلاث مقاربات مختلفة؛ المغرب يتحدث عن الوحدة الترابية وتصفية آثار الاستعمار، وإسبانيا تستند إلى السيادة التاريخية والقانونية والممارسة الفعلية، بينما يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الوضع القائم في إطار قانون الاتحاد الأوروبي وعضوية إسبانيا.

وهذا الاختلاف في المرجعيات يجعل القضية أكثر تعقيدًا من مجرد نزاع حدودي تقليدي.

ولا شك أن اعتبار أوروبا لسبتة ومليلية حدودًا أوروبية لا يعني أن المطالبة المغربية اختفت أو أن الخلاف التاريخي حُسم نهائيًا، بل يعكس قوة الوضع السياسي والقانوني القائم.

ولذلك تظل المدينتان نقطة تقاطع بين إرث الاستعمار، والسيادة الوطنية، والقانون الأوروبي، والهجرة والأمن، ومستقبل العلاقات المغربية-الأوروبية، وتطرحان سؤالًا أوسع حول قدرة أوروبا على التوفيق بين شراكتها مع المغرب وإرث حدودها الاستعمارية في شمال إفريقيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;