ماذا لو عاد نيكولو مكيافيلي، المفكر الإيطالي الذي وضع قبل خمسة قرون أحد أشهر الكتب في فلسفة الحكم، ليقرأ تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟ هل سيجد فيها تطبيقًا عمليًا لنصائحه بشأن القوة والخوف والمصلحة، أم سيكتشف أن بعض الممارسات المنسوبة إلى المكيافيلية تتعارض مع المبادئ التي دافع عنها في كتابه الشهير «الأمير»؟
هذا هو السؤال الذي اختاره أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن والت، مدخلًا لمقاله المنشور في مجلة Foreign Policy، حيث يقارن بين المبادئ التي وضعها مكيافيلي للحفاظ على السلطة وبين قرارات ترامب وسلوكه السياسي خلال ولايته الثانية. ويقدم والت قراءة نقدية يعتبر فيها أن ممارسة القوة لا تكفي وحدها للحفاظ على النفوذ، وأن تجاهل حدودها قد يؤدي إلى نتائج معاكسة.
وتكمن أهمية المقال في أنه يتجاوز المقارنة بين شخصيتين تفصل بينهما خمسة قرون، ليفتح نقاشًا حول طبيعة القيادة السياسية، والعلاقة بين القوة والشرعية، وحدود الردع، وأهمية المؤسسات في حماية الدولة من تقلبات القرارات الفردية.
الخوف والمحبة: ماذا قال مكيافيلي فعلًا؟
اشتهر مكيافيلي بمناقشة المفاضلة بين أن يكون الحاكم محبوبًا أو مهابًا. وفي تصوره، قد يجد الحاكم نفسه مضطرًا إلى الاعتماد على الخوف عندما يتعذر الجمع بين الأمرين. غير أن هذه الفكرة كثيرًا ما تُفصل عن شرط أساسي في فلسفته: ضرورة تجنب إثارة الكراهية.
فالحاكم الذي يعتمد على الخوف يحتاج إلى أن تكون تهديداته قابلة للتنفيذ، وأن تكون العقوبات متوقعة، وأن يدرك الآخرون حدود القوة التي يمتلكها. أما التهديد المستمر دون نتائج واضحة، فقد يؤدي إلى تراجع تأثير الردع.
ينطلق والت من هذه الفكرة لمناقشة السياسة الخارجية لترامب. فهو يرى أن التهديدات الاقتصادية والعسكرية لا تحقق أهدافها تلقائيًا، وأن تغيير المواقف والاتفاقات قد يدفع الدول الأخرى إلى إعادة النظر في علاقاتها مع واشنطن.
ويستحضر في هذا السياق تحليل الاقتصادي بول كروغمان بشأن ردود فعل بعض الدول على السياسة الأمريكية. وبحسب قراءة والت، فإن التحدي الذي تواجهه واشنطن لا يتعلق بحجم قوتها وحده، بل بمدى اقتناع شركائها وخصومها بإمكانية الاعتماد على التزاماتها.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها. فالدولة تستطيع أن تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة ونفوذًا اقتصاديًا واسعًا، لكن قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نتائج سياسية تعتمد أيضًا على الثقة والمصداقية واستمرارية القرارات.
حين تتحول الهيبة إلى كراهية
يتوقف والت عند جانب آخر من فلسفة مكيافيلي، يتمثل في تحذيره الحاكم من إثارة الكراهية أو الاحتقار.
فالمسألة لا تتعلق، في تصور المفكر الإيطالي، بالفضيلة الأخلاقية وحدها، وإنما باستقرار السلطة نفسها. إذ يمكن أن يتحول الاستياء الاجتماعي إلى عامل يهدد الحكم عندما يشعر المواطنون بأن مصالحهم وممتلكاتهم معرضة للخطر.
يطبق والت هذا المنظور على سياسات ترامب الاقتصادية وبعض الجدل المرتبط بممارساته السياسية والشخصية. ويعتبر أن السعي إلى إظهار القوة قد تكون له نتائج عكسية عندما يترافق مع قرارات تثير الانقسام أو تضعف الثقة.
لكن هذه المقارنة تظل تفسيرًا سياسيًا يقدمه كاتب المقال، وليست نتيجة يمكن نسبتها مباشرة إلى مكيافيلي. فالمفكر الإيطالي كتب في سياق دويلات إيطالية متنافسة، بينما يعمل الرئيس الأمريكي داخل نظام دستوري حديث تحكمه مؤسسات منتخبة وآليات قانونية ورقابية.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي تثيره المقارنة يحتفظ بأهميته: كيف يستطيع الحاكم المحافظة على هيبة السلطة دون أن تتحول ممارسة القوة إلى مصدر لرفضها؟
الاقتصاد والإنفاق: هل يستطيع الحاكم شراء الولاء؟
ينتقل والت إلى الفصل السادس عشر من كتاب «الأمير»، الذي يناقش فيه مكيافيلي العلاقة بين الكرم السياسي وحسن إدارة الموارد المالية.
يحذر مكيافيلي من أن الحاكم الذي يسعى باستمرار إلى اكتساب الشعبية عن طريق الإنفاق السخي قد يستنزف موارد الدولة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى زيادة الضرائب أو البحث عن مصادر جديدة للتمويل، وهو ما قد يثير استياء المواطنين.
ومن هذا المنطلق، ينتقد والت السياسة المالية لترامب، ولا سيما ما يصفه بالتوسع في الإنفاق والوعود المالية التي تستهدف تعزيز التأييد السياسي. ويقر الكاتب، في الوقت نفسه، بأن مشكلات العجز والدين العام ليست حكرًا على الإدارة الحالية، وأن القرارات المالية الأمريكية تتداخل فيها صلاحيات الرئيس والكونغرس.
غير أن المقارنة تطرح إشكالية اقتصادية أوسع. فليس كل إنفاق حكومي تعبيرًا عن التبذير، كما أن التقشف ليس فضيلة في جميع الظروف. ويتوقف تقييم السياسات المالية على أهداف الإنفاق، ومصادر تمويله، وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، ومدى استدامته.
ويمكن قراءة نصيحة مكيافيلي هنا باعتبارها تنبيهًا إلى العلاقة بين الموارد المالية واستقرار الدولة، لا باعتبارها دعوة مطلقة إلى خفض الإنفاق.
الحرب وإيران: حدود القوة العسكرية
تحتل المسألة العسكرية مكانة مركزية في تحليل والت. فمكيافيلي، الذي عاش في إيطاليا مزقتها الحروب والصراعات بين الإمارات والقوى الأجنبية، كان يعتبر فهم الشؤون العسكرية جزءًا أساسيًا من ممارسة الحكم.
ولا تعني هذه الفكرة بالضرورة أن يكون الحاكم قائدًا عسكريًا محترفًا، بل أن يدرك العلاقة بين الأهداف السياسية والوسائل العسكرية، وأن يعرف حدود القوة والظروف التي يمكن أن تجعل استخدامها مفيدًا أو مكلفًا.
يستحضر والت الحرب مع إيران لتطبيق هذه الفكرة على قرارات الإدارة الأمريكية. ويجادل بأن إدارة الصراع كشفت، في تقديره، عن مشكلات تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي، وتقدير التكاليف، والعلاقة بين الأهداف العسكرية والنتائج السياسية.
كما يرى أن تداعيات الحرب امتدت إلى الاقتصاد العالمي وعلاقات واشنطن الإقليمية والدولية. وهذه أحكام تحليلية يقدمها والت، وتتطلب دراسة مستقلة للنتائج العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لتقييمها بصورة شاملة.
وتعيد هذه القضية طرح أحد الأسئلة التقليدية في العلاقات الدولية: هل يكفي التفوق العسكري لتحقيق الأهداف السياسية؟
فالنجاح في العمليات العسكرية لا يضمن بالضرورة التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة. كما أن القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، تعمل داخل بيئة دولية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والتحالفات وردود فعل المجتمعات والدول الأخرى.
الوعود السياسية: بين الخداع وفقدان الثقة
من أكثر الأفكار إثارة للجدل في فلسفة مكيافيلي حديثه عن ضرورة أن يمتلك الحاكم القدرة على المناورة، وألا يتعامل مع الوعود بمعزل عن الظروف والمصالح المتغيرة.
لكن والت يلفت الانتباه إلى جانب مهم من هذه الفكرة: المناورة السياسية تختلف عن التصرف الذي يجعل الآخرين يفقدون الثقة في جميع التعهدات.
فإذا اعتقد الشركاء والخصوم أن الاتفاقات قابلة للإلغاء في أي لحظة، فقد يصبح التفاوض نفسه أكثر صعوبة.
يرى والت أن هذا التمييز مهم لفهم علاقات إدارة ترامب بشركائها الدوليين، إذ ينتقد ما يعتبره تغيرًا متكررًا في المواقف الأمريكية وتأثير ذلك في مصداقية واشنطن.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن أسلوب ترامب التفاوضي أن التهديد بتغيير الاتفاقات والانسحاب منها قد يكون وسيلة للضغط وانتزاع تنازلات. ويظل الحكم على فعالية هذا الأسلوب مرتبطًا بالنتائج الفعلية للمفاوضات، والتكاليف المترتبة عليها، واستمرارية الاتفاقات الناتجة عنها.
أما السؤال المستمد من مكيافيلي فهو: متى تصبح المرونة السياسية مصدرًا للقوة، ومتى تتحول إلى عامل يضعف القدرة على إبرام اتفاقات مستقرة؟
العدالة والانتقام: حدود استخدام السلطة
يتناول والت كذلك مسألة العدالة، مستحضرًا تحذير مكيافيلي من استخدام العقوبات دون مبررات واضحة.
فحتى في التصور السياسي الذي قدمه المفكر الإيطالي، لا ينبغي أن تتحول العقوبة إلى ممارسة اعتباطية؛ لأن استقرار الحكم يتطلب وجود مبررات مفهومة لاستخدام السلطة.
وفي هذا السياق، ينتقد والت تعامل إدارة ترامب مع بعض الشخصيات التي دخلت في خلافات سياسية أو قانونية معه، ومن بينها مسؤولون سابقون. ويعتبر الكاتب أن هذه الممارسات تثير أسئلة حول استخدام المؤسسات القانونية في الصراعات السياسية
غير أن تقييم كل قضية قانونية يتطلب التمييز بين الاتهامات السياسية والأدلة القضائية، واحترام استقلال القضاء وقرينة البراءة والإجراءات القانونية.
وتكشف المقارنة مع مكيافيلي عن إشكالية تتجاوز الحالة الأمريكية: كيف يمكن ضمان خضوع ممارسة السلطة لقواعد عامة، بحيث لا تتغير معايير العدالة بتغير الأشخاص أو موازين القوة؟
هل كان مكيافيلي من أنصار الحكم الفردي؟
من الجوانب المهمة التي يثيرها والت تصحيح الصورة الشائعة عن مكيافيلي باعتباره مفكرًا يدافع عن الاستبداد دون قيود.
فكتاب «الأمير» ليس مؤلفه السياسي الوحيد. وقد تناول مكيافيلي في كتاباته الأخرى الجمهورية والمؤسسات والقوانين ومشاركة المواطنين في الحياة السياسية.
ويشير والت إلى أن «الأمير» كُتب في ظروف تاريخية خاصة، وأن صاحبه كان يسعى أيضًا إلى استعادة موقعه السياسي في فلورنسا. ولهذا فإن اختزال فكره كله في نصائح الاستحواذ على السلطة يؤدي إلى إغفال جانب مهم من مشروعه الفكري
ومن هنا تنفتح المقارنة على سؤال المؤسسات. فالدولة الحديثة لا تقوم على قرارات الحاكم وحده، وإنما على منظومة من السلطات والقوانين والإجراءات التي تنظم ممارسة الحكم وتحد من تركيز القوة.
وتتعلق إحدى القضايا التي يطرحها المقال بالتوتر بين القيادة الفردية والمؤسسات الدستورية، وبقدرة هذه المؤسسات على ضمان استمرارية السياسات وحماية المصلحة العامة.
ماذا تبقى من مكيافيلي في السياسة المعاصرة؟
تكمن القيمة الفكرية لمقال والت في إعادة قراءة مكيافيلي بعيدًا عن الاستخدام الشائع لكلمة «المكيافيلية»، التي أصبحت مرادفًا للخداع السياسي أو الاستعداد لاستخدام أي وسيلة لتحقيق الأهداف.
فمكيافيلي كان منشغلًا أيضًا بمسائل استقرار الدولة، وحماية مواردها، وإدارة الصراعات، والمحافظة على السلطة في بيئة سياسية شديدة الاضطراب.
وقد استخدم والت هذه الأفكار لبناء نقد سياسي لتجربة ترامب، مركزًا على العلاقة بين الخوف والكراهية، والإنفاق والاستقرار، والقوة العسكرية والنتائج السياسية، والمناورة والمصداقية.
ومع ذلك، تظل المقارنة بين أمير عصر النهضة ورئيس دولة ديمقراطية معاصرة مقارنة فكرية، وليست اختبارًا تاريخيًا مباشرًا. كما أن قراءة سياسات ترامب من منظور مكيافيلي تمثل زاوية تحليل واحدة من بين زوايا متعددة يمكن اعتمادها لدراسة السياسة الأمريكية.
وفي النهاية، يعيد المقال طرح سؤال يتجاوز شخص ترامب: هل تتحقق قوة الدولة أساسًا من خلال قدرة قيادتها على فرض إرادتها، أم من خلال قدرتها على تحويل مواردها إلى نفوذ مستدام، والمحافظة على مؤسساتها والتزاماتها؟
ذلك هو السؤال الذي يمنح العودة إلى «الأمير» أهميتها المعاصرة، ويفتح النقاش حول العلاقة المعقدة بين القوة السياسية وحدود استخدامها.





