من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة.. هل تغيرت المؤسسة أم تغيرت موازين القوة فقط؟

نشرت المجلة الأمريكية The Atlantic دراسة لغايتانو سالفيميني يقارن فيها بين تجربة عصبة الأمم والتجربة الوليدة للأمم المتحدة، مع إبراز السؤال الذي طرحه المقال: هل تغيير المؤسسة يكفي لضمان السلام، أم أن المشكلة تكمن أساسًا في إرادة الدول الكبرى؟ كان غايتانو سالفيميني عالمًا ومؤرخًا بارزًا، وحصل على الدكتوراه من جامعة فلورنسا ودرس تاريخ القرون الوسطى والحديث في جامعات ميسيني وبيزا وفلورنسا. انخرط في البرلمان الإيطالي من عام 1919 إلى عام 1921، وكان بمثابة نقد خبيث لموسوليني، والذي قدر نفيه في عام 1925. وتجنس بأمريكا في عام 1940، وحصل على لقب كرسي وسام كرسي تاريخ الحضارة الإيطالية في جامعة هارفارد منذ عام 1933.

تاريخيًا، تأسست عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى بوصفها تجربة غير مسبوقة للأمن الجماعي، لكنها عانت من غياب الولايات المتحدة وضعف أدوات التنفيذ وتضارب مصالح القوى الكبرى، قبل أن تكشف أزمة إثيوبيا في ثلاثينيات القرن العشرين مدى محدودية قدرتها على ردع العدوان. أما الأمم المتحدة، التي أُنشئت بميثاق سان فرانسيسكو عام 1945، فقد أدخلت تعديلات مهمة، خصوصًا عبر مجلس الأمن وعضوية القوى الكبرى الدائمة وحق النقض.

من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة

هل تغيرت المؤسسة أم تغيرت موازين القوة فقط؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان العالم يخرج من كارثة لم تكن مجرد حرب أخرى في سلسلة الحروب الأوروبية، وإنما انهيارًا واسعًا لفكرة إمكانية ضبط القوة العسكرية بالقواعد والمؤسسات. فقد خلفت الحرب ملايين القتلى، ودمرت مدنًا واقتصادات، ودفعت البشرية إلى الاقتراب للمرة الأولى من عصر السلاح النووي. وفي هذا المناخ ولدت الأمم المتحدة، حاملة معها وعدًا كبيرًا: ألا يتكرر ما حدث، وأن تصبح الحرب، أو على الأقل الحرب العدوانية، استثناءً بدل أن تكون وسيلة عادية من وسائل السياسة الدولية.

لكن السؤال الذي كان يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى لم يكن بسيطًا: هل كانت الأمم المتحدة فعلًا أكثر قدرة على حفظ السلام من سابقتها، عصبة الأمم؟

كان السؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى جيل عايش التجربتين. فقد شهد هذا الجيل ولادة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى باعتبارها أول محاولة كبرى لبناء نظام دولي يقوم على الأمن الجماعي، ثم شاهد المؤسسة نفسها عاجزة عن منع القوى التوسعية من تحدي قواعدها، إلى أن انهار النظام الدولي برمته في حرب عالمية ثانية.

ومن هنا تكتسب المقارنة التي أثارها غايتانو سالفيميني أهمية تتجاوز زمنها التاريخي. فالرجل لم يكن ينظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها كيانات مستقلة عن السياسة، بل كان يدرك أن فعالية أي مؤسسة دولية تتوقف، في نهاية المطاف، على استعداد الدول التي أنشأتها لاستخدام قوتها دفاعًا عن القواعد التي وافقت عليها.

حلم جنيف

كانت عصبة الأمم ثمرة مباشرة للصدمة التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى. فقد بدا أن النظام القديم القائم على التحالفات السرية وسباق التسلح والتوازنات المتغيرة لم يعد قادرًا على حماية أوروبا من كارثة جديدة.

جاء مشروع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون ليقدم تصورًا مختلفًا: بدل أن تعتمد الدول على قوتها الوطنية وحدها، ينبغي أن تصبح هناك مؤسسة دولية تستطيع الدول من خلالها تسوية نزاعاتها، واللجوء إلى الحوار والتحكيم، وفرض نوع من الأمن الجماعي على الدول التي تلجأ إلى العدوان.

وكانت الفكرة في جوهرها ثورية بالنسبة إلى عصرها.

للمرة الأولى تقريبًا، جرى التفكير في السلام باعتباره مسؤولية جماعية، لا مجرد نتيجة مؤقتة لتوازن القوى.

لكن المشكلة ظهرت مبكرًا. فالولايات المتحدة نفسها، التي ارتبط اسم ويلسون بالمشروع، لم تنضم إلى عصبة الأمم بعد رفض مجلس الشيوخ الأميركي المعاهدة التي كان انضمامها يتطلبها. وأصبح النظام الدولي الجديد يفتقد منذ البداية إحدى القوى الكبرى التي كان يفترض أن تكون من أعمدته.

ولم يكن هذا الغياب تفصيلًا إجرائيًا. فقد كان يعني أن المؤسسة التي يفترض أن تكون عالمية بدأت حياتها وهي تفتقر إلى أحد أهم مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية في العالم.

وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية التي تجعل تجربة العصبة مهمة عند النظر إلى الأمم المتحدة: المؤسسة الدولية لا تستطيع أن تكون أقوى من إرادة الدول التي تقف خلفها.

بين القانون والقوة

كان مبدأ الأمن الجماعي يبدو واضحًا من الناحية النظرية: إذا تعرضت دولة للعدوان، فإن الاعتداء لا يصبح مشكلة تخص الدولة المعتدى عليها وحدها، وإنما يتحول إلى قضية تهم المجتمع الدولي كله.

لكن تحويل هذا المبدأ إلى واقع كان أصعب بكثير.

فالدول الكبرى لم تكن مستعدة دائمًا لدفع ثمن الدفاع عن القواعد الدولية عندما تتعارض تلك القواعد مع مصالحها المباشرة. وكانت عصبة الأمم تملك أدوات سياسية واقتصادية محدودة، فيما ظل استخدام القوة العسكرية مرتبطًا بإرادة الدول الأعضاء.

وبذلك نشأ تناقض جوهري: مؤسسة يفترض أن تمنع الحرب، لكنها لا تمتلك قوة مستقلة تفرض بها قراراتها.

كانت العصبة تستطيع الإدانة، والتحقيق، والتفاوض، وفرض عقوبات في بعض الحالات، لكنها كانت تحتاج دائمًا إلى الدول نفسها لتنفيذ ما تقرره.

وهكذا أصبحت قوة النظام الدولي مرتبطة بمقدار استعداد الدول الكبرى لتحويل المبادئ إلى أفعال.

وهذا ما جعل العقوبات، في كثير من الحالات، أقل فاعلية مما كان يأمله أنصار الأمن الجماعي.

إثيوبيا: اللحظة الكاشفة

ربما كان الغزو الإيطالي لإثيوبيا في 1935 أكثر الأحداث التي كشفت حدود عصبة الأمم.

كانت إثيوبيا دولة عضوًا في العصبة، وكان الاعتداء عليها اختبارًا واضحًا لمبدأ الأمن الجماعي. أدانت العصبة إيطاليا وفرضت عليها عقوبات اقتصادية، لكن الإجراءات لم تكن كافية لوقف الحرب.

وكانت القوى الأوروبية الكبرى، خصوصًا بريطانيا وفرنسا، أمام حسابات استراتيجية معقدة. فإيطاليا كانت قوة أوروبية مهمة، وكانت مواجهة موسوليني تحمل مخاطر سياسية وعسكرية في لحظة كان فيها خطر ألمانيا النازية يتزايد.

وهنا ظهر الفرق بين النظام الدولي كما ينبغي أن يكون والنظام الدولي كما هو قائم فعلًا.

فالقاعدة تقول إن العدوان يجب أن يواجه برد جماعي. لكن السياسة تقول إن الدول تحسب تكاليف الرد، ومصالحها، وتحالفاتها، والمخاطر التي يمكن أن تترتب على المواجهة.

انتهت الأزمة الإثيوبية بانتصار القوة العسكرية على قدرة المؤسسة الدولية على الردع. وقد أصبحت القضية لاحقًا واحدة من أبرز الأمثلة على ضعف نظام الأمن الجماعي في فترة ما بين الحربين.

لكن قراءة تجربة العصبة باعتبارها مجرد قصة فشل ستكون ناقصة. فقد كانت المؤسسة أيضًا تجربة أولى في تنظيم التعاون الدولي، وأقامت أجهزة وآليات في مجالات اقتصادية واجتماعية وصحية وقانونية، أصبح بعضها أساسًا لتجارب دولية لاحقة. وقد انتقلت مؤسسات وأفكار عديدة من عالم العصبة إلى منظومة الأمم المتحدة.

لماذا ولدت الأمم المتحدة؟

لم تكن الأمم المتحدة، بهذا المعنى، اختراعًا منفصلًا عن عصبة الأمم.

كانت، إلى حد بعيد، محاولة لبناء مؤسسة جديدة فوق أنقاض التجربة السابقة، مع محاولة معالجة بعض عيوبها.

لقد تعلم واضعو النظام الجديد أن السلام لا يمكن أن يقوم فقط على مساواة قانونية كاملة بين الدول، لأن الدول ليست متساوية في القوة.

ولهذا جاء مجلس الأمن مختلفًا عن مجلس العصبة.

ففي الأمم المتحدة، حصلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والصين على العضوية الدائمة في مجلس الأمن، مع حق النقض.

كان ذلك اعترافًا صريحًا بحقيقة سياسية: القوى الكبرى لن تقبل نظامًا دوليًا تستطيع فيه الأغلبية الصغيرة من الدول أن تفرض عليها قرارات تمس مصالحها الحيوية.

وقد يبدو هذا الأمر تناقضًا مع مبدأ المساواة بين الدول، لكنه كان في نظر واضعي النظام الجديد شرطًا لضمان مشاركة القوى الكبرى في المؤسسة نفسها.

وهكذا قامت الأمم المتحدة منذ ولادتها على معادلة شديدة التعقيد:

المساواة القانونية بين الدول من جهة، والامتياز السياسي للقوى الكبرى من جهة أخرى.

وهذه المفارقة سترافق المنظمة طوال تاريخها.

الأمم المتحدة: مؤسسة أقوى أم نظام أكثر واقعية؟

كان الفرق الأساسي بين العصبة والأمم المتحدة إذن أن الثانية حاولت أن تكون أكثر واقعية.

لم تقل للدول الكبرى: أنتم متساوون تمامًا مع الدول الصغيرة.

بل قالت لها، بصورة غير مباشرة: أنتم أصحاب القوة الأكبر، ولذلك لكم مسؤولية خاصة داخل النظام الدولي.

لكن الثمن كان حق النقض.

فالعضو الدائم يستطيع منع قرار في مجلس الأمن إذا تعارض مع مصالحه الأساسية.

وهذا يعني أن الأمم المتحدة يمكن أن تكون قوية عندما تتوافق القوى الكبرى، لكنها يمكن أن تصبح عاجزة عندما تتصادم مصالحها.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في النظام الدولي الجديد.

فالأمم المتحدة ليست مؤسسة فوق الدول، وإنما مؤسسة تعمل من خلال الدول.

ومجلس الأمن ليس حكومة عالمية.

والأمين العام ليس رئيسًا للعالم.

والقوات الدولية ليست جيشًا عالميًا دائمًا مستقلًا عن الدول الأعضاء.

كل ذلك يجعل المنظمة تعتمد في نهاية المطاف على الإرادة السياسية للدول.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو الانتقال من جنيف إلى نيويورك انتقالًا من عالم السياسة إلى عالم القانون، بل انتقالًا من صيغة دولية إلى صيغة دولية أخرى داخل نظام تظل القوة فيه موزعة بين الدول الكبرى.

الدرس الذي لم يتغير

هنا تكمن أهمية السؤال الذي طرحه سالفيميني.

إذا كانت عصبة الأمم قد فشلت لأنها لم تستطع جعل الدول تلتزم بالقواعد، فهل تستطيع الأمم المتحدة أن تفعل ذلك؟

الإجابة لا يمكن أن تكون نعم أو لا بصورة مطلقة.

فالفرق بين المؤسستين حقيقي.

الأمم المتحدة تمتلك ميثاقًا أكثر تفصيلًا، ومجلس أمن يتمتع بمسؤولية أساسية عن السلم والأمن الدوليين، ونظامًا قانونيًا أكثر تطورًا، وأجهزة دولية متعددة، ومنظومة واسعة من الوكالات والبرامج والمؤسسات المتخصصة.

كما أن الميثاق وضع حظرًا عامًا لاستخدام القوة في العلاقات الدولية، مع استثناءات محددة، أبرزها حق الدفاع عن النفس والإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين.

لكن في الوقت نفسه، فإن حق النقض يضع حدًا واضحًا لما تستطيع المنظمة القيام به عندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفًا مباشرًا في نزاع أو تعتبر أن القرار المقترح يمس مصالحها الحيوية.

وهكذا فإن مشكلة الأمم المتحدة ليست بالضرورة غياب القواعد، وإنما الفجوة بين القاعدة وبين القدرة على تطبيقها عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.

المؤسسة والواقع

ربما كان الخطأ في تقييم عصبة الأمم هو الاعتقاد أن إنشاء مؤسسة دولية يمكن أن يلغي منطق القوة في العلاقات الدولية.

والخطأ نفسه قد يتكرر في تقييم الأمم المتحدة.

فالمؤسسات الدولية لا تعمل في فراغ.

إنها تعمل داخل نظام من الدول ذات السيادة، لكل منها مصالح وحسابات وأمن قومي وتحالفات وموارد وقدرات عسكرية واقتصادية.

وعندما تتفق هذه الدول، يمكن للمؤسسة الدولية أن تحقق نتائج مهمة.

وعندما تختلف، تتحول المنظمة إلى مساحة للتفاوض والمساومة وإدارة الخلاف، وقد تفشل في اتخاذ قرار حاسم.

ومن هنا يمكن فهم أن قوة الأمم المتحدة لا تقاس فقط بعدد الحروب التي منعتها، بل أيضًا بقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتوفير أدوات للوساطة، وتنظيم المساعدات، وإنتاج قواعد دولية، ومراقبة النزاعات، وإدارة عمليات حفظ السلام، وتوفير إطار شرعي للعمل الجماعي.

لقد أصبحت الأمم المتحدة مع مرور الزمن أكثر من مجرد مؤسسة لحفظ السلام. فقد توسعت وظيفتها لتشمل التنمية والصحة واللاجئين وحقوق الإنسان والتعليم والغذاء والبيئة والقانون الدولي. والعديد من هذه المجالات لها جذور في المؤسسات الدولية التي سبقت الأمم المتحدة أو تطورت بالتوازي معها.

من عصبة الأمم إلى عالم القوى الكبرى

كان الفرق بين النظامين إذن أقل بساطة مما توحي به المقارنة الأولى.

عصبة الأمم ولدت في عالم خرج من حرب عالمية أولى، لكنه ظل عالمًا متعدد القوى الأوروبية.

أما الأمم المتحدة فولدت بعد حرب ثانية غيرت مركز الثقل العالمي.

لم تعد أوروبا وحدها مركز النظام الدولي.

ظهرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كقوتين عظميين، وأصبحت الأسلحة الحديثة قادرة على تهديد وجود الحضارة نفسها.

ولذلك لم يكن أمام واضعي النظام الجديد سوى إدخال القوى الكبرى إلى قلب المؤسسة.

ومن هنا جاء مجلس الأمن.

كان هذا الترتيب، من جهة، اعترافًا بالواقع.

لكنه من جهة أخرى خلق مشكلة دائمة: كيف يمكن بناء نظام دولي يقوم على قواعد عامة إذا كانت بعض الدول تمتلك قدرة استثنائية على تعطيل تلك القواعد؟

السؤال لم يجد جوابًا نهائيًا.

وربما لم يكن بالإمكان أن يجد جوابًا نهائيًا في عالم لم يكن قد انتقل بعد إلى نظام سياسي عالمي موحد.

هل الأمم المتحدة أكثر فاعلية؟

المقارنة بين العصبة والأمم المتحدة لا ينبغي أن تتحول إلى مسابقة بسيطة بين مؤسستين.

فالعصبة لم تفشل في كل شيء، كما أن الأمم المتحدة لم تنجح في كل شيء.

الأولى وضعت اللبنات الأولى لنظام دولي مؤسسي، وأثبتت أن الدول يمكن أن تتعاون عبر مؤسسة دائمة. والثانية استفادت من هذه التجربة وأضافت إليها آليات جديدة، خصوصًا مجلس الأمن وحق النقض والقواعد المتعلقة باستخدام القوة.

لكن التجربتين تكشفان شيئًا واحدًا: المؤسسة الدولية لا تستطيع أن تصنع الإرادة السياسية التي تفتقدها الدول.

فعندما تريد الدول الكبرى استخدام المنظمة، تستطيع أن تمنحها قوة كبيرة.

وعندما لا تريد، تستطيع أن تشلها.

وهذا لا يعني أن المنظمة عديمة الفائدة، بل يعني أن دورها الحقيقي أكثر تعقيدًا من الصورة المثالية التي رافقت ولادتها.

إنها أداة للتعاون، وأداة للتفاوض، وأداة للشرعية الدولية، وأداة لإدارة الأزمات، لكنها ليست سلطة عالمية فوق الدول.

سؤال سالفيميني ما زال مفتوحًا

بعد عقود طويلة من انتقال العالم من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة، يبدو أن السؤال الذي أثاره سالفيميني لم يفقد قيمته.

لكن ربما ينبغي إعادة صياغته.

ليس السؤال فقط: هل الأمم المتحدة أكثر فاعلية من عصبة الأمم؟

بل: إلى أي حد تستطيع أي منظمة دولية أن تكون فعالة عندما لا تكون هناك إرادة مشتركة لدى القوى الكبرى؟

فإذا كان النظام الدولي يقوم على سيادة الدول، فإن كل مؤسسة دولية ستظل محدودة بهذه السيادة.

وإذا كانت القوى الكبرى تعتبر بعض القضايا مرتبطة بأمنها القومي، فإنها لن تتعامل معها بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع نزاع بعيد عن مصالحها.

وإذا كان مجلس الأمن يعكس توازنات القوة التي كانت قائمة في عام 1945، فإن العالم الذي تغير ديموغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا سيواصل طرح سؤال الإصلاح والتمثيل والعدالة في النظام الدولي.

وهكذا فإن الانتقال من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة لم يكن انتقالًا من الفشل إلى النجاح، بل انتقالًا من تجربة أولى للأمن الجماعي إلى تجربة أكثر تعقيدًا وواقعية.

ما الذي بقي من الحلم؟

ربما تكون أهم خلاصة في تجربة المؤسستين أن السلام لا تصنعه المؤسسات وحدها.

المؤسسات توفر القواعد والأدوات.

لكن الدول توفر الإرادة.

وإذا كانت عصبة الأمم قد أثبتت أن مؤسسة بلا إرادة سياسية جماعية عاجزة أمام العدوان، فإن الأمم المتحدة أثبتت بدورها أن مؤسسة أكثر تطورًا لا تستطيع تجاوز حدود التوازنات الكبرى.

ومع ذلك، فإن وجود الأمم المتحدة يظل في حد ذاته اعترافًا بأن العلاقات الدولية لا يمكن أن تبقى مجرد صراع مفتوح بين القوى.

فحتى الدول التي تختلف داخل المنظمة تضطر إلى الجلوس حول الطاولة نفسها، وتقديم حججها، وتسجيل مواقفها، والاحتكام ــ ولو بصورة جزئية ــ إلى قواعد وقرارات ومرجعيات دولية.

وهذا هو الفارق الذي لا ينبغي إغفاله.

لقد فشلت عصبة الأمم في منع الحرب العالمية الثانية، لكن تجربتها لم تختفِ.

لقد انتقلت أفكارها ومؤسساتها وخبراتها إلى النظام الدولي الجديد.

وبالمثل، فإن الأمم المتحدة ليست نهاية التاريخ، وإنما مرحلة أخرى في البحث عن صيغة تسمح للدول بأن تتعايش في عالم لا توجد فيه سلطة عالمية واحدة.

إن المسافة بين جنيف ونيويورك ليست إذن مجرد مسافة جغرافية، بل هي مسافة بين تجربتين تاريخيتين في البحث عن السلام.

الأولى ولدت من أنقاض الحرب العالمية الأولى وانتهت أمام عجزها عن مواجهة صعود القوى العدوانية.

والثانية ولدت من أنقاض الحرب العالمية الثانية، وهي أكثر واقعية في توزيع القوة، لكنها حملت داخل بنيتها التناقض نفسه: الرغبة في بناء نظام عالمي للقواعد، مع الإبقاء على القرار النهائي في يد الدول الكبرى.

وهنا ربما تكمن الإجابة الأعمق عن السؤال الذي طرحه سالفيميني: ليست المشكلة في اسم المنظمة، ولا في انتقال مقرها من جنيف إلى نيويورك، ولا حتى في عدد الدول التي تنضم إليها؛ المشكلة في العلاقة الدائمة بين القانون والقوة، وبين المبدأ والمصلحة، وبين ما يريده المجتمع الدولي وما تستطيع القوى الكبرى الاتفاق عليه.

ومن هذه الزاوية، فإن قصة عصبة الأمم والأمم المتحدة ليست قصة منظمة فشلت وأخرى نجحت، بل قصة بحث مستمر عن السلام داخل عالم لم يتخلَّ بعد عن منطق القوة.

وقد خلصت أدبيات تاريخية لاحقة إلى أن الأمم المتحدة ورثت كثيرًا من بنية العصبة، لكنها أعادت ترتيبها حول مجلس أمن يعطي القوى الكبرى موقعًا حاسمًا؛ كما أن نجاح أي منظمة دولية في حفظ السلام ظل مرتبطًا إلى حد كبير باستعداد الدول الأعضاء، ولا سيما القوى الكبرى، لتوفير الإرادة والموارد اللازمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;