
بقلم: د. محمد السنوسي (*)
وأنا أتابع من باريس نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 23 شتنبر 2026، لم يكن السؤال الذي استوقفني هو من تصدّر النتائج، ولا من حصل على العدد الأكبر من المقاعد، ولا كيف ستتشكل الأغلبية الحكومية المقبلة. فهذه أسئلة ضرورية لفهم المشهد المؤسساتي، لكنها لا تكفي لفهم ما جرى سياسياً.
السؤال الأكثر إزعاجاً كان آخر: ماذا تعني هذه النتائج؟
ليس بمعنى ماذا تعني حسابياً، فهذا واضح في الأرقام والمقاعد، وإنما ماذا تعني بالنسبة إلى علاقة المغربي بالسياسة، وبالحكومة، وبالدولة، وبفكرة التغيير نفسها؟
هنا تبدأ الحيرة.
فالحكومة السابقة كانت، وفق المزاج العام الذي عبّرت عنه قطاعات واسعة من المجتمع خلال سنوات ولايتها، حكومة أثقلت الناس بالانتقادات، وأثارت حول أدائها في عدد من المجالات أسئلة حادة، وانتظر كثيرون نهايتها باعتبارها نهاية تجربة سياسية لم تعد تقنعهم. ثم تأتي الانتخابات الجديدة، فإذا بالأحزاب التي قادت تلك التجربة نفسها تعود إلى صدارة المشهد، مع تغييرات في الترتيب والموازين، وفي الوقت نفسه تنخفض نسبة المشاركة بشكل لافت.
كيف يمكن فهم هذا كله؟
لكن هذه النتائج تفتح أبواباً أكثر إرباكاً بكثير من السؤال السهل: هل جدّد الناخبون ثقتهم في القوى التي قادت الحكومة السابقة؟ فهذا السؤال، رغم أهميته، قد يكون مبنياً على افتراض خاطئ أصلاً: أن الانتخابات كانت حكماً على أداء الحكومة. ماذا لو لم تكن كذلك؟ ماذا لو كان جزء معتبر من التصويت تعبيراً عن حسابات محلية، أو عن البحث عن «الأقل سوءاً»، أو عن قوة التنظيم الانتخابي، أو حتى عن غياب بديل قادر على تحويل الغضب إلى خيار سياسي؟
الأكثر إرباكاً هو أن انخفاض المشاركة لا يبدو، في حد ذاته، كافياً لتفسير الخريطة السياسية الجديدة. فإذا كان جزء واسع من المواطنين قد ابتعد عن الصندوق، بينما واصلت القوى المنظمة احتلال موقعها داخل المشهد، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا لم يصوّت هؤلاء؟ بل: من الذي استفاد من عدم تصويتهم؟ ومن يملك، في النظام السياسي، القدرة على تحويل اللامشاركة إلى استمرار في النفوذ؟
وهنا تبدأ المنطقة التي يصبح فيها الحديث عن «الدولة العميقة» أكثر من مجرد عبارة مثيرة للاهتمام. ليس المقصود افتراض وجود غرفة مغلقة تُدار فيها الانتخابات سراً، ولا اختزال السياسة المغربية في مؤامرة تُفسّر كل شيء. السؤال الأكثر جدية هو آخر تماماً: هل تكفي المؤسسات الانتخابية الرسمية وحدها لفهم كيفية توزيع القوة السياسية في البلاد؟ وإذا كانت الانتخابات تحدد من يدخل المؤسسات، فمن يحدد قبل ذلك حدود الممكن السياسي؟ ومن يمتلك الموارد والشبكات والعلاقات التي تجعل بعض الخيارات أكثر قابلية للتحول إلى قوة انتخابية من غيرها؟
فالدولة لا تُختزل في الحكومة، والسياسة لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع. هناك جهاز إداري، ومراكز نفوذ، وشبكات اقتصادية، وفاعلون محليون، ومؤسسات غير حزبية، وعلاقات قوة لا تظهر كلها على ورقة الاقتراع. ولا يعني وجود هذه المستويات أن هناك بالضرورة «دولة عميقة» تدير النتائج من خلف الستار؛ لكنه يعني أن اختزال العملية السياسية في المنافسة الحزبية وحدها قد يكون تبسيطاً مريحاً أكثر مما هو تفسيراً كافياً.
والسؤال الأكثر صدمة، بالتالي، ليس: هل توجد يد خفية؟ فهذا سؤال قد يقود بسهولة إلى الوهم إذا لم تسنده الأدلة. السؤال الأدق هو: هل نحن أمام نظام تُحسم فيه المعركة السياسية بالكامل داخل الصندوق، أم أمام منظومة تُصنع فيها شروط المنافسة قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق أصلاً؟
هنا تصبح «الدولة العميقة» إشكالية استراتيجية لا نظرية مؤامرة: ليس بوصفها حقيقة مثبتة، بل بوصفها فرضية يجب تفكيكها بالأدلة. من يملك النفوذ؟ كيف تنتقل القوة من المجال الاقتصادي أو الإداري إلى المجال السياسي؟ أين تنتهي استقلالية الأحزاب وتبدأ شبكات المصالح؟ وما الذي تستطيع الانتخابات تغييره فعلاً، وما الذي يبقى محكوماً ببنية أعمق من النتائج الانتخابية؟
عند هذه النقطة، يصبح السؤال التقليدي «من فاز؟» أقل أهمية من سؤال أشد خطورة: هل الانتخابات تنتج موازين القوة السياسية، أم أنها تكشف فقط جزءاً منها؟
وهذه، في النهاية، هي المفارقة التي ينبغي أن يبدأ منها أي تحليل استراتيجي جاد: قد نعرف بدقة من حصل على الأصوات، ومن دخل البرلمان، ومن شكّل الحكومة؛ لكن ذلك لا يعني أننا فهمنا بعد من يملك القدرة الفعلية على صناعة المجال الذي تتحرك داخله كل هذه القوى.
الخطأ، في تقديري، هو محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة من داخل منطق الانتخابات وحده.
لأن الانتخابات تفسر توزيع السلطة، لكنها لا تفسر دائماً معنى السلطة.
وهنا تحديداً يصبح «منهج المعنى» أكثر فائدة من القراءة الرقمية المباشرة. فالوقائع السياسية لا تكفي في ذاتها؛ الأهم هو البحث عن المعنى الذي تنتجه لدى الفاعلين والمواطنين، وعن الفجوة بين ما يفترض أن تقوله السياسة وما يفهمه المجتمع منها.
ليست المشكلة في النتائج وحدها، بل فيما لم تعد النتائج تقوله
الانتخابات في ظاهرها واقعة مؤسسية بسيطة: أصوات تتحول إلى مقاعد، ومقاعد تتحول إلى أغلبية، وأغلبية تنتج حكومة.
لكن السياسة ليست حساباً انتخابياً فقط.
فالنتيجة الانتخابية تصبح ذات قيمة سياسية كاملة عندما تستطيع أن تقول شيئاً واضحاً عن الإرادة العامة: هذا ما اختاره الناس، وهذا هو الاتجاه الذي يريدونه، وهذه هي البدائل التي رفضوها.
أما عندما تنخفض المشاركة بقوة، وتعود القوى السياسية ذاتها تقريباً إلى الواجهة، وتظل الحدود بين البرامج والخيارات الاستراتيجية غير واضحة بما يكفي، فإن النتيجة تظل صحيحة من الناحية المؤسساتية، لكنها تصبح أقل وضوحاً من الناحية الدلالية.
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية.
قد تكون الانتخابات قد أنتجت أغلبية، لكنها لم تنتج بالقدر نفسه إجابة مقنعة عن السؤال: لماذا هذه الأغلبية؟
وهذا ليس طعناً في شرعية الانتخابات، بل تمييز ضروري بين الشرعية الإجرائية والمعنى السياسي.
الشرعية الإجرائية تقول إن القواعد احترمت وإن الأصوات احتُسبت وإن المؤسسات أنتجت نتائجها.
أما المعنى السياسي فيسأل: ماذا أراد المجتمع أن يقول من خلال هذه النتائج؟
والفرق بين السؤالين هو بالضبط المساحة التي ينبغي أن تتحرك فيها القراءة الاستراتيجية.
المفارقة التي لا ينبغي الهروب منها
الأرقام هنا لا تمنحنا جواباً سهلاً.
فالمشاركة تراجعت مقارنة بالاستحقاقات السابقة، بينما حافظت الأحزاب التي كانت في قلب التجربة الحكومية السابقة على حضور قوي في المشهد الجديد. لكن هذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن الناخبين «ناقضوا أنفسهم».
الناخب ليس كائناً سياسياً يصوّت دائماً على أساس تقييم شامل لأداء الحكومة.
قد يصوت للحزب، أو للمرشح، أو للعائلة السياسية، أو للمصلحة المحلية، أو ضد منافس، أو بحثاً عن تمثيل لمصلحة معينة. وقد يمتنع عن التصويت لأنه لا يرى بديلاً مقنعاً، أو لأنه فقد الثقة في جدوى العملية السياسية، أو لأنه ببساطة لا يرى الانتخابات مرتبطة مباشرة بمشكلاته اليومية.
لذلك لا ينبغي أن نرتكب خطأ تفسيرياً آخر، فنحوّل انخفاض المشاركة إلى «رفض»، وعودة الأحزاب إلى «رضا».
كلاهما أكبر من أن يختزل بهذه الطريقة.
لكن هذا التعقيد لا يلغي المشكلة، بل يكشفها.
فإذا أصبح من الصعب قراءة الرسالة السياسية التي تحملها الانتخابات، فذلك يعني أن العلاقة بين التصويت والمعنى السياسي للتصويت أصبحت أكثر هشاشة.
وهنا ينبغي أن ينتقل السؤال من المواطن إلى السياسة نفسها.
ليس: لماذا لم يصوت الناس؟
بل: ما الذي قدمته السياسة لكي يصبح التصويت فعلاً ذا معنى؟
أزمة المعنى تسبق أزمة المشاركة
قد يكون من السهل مطالبة المواطن بالمشاركة. الأصعب هو أن نعطيه سبباً مقنعاً للمشاركة. فالمشاركة لا تبدأ في يوم الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما يستطيع المواطن أن يرى علاقة واضحة بين اختياره وبين ما يحدث في حياته.
إذا كان لا يرى الفرق بين البدائل، وإذا كانت البرامج متقاربة، وإذا كانت الأحزاب تتنافس على المواقع أكثر مما تتنافس على اتجاهات مختلفة للمغرب، وإذا كانت الخطابات الانتخابية لا تقدم له تصوراً واضحاً لما سيختلف في حياته إذا وصل هذا الطرف أو ذاك إلى السلطة، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
لماذا أصوّت؟
هذه ليست لامبالاة بالضرورة.
إنها قد تكون، في جانب منها، نتيجة منطقية لسياسة لم تنجح في تحويل الاختيار الانتخابي إلى اختيار ذي معنى.
ومن هنا، فإن نسبة المشاركة لا ينبغي أن تُقرأ فقط كمؤشر على استعداد المواطنين للتصويت، بل كمؤشر أعمق على قدرة النظام السياسي على إنتاج أسباب المشاركة.
فالسياسة التي تطلب من المواطن أن يشارك مطالبة أولاً بأن تقدم له شيئاً يستحق المشاركة.
وحين يغيب المعنى، يصبح الإنجاز نفسه عاجزاً عن إنتاج الثقة
هنا يتسع السؤال من الأحزاب إلى الدولة.
لأن المغرب ليس بلداً بلا مشاريع أو أوراش أو مؤسسات أو استراتيجيات. على العكس، لقد راكم خلال العقود الماضية قدرة واضحة على بناء البنيات التحتية، وإطلاق الإصلاحات، والحفاظ على الاستقرار، وإدارة التحولات الكبرى.
لكن الإنجاز، مهما كان حقيقياً، لا ينتج تلقائياً معنى سياسياً.
قد تُبنى الطرق والموانئ والمستشفيات، وقد تُطلق البرامج والاستراتيجيات، وقد تتحسن المؤشرات، لكن المواطن لا يعيش داخل المؤشرات. إنه يعيش في المدرسة، وفي المستشفى، وفي سوق العمل، وفي الحي، وفي السكن، وفي النقل، وفي قدرته على بناء حياة مستقرة.
وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقاً:
هل استطاعت الدولة أن تحول قدرتها على الإنجاز إلى معنى مشترك للمستقبل؟
المشكلة إذن ليست في نقص الفعل، وإنما في ضعف الرابط بين الفعل ومعناه.
الدولة تفعل.
الحكومة تدبر.
الأحزاب تتنافس.
البرلمان يراقب ويشرع.
لكن أين هي القصة السياسية التي تصل هذه العناصر ببعضها؟
أين هو الاتجاه الذي يجعل المواطن يفهم لماذا تُتخذ هذه القرارات، وإلى أين تقود، وما موقعه هو داخلها؟
حين يغيب هذا الرابط، يمكن للدولة أن تكون قوية في التنفيذ، لكنها تصبح أقل قدرة على تحويل الإنجاز إلى ثقة، والثقة إلى مشاركة، والمشاركة إلى تعبئة اجتماعية حول المستقبل.
وهنا يصبح المعنى نوعاً من البنية التحتية السياسية غير المرئية.
الحكومة المقبلة أمام امتحان أكبر من تدبير الملفات
من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة لا ينبغي أن يكون مجرد تدبير قائمة جديدة من الملفات.
المغرب لديه ملفات كثيرة، وسيظل لديه ملفات كثيرة.
التعليم، الصحة، التشغيل، الاستثمار، السكن، النقل، العدالة المجالية، الحماية الاجتماعية، الشباب، الإدارة، الاقتصاد…
لكن المواطن لا يعيش هذه الملفات منفصلة. إنه يعيش حياته كوحدة واحدة.
ولهذا فإن الخطر هو أن تصبح الحكومة ناجحة في إدارة قطاعات متعددة، لكنها عاجزة عن الإجابة عن السؤال الذي يمنح هذه القطاعات اتجاهاً واحداً:
أي حياة نريد أن نبني للمغربي؟ وأي مغرب نريد أن يكون بعد عشر أو عشرين سنة؟
هنا يكمن الفرق بين حكومة تدير الملفات وحكومة تصنع الاتجاه.
الأولى تقيس نفسها بما أنجزته.
الثانية تقيس نفسها أيضاً بما غيّرته وبالمسار الذي فتحته.
وهذا التحول ضروري لأن المغرب لم يعد في مرحلة يمكن أن يكون فيها تراكم المشاريع بديلاً عن وضوح الوجهة.
لقد أصبح يمتلك قدراً مهماً من القدرة.
والسؤال الآن ليس: هل نستطيع أن نفعل؟
بل:
ماذا يستحق أن نفعل؟ ولماذا؟ ولأي مستقبل؟
الأحزاب مطالبة باستعادة وظيفتها الأصلية
لكن لا يمكن تحميل الدولة أو الحكومة وحدهما مسؤولية أزمة المعنى.
الأحزاب أيضاً مطالبة بمراجعة عميقة لوظيفتها.
الحزب الذي يظهر فقط في الانتخابات يفقد تدريجياً وظيفته السياسية.
والحزب الذي لا يستطيع أن يقول للمواطن ماذا يريد أن يغير، ولماذا يريد تغييره، وما الثمن الذي يقبل بدفعه، وأي مستقبل يقترحه، يتحول من قوة سياسية إلى آلة انتخابية.
الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى أحزاب تتنافس على السلطة.
إنها تحتاج إلى أحزاب تتنافس على تعريف المستقبل.
وهنا تحديداً ينبغي إعادة الاعتبار للاختلاف السياسي.
ليس المطلوب أن تكون الأحزاب مختلفة في الشعارات، وإنما في الرؤية.
ماذا نفعل بالاقتصاد؟
ما موقع الدولة في التنمية؟
كيف نعيد بناء المدرسة؟
كيف نوزع الفرص بين الجهات؟
ما موقع الشباب؟
كيف نواجه التحولات الديموغرافية والتكنولوجية؟
ما نوع العقد الاجتماعي الذي نريده؟
وما الثمن الذي يجب أن يدفعه المجتمع مقابل التحولات الكبرى؟
حين تصبح هذه الأسئلة موضوعاً حقيقياً للتنافس السياسي، يصبح للصوت الانتخابي معنى.
أما عندما تتحول الانتخابات إلى منافسة على المواقع، فإن الناخب قد يجد نفسه أمام سؤال بلا جواب: ما الذي سيتغير فعلاً؟
الشباب: حين يصبح المستقبل نفسه موضع شك
أكثر ما يكشف أزمة المعنى هو الشباب.
ليس لأن الشباب أكثر عزوفاً بالضرورة، بل لأن علاقته بالمستقبل أصبحت هي الاختبار الحقيقي لصدقية المشروع السياسي.
الشاب لا يريد فقط وظيفة. إنه يريد أن يعرف هل يستطيع أن يبني حياة. هل يستطيع أن يخطط؟ هل يستطيع أن يسكن؟ هل يستطيع أن يتزوج؟ هل يستطيع أن يتحرك اجتماعياً؟ هل يستطيع أن يرى نفسه بعد عشرين سنة داخل بلده؟
وهنا تفشل السياسة عندما تتعامل مع الشباب باعتباره «ملفاً».
الشباب ليس ملف التشغيل.
ولا ملف التكوين.
ولا ملف المقاولة.
ولا ملف المشاركة.
الشباب هو السؤال الذي يختبر المستقبل كله.
إذا لم يستطع الجيل الجديد أن يرى نفسه داخل الصورة التي تقدمها الدولة عن المستقبل، فإن المشكلة ليست مشكلة شباب فقط.
إنها مشكلة في الصورة نفسها.
من «تدبير الموجود» إلى «إنتاج الممكن»
وهنا نصل إلى المخرج الحقيقي.
المغرب لا يحتاج إلى تغيير الأشخاص فقط، ولا إلى تغيير الحكومة فقط، ولا إلى تغيير ترتيب الأحزاب.
إنه يحتاج إلى تغيير منطق السياسة.
الانتقال من سياسة تدير الموجود إلى سياسة تنتج الممكن.
وهذا يقتضي أولاً بناء معنى سياسي واضح للمشروع الوطني: ما الذي نريد أن نكونه؟ وما موقع المواطن داخل هذا المشروع؟ وما الذي ينبغي أن يتغير فعلاً خلال العقد المقبل؟
ثم يقتضي تحويل هذا المعنى إلى أولويات قليلة وواضحة، تستطيع الحكومة أن تُحاسب عليها، ويستطيع المواطن أن يرى أثرها.
ويقتضي، ثانياً، أن تصبح الأحزاب مدارس لإنتاج البدائل، لا مجرد أدوات للوصول إلى السلطة.
ويقتضي، ثالثاً، إعادة بناء العلاقة بين القرار والنتيجة: أن يعرف المواطن من قرر، ولماذا قرر، وما النتيجة التي تحققت، ومن يتحمل مسؤوليتها.
ويقتضي، رابعاً، أن يصبح الشباب شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد مستهدف ببرامج موجهة إليه.
ويقتضي، قبل كل شيء، أن ندرك أن المعنى ليس خطاباً إضافياً فوق السياسة؛ المعنى هو ما يجعل السياسة ممكنة أصلاً.
ما بعد انتخابات 2026: المطلوب ليس حكومة أخرى، بل معنى آخر للحكم
لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد انتخابات 2026 ليس من سيشكل الحكومة فقط.
السؤال هو: ماذا ستفعل هذه الحكومة بالشرعية التي حصلت عليها؟
هل ستستخدمها لإدارة السنوات الخمس المقبلة بالطريقة نفسها؟
أم ستعتبرها فرصة لإعادة تعريف وظيفة الحكم؟
هل ستكتفي بتدبير الملفات؟
أم ستربط الملفات كلها باتجاه واحد؟
هل ستواصل الدولة الإنجاز؟
أم ستنجح أيضاً في تفسير معنى هذا الإنجاز، وتحويله إلى ثقة وأفق ومشاركة؟
وهنا ينبغي أن نكون واضحين:
المغرب لا يواجه بالضرورة أزمة دولة.
ولا أزمة مؤسسات.
ولا حتى أزمة انتخابات بالمعنى الإجرائي.
إنه يواجه، في العمق، أزمة معنى سياسي.
وهي أخطر وأعمق من أزمة النتائج، لأنها تسمح لكل شيء بأن يستمر فيما يظل السؤال الأساسي بلا جواب.
يمكن للحكومة أن تتشكل.
يمكن للبرلمان أن يشتغل.
يمكن للمشاريع أن تستمر.
يمكن للمؤشرات أن تتحسن.
لكن إذا لم يعرف المواطن لماذا يفعل كل ذلك، وإلى أين يقوده، وما موقعه منه، فإن المسافة بين الدولة والمجتمع قد تستمر في الاتساع حتى في ظل استمرار المؤسسات في أداء وظائفها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد تنجح الدولة في إنتاج القدرة، بينما تفشل السياسة في إنتاج الدلالة.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من انتخابات 2026.
ليس المطلوب فقط أن نجعل المواطن يصوت.
بل أن نجعل صوته يعني شيئاً.
وليس المطلوب فقط أن تنجز الحكومة.
بل أن يعرف المواطن لماذا تنجز، وإلى أين تقوده هذه الإنجازات.
وليس المطلوب فقط أن تتنافس الأحزاب على السلطة.
بل أن تتنافس على تعريف المستقبل.
وليس المطلوب فقط أن تحافظ الدولة على الاستقرار.
بل أن تجعل من الاستقرار منصة لصناعة تحول أكبر.
في النهاية، السياسة لا تعيش بالأرقام وحدها.
الأرقام تقيس الحضور، لكنها لا تصنع المعنى.
والمقاعد توزع السلطة، لكنها لا تجيب عن سؤال الغاية.
والانتخابات تنتج الشرعية، لكنها لا تضمن وحدها أن يشعر المواطن بأن هذه الشرعية تخص مستقبله.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية لما بعد انتخابات 2026 ليست معركة تشكيل الحكومة، ولا توزيع الحقائب، ولا إعادة ترتيب المواقع.
إنها معركة أعمق:
استعادة المعنى.
أن يعرف المغربي ما الذي يتغير.
ولماذا يتغير.
ولمن يتغير.
وإلى أين يقود هذا التغيير.
عندها فقط يمكن أن يصبح الإنجاز ثقة، والثقة مشاركة، والمشاركة مسؤولية، والسياسة مرة أخرى فعلاً جماعياً لصناعة المستقبل.
أما إذا بقيت السياسة عاجزة عن إنتاج هذا المعنى، فسنظل نعيش المفارقة نفسها: انتخابات تنجح، ومؤسسات تعمل، وحكومات تتشكل، ودولة تنجز، ومواطن يسأل في صمت:
ما الذي يعنيه كل هذا بالنسبة إلى حياتي ومستقبلي؟
وهذا، في نهاية المطاف، هو السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه المغرب، لا أن ينتهي عنده.
فالمغرب لا يحتاج حكومة جديدة فقط؛ يحتاج معنى جديداً للحكم، ومعنى جديداً للمشاركة، ومعنى جديداً للسياسة نفسها.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط





