
بقلم: محمد رضوان..
في الرابع من غشت الماضي (2026)، رحل إلى مثواه الأخير المناضل والمثقف الكبير الطاهر محفوظي بعد أزيد من 60 عاما من مسار حياة ومعاناة وثبات على الموقف والنضال من أجل مجتمع تسوده الكرامة والعدالة الاجتماعية.
كان الطاهر محفوظي من مؤسسي “النقابة الوطنية للتلاميذ” في ستينيات القرن الماضي، وكان من الناشطين البارزين فيها من خلال دوره في تأسيس بعض فروعها وخلاياها، وطبع وتوزيع نشرتها “المناضل” الناطقة بلسان هذا التنظيم.
بعد إطلاق سراحه في منتصف السبعينيات، اشتغل الراحل لفترة محدودة في الخطوط الملكية المغربية قبل أن يلتحق بسلك التعليم كأستاذ للغة الفرنسية إلى أن بلغ سن التقاعد.
لم يسبق لي أن التقيت الراحل، وللأمانة لم أكن أسمع كثيرا باسمه، لكن لما اتصل بي بعض أصدقائه ورفاقه لنشر كتاب قاموا بإعداد نصوصه عن الفقيد لتقديمه بمناسبة أربيعينيته التي ستوافق 26 شتنبر 2026، اكتشفت أنني إزاء مناضل كبير ومثقف ملتزم يستحق كل هذا الوفاء ممن عرفوا دوره وقدره.
في إحدى أبياته الحُرَّة المكثفة، يلخص الفقيد تجربة نضاله بالقول: جرَّبنا كلَّ أنواعِ الجِراح ومَشيْـنا.. مع الموت جنبا إلى جنب كرفاق سِلاح.
وفي أبيات أخرى يقول: هناك من يقبعُ في السجن، وذاك ليس مكانَه.. وهناك من يمرحُ خارجه، وموضعُه داخلَه..
صباح هذا اليوم (الجمعة 25 شتنبر 2026)، تشرفتُ بلقاء أحد أصدقاء ورفاق الراحل السيد أحمد بوستة لتسليمه نسخ الكتاب بعد الطبع، وكان بوستة تربطه علاقة صداقة قديمة ونضال بالفقيد منذ أن كانا تلميذين بثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء، حكى لي أن الطاهر محفوظي كان منذ شبابه المبكر يتحرك ويناضل بقدر ما كان يقرأ ويطالع..
تفاصيل أخرى من حياة هذا المناضل المغربي الكبير في كتاب «الطاهر محفوظي… شاهدٌ لا يغيب»، الذي نتشرف في دار النشر “لبيب كتاب/ LABIBOOK” بإصداره، وهذا ليس كتاب رثاء بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو كتاب للذاكرة والوفاء والشهادة.
إنه محاولة لجمع ما تركه الرجل في نفوس عائلته وأصدقائه ورفاقه وكل من عرفه، وتثبيت ذلك الأثر في صفحات يمكن أن تقرأها الأجيال القادمة.
وإذا كان الموت قد غيّب الجسد، فإن الإنسان، كما تقول إحدى شهادات الكتاب، يبقى حاضراً في الأماكن التي مر بها، وفي المبادئ التي آمن بها، وفي القيم التي غرسها، وفي الأشخاص الذين أحبهم وأحبوه. ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب هو أيضاً تأكيد على أن الأثر الصادق لا يرحل.





