محمد أمطاط: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية .. عندما يصبح صراخ  مدريد دليل خوف لا دليل سيادة.

الصخب حول المغرب ليس موقفا أوروبيا، بل هو موقف معسكر انتخابي يستعد لانتخابات 2027-2028

بقلم: محمد أمطاط..

ليس صدفة أن يصبح المغرب، فجأة، العنوان الأول في كل نشرات الأخبار الإسبانية. فوكس يطالب بتسليح سبتة ومليلية، الحزب الشعبي يتهم بيدرو سانشيز بـ”بيع المدينتين”، وصحف مدريد تفتح ملفات 1415 و1497 و1848 كأنها وقعت أمس. السؤال الذي لا يطرحه الإعلام الإسباني هو: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الصخب؟

   الجواب ليس في الرباط، بل في مدريد.

  1. سبتة ومليلية المحتلتين: من قضية حدود إلى ورقة انتخابات

         ما حدث ليلتي 30 و31 يوليوز 2026 في سبتة، حين عبر أكثر من70  ألف شخص الحدود في أكبر تدفق جماعي تشهده المدينة، لم يكن حدثا أمنيا فقط. كان انفجارا سياسيا.

         فبعد خمسة أسابيع، في 2 شتنبر، خرجت مسيرات في سبتة نفسها، وفي مدريد وبرشلونة وبلباو، دعت لها فيدرالية البلديات الإسبانية (FEMP) التي يسيطر عليها الحزب الشعبي المعارض. كان الشعار المعلن “سبتة ليست للبيع”، لكن الشعار الحقيقي كان “سانشيز يجب أن يرحل”. من جهتها الحكومة اليسارية اتهمت اليمين باستغلال المأساة الإنسانية لأكثر من 10 آلاف عالق في شاطئ “إلترامبولين” لتحقيق مكاسب انتخابية قبل تشريعيات 2027. وكان الكثير يعول على إدانة أوربا للمغرب، علما أن سانشيز نفسه سبق أن  قال: “لا أملك أي دليل على ضلوع مغربي”.

         لم يتهم القرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي بـ 339 صوتا فقط من أصل 720 (47%)، أي أقل من النصف، الدولة المغربية صراحة، حيث قال “هجرة غير نظامية من المغرب” و”حرب هجينة” ، لكنه في فقرة أخرى  أدان حكومة سانشيز ووصف تسويتها لوضعية مليون مهاجر بأنها “عامل جذب”  (Pull Factor). هكذا تحولت أحداث صيف سبتة من ملف سيادي مغربي-إسباني إلى ذخيرة انتخابية لليمين الاسباني. فكان القرار رغم ذلك هدية انتخابية لليمين الاسباني لضرب سانشيز وليس موقفا أوربيا ضد المغرب، وهذا ما يفسر تصريح  ألبرتو نونييس فيخو زعيم الحزب الشعبي الإسباني المحافظ، عندما قال “انتصرنا في بروكسيل”.

إذن، الصخب حول المغرب ليس موقفا أوروبيا، بل هو موقف معسكر انتخابي يستعد لانتخابات 2027-2028.  فتحول المغرب بالنسبة لهم  إلى ورقة انتخابية ليس إلا لسنة 2027.  يكفي أن تقول “المغرب يهدد سبتة” حتى تصبح وطنيا، وتجمع اليمين واليسار حولك. والإعلام المحافظ كذلك وجد في المغرب مادة دسمة أسهل من مناقشة فشل سياسات الهجرة الأوروبية.

  • المغرب غير قواعد اللعبة

        الخطأ الذي ترتكبه النخب السياسية الإسبانية هو أنها تتعامل مع مغرب 2026 بعقلية مغرب 1986.

       المغرب القديم كان يطالب بسبتة ومليلية بخطاب وجداني: “المدينتان مغربيتان تاريخيا”. أما المغرب الجديد فيبني حقائق على الأرض  ولا يصرخ.

اقتصاديا: بنى ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي سيفتتح قريبا بطاقة 3 ملايين حاوية، سيجعل ميناء مليلية بلا جدوى. وميناء طنجة المتوسط أصبح الأول في إفريقيا والبحر المتوسط. وحين أغلق المغرب معبر التهريب المعيشي سنة 2018، فقدت سبتة أكثر من  40% من اقتصادها، ولم تستطع مدريد تعويضه.

دبلوماسيا: اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء 2020، ثم إسبانيا نفسها 2022 بدعمها لمقترح الحكم الذاتي، ثم فرنسا 2024، جعل المغرب ينتقل من موقع المدافع إلى موقع الشريك الذي يفرض أجندته. اليوم المغرب شريك استراتيجي للصين (اتفاقية الحزام والطريق 2017)، ومصنع للقاحات والسيارات الكهربائية، ومرشح لتنظيم مونديال 2030. فأصبحت سبتة ومليلية في هذا السياق تبدوان عبئا على إسبانيا أكثر مما هما فخرا.

قانونيا: المغرب لم يوقع يوما وثيقة تتنازل عن سبتة التي تعرضت في 1415 لاحتلال برتغالي ثم إسباني في 1580، وبعدها مليلية (1497) والجزر الجعفرية (1848). أما معاهدة واد راس سنة 1860 التي وسعت حدود سبتة كانت قد فرضت بالقوة بعد حرب تطوان وتعتبر في القانون الدولي معاهدة إذعان. والمغرب يضع الملف سنويا أمام لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة، وإسبانيا ترد بأن سكانهما “يريدون البقاء إسبانا” وبأن الدستور الإسباني 1978 يعتبرهما مدينتين ذات حكم ذاتي.

الفرق أن المغرب اليوم يملك أدوات لم يكن يملكها في السابق: ورقة الهجرة، ورقة الطاقة، ورقة العمق الإفريقي.

3-الجزر الجعفرية: النقطة العمياء في الرواية الإسبانية

الإعلام الإسباني يتحدث كثيرا عن سبتة ومليلية لأنهما مدينتان فيهما سكان ومستشفيات وفرق كرة قدم، فيسهل استعطاف الرأي العام. لكنه يتجاهل الجزر الجعفرية.

الجزر الجعفرية (Islas Chafarinas) هي ثلاث جزر صخرية – مساحتها 0.52 كيلومتر مربع- لا يسكنها مدني واحد، فقط ثكنة عسكرية من 190 جندي إسباني، بلا ماء صالح للشرب، بلا مدرسة، بلا أي مقوم من مقومات المدينة.

احتلتها إسبانيا سنة 1848 بذريعة مكافحة القرصنة الريفية، ولم تذكر في أي دستور إسباني كمدينة، بل كـ “أراض ذات سيادة (Plazas de soberanía) ” .  لكن من  وجهة نظر القانون الدولي، هي احتلال عسكري صرف، لا يمكن تبريره لا بالتقادم التاريخي ولا بإرادة السكان، لأنه لا سكان فيها أصلا.

لذلك حين يرتفع الصخب عن “الحقوق التاريخية لإسبانيا  في سبتة ومليلية”، نعلم أن المتحدث يتهرب من الحديث عن الجزر الجعفرية، لأن حجته هناك صفر.

4-لماذا الصخب إذن؟

لأنه صخب الخائف لا صخب القوي.

-اقتصاديا: أوروبا تريد من المغرب أن يكون حارس حدودها، والمغرب يريد أن يكون شريكها. سبتة ومليلية هما رمز الفشل الأوربي في تدبير الهجرة.

-نفسيا: إسبانيا لم تستوعب بعد أن مستعمرتها السابقة في الشمال (1912-1956) زمن فترة الحماية أصبحت تنافسها في إفريقيا. المغرب اليوم له بنوك في 26 دولة إفريقية، وشركاته تبني الطرق في أبيدجان وداكار، وخطوطه الجوية تغطي عشرات الوجهات في مختلف مناطق القارة (غرب، وسط، شرق وشمال أفريقيا). وأئمته يكونون الأفارقة في معهد محمد السادس. فسبتة ومليلية أصبحتا تذكران إسبانيا كل يوم بأنها فقدت إفريقيا.

-استراتيجيا: كلما اقترب ملف الصحراء من الحسم، كلما حاولت بعض الدوائر في مدريد إحياء ملف سبتة ومليلية كورقة مساومة: “إذا اعترفنا لكم بالصحراء، انسوا الشمال”. المغرب يرفض هذه المقايضة جملة وتفصيلا، ويعتبر الصحراء قضية وحدة ترابية غير قابلة للمساومة، وسبتة ومليلية قضية تصفية استعمار لا تسقط بالتقادم.

خاتمة:

المغرب لا يحتاج إلى الصراخ.

المغرب اليوم لا يحتاج أن يرسل جيشا إلى سبتة. فهو يحاصرها بالتنمية.  ويكفيه هنا أن يفتح ميناء الناظور.

ولا يحتاج أن يرفع صوته في الأمم المتحدة كل يوم، يكفيه أن يذكر العالم أن آخر جيب استعماري في القارة الإفريقية يوجد على بعد 14 كيلومترا من إسبانيا، وأن جنديا إسبانيا ما يزال يحرس صخرة في البحر المتوسط لا يسكنها أحد.

الصخب الإسباني الحالي ليس دليل على قوة إسبانيا، بل دليل قلقها وضعفها. وكلما ارتفع الصوت في مدريد عن “حقوق إسبانيا التاريخية”، فاعلم أن الحق نفسه أصبح أكثر قربا من التحقيق لصاحبه الحقيقي: المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;