يرى مارك لين (Marc Lynch) في العدد الأخير للمجلة الأمريكية “فورين أفيرز” (سبتمبر / أكتوبر) أن النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عام 1991 دخل مرحلة نهايته، وأن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران كشفت، في نظره، حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية وأظهرت هشاشة الترتيبات الأمنية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
ويضع الكاتب حرب إيران في سياق تاريخي أوسع، معتبراً أن ما يحدث اليوم يشبه من بعض الجوانب الأفول التدريجي للنفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط بعد أزمة السويس عام 1956. فالقوى الكبرى لا تفقد نفوذها في المنطقة بالضرورة في لحظة واحدة، وإنما قد تستمر مظاهر نفوذها سنوات بعد أن تكون الأسس التي يقوم عليها ذلك النفوذ قد بدأت في الانهيار.
من «النظام الأمريكي» إلى مرحلة ما بعد الهيمنة
بحسب لينش، تأسس النظام الإقليمي الأمريكي خلال العقود الماضية على مجموعة من العناصر: حماية إسرائيل، احتواء الخصوم الإقليميين، توفير مظلة أمنية لدول الخليج، والحفاظ على شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية.
لكن الحرب مع إيران كشفت، وفق تحليله، تناقضات هذا النظام.
فالدول الخليجية، التي تعتمد بدرجات مختلفة على الولايات المتحدة في أمنها، وجدت نفسها أمام حرب لم تكن صاحبة القرار في اندلاعها، ثم تعرضت لتداعياتها المباشرة وغير المباشرة.
ويرى لينش أن السؤال الذي أصبح مطروحًا لدى هذه الدول هو: ما قيمة الضمانات الأمنية الأمريكية إذا كانت واشنطن لا تستطيع منع الحرب، ولا تستطيع حماية حلفائها بالكامل من آثارها، ولا تستطيع بالضرورة تحقيق الأهداف التي تدخل الحرب من أجلها؟
غزة غيّرت صورة الولايات المتحدة
لا يفصل الكاتب بين الحرب على غزة والحرب مع إيران.
ففي تحليله، أدت السياسة الأمريكية تجاه الحرب في غزة إلى تآكل ما تبقى من الشرعية الأخلاقية والنفوذ السياسي الأمريكي لدى قطاعات واسعة في المنطقة العربية.
ويعتبر أن الدعم الأمريكي لإسرائيل، ولا سيما خلال إدارة جو بايدن، جعل من الصعب على واشنطن إقناع الشعوب العربية بأنها طرف قادر على لعب دور الوسيط أو الراعي لنظام إقليمي متوازن.
ثم جاءت الحرب مع إيران لتضيف إلى ذلك أزمة أخرى: أزمة الثقة في القدرة العسكرية الأمريكية على فرض النتائج التي تريدها.
دول الخليج بين الحليف الأمريكي والاستقلال الاستراتيجي
إحدى الأفكار المركزية في المقال أن دول الخليج قد تبدأ في تنويع خياراتها الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن.
ولا يعني ذلك، وفق التحليل، أن هذه الدول ستتخلى عن الولايات المتحدة أو تنسف تحالفاتها معها، بل قد تتجه إلى مساحة أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار.
ويشير لينش إلى احتمال توسيع العلاقات مع الصين وروسيا، وتعزيز الحوار مع إيران، وممارسة سياسات إقليمية أكثر استقلالاً عن الرؤية الأمريكية.
وهنا يكمن التحول الأهم: من تحالف يقوم على الاعتماد إلى علاقات تقوم على تعدد الشركاء والمصالح.
مضيق هرمز: اختبار حاسم
يعطي المقال أهمية كبيرة لمضيق هرمز باعتباره أحد المفاصل الأساسية للاقتصاد الخليجي والعالمي.
ومن وجهة نظر لينش، فإن عدم قدرة واشنطن على ضمان استمرار حرية الملاحة في المضيق خلال الأزمة الإيرانية شكّل ضربة إضافية لفكرة أن الوجود العسكري الأمريكي قادر على توفير الاستقرار الإقليمي.
فالولايات المتحدة بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها الأمنية في الخليج على قدرتها على حماية طرق التجارة والطاقة.
وإذا أصبحت هذه القدرة موضع شك، فإن الصفقة الأمنية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية تصبح بدورها موضع تساؤل.
لماذا لم تنجح القوة العسكرية في تغيير إيران؟
ينتقد لينش الاعتقاد الذي ساد لسنوات في بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية بأن توجيه ضربة عسكرية قوية إلى إيران يمكن أن يؤدي إلى إزالة الخطر الإيراني أو تغيير سلوك النظام في طهران.
ويرى أن التجربة أثبتت، بحسب تقييمه، صعوبة تحقيق مثل هذه الأهداف بالقوة العسكرية وحدها.
فالخصوم لا يتوقفون عن التكيف، والدول لا تنهار بالضرورة نتيجة الضربات العسكرية، كما أن الحرب قد تنتج تداعيات غير محسوبة تتجاوز الأهداف التي حددها أصحاب القرار.
وهذه الفكرة تمثل بالنسبة للكاتب أحد أهم دروس التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان، والحروب الإسرائيلية مع حزب الله وحماس، ثم الحرب مع إيران.
إسرائيل والولايات المتحدة: تحالف أمام اختبار جديد
يرى لينش أن مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية يحتاج إلى إعادة نظر.
ويشير إلى تغيرات داخل السياسة الأمريكية نفسها، بما في ذلك تزايد الانتقادات الموجهة إلى مستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل، وظهور خلافات داخل الحزب الديمقراطي حول المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
ولا يطرح الكاتب، في هذا السياق، مجرد تغيير في مستوى المساعدات، وإنما يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة الاستراتيجية ذاتها.
فإذا أصبحت السياسة الإسرائيلية أكثر استقلالاً عن واشنطن، وإذا وجدت الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن ضبط مسار حروب حليفتها، فإن التحالف الذي كان أحد أعمدة النظام الإقليمي قد يدخل مرحلة جديدة.
ماذا سيحدث للنظام الإقليمي؟
لا يتوقع لينش انتقالاً هادئاً من النظام القديم إلى نظام جديد.
بل يرى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تكون أكثر اضطراباً، لأن قوى متعددة ستتنافس على تشكيل النظام الإقليمي.
إسرائيل ستواصل، وفق تحليله، الاعتماد على القوة العسكرية لتحقيق أهدافها الإقليمية.
وإيران، إذا بقي نظامها السياسي قائماً، ستسعى إلى استثمار ما تعتبره مكاسب استراتيجية وتعزيز نفوذها.
أما الدول العربية، فقد تصبح أكثر حرية في بناء علاقاتها الخارجية بعيداً عن الموقف الأمريكي.
وبذلك يمكن أن ينتقل الشرق الأوسط من نظام تهيمن عليه قوة واحدة إلى نظام أكثر تعدداً وتنافساً.
هل تستطيع واشنطن بناء نظام جديد؟
هنا يصل المقال إلى فكرته الأكثر أهمية.
لينش لا يرى أن نهاية النظام الأمريكي تعني بالضرورة نهاية الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
بل يقترح أن يكون انهيار النظام القديم فرصة لإعادة صياغة السياسة الأمريكية.
ويعتقد أن واشنطن تستطيع الانتقال من سياسة تعتمد على التدخل العسكري والاحتواء بالقوة إلى سياسة تركز على الدفاع، والدبلوماسية، وتبادل المعلومات، والدفاع الصاروخي، وحماية حرية الملاحة.
كما يدعو إلى إعادة النظر في الاعتماد الأمريكي على أنظمة سلطوية باعتبارها شركاء ضروريين للاستقرار.
الديمقراطية وحقوق الإنسان في الحساب الأمريكي
ينتقد الكاتب ما يعتبره اعتماد السياسة الأمريكية لعقود على حكومات سلطوية قادرة على احتواء المعارضة الداخلية.
ومن وجهة نظره، أدى ذلك إلى مشكلة مزدوجة: الولايات المتحدة فقدت جزءاً من مصداقيتها لدى الشعوب، وفي الوقت نفسه أصبحت سياساتها الخارجية مرتبطة بأنظمة لا تحظى بالضرورة بقبول شعبي واسع.
ويطرح بالتالي فكرة أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم فقط على القواعد العسكرية والضمانات الأمنية.
«آخر فرصة»
يختم لينش مقاله بفكرة ذات طابع تاريخي: الولايات المتحدة أمام فرصة لإعادة صياغة سياستها الشرق أوسطية، لكن استمرارها في السياسات السابقة قد يجعلها تراقب تدريجياً أفول النظام الذي بنته خلال العقود الماضية.
ويشبه الكاتب ذلك بما حدث للإمبراطوريات الأوروبية التي سبقت الولايات المتحدة إلى المنطقة؛ إذ لم تختفِ قوتها فجأة، وإنما فقدت تدريجياً القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
وبهذا المعنى، فإن عنوان المقال «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي» لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستغادر المنطقة، بل يعني أن النموذج الذي كانت واشنطن من خلاله تحدد قواعد اللعبة الإقليمية قد يكون قد وصل إلى نهايته.




