الغفلة الاستراتيجية وكشف المستور

في العلاقات الدولية، لا تقاس قوة الدولة بعدد الأوراق التي تضعها على الطاولة فحسب، وإنما بقدرتها على إعادة ترتيب هذه الأوراق عندما تتغير الظروف

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مقدمة: حين لا يكون الحدث هو القصة كلها

أكتب هذا المقال انطلاقاً من روح المسؤولية العلمية والتاريخية التي أرى أن من واجبي، كمواطن حريص على صيانة هذا الوطن وأمنه ومصالحه، أن أتحملها في قراءة القرارات التي تمس موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية. فالمواطنة، في تقديري، لا تعني الاكتفاء بتلقي القرار كما يُعلن، ولا النظر إلى السياسة من زاوية التأييد أو الرفض، وإنما تعني أيضاً ممارسة حق السؤال، ومحاولة فهم ما وراء الحدث، والتنبيه إلى ما قد لا يظهر في لحظة اتخاذ القرار، قبل أن يتحول إلى واقع يصعب تغييره.

ليس كل ما يظهر في السياسة هو كل ما يصنعها، وليس كل ما يقال عنها هو بالضرورة كل ما ينبغي أن نقرأه فيها. فالحدث السياسي المعلن ليس سوى الواجهة الظاهرة لمسار أوسع، تتداخل داخله حسابات وتوقيتات ومصالح ورسائل والتزامات، وقد تنشأ في ظله تكاليف لا تظهر عند لحظة اتخاذ القرار، وإنما تكشف عنها الأيام حين يصبح القرار مساراً، والمسار شبكة من الارتباطات يصعب تفكيكها.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يبدو إعلان 16 سبتمبر 2026 أكثر من مجرد خبر دبلوماسي عابر، وأكثر من مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية الذي بدأ سنة 2020. فالمغرب انتقل في هذه اللحظة إلى مستوى أكثر مؤسساتية في هذه العلاقة، من خلال رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، إلى جانب استئناف الرحلات المباشرة والدفع نحو توسيع التعاون الاقتصادي والقانوني. وهذه ليست تفاصيل تقنية يمكن فصلها عن السياسة؛ لأنها تعني أن العلاقة لم تعد محصورة في قرار سياسي قابل لإعادة التقييم، وإنما بدأت تتحول إلى شبكة من المؤسسات والاتفاقيات والمصالح والالتزامات.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن تكون في صلب النقاش: فكلما اتجهت العلاقة رسمياً نحو مزيد من الترسخ والمؤسساتية، ظل سؤال معناها داخل المجتمع، وحدود قبولها اجتماعياً، قائماً بإلحاح أكبر. فالشرعية القانونية للقرار شيء، والقبول الاجتماعي بمعناه وآثاره شيء آخر. والرفض الشعبي، حتى وإن لم يكن حكماً قانونياً على القرار، يظل معطى سياسياً واستراتيجياً لا يمكن التعامل معه باعتباره هامشياً أو مؤجلاً إلى ما لا نهاية.

وقد أظهرت بيانات الباروميتر العربي، وفق الأرقام المشار إليها، تراجع التأييد للتطبيع في المغرب من 31% سنة 2022 إلى 13% في 2023-2024. ولا يمكن لاستمارة استطلاع واحدة أن تحسم وحدها الحكم على سياسة خارجية معقدة، لكنها تكشف مؤشراً لا يجوز تجاهله: تعميق العلاقة على المستوى الرسمي لا يعني بالضرورة تعميقاً موازياً في قبولها اجتماعياً، بل قد يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين ما تفعله الدولة وما تعنيه هذه السياسة لقطاعات من المجتمع.

ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية. فالمشكلة الاستراتيجية لا تبدأ بمجرد وجود الرفض، وإنما تبدأ حين يُستهان به، ويُعامل باعتباره كلفة مؤجلة يمكن تحملها بلا حدود. إذ قد يتحول هذا الرفض، إذا اتسعت الفجوة، من مجرد موقف اجتماعي إلى عامل يؤثر في الثقة، وفي قدرة الدولة على إنتاج معنى مقنع لخياراتها، وفي هامش المناورة الذي تحتاجه السياسة الخارجية عندما تتغير الظروف.

ولهذا لا يعود السؤال المركزي اليوم هو فقط: لماذا طبع المغرب مع إسرائيل؟ فهذا السؤال يعود أساساً إلى لحظة 2020، وإلى السياق السياسي والاستراتيجي الذي رافق قرار استئناف العلاقات آنذاك.

أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو أكثر تعقيداً وأشد دلالة: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه السرعة؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ ولماذا في نيويورك تحديداً؟ وما الذي تكشفه هذه الخطوة عن الاستراتيجية المغربية نفسها؟

وإذا كانت الخطوة الحالية مجرد استكمال طبيعي لمسار بدأ سنة 2020، فما الذي يفسر هذه الحزمة المتزامنة من الإجراءات؟ وإذا كانت مجرد تعميق لعلاقة ثنائية بين الرباط وتل أبيب، فلماذا يحضر السياق الأمريكي بهذه القوة في لحظة الإعلان؟ وإذا كان الانتقال إلى مستوى السفارات والاتفاقيات والرحلات المباشرة مجرد تطوير تقني للعلاقات، فما الذي يعنيه أن تصبح العلاقة أكثر ارتباطاً بالمؤسسات والمصالح والالتزامات؟

ثم هناك السؤال الأهم: هل ما زال المغرب هو الذي يستخدم هذا المسار لتحقيق أهدافه، أم أن المسار نفسه بدأ يفرض على المغرب حسابات جديدة؟

فهنا بالضبط يتغير معنى الحدث. لأن القضية لم تعد فقط فيما إذا كان المغرب قد حقق مكاسب من هذا المسار، وإنما فيما إذا كانت هذه المكاسب قد رافقها، مع مرور الوقت، تراكم في الالتزامات والكلف وتضييق في هامش إعادة التموضع.

ومن هنا، فإن هذا المقال لا ينطلق من سؤال: هل كان قرار 2020 صائباً أم خاطئاً؟ وإنما من سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلى حاضر المغرب ومستقبله: ماذا أصبح هذا القرار بعد ست سنوات؟ وإلى أي مسار قاد؟ وما الذي أضافه إلى قوة الدولة، وما الذي أخذ في المقابل من قدرتها على الحركة؟

لأن الحدث، في النهاية، قد يكون أقل أهمية من المسار الذي يكشفه.

ومن هنا نحتاج إلى الانتقال من قراءة الخبر إلى قراءة المعنى؛ ومن سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «ماذا يعني ما حدث؟»؛ ومن متابعة القرار كما ظهر في لحظته إلى محاولة فهم ما الذي بدأ هذا القرار يصنعه في بنية الخيارات المغربية، وفي هامش المناورة، وفي العلاقة بين الدولة ومجتمعها.

وهنا تحديداً تبدأ محاولة «كشف المستور»: ليس البحث عن أسرار لا دليل عليها، وإنما الكشف عن الكلف والالتزامات والتحولات التي قد لا تظهر في واجهة القرار، لكنها تصبح أكثر وضوحاً كلما تتبعنا المسار الذي نشأ عنه.

 أولاً: من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «ماذا يعني ما حدث؟»

الخبر يخبرنا بما حدث، لكنه لا يخبرنا بالضرورة بما يعنيه ما حدث. وبين الأمرين تقع المسافة التي تبدأ فيها القراءة الحقيقية. وهنا يأتي «منهج المعنى»: ألا نتوقف عند السؤال الأول، «ماذا حدث؟»، بل ننتقل إلى السؤال الذي يليه: ماذا يعني ما حدث؟ ثم إلى السؤال الأعمق: ماذا تكشف لنا هذه الوقائع عن التحول الذي يجري من حولها، وما الذي تفرضه علينا من إعادة نظر في طريقة فهم القرار وما ينبغي أن يترتب عليه؟

بهذا المعنى، لا نقرأ إعلان 16 سبتمبر باعتباره واقعة منفصلة على خط الزمن، بل باعتباره عقدة داخل شبكة من الوقائع والعلاقات والمصالح. فالتوقيت ليس تفصيلاً محايداً، والمكان ليس مجرد عنوان، والأطراف الحاضرة ليست مجرد أسماء، والعلاقات التي سبقت الحدث ليست خلفية بعيدة عنه، كما أن الاتفاقيات التي ترافقه ليست إجراءات تقنية منفصلة عن دلالته السياسية. وحتى الفجوة بين القرار الرسمي والموقف الشعبي ليست هامشاً يمكن تجاهله، بل جزء من معنى المسار نفسه.

لكن «منهج المعنى» لا يعني القفز من التزامن إلى السببية، ولا تحويل كل واقعة إلى دليل على مؤامرة مستترة. معناه أبسط وأكثر صرامة: أن نضع الوقائع إلى جانب بعضها، ونقرأ تقاطعها، ثم نختبر ما إذا كانت تكشف تغيراً أوسع في البيئة التي يتحرك داخلها القرار. فالمغزى لا يكون دائماً في الحدث منفرداً، وإنما في الطريقة التي يتصل بها بغيره، وفي الاتجاه الذي ترسمه هذه الوقائع مجتمعة.

ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال هو فقط: ماذا حدث في 16 سبتمبر؟ بل يصبح: ماذا سبقه، ولماذا حدث الآن، ولماذا اختيرت نيويورك تحديداً، وما الذي يكشفه الحضور الأمريكي في المشهد، وما الذي كانت تفعله أوروبا في الخلفية، وكيف تتقاطع في هذه اللحظة ملفات المغرب وواشنطن وأوروبا وإسرائيل؟ والأهم من ذلك كله: ما الذي يبحث عنه المغرب نفسه من خلال تعميق هذا المسار؟

فإذا كانت الخطوة مجرد استكمال طبيعي لمسار بدأ سنة 2020، فلماذا جاءت الآن بهذه الحزمة المتزامنة من القرارات؟ وإذا كانت مجرد مسألة ثنائية بين الرباط وتل أبيب، فلماذا ظهر البعد الأمريكي بهذه القوة في لحظة الإعلان؟ وإذا كانت السفارات مجرد استكمال تقني للعلاقات، فما الذي يعنيه أن تتزامن معها الرحلات المباشرة واتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي وتوسيع البناء المؤسساتي للعلاقة؟

هذه الأسئلة لا تقدم أجوبة جاهزة، لكنها تؤدي وظيفة أهم: إنها تمنعنا من الوقوف عند سطح الحدث، وتجبرنا على قراءة ما وراءه من اتجاهات، وما يفتحه من التزامات، وما يكشفه من تغير في طبيعة المسار نفسه.

ثانياً: 16 سبتمبر 2026… من قرار سياسي إلى مسار أكثر كلفة

يصعب، بعد كل ما تراكم، قراءة إعلان 16 سبتمبر باعتباره مجرد حلقة إضافية في مسار بدأ سنة 2020. ففتح السفارات، وتبادل السفراء، واستئناف الرحلات المباشرة، والدفع نحو اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي، ليست مجرد ترتيبات إجرائية منفصلة، وإنما مؤشرات واضحة على انتقال العلاقة من مستوى القرار السياسي إلى مستوى أكثر عمقاً من المؤسسية والتشابك. وهذا الانتقال لا يضيف إلى العلاقة مزيداً من الروابط فحسب، بل يحمّل المغرب، في الوقت نفسه، كلفة استراتيجية متزايدة؛ لأن كل مؤسسة جديدة، وكل اتفاق جديد، وكل مصلحة تنشأ حول المسار، تجعل إعادة النظر فيه أكثر تعقيداً، والتراجع عنه أكثر كلفة.

وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: ما الذي كسبناه من هذا المسار؟ بل: ما الذي أصبح التراجع عنه أكثر كلفة؟

ففي العلاقات الدولية، لا تقاس قوة الدولة بعدد الأوراق التي تضعها على الطاولة فحسب، وإنما بقدرتها على إعادة ترتيب هذه الأوراق عندما تتغير الظروف. وهذه القدرة هي جوهر «قابلية إعادة التموضع»: أن تستطيع الدولة تغيير حساباتها عندما يتغير المحيط، من دون أن تتحول الخيارات التي اتخذتها بالأمس إلى قيود تمنعها من الحركة غداً.

وهنا تحديداً تظهر حساسية المسار. ماذا يحدث إذا تغيرت الإدارة الأمريكية؟ أو تغيرت الحكومة الإسرائيلية؟ أو تبدلت البيئة الإقليمية؟ أو أعادت الرباط ترتيب أولوياتها؟ أو اتسعت الفجوة بين السياسة الرسمية والموقف الشعبي؟ السؤال ليس ما إذا كانت هذه التغيرات ستقع بالضرورة، وإنما ما إذا كان المسار الذي يجري تعميقه اليوم يترك للدولة هامشاً كافياً لإعادة ضبطه عندما تتغير الشروط.

فكلما زادت المؤسسات والاتفاقيات والمصالح المرتبطة بالعلاقة، لم يعد من السهل التعامل معها كأداة مرنة يمكن رفعها أو خفضها بحسب الحاجة. وهنا تبدأ الكلفة الحقيقية في الظهور: ليس فقط في كلفة ما تفعله الدولة، وإنما في كلفة ما يصبح من الصعب عليها أن تتراجع عنه.

وهكذا، فإن ما يبدو في ظاهره تعميقاً للعلاقة، يتحول في حساباته الاستراتيجية إلى تعميق لكلفة الارتباط بها.

ثالثاً: كلفة الارتباط… حين يصبح المسار أثقل من القرار

إذا كان التطبيع سنة 2020 قد جاء ضمن ترتيب سياسي أمريكي أوسع، ارتبط بإعادة العلاقات المغربية الإسرائيلية وباعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء، فإن السؤال بعد ست سنوات لم يعد سؤال المقابل الأول، ولا يكفي أن نعيد قراءة المسار من خلال لحظة نشأته. فقد تغيرت المعادلة نفسها.

فالمغرب لم يعد أمام علاقة جديدة يمكن اختبار حدودها ثم إعادة تقييمها، وإنما أمام مسار راكم مؤسسات ومصالح وتوقعات والتزامات. وهذه النقلة هي جوهر المسألة: فالدولة التي كانت تستخدم العلاقة لتحقيق أهداف محددة تجد نفسها، مع مرور الوقت، مطالبة أيضاً بحماية البنية التي نشأت حول العلاقة، وما تولد عنها من مصالح والتزامات.

وهنا يصبح السؤال استراتيجياً بامتياز: هل ما زال المغرب يستخدم العلاقة لتحقيق أهدافه، أم أن الحفاظ على العلاقة بدأ بدوره يفرض على المغرب حسابات جديدة؟

هذه ليست لعبة لغوية، بل فرق جوهري بين حالتين مختلفتين تماماً: أن تكون الدولة صاحبة المسار وتعيد توجيهه متى تغيرت مصالحها، وبين أن تجد نفسها مضطرة إلى حماية مسار صنعته قراراتها السابقة لأن كلفة التراجع عنه أصبحت أعلى مما كانت عليه لحظة اتخاذ القرار.

وهنا بالضبط يظهر أحد أهم معاني «كشف المستور». فالمستور ليس بالضرورة اتفاقاً سرياً أو ترتيبات مخفية خلف الأبواب. قد يكون المستور هو الكلفة التي يولدها القرار من داخله؛ الالتزام الذي لم يكن واضحاً لحظة اتخاذه، والمصلحة التي تنشأ بعد الاتفاق، والتوقع الذي يبنيه الشركاء، والارتباط الذي يتعمق مع الزمن، ثم صعوبة العودة إلى الوراء بعدما يصبح المسار جزءاً من بنية العلاقات الخارجية للدولة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر قسوة من سؤال المكاسب المباشرة: هل كان المغرب يوسع خياراته، أم كان، في الوقت نفسه، يوسع التزاماته؟

رابعاً: نيويورك… المكان الذي يستحق أن يُقرأ

لا يعني اختيار نيويورك، في حد ذاته، وجود صفقة خفية، كما أن التزامن وحده لا يكفي لإثبات علاقة سببية بين هذا الحدث وأحداث أخرى. لكن هذا لا يجعل المكان تفصيلاً بلا دلالة. فالمكان جزء من الرسالة السياسية، واختيار نيويورك، في سياق أمريكي واضح، يجعل واشنطن حاضرة في المشهد لا باعتبارها خلفية جغرافية، وإنما باعتبارها طرفاً له موقعه في هندسة البيئة التي تتحرك داخلها العلاقة.

ومن هنا، فإن «منهج المعنى» لا يقرأ مضمون الإعلان وحده، بل يقرأ أيضاً السياق الذي اختير لإعلانه. لماذا نيويورك؟ لماذا الآن؟ لماذا بهذه الحزمة من الملفات؟ وما الذي تقوله هذه الصورة عن موقع العلاقة المغربية الإسرائيلية داخل شبكة أوسع من العلاقات التي تربط المغرب بالولايات المتحدة وأوروبا وغيرهما؟

لا ينبغي تحويل هذه الأسئلة إلى يقينيات لا يسندها الدليل، لكن تجاهلها تماماً يعني التخلي عن الجزء الأهم من القراءة الاستراتيجية. فالقرار الخارجي لا يتشكل عادة داخل ملف واحد مغلق، وإنما داخل بيئة من المصالح المتقاطعة والضغوط والحسابات المتبادلة. والمغرب يتحرك في بيئة تتداخل فيها ملفات الصحراء والهجرة والأمن والعلاقات الأوروبية والشراكة الأمريكية والتوازنات الإقليمية.

وهذا التعدد يمكن أن يكون مصدراً للقوة حين تستطيع الدولة إدارة العلاقات المختلفة من موقع مستقل، لكنه يتحول إلى عبء حين تبدأ كل علاقة جديدة في إنتاج قيود على العلاقات الأخرى. فالقوة ليست في كثرة الأبواب المفتوحة فقط، وإنما في امتلاك حرية الحركة بينها؛ وفي القدرة على إعادة ترتيبها عندما تتغير الحاجة، من دون أن يؤدي تحريك باب واحد إلى اهتزاز البناء كله.

وهنا يصبح تعميق أي علاقة مسألة تتجاوز العلاقة نفسها: كل ارتباط جديد يجب أن يُقاس ليس فقط بما يضيفه إلى قوة الدولة، وإنما أيضاً بما قد يسحبه من هامش مناورتها.

خامساً: الكلفة التي لا تظهر في البيانات… الفجوة الاجتماعية

لكن الكلفة الخارجية ليست سوى نصف الحكاية. فهناك كلفة أخرى أكثر حساسية لأنها لا تتعلق بالشركاء الخارجيين، وإنما بعلاقة الدولة بمجتمعها. وكلما أصبحت العلاقة أكثر رسوخاً من الناحية المؤسساتية، أصبح سؤال القبول الاجتماعي أكثر إلحاحاً، لا أقل.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين أمرين مختلفين: الشرعية القانونية للقرار، والشرعية الاجتماعية لمعناه. فقد يكون القرار قائماً داخل المؤسسات المختصة ومستنداً إلى صلاحياتها، وهذا شأن قانوني وسياسي؛ لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن المجتمع يمنحه المعنى نفسه، أو ينظر إليه بالطريقة نفسها، أو يرى في تعميقه امتداداً طبيعياً لمصالحه.

وهذه الفجوة لا يجوز إخراجها من الحساب الاستراتيجي. فقد سجل الباروميتر العربي، وفق البيانات المشار إليها، تراجعاً في تأييد التطبيع في المغرب من 31% في 2022 إلى 13% في 2023-2024. ولا يجعل ذلك الاستطلاع حكماً نهائياً على السياسة الخارجية، لكنه يظل مؤشراً مهماً على أن تعميق العلاقات الرسمية لا يعني بالضرورة توسعاً موازياً في القبول الشعبي.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحاً: كلما أصبح المسار أكثر مؤسساتية من الخارج، لا يصبح بالضرورة أكثر تجذراً في الداخل. بل يمكن أن تتسع، في اللحظة نفسها، المسافة بين البنية الرسمية للعلاقة وبين معناها داخل المجتمع.

وهذه المسافة ليست مجرد مشكلة في التواصل أو العلاقات العامة؛ إنها يمكن أن تتحول إلى مشكلة ثقة. فالدولة لا تحتاج فقط إلى أن تشرح لشركائها الخارجيين لماذا تتخذ قراراً معيناً، وإنما تحتاج أيضاً إلى أن تنتج داخل مجتمعها معنى قادراً على حمل هذا القرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية تحمل وزناً أخلاقياً ووجدانياً وسياسياً كبيراً.

وعندما تتسع المسافة بين ما تفعله الدولة وما تعنيه قطاعات واسعة من المجتمع، فإن السؤال الاستراتيجي لا يعود محصوراً في مدى نجاح القرار خارجياً، ولا في حجم ما يحققه من مكاسب دبلوماسية أو اقتصادية، بل يمتد إلى أثره في الداخل: ماذا يفعل هذا المسار في الثقة بين الدولة والمجتمع؟ وماذا يحدث عندما يصبح المسار أكثر رسوخاً في مؤسسات الدولة، بينما يظل معناه محل رفض أو تحفظ لدى قطاعات واسعة من المجتمع؟

هنا تكتمل صورة الكلفة: فالمشكلة لم تعد في القرار وحده، وإنما في المسار الذي نشأ عنه؛ ولم تعد في ما حققه عند بدايته، وإنما في ما يفرضه اليوم من التزامات خارجية وتناقضات داخلية. وما بدأ كأداة لتوسيع هامش الحركة، أخذ يتحول، مع تراكم المصالح والالتزامات والفجوات، إلى قيد يضيّق هذا الهامش.

وهنا تحديداً يصبح «كشف المستور» كشفاً لكلفة المسار نفسه: قرارٌ اتُّخذ لخدمة المصلحة الوطنية في لحظة معينة، لكنه مع تراكم نتائجه أصبح مصدراً لقيد استراتيجي على حرية القرار الوطني.

سادساً: الرفض الشعبي ليس حكماً… لكنه ليس تفصيلاً أيضاً

إذا أخذنا منهج المعنى إلى مداه الأبعد، فإن الرفض الشعبي لا يعود مجرد موقف ينبغي رصده، ولا مجرد رقم يمكن وضعه في هامش القرار، وإنما يصبح جزءاً من المعنى الذي ينبغي أن يقرأ به القرار نفسه. فالدولة حين تتخذ قراراً تعرف، أو تستطيع أن تعرف، أنه يواجه رفضاً شعبياً واسعاً، لا تكون أمام غياب للمعلومة، بل أمام معلومة حاضرة في المشهد، لها دلالتها ولها كلفتها المحتملة. ومن هنا لا يعود السؤال: هل ينبغي للدولة أن تتبع رأي الشارع أم لا؟ فهذا سؤال يختزل المسألة أكثر مما ينبغي. السؤال الأعمق هو: ماذا يعني أن تمضي الدولة في قرارها رغم هذا الرفض، وما الذي ينبغي أن تكون مستعدة لتحمله نتيجة ذلك؟

ففي القرار الاستراتيجي، لا يكفي أن تُحسب المنافع المباشرة التي يمكن أن يحققها المسار، بل ينبغي أن يُحسب أيضاً ما قد ينشأ عنه من أعباء حين يصطدم بمعنى مغاير له داخل المجتمع. لأن القرار لا يعيش فقط في الوثائق والاتفاقات والمؤسسات، وإنما يعيش كذلك في المجال الذي يُستقبل فيه، وفي الطريقة التي يفسر بها الناس دوافعه، وفي مقدار المسافة التي يخلقها بينهم وبين من اتخذوه. وكلما كانت هذه المسافة واسعة، لم يعد ممكناً التعامل معها باعتبارها ضجيجاً خارجياً يمكن للقرار أن يتجاوزه ببساطة؛ إذ قد تتحول، مع الوقت، إلى عنصر من عناصر كلفة القرار ذاته.

وهنا تظهر مسؤولية الدولة عن الكلفة التي يخلقها قرارها حين تختار المضي فيه رغم رفض اجتماعي واضح. فاختيار المسار لا يعني اختيار منافعه فقط؛ بل يعني، في النهاية، قبول تحمل نتائجه، بما فيها تلك التي لا تظهر في لحظة الإعلان ولا تدخل عادة في الحسابات الأولى. وقد تكون هذه النتائج مرتبطة بالثقة، أو بالقدرة على شرح القرار وتبريره، أو بدرجة الانسجام بين الخطاب الرسمي والتلقي الاجتماعي، أو بقدرة الدولة على إدارة اللحظات التي يصبح فيها القرار موضوعاً للتوتر أو الاحتجاج أو إعادة النقاش. وفي هذه الحالة، لا يكون تجاهل الرفض قد ألغى الرفض، بل يكون قد نقل أثره من مرحلة التفكير في القرار إلى مرحلة تحمل تبعاته.

وهذه نقطة أساسية في «منهج المعنى»: ما لا يدخل في حساب القرار عند بدايته، قد يدخل في كلفته بعد ذلك. ولذلك فإن تجاهل الرفض الشعبي لا يجعل القرار أكثر تحرراً من القيود الاجتماعية، بل قد يجعل هذه القيود تظهر في وقت لاحق، حين تكون كلفة التراجع أعلى، وحين يكون المسار قد راكم التزامات ومصالح وعلاقات تجعل إعادة التموضع أكثر صعوبة. وهنا بالضبط يصبح السؤال الاستراتيجي أكثر إلحاحاً: هل كانت الدولة تحسب فقط ما ستحصل عليه عندما اتخذت القرار، أم كانت تحسب أيضاً ما ستضطر إلى دفعه كي تحافظ على المسار بعد أن اتخذته؟

ومن هذه الزاوية، لا يصبح الرفض الشعبي حكماً نهائياً على القرار، لكنه يصبح إنذاراً مبكراً بشأن كلفته المحتملة؛ وكلما كان هذا الرفض واسعاً ومستقراً، ازدادت أهمية السؤال عما يمكن أن ينتج عنه على المدى الأبعد. فالمشكلة ليست فقط في أن قراراً ما لا يحظى بالقبول، وإنما في أن الدولة قد تدخل، وهي تعرف ذلك، في مسار تكون منافع بدايته أوضح من أعباء نهايته. وعندها لا تعود قراءة القرار مكتملة إذا توقفت عند ما حققه مباشرة، بل ينبغي أن تمتد إلى ما يترتب عليه بعد ذلك، وما يستدعيه من التزامات، وما يخلقه من تفاعلات وردود أفعال، وما قد يفرضه من تكاليف لم تكن ظاهرة في لحظة الاختيار. وهنا تحديداً يأخذ «منهج المعنى» مداه الحقيقي: فإذا كان القرار قد بدا قابلاً للتبرير من زاوية ما يحققه فوراً، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند المنفعة الأولى، بل أن ينتقل إلى ما يحدث عندما تتحول تلك المنفعة إلى مسار، وعندما تدخل في شبكة أوسع من الالتزامات والتفاعلات والكلف. فما لا يظهر في لحظة اتخاذ القرار قد يظهر لاحقاً بوصفه نتيجة له، وما يبدو في البداية مكسباً منفصلاً قد يصبح جزءاً من سلسلة نتائج متتابعة يصعب فصل بعضها عن بعض. لذلك، فليست كل كلفة تظهر عند اتخاذ القرار، كما أن ليست كل نتيجة تظهر في اللحظة التي تبدأ فيها؛ وبعض أخطر ما في القرارات الاستراتيجية قد يكمن تحديداً في النتائج الثانية التي لا تظهر إلا بعد أن يصبح المسار أكثر تشعباً، والالتزامات أكثر تراكمًا، والرجوع عنه أكثر صعوبة.

سابعاً: حين تتجاوز الخطوة معناها الأول

وهنا نصل إلى قلب «الغفلة الاستراتيجية»، لا بمعنى أن الدولة لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا بمعنى أن كل خطوة اتخذتها كانت خالية من المنطق أو المبررات، وإنما بمعنى أكثر دقة وتعقيداً: أن تكون الخطوة معقولة حين تُقرأ منفردة، بينما لا يُقرأ بالقدر نفسه ما يمكن أن يصنعه تراكم هذه الخطوات عندما تتحول من قرارات منفصلة إلى مسار متكامل.

وهنا تحديداً يبرز الفرق بين أن تنظر إلى القرار من داخله، وأن تنظر إليه من خارجه وفي امتداده الزمني. فالتفكير التكتيكي يسأل: ماذا تمنحني هذه الخطوة الآن؟ أما التفكير الاستراتيجي، وفق «منهج المعنى»، فيتجاوز هذا السؤال إلى ما هو أبعد: ماذا ستفعل هذه الخطوة بالخطوة التي ستأتي بعدها؟ وإلى أي مسار يمكن أن يقودني مجموع الخطوات عندما تتراكم نتائجها؟

قد يكون من السهل أن نحدد المنفعة المباشرة لفتح سفارة، أو توسيع الرحلات، أو إبرام اتفاقية اقتصادية، أو بناء علاقة مؤسساتية جديدة. لكن صعوبة التحليل تبدأ عندما نتوقف عن النظر إلى كل واحدة من هذه الخطوات باعتبارها غاية مستقلة، ونضعها داخل السلسلة التي تنتمي إليها. عندها يتغير السؤال: هل تؤدي هذه الخطوات، في مجموعها، إلى توسيع هامش الحركة أمام الدولة، أم إلى بناء شبكة من المصالح والالتزامات تجعل بعض الخيارات المستقبلية أكثر صعوبة؟ هل تفتح خيارات جديدة، أم أنها، في الوقت نفسه، تنتج التزامات جديدة؟ هل تمنح الدولة أوراقاً إضافية، أم تجعلها أكثر حرصاً على حماية الأوراق التي أصبحت تملكها، وبالتالي أكثر ارتباطاً بالمسار الذي أتاح لها امتلاكها؟

وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن ننتبه إليه: الخطوة لا تُقاس فقط بما تضيفه في لحظة اتخاذها، وإنما بما تفعله في بنية الخيارات بعد ذلك. فقد تحقق الدولة مكسباً فعلياً من خطوة معينة، لكن المكسب نفسه قد يغير البيئة التي ستتخذ فيها الخطوة التالية. وما كان في البداية مجرد وسيلة قد يتحول، بفعل ما أنشأه من مصالح، إلى جزء من المعادلة التي يجب الحفاظ عليها. وعندها لا تعود النتائج من الدرجة الثانية والثالثة مجرد امتداد بعيد للقرار، بل تصبح جزءاً من معناه الاستراتيجي منذ البداية.

ثامناً: حين يصبح النجاح نفسه مصدراً للقيد

ومن هنا يمكن فهم كيف يتحول النجاح التكتيكي أحياناً إلى قيد استراتيجي. فقد تحقق الدولة الهدف الذي أرادته من خطوة معينة، وتكون النتيجة، في ظاهرها، إيجابية ومباشرة. لكن تحقيق الهدف لا ينهي المسار؛ بل قد يكون هو اللحظة التي يبدأ فيها مسار جديد. تفتح السفارة، فتتوسع المصالح. تتوسع المصالح، فتظهر الحاجة إلى اتفاقيات تنظمها وتحميها. تُبرم الاتفاقيات، فتنشأ التزامات متبادلة. تتراكم الالتزامات، فتزداد كلفة إعادة النظر في العلاقة. وهكذا ينتقل القرار، من دون أن يتغير في جوهره، من أداة لتحقيق غرض محدد إلى مسار له منطقه الخاص.

ومع مرور الوقت، لا يعود الحفاظ على المسار مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل يصبح نفسه جزءاً من حسابات الدولة. وهنا يتغير السؤال بصورة هادئة ولكن عميقة. في البداية نسأل: ماذا نريد من هذا المسار؟ ثم، بعد أن تتراكم المصالح والالتزامات، يصبح السؤال: ماذا يتطلب منا الحفاظ على هذا المسار؟

وهذا التحول ليس مجرد لعبة لغوية. إنه يعبر عن انتقال حقيقي في طبيعة القرار: من استخدام المسار لتحقيق أهداف محددة إلى مراعاة مقتضيات المسار الذي نشأ عن ذلك الاستخدام. وكلما اتسعت المصالح المرتبطة به، أصبح التراجع عنه أكثر تعقيداً؛ ليس بالضرورة لأن الدولة فقدت قدرتها على اتخاذ القرار، وإنما لأن القرار الجديد سيصطدم بكلفة ما راكمه القرار السابق.

وهنا تظهر الغفلة الاستراتيجية في صورتها الأكثر دقة. ليست في أن الدولة أخطأت بالضرورة في تقدير الخطوة الأولى، وإنما في احتمال أنها لم تمنح ما يكفي من الانتباه لما ستفعله الخطوة الأولى بالثانية، وما ستفعله الثانية بالثالثة، وما سيصنعه مجموع هذه الخطوات في نهاية المطاف. فالمشكلة الاستراتيجية قد لا تكون في القرار منفرداً، وإنما في السلسلة التي يصنعها القرار عندما يصبح أساساً لقرارات لاحقة.

ومن هنا يصبح «منهج المعنى» ضرورياً مرة أخرى؛ لأنه لا يكتفي بقراءة كل خطوة في معناها المباشر، بل يبحث عن المعنى الذي يتولد من اجتماع الخطوات. فالقرار قد يكون واضحاً عندما نقف أمامه وحده، لكن المسار قد يكشف معنى آخر عندما نضع القرار إلى جانب ما سبقه وما يليه.

تاسعاً: كشف المستور… حين يصبح الظاهر أكثر دلالة من الخفي

ومن هنا أيضاً ينبغي فهم عبارة «كشف المستور» بعيداً عن معنى البحث عن اتفاق سري أو مؤامرة خلف الأبواب المغلقة. فما يحتاج إلى كشف في السياسة ليس دائماً شيئاً مخفياً عن الأنظار؛ أحياناً يكون المستور كامناً في أشياء ظاهرة أمام الجميع، لكننا لا نقرأها مجتمعة، ولا نسأل عن المعنى الذي يتولد من تراكمها.

إنه موجود في التوقيت، وفي المكان، وفي طبيعة الخطوات المتتابعة، وفي شبكة المصالح التي تنشأ عنها، وفي الالتزامات التي تتولد تدريجياً، وفي ردود الأفعال التي تستدعيها، وفي المسافة التي يمكن أن تنشأ بين المعنى الرسمي للقرار ومعناه داخل المجتمع.

فالبيان يخبرنا بما تقرر، لكنه لا يخبرنا وحده بما سيصبح عليه القرار بعد سنوات من تراكم آثاره. والاتفاقية تحدد ما التزم به الطرفان، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا كيف ستتفاعل تلك الالتزامات مع تغير الظروف. والرحلات المباشرة قد تعني انفتاحاً اقتصادياً وسياحياً، لكنها تعني، في الوقت نفسه، انتقال العلاقة من مستوى سياسي محدد إلى شبكة أوسع من العلاقات والمصالح التي تتداخل فيها المؤسسات والاقتصاد والمجتمع.

وهنا يصبح كشف المستور هو كشف المعنى المتولد من تراكم الظاهر. فما يبدو، إذا قرئ منفرداً، خطوة عادية أو منفعة محددة، قد يكتسب دلالة مختلفة تماماً عندما يوضع إلى جانب غيره. وليس المطلوب أن نفترض وجود شيء خفي وراء كل خطوة، وإنما أن ننتبه إلى أن الظاهر نفسه قد يخفي، بسبب تجزئته، معنى المسار الذي يصنعه.

وهذا هو جوهر «منهج المعنى»: أن ننتقل من قراءة الأشياء كما تظهر إلى قراءة ما تكشفه عندما توضع في سياقها. فالحدث لا يقول معناه كاملاً في لحظة وقوعه؛ أحياناً لا يظهر معناه إلا عندما نرى ما الذي أنشأه، وما الذي استدعاه، وما الذي أصبح ممكناً أو صعباً بعده.

عاشراً: الكلفة الحقيقية… حين تضيق قابلية إعادة التموضع

وعندما نجمع هذه المستويات معاً، تبدأ الكلفة الحقيقية للمسار في الظهور بصورة أكثر وضوحاً. هناك أولاً كلفة الارتباط الخارجي: فكلما تعمقت العلاقة وتشعبت مصالحها، أصبحت إعادة تعريفها أكثر حساسية. وهناك كلفة الفجوة الاجتماعية: فكلما توسعت العلاقة مؤسساتياً من دون أن يتوسع القبول بها اجتماعياً بالقدر نفسه، اتسعت المسافة بين السياسة الرسمية والمعنى الذي تستقبله داخل المجتمع. وهناك، فوق ذلك، كلفة فقدان المرونة الاستراتيجية: فكلما تراكمت المصالح والاتفاقيات والالتزامات، أصبح الانتقال من موقع إلى آخر أكثر تعقيداً وكلفة.

لكن هذه الكلف لا تعمل منفصلة؛ وإنما تتفاعل وتضاعف بعضها بعضاً. فالارتباط الخارجي قد يجعل التراجع أكثر حساسية، والفجوة الاجتماعية قد تجعل الاستمرار أكثر كلفة داخلياً، وضيق هامش إعادة التموضع قد يجعل الدولة، عندما تتغير الظروف، أمام خيارات أقل مما كانت تملكه قبل أن يتشكل المسار.

وهنا يعود «منهج المعنى» إلى السؤال الذي بدأ منه التحليل: ماذا يعني أن نختار مساراً اليوم إذا كانت كلفته الحقيقية لن تظهر إلا غداً؟ هل حُسبت فقط المنافع التي يمكن تحقيقها الآن، أم حُسبت معها كلفة الاعتماد الذي قد ينشأ لاحقاً؟ وكلفة التراجع إذا تغيرت الظروف؟ وكلفة تغير الحلفاء أو الأولويات؟ وكلفة اتساع الفجوة مع المجتمع؟ والأهم: هل حُسب احتمال أن تتحول الوسيلة التي اختيرت لتحقيق أهداف محددة إلى علاقة يصبح الحفاظ عليها، مع مرور الوقت، هدفاً قائماً بذاته؟

إذا كانت هذه الأسئلة قد دخلت فعلاً في صلب الحساب، فنحن أمام استراتيجية طويلة النفس يمكن مناقشة منطقها وحدودها على أساس واضح. أما إذا لم تدخل، فإن موضع الغفلة لا يكون في القرار الأول بالضرورة، وإنما في المسافة بين ما أراد القرار أن يحققه وبين ما قد ينتجه بعد ذلك.

وهنا تصبح المفارقة الاستراتيجية أكثر وضوحاً: قد تنجح الدولة في تحقيق هدفها الأول، لكن النجاح نفسه قد يخلق واقعاً جديداً يفرض عليها حسابات لم تكن موجودة قبل تحقيق ذلك الهدف. وبذلك قد يتحول النجاح من نهاية للمسار إلى بداية لمرحلة جديدة من الالتزامات.

الحادي عشر: السؤال الذي يسبق الحكم

وعندما نضع هذه المستويات كلها جنباً إلى جنب، يتضح أن المسألة لم تعد متعلقة بالقرار في لحظة اتخاذه، ولا بالمكسب الذي يمكن أن يحققه في بدايته، وإنما بما يفعله القرار ببيئته وبالقرارات التي ستأتي بعده. فكل خطوة تترك أثراً في الخطوة التالية، وكل مصلحة جديدة قد تنتج التزاماً جديداً، وكل التزام قد يعيد تشكيل هامش الحركة الذي ستتحرك فيه الدولة لاحقاً. ومن هنا، فإن قراءة المسار لا تكتمل بالنظر إلى ما أضافه في بدايته، بل بالنظر أيضاً إلى ما الذي أخذه معه من حرية الحركة كلما تقدم إلى الأمام.

وهنا تحديداً يعود منهجنا ليضع السؤال في موضعه الصحيح. فالمعنى ليس أن نعرف ما وقع فقط، وإنما أن نعرف إلى أين يقود ما وقع. وليس أن نقرأ القرار باعتباره حدثاً مكتفياً بذاته، وإنما باعتباره حلقة في سلسلة، تتأثر بما قبلها وتؤثر فيما بعدها. ولذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا ربحت الدولة من هذه الخطوة؟ بل ينبغي أن نضيف إليها، في اللحظة نفسها: ماذا أصبحت مطالبة بحمايته بسبب هذه الخطوة؟ وماذا أصبح أكثر صعوبة في إعادة النظر فيه؟ وماذا قد تصبح أقل قدرة على فعله غداً بسبب ما اختارت أن تفعله اليوم؟

وهنا بالضبط ينتقل التحليل من سؤال المنفعة إلى سؤال الحرية، ومن سؤال المكسب إلى سؤال الكلفة، ومن قراءة القرار كغاية إلى قراءته باعتباره بداية لمسار. وهذا هو الفارق بين أن تنظر إلى السياسة باعتبارها سلسلة من المكاسب المنفصلة، وأن تنظر إليها باعتبارها بناءً تتراكم داخله النتائج. فقد لا تكون المشكلة في أن الدولة ربحت من خطوة معينة، وإنما في أن هذا الربح نفسه غيّر شروط الخطوة التالية، ثم غيّر شروط التي بعدها، إلى أن يصبح المسار الذي بدأ اختياراً من بين خيارات متعددة واقعاً ينبغي حسابه في كل قرار لاحق.

ومن هنا أيضاً يصبح السؤال عن الشرعية الاجتماعية للقرار جزءاً من السؤال الاستراتيجي نفسه، لا موضوعاً منفصلاً عنه. فحين تتسع العلاقة مؤسساتياً بينما تظل الفجوة بينها وبين المعنى الذي تحمله داخل المجتمع واسعة، لا تختفي هذه الفجوة لمجرد أن المسار أصبح أكثر رسوخاً من الناحية القانونية أو المؤسساتية؛ بل قد تصبح، مع مرور الوقت، جزءاً من كلفته. ولذلك فإن الرفض الشعبي لا يمثل حكماً نهائياً على المسار، لكنه يظل إشارة إلى بيئته الاجتماعية، وإلى أحد الشروط التي سيضطر المسار إلى العمل داخلها. وكلما تجاهلت الاستراتيجية هذه الإشارة، ازدادت الحاجة إلى السؤال عما إذا كانت الكلفة التي لم تدخل في الحساب الأول ستظهر لاحقاً في مكان آخر.

وعند هذه النقطة، تتجمع خيوط التحليل كلها في سؤال واحد: هل يظل القرار قادراً على استخدام المسار الذي أطلقه، أم يبدأ المسار نفسه في إعادة تشكيل ما تستطيع الدولة فعله وما يصعب عليها فعله؟ فإذا كانت الدولة قادرة، في كل مرحلة، على إعادة تقييم مصالحها وإعادة تعريف علاقتها وإعادة ترتيب أولوياتها دون أن تتحول المصالح المتراكمة إلى قيود، فإننا نكون أمام مسار يحتفظ بدرجة معتبرة من المرونة. أما إذا أصبح التراجع أو إعادة التموضع أكثر كلفة كلما تقدم المسار، فهنا لا يعود كافياً أن نقيس ما تحقق، بل يجب أن نقيس أيضاً ما الذي ضاق من هامش الخيارات بسبب ما تحقق.

خاتمة: حين يتحول المسار إلى مأزق استراتيجي

في النهاية، لا تكمن المسألة في إنكار أن هذا القرار قد استجاب، في لحظة اتخاذه، لحسابات رأت فيها الدولة خدمةً لمصالح البلاد وتوسيعاً لهامش حركتها. فالقرارات الاستراتيجية لا تُتخذ في فراغ، وما يبدو اليوم محفوفاً بالكلفة قد يكون، عند لحظة اتخاذه، استجابةً لضرورات واعتبارات بدت للدولة ملحّة ومشروعة.

لكن الحكم على القرار لا يتوقف عند دوافعه الأولى ولا عند مكاسبه المباشرة. فالقرار الاستراتيجي يُقاس أيضاً بما يصنعه بعد اتخاذه، وبالبيئة التي يخلقها، وبالالتزامات التي يراكمها، وبالخيارات التي يفتحها أو يغلقها مع مرور الزمن.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة: المسار لم يعد مجرد أداة في يد الدولة؛ لقد أصبح مأزقاً استراتيجياً.

فما بدأ كخيار لتوسيع هامش الحركة وإنتاج مكاسب محددة، أخذ، مع تراكم العلاقات والمصالح والالتزامات، يعيد تشكيل هامش الحركة نفسه. وكلما تعمق المسار، ازدادت كلفة إعادة النظر فيه، وأصبحت الدولة مطالبة ليس فقط بإدارة نتائجه، وإنما بحماية شبكة المصالح التي نشأت حوله. وهكذا يتحول الخيار تدريجياً من وسيلة لتحقيق المصلحة إلى واقع يفرض على الدولة حسابات جديدة.

وهذا هو جوهر المأزق: أن تصبح كلفة الاستمرار في المسار مرتفعة، من دون أن يصبح الخروج منه أقل كلفة. فالتراجع لا يعيد الدولة إلى نقطة البداية، لأن السنوات التي انقضت تكون قد أنتجت مصالح والتزامات وتوقعات جديدة؛ والاستمرار لا يبقي الوضع على حاله، لأنه يضيف إلى تلك المصالح والالتزامات طبقات أخرى من الارتباط. وفي الحالتين، تضيق مساحة المناورة التي كانت الدولة تملكها عند لحظة اتخاذ القرار.

ولا يتوقف المأزق عند المجال الخارجي. فالمسار أوجد، إلى جانب ارتباطاته الدولية، تناقضاً داخلياً لا يمكن إخراجه من الحساب الاستراتيجي. وكلما اتسعت الفجوة بين المسار الذي تتبناه مؤسسات الدولة وبين المعنى الذي يحمله داخل جزء واسع من المجتمع، تحولت إدارة هذه الفجوة نفسها إلى كلفة. وهنا لا تعود الدولة تدير علاقة خارجية فحسب، وإنما تدير في الوقت نفسه آثارها السياسية والاجتماعية داخل البلاد.

وهذا التداخل بين الخارجي والداخلي هو ما يجعل المأزق أكثر عمقاً. فالدولة مطالبة بالحفاظ على مسار ترتبط به مصالح خارجية متزايدة، وفي الوقت نفسه بإدارة تناقضات داخلية يمكن أن تتسع كلما ترسخ المسار. وكلما أصبح المسار أكثر تجذراً في مؤسسات الدولة وعلاقاتها ومصالحها، أصبح تعديل اتجاهه أكثر صعوبة، وأصبح ثمن إعادة النظر فيه أعلى.

ومن هنا تتضح «الغفلة الاستراتيجية» في معناها الحقيقي. المشكلة ليست أن الدولة لم تحسب شيئاً، وإنما أن الحساب الاستراتيجي لا يجوز أن يتوقف عند النتائج الأولى. فالمكسب ينتج ارتباطاً، والارتباط ينتج التزاماً، والالتزام ينتج قيداً، والقيد يصبح، في بيئة دولية أو داخلية متغيرة، كلفةً استراتيجية. وما لم يُحسب هذا التسلسل منذ البداية، فإن الدولة لا تكون قد أخطأت في تقدير نتيجة واحدة فحسب، بل تكون قد أغفلت المسار الذي ستأخذه النتائج نفسها.

وهنا يصل «كشف المستور» إلى جوهره: المستور ليس اتفاقاً خفياً ولا نية غير معلنة، وإنما الكلفة التي لا تظهر في لحظة اتخاذ القرار، ثم تظهر عندما يصبح التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

لذلك فإن الحكم النهائي على المسار لا ينبغي أن يتوقف عند ما حققه من منافع في مرحلته الأولى. نعم، قد يكون قد خدم مصالح محددة في سياقه الأول، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن تراكم نتائجه وضع الدولة أمام معادلة استراتيجية أكثر ضيقاً وتعقيداً. لقد انتقل المسار من كونه خياراً إلى كونه التزاماً، ومن كونه التزاماً إلى كونه قيداً، ومن كونه قيداً إلى مأزق استراتيجي.

وهذا المأزق ليس عارضاً ولا مرتبطاً بواقعة منفردة؛ إنه ناتج عن بنية المسار نفسها: كلما تعمق، تراكمت المصالح المرتبطة به، وكلما تراكمت المصالح، ارتفعت كلفة الخروج منه، وكلما ارتفعت كلفة الخروج، أصبح الاستمرار فيه أكثر إلزاماً، حتى عندما تتغير الظروف التي جعلت اختياره مفهوماً في البداية.

ومن هنا يصبح السؤال الذي يتركه «منهج المعنى» أكثر حسماً من السؤال الذي بدأنا منه. ليس: ماذا حقق المسار؟ فقد أمكن قياس بعض مكاسبه. وليس: لماذا اختير؟ فقد أمكن فهم جانب من حساباته. وإنما:

ماذا فعل المسار بالمغرب؟

والجواب الذي تقود إليه هذه القراءة واضح: لقد أضاف إلى الدولة، إلى جانب بعض المكاسب التي استهدفتها عند البداية، شبكةً من الالتزامات والتناقضات والكلف تجعل الخروج منه أكثر صعوبة، والاستمرار فيه أكثر ارتباطاً بحسابات لم تكن قائمة بالصيغة نفسها عند اتخاذ القرار.

وهنا تحديداً يصبح المسار مأزقاً استراتيجياً.

فالمشكلة ليست أن المغرب اتخذ قراراً صعباً، ولا أن القرار كان بلا منطق في لحظته التاريخية، وإنما أن المسار الذي خرج من ذلك القرار لم يعد خاضعاً بالكامل للمنطق الذي أنتجه أول مرة. لقد بدأ كأداة تستخدمها الدولة، ثم أصبح واقعاً يتعين على الدولة أن تتكيف معه، إلى أن باتت الدولة نفسها مطالبةً بحساب كلفة خياراتها انطلاقاً من مقتضيات هذا المسار.

ولهذا فإن السؤال الأخير ليس: من يستخدم المسار؟

بل إن الإجابة أصبحت هي لبّ الخاتمة:

الدولة هي التي اختارت المسار، لكنها لم تعد تملك تجاهه الحرية نفسها التي امتلكتها عند اختياره.

وهذه هي المفارقة الاستراتيجية التي ينبغي أن تُقرأ بجدية: قرار اتُّخذ لخدمة المصلحة الوطنية في الحاضر انتهى إلى صناعة مأزق استراتيجي للمستقبل؛ مسارٌ كان يفترض أن يوسّع خيارات الدولة أصبح يفرض عليها خيارات، ومكسبٌ صُمم ليزيد قدرتها على الحركة بدأ يرفع كلفة حركتها.

وهكذا، فإن المسار الذي اختير في لحظةٍ ما لتوسيع خيارات الدولة وخدمة مصالحها، انتهى إلى تضييق هامش حركتها وتراكم التزاماتها وإنتاج تناقضات داخلية وخارجية يصعب احتواؤها. وبذلك لم يعد هذا المسار مجرد خيار استراتيجي للمغرب، بل أصبح مأزقاً استراتيجياً يفرض كلفته على الدولة كلما مضت فيه أبعد

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;