حين يصبح الصمت خطراً: أين اختفت النخبة المغربية ولماذا تُرك المجال العام للضجيج؟

بقلم: د. محمد السنوسي (*)

الإشكالية الكبرى ليست، في تقديري، مجرد السؤال عن: أين اختفت النخبة المغربية؟ فهذا السؤال يفترض، ضمناً، أن المشكلة تكمن في غياب أشخاص كان يفترض أن يكونوا حاضرين. أما السؤال الأكثر إزعاجاً فهو: كيف وصلنا إلى لحظة لم تعد فيها المعرفة تضمن لصاحبها حضوراً في المجال العام، بينما يكفي الضجيج أحياناً لفرض الحضور والتأثير؟

فثمة أسئلة لا تكمن خطورتها في صعوبة الإجابة عنها، بقدر ما تكمن في أننا نتوقف، مع مرور الوقت، عن طرحها أصلاً. وثمة أزمات لا تبدأ بالضرورة حين تفشل المؤسسات أو تختل الأوضاع، وإنما قد تبدأ في وقت أبكر بكثير؛ حين يفقد المجتمع قدرته على النظر إلى نفسه، وعلى رؤية مكامن ضعفه، وعلى التمييز بين ما يبدو طارئاً وما يخفي وراءه تحولاً أعمق. وعندما تتراجع هذه القدرة، لا يترك المجال العام فراغاً ينتظر المعرفة كي تملأه، بل سرعان ما تستولي عليه الأصوات الأسرع والأكثر ثقة، وتلك التي تتقن إنتاج اليقين السهل والأحكام الجاهزة، حتى وإن كانت أقل قدرة على الفهم وأبعد عن استيعاب تعقيدات الواقع. وهنا لا تكمن المشكلة في ارتفاع صوت هذه الأصوات بقدر ما تكمن في استعداد المجال العام لمنحها سلطة التأثير قبل أن يطالبها بسلطة المعرفة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يطاردنا اليوم ليس ببساطة: أين اختفت النخبة المغربية؟ فهذا السؤال، على أهميته، قد يقودنا إلى إجابة سطحية تختزل المسألة في غياب أشخاص أو تراجع حضورهم. أما السؤال الأعمق فهو: ماذا حدث للمجال العام نفسه حتى أصبح الصوت الأعلى ليس بالضرورة الصوت الأكثر معرفة، وأصبح صاحب الفكرة الجادة يتردد في الكلام، بينما يستطيع صاحب اليقين السريع أن يتحدث بلا نهاية؟

ربما هنا تحديداً تكمن المفارقة التي ينبغي تفكيكها: ليس فقط أن المعرفة تراجعت أمام الضجيج، بل أن امتلاك المعرفة نفسها قد أصبح، في بعض الأحيان، سبباً إضافياً للتردد؛ لأن من يعرف تعقيد الواقع يدرك حدود اليقين، ويعرف أن لكل موقف كلفة، ولكل قرار آثاراً غير مرئية، ولكل إجابة أسئلة أخرى لا تقل أهمية عنها. أما من لا يرى إلا الوجه الأول للمسألة، فقد لا يجد ما يدفعه إلى التردد. وهكذا يصبح المجال العام مهدداً بمفارقة خطيرة: كلما ازداد الإنسان وعياً بتعقيد الواقع، أصبح أكثر حذراً في الكلام؛ وكلما قلّ وعيه بهذا التعقيد، أصبح أكثر استعداداً للحديث بثقة.

  1. من سؤال النخبة إلى أزمة المجال العام

هنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فالمغرب لا يعاني من ندرة في العقول، ولا من غياب الخبرات، ولا من انعدام التجارب المتراكمة في الإدارة والاقتصاد والدبلوماسية والقانون والإعلام والجامعة ومختلف مجالات الحياة العامة. ما يبدو أكثر إشكالاً هو الفجوة التي اتسعت بين هذه المعرفة وبين المجال العام؛ أي بين من يملكون القدرة على الفهم والتحليل وبين فضاء يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى من يشرح له ما يحدث، ولماذا يحدث، وما الذي يمكن أن يترتب عليه غداً.

وهذا فرق جوهري. فامتلاك المعرفة شيء، وتحويلها إلى قوة مجتمعية واستراتيجية شيء آخر. قد تكون لدى الدولة مؤسسات وخبرات وبيانات وتقارير، وقد يكون لدى المجتمع عدد كبير من المتخصصين، لكن السؤال يبقى: هل توجد القنوات التي تسمح لهذه المعرفة بأن تتحول إلى نقاش عام ناضج، وإلى إنذار مبكر، وإلى تصحيح للمسار قبل أن يصبح الخطأ أكثر كلفة؟

هنا تحديداً تبدأ أزمة المجال العام.

فنحن لا نعاني من قلة الكلام، بل ربما من فائضه. الجميع تقريباً يتحدث، والجميع يملك موقفاً، والجميع يستطيع أن يصدر حكماً سريعاً. لكن بين كثرة الكلام وقوة التفكير مسافة كبيرة. لقد أصبحنا نعيش في زمن أسرع من قدرتنا على التأمل؛ عنوان يختصر قضية معقدة، ومقطع قصير يتحول إلى تفسير كامل، وانطباع عابر يصبح حكماً نهائياً، ثم تتراكم هذه الانطباعات حتى تبدو وكأنها حقيقة مستقرة.

المشكلة هنا ليست في التكنولوجيا وحدها، ولا في وسائل التواصل وحدها، وإنما في الطريقة التي بدأنا نتعامل بها مع المعرفة نفسها. فقد أصبح الانتشار أحياناً معياراً ضمنياً للقيمة، وأصبح صاحب المنصة الواسعة أكثر حضوراً من صاحب الاختصاص، وأصبح الواثق من رأيه أكثر تأثيراً من الذي يعترف بأن المسألة تحتاج إلى مزيد من البحث. وهكذا تنشأ مفارقة شديدة الدلالة: كلما ازداد الواقع تعقيداً، ازداد المجال العام ميلاً إلى تبسيطه.

لكن التبسيط ليس دائماً خطأ. المشكلة تبدأ عندما يتحول التبسيط إلى إلغاء للتعقيد، وعندما يصبح السؤال الذي يحتاج إلى عشرة احتمالات جواباً من كلمتين، وعندما يصبح التردد المنهجي علامة ضعف، بينما تتحول الثقة المطلقة إلى دليل مزعوم على القوة.

  •  النخبة وصناعة المعنى المؤسِّس

وهنا يظهر دور النخبة، لا باعتبارها طبقة اجتماعية أو مجموعة من الأسماء المتداولة في وسائل الإعلام، ولا باعتبارها حاملي شهادات أو أصحاب مناصب ومواقع نفوذ، وإنما باعتبارها قوة منتجة للمعنى المؤسِّس.

فالنخبة، بهذا المعنى، هي تلك القدرة الفكرية والأخلاقية التي لا تكتفي بقراءة الواقع كما هو، بل تسهم في تحديد كيف ينبغي أن نفهمه، وإلى أي اتجاه ينبغي أن نتحرك داخله، وما القيم والأولويات التي تستحق أن تُبنى عليها الخيارات العامة. إنها لا تستهلك المعنى الجاهز، ولا تكتفي بتفسير الأحداث بعد وقوعها، وإنما تسعى إلى تأسيس المعنى الذي يسمح للمجتمع بأن يفهم نفسه، ويفهم موقعه، ويستشرف ما ينتظره.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للنخبة لا تكمن في قدرتها على إنتاج الإجابات السريعة، وإنما في قدرتها على إنتاج الأسئلة المؤسسة؛ الأسئلة التي تكشف ما وراء الحدث، وتربط الوقائع المتفرقة في سياق واحد، وتحوّل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى بوصلة، والبوصلة إلى قدرة على الفعل.

النخبة، بهذا التعريف، هي التي تستطيع أن تقول للمجتمع: هذا ما يحدث، وهذا ما يعنيه، وهذه هي الاحتمالات التي ينبغي أن نستعد لها. وهي التي تستطيع، في اللحظة التي تختلط فيها الأصوات والمعاني، أن تعيد ترتيب الأولويات، وأن تميز بين ما هو عابر وما هو بنيوي، وبين ما يستحق القلق وما يستحق الاستعداد، وبين الأزمة التي ينبغي احتواؤها والتحول الذي ينبغي إعادة بناء السياسات على أساسه.

لذلك فإن النخبة لا تُقاس بعدد المنابر التي تمتلكها، ولا بعدد المرات التي تظهر فيها، وإنما بقدرتها على كشف معنى قادر على أن يؤسس وعياً عاماً، وأن يمنح المجتمع لغة لفهم تحولاتـه، وأن يفتح أمام الدولة والمجتمع معاً أفقاً للفعل قبل أن يتحول الاحتمال إلى واقع.

ومن هنا أيضاً، فإن وظيفة النخبة ليست أن تجعل الجميع مرتاحين.

بل ربما تكون وظيفتها، في لحظات التحول الكبرى، أن تفعل العكس تماماً: أن تزعج اليقين حين يصبح اليقين خطراً، وأن تقلق الراحة حين تتحول الراحة إلى غفلة، وأن تطرح السؤال الذي لا يريد أحد طرحه، لا بحثاً عن الصدام، وإنما حمايةً للمعنى، وتصحيحاً للاتجاه، واستباقاً لما قد يأتي.

فالنخبة التي تكتفي بإنتاج الخطاب قد تملأ المجال العام بالكلمات، لكنها لا تؤسس فيه شيئاً. أما النخبة التي تنتج المعنى المؤسِّس، فهي التي تتجاوز وصف الواقع إلى المساهمة في تشكيل الوعي به؛ تساعد المجتمع على أن يفهم ليس فقط ماذا يحدث، وإنما لماذا يحدث، وما الذي يعنيه، وإلى أين يمكن أن يقود، وعلى أي أساس ينبغي أن تُبنى الخيارات.

ومن هنا، فإن وظيفة النخبة ليست أن تمنح المجتمع مزيداً من الإجابات الجاهزة، بقدر ما هي أن تمنحه القدرة على طرح الأسئلة التي تفتح أفقاً جديداً للفهم. وظيفتها أن تجعل الجميع أكثر وعياً، لا أكثر اطمئناناً؛ أن تتدخل في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء واضحاً لتقول: تمهلوا، فالمسألة أعقد مما تبدو. أن تنبه المؤسسة إلى النقطة العمياء التي قد لا تراها من داخل موقعها، وأن تقول للمجتمع إن بعض مخاوفه قد تكون مبالغاً فيها، بينما توجد مخاوف أخرى لم تحظ بعد بما يكفي من الانتباه. وأن تذكّر صاحب القرار بأن القرار قد يكون صائباً من زاوية، لكنه يحمل كلفة من زاوية أخرى، وأن ما يبدو اليوم خياراً ناجحاً قد يخلق غداً تحديات لم تكن في الحسبان. وباختصار، أن تذكّر الجميع بأن المستقبل لا يأتي دائماً بالصورة التي نتوقعها.

وهذه الوظيفة، بطبيعتها، ليست مريحة. فالنخبة التي تؤسس للمعنى لا تكتفي بأن تعكس ما هو قائم، وإنما تضعه تحت السؤال؛ ولذلك فهي تصطدم حتماً باليقين السائد، وتزعج أحياناً راحة المؤسسة، وتقلق أحياناً تصورات المجتمع، وتضطر إلى قول ما قد لا يرغب كثيرون في سماعه. وربما كان هذا تحديداً أحد أسباب تراجع بعض الأصوات الجادة عن المجال العام.

فالخبير يعرف أن الفكرة المركبة تحتاج إلى سياق حتى تُفهم، وأن جملة واحدة يمكن أن تُقتطع من سياقها فتتحول إلى موقف آخر، وأن تحليلاً يستند إلى سنوات من البحث قد يختزل في عنوان مبتور أو حكم سريع، وأن موقفاً يحتمل أكثر من تفسير قد يُدفع به إلى خانة جاهزة: مع أو ضد، مؤيد أو معارض، متفائل أو متشائم. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الظهور في المجال العام أكثر كلفة بالنسبة إلى من يعرف تعقيد الأشياء، بينما يصبح أكثر سهولة لمن يجيد اختزالها.

وهكذا قد يجد الأكاديمي أو المثقف أو الخبير نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما كان أكثر وعياً بتعقيد الواقع، أصبح أكثر حذراً في الكلام؛ وكلما كان أقل وعياً بهذا التعقيد، أصبح أكثر استعداداً للحديث بثقة. فيختار بعض أصحاب المعرفة البقاء داخل دوائرهم المهنية، أو يفضلون الحديث في مساحات أكثر أمناً، بينما تترك الساحة العامة، شيئاً فشيئاً، لمن يملك جرأة الظهور أكثر مما يملك أدوات التحليل.

وهنا لا يعود السؤال فقط: لماذا صمتت النخبة؟

بل يصبح السؤال الأعمق: ما الذي حدث لمجالنا العام حتى أصبح امتلاك المعرفة سبباً للتردد، بينما أصبح امتلاك الجرأة على الكلام كافياً لاحتلال المشهد؟

لكن هنا ينبغي ألا تتحول النخبة إلى ضحية دائمة.

فالانسحاب، مهما كانت أسبابه مفهومة، له ثمن.

لأن المجال العام لا يعرف الفراغ. إذا انسحب أصحاب المعرفة، سيأتي آخرون لملء المساحة. وإذا غاب الخبير، سيظهر من يقدم نفسه بوصفه خبيراً. وإذا غابت الحجة، ستأتي الرواية. وإذا غاب التحليل، سيحل الانطباع محله. وإذا لم يشرح أصحاب الاختصاص الواقع، فسيقوم آخرون بشرحه وفق أدواتهم ومصالحهم وتصوراتهم.

وهنا تصبح المعادلة شديدة البساطة والخطورة في آن واحد: الضجيج لا ينتصر دائماً لأنه أقوى من المعرفة، بل قد ينتصر لأن المعرفة قررت أن تصمت.

ومع ذلك، فإن تحميل النخبة وحدها مسؤولية هذا الوضع سيكون ظلماً للواقع. فالمجتمع نفسه جزء من المشكلة. عندما يصبح كل خبير متعالياً، وكل صاحب رأي مختلف مشبوهاً، وكل ناقد عدواً، وكل فكرة معقدة تبريراً، فإننا لا نبني مجالاً عاماً صحياً. وعندما يصبح كل مسؤول موضع اتهام مسبق، وكل مؤسسة مطالبة بإثبات براءتها قبل أن نتفهم طبيعة عملها، فإننا لا ننتج نقداً مسؤولاً، بل ننتج بيئة لا تستطيع فيها الحقيقة أن تجد مكاناً مستقراً.

وفي الاتجاه المقابل، فإن اختزال الوطنية في الموافقة الدائمة لا يخدم الدولة ولا المجتمع. الوطنية لا تعني الصمت عن الأخطاء، كما أن النقد لا يعني بالضرورة معاداة المؤسسات. الدولة التي لا تسمع إلا ما يريحها تفقد جزءاً من قدرتها على رؤية نقاط ضعفها، والمجتمع الذي لا يحتمل إلا الرأي الذي يوافقه يفقد جزءاً من قدرته على التفكير.

المعادلة الأكثر نضجاً هي أن تكون هناك مؤسسات قوية بما يكفي لسماع النقد، ونخبة مسؤولة بما يكفي لممارسة النقد، ومجتمع ناضج بما يكفي للتمييز بين النقد الجاد والضجيج.

  • من ضجيج المجال العام إلى التفكير الاستراتيجي

وهنا نقترب من البعد الاستراتيجي للمسألة.

لقد تغير مفهوم الأمن نفسه. لم يعد الأمن مجرد حماية الحدود أو مواجهة التهديدات التقليدية. أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة المجتمع على التمييز بين المعلومة والتضليل، وبين التحذير والتهويل، وبين الخلاف المشروع ومحاولات الاستقطاب، وبين النقد الذي يساعد على تصحيح المسار والخطاب الذي لا ينتج سوى مزيد من التوتر.

إن المجتمع الذي لا يمتلك مناعة معرفية يكون أكثر هشاشة أمام الأزمات، مهما كانت قوة مؤسساته. لأن الأزمات الحديثة لا تأتي دائماً في صورة دبابة أو حرب أو انهيار مفاجئ؛ قد تأتي في صورة معلومة مضللة، أو فقدان للثقة، أو استقطاب اجتماعي، أو موجة هلع، أو خطاب ينجح في تحويل مشكلة محدودة إلى أزمة شاملة.

ومن هنا تصبح المعرفة جزءاً من الأمن، ويصبح التفكير النقدي جزءاً من المناعة الوطنية.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع المجال العام المغربي أن ينتقل من سؤال مع من أنت؟ إلى سؤال ما حجتك؟

الفارق بين السؤالين هائل.

الأول يبحث عن الولاء قبل الفكرة، والثاني يبحث عن الفكرة قبل الحكم على صاحبها. الأول يدفع الناس إلى الاصطفاف، والثاني يدفعهم إلى التفكير. الأول يجعل النقاش اختباراً للهوية، والثاني يحوله إلى اختبار للحجة والدليل.

ولعل جزءاً من أزمة النخبة يبدأ من هنا. عندما يصبح كل اختلاف امتحاناً للانتماء، يصبح الصمت خياراً مفهوماً. لكن الصمت، وإن كان مريحاً في لحظته، لا يحل المشكلة. إنه يؤجلها فقط.

فالمجال العام الذي لا يستطيع استقبال الاختلاف المسؤول يتحول تدريجياً إلى مجال فقير فكرياً، مهما بدا صاخباً.

وهذه ربما إحدى أكثر المفارقات إيلاماً: قد تكون الساحة ممتلئة بالأصوات، لكنها فقيرة في الحوار.

فالحوار ليس أن يتحدث الجميع.

الحوار أن يستطيع كل طرف أن يسمع الآخر، وأن يراجع حجته، وأن يعترف بما لا يعرفه، وأن يقبل احتمال أن يكون مخطئاً.

وهذه الثقافة لا يمكن أن تُفرض بقرار إداري. إنها تحتاج إلى بناء طويل يبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام وينتهي بالمؤسسات والمجتمع المدني والمنصات الرقمية.

نحتاج إلى مجتمع لا يعتبر قول “لا أعرف” علامة ضعف، بل علامة أمانة فكرية. نحتاج إلى خبير يستطيع أن يشرح دون أن يتعالى، وإلى صحفي يسأل دون أن يحول السؤال إلى اتهام، وإلى مسؤول يشرح دون أن يعتبر كل سؤال تشكيكاً، وإلى مواطن يعرف أن المعلومة تحتاج إلى تحقق قبل أن تتحول إلى موقف.

نحتاج، باختصار، إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها أصبحت نادرة: أن التفكير مسؤولية.

وهنا تحديداً ينبغي أن تعيد النخبة النظر في علاقتها بالمجتمع.

لا يمكنها أن تشتكي من هيمنة الضجيج ثم ترفض النزول إلى الساحة التي يصنع فيها الضجيج تأثيره. ولا يمكنها أن تقول إن المجتمع لا يفهم، ثم تواصل الحديث بلغة لا تصل إليه. ولا يمكنها أن تطالب بالاحترام لأنها تحمل المعرفة، بينما ترفض هي نفسها أن تشرح هذه المعرفة بلغة مفهومة.

النخبة ليست برجاً عاجياً.

إنها وظيفة اجتماعية.

والخبير الذي لا يستطيع نقل معرفته إلى المجال العام يترك جزءاً من وظيفته شاغراً.

لكن المجتمع أيضاً مطالب بأن يغير علاقته بهذه النخبة. ليس كل ما هو معقد فارغاً، وليس كل ما هو بسيط صحيحاً، وليس كل من يملك إجابة سريعة يملك جواباً صحيحاً.

ربما نحتاج إلى أن نتعلم من جديد كيف نصغي.

أن نمنح الفكرة وقتها.

أن نقرأ قبل أن نحكم.

أن نسأل عن المصدر.

أن نفرق بين المعلومة والتفسير.

وأن نقبل أن بعض الأسئلة لا تملك جواباً نهائياً.

هذه ليست ثقافة نخبوية.

هذه ثقافة مجتمع يريد أن يكون قادراً على حماية نفسه من التلاعب والارتباك.

ومن هنا، فإن الحديث عن النخبة المغربية يتجاوز الحديث عن مجموعة من المثقفين أو الخبراء، ليصبح حديثاً عن قدرة المجتمع كله على إنتاج تفكير استراتيجي ينطلق من المعنى المؤسِّس؛ أي من القدرة على فهم التحولات في عمقها، وربط الوقائع بسياقاتها، وتحويل المعرفة إلى رؤية تمنح المجتمع بوصلة لفهم موقعه وتحديد أولوياته واستشراف اتجاهات المستقبل.

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تعرف كيف تظهر.

يحتاج إلى أصوات تعرف كيف تفكر.

ولا يحتاج إلى نخبة تصفق لكل شيء، ولا إلى نخبة ترفض كل شيء، وإنما إلى نخبة تستطيع أن تميز بين ما يستحق الدعم وما يحتاج إلى التصحيح، وبين الخطر الحقيقي والخطر المتوهم، وبين المشكلة العابرة والتحول الذي قد يعيد تشكيل المستقبل.

وهذا يتطلب شجاعة.

لكن الشجاعة هنا ليست في رفع الصوت.

الشجاعة الحقيقية هي أن تقول ما تعتقد أنه صحيح، وأن تملك الأدلة التي تسند كلامك، وأن تقبل أن تُراجع، وأن تغير موقفك عندما تتغير المعطيات.

هذه هي الثقافة التي تحتاجها الدول عندما تدخل مناطق التحول.

لأن المستقبل لا يكافئ دائماً الأكثر صراخاً.

بل يكافئ، في كثير من الأحيان، من استطاع أن يرى التغيير قبل أن يصبح واضحاً للجميع.

ولهذا فإن السؤال عن النخبة ليس سؤالاً عن الماضي.

إنه سؤال عن المستقبل.

أي نوع من المجال العام نريد؟

مجالاً تُقاس فيه قوة الفكرة بعدد المشاركات؟

أم مجالاً تُقاس فيه بقدرتها على تفسير الواقع؟

مجالاً يصبح فيه صاحب الصوت الأعلى أكثر تأثيراً؟

أم مجالاً يستطيع فيه صاحب المعرفة أن يصل إلى الناس؟

مجالاً يخاف فيه المسؤول من السؤال؟

أم مجالاً يرى فيه السؤال فرصة لاكتشاف نقطة عمياء؟

ومجتمعاً يعتبر النقد تهديداً؟

أم مجتمعاً يفهم أن النقد المسؤول قد يكون أحد أشكال الحماية؟

هذه الأسئلة لا تملك إجابة جاهزة.

لكن عدم الإجابة عنها هو في حد ذاته قرار.

فإذا تركنا المجال العام يتشكل تلقائياً وفق منطق السرعة والإثارة والاستقطاب، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح الضجيج أكثر تأثيراً من المعرفة.

وإذا تركنا أصحاب الاختصاص ينسحبون لأنهم تعبوا من سوء الفهم، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يملأ الفراغ من لا يملك أدواتهم.

وإذا جعلنا الاعتراف بالمشكلة أكثر كلفة من إنكارها، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما تتراكم المشكلات بصمت.

لهذا ربما تكون المعركة الحقيقية التي ينبغي أن نخوضها اليوم ليست مع الضجيج نفسه.

فالضجيج سيبقى.

وليست مع وسائل التواصل.

فهي ستتطور أكثر.

وليست مع اختلاف الناس.

فالاختلاف جزء طبيعي من المجتمع.

المعركة الحقيقية هي من أجل استعادة قيمة الصوت الذي يعرف لماذا يتكلم.

الصوت الذي لا يحتاج إلى الصراخ كي يُسمع.

الصوت الذي لا يخشى أن يقول: لا أعرف.

الصوت الذي يستطيع أن يقول للمؤسسة: هنا نقطة ضعف.

وللمجتمع: هنا مبالغة.

وللنخبة: هنا تقصير.

ولنفسه: ربما كنت مخطئاً.

ذلك الصوت هو ما نحتاج إليه.

لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضاً بقدرتها على اكتشاف نقاط ضعفها قبل أن تصبح حدوداً جديدة للأزمة.

ولأن المجتمعات لا تصبح أكثر مناعة بكثرة الكلام، وإنما بقدرتها على التمييز بين الكلام الذي يملأ الوقت والكلام الذي يصنع الفهم.

وربما لذلك كله فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس:

أين اختفت النخبة المغربية؟

بل سؤال أكثر إزعاجاً:

ماذا فعلنا حتى أصبح صاحب المعرفة يتردد في الكلام، بينما لا يتردد صاحب الضجيج في احتلال المشهد؟

فإذا لم نجد جواباً عن هذا السؤال، فقد لا تكون المشكلة أن النخبة اختفت.

قد تكون المشكلة أننا لم نعد نملك المجال الذي تستطيع فيه أن تظهر.

وهذه، في النهاية، ليست أزمة نخبة فقط.

إنها أزمة مجال عام، وأزمة ثقافة، وربما قبل ذلك كله أزمة ثقة في قيمة التفكير نفسه.

وحين تصبح قيمة التفكير موضع شك، يصبح الصمت أخطر من الكلام.

لأن من يعرف قد يصمت.

أما من لا يعرف، فلا يجد سبباً للصمت.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.