سكيزوفرينيا الإنسان وثورة المعنى

من إنسان تحجبه المعاني إلى إنسان ينكشف له المعنى

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مقدمة: حين تصبح وفرة الوسائل أزمة في الغايات

كلما اتسعت قدرة الإنسان على تغيير العالم، ازداد ارتباكه بشأن العالم الذي ينبغي له أن يبنيه. لقد أصبح يمتلك من الأدوات والمعارف والتقنيات والموارد ما لم يمتلكه الإنسان في أي مرحلة سابقة من التاريخ، لكنه، على نحوٍ مفارق، لم يصبح أكثر يقينًا بشأن السؤال الذي يسبق كل هذه القدرة: إلى أين؟ ولماذا؟»

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

فأزمة الإنسان المعاصر ليست، في جوهرها، أزمة نقص في المعلومات، ولا عجزًا عن امتلاك الأدوات، ولا حتى غيابًا مطلقًا للمعنى. فالإنسان لا يعيش يومًا خارج المعنى؛ إنه يعيش دائمًا داخل منظومة من القيم والتصورات والمعتقدات والرغبات، بعضها اختاره بوعي، وبعضها ورثه، وبعضها تسلل إليه عبر الأسرة والمجتمع والسوق والإعلام والمؤسسات والخوارزميات. وهذه المعاني تحدد له، بصورة ظاهرة أو خفية، ما الذي يستحق أن يطلبه، وما الذي ينبغي أن يخشاه، وما الذي يعتبره نجاحًا أو فشلًا، وما يراه ممكنًا أو مستحيلًا، عادلًا أو ظالمًا، ضروريًا أو هامشيًا.

لكن الخطر يبدأ حين تتحول المعاني من نوافذ نرى من خلالها العالم إلى جدران تحجب عنا العالم.

فالمشكلة ليست أن الإنسان يعيش داخل معنى، وإنما أن يعيش داخل معانٍ متعارضة تحجبه عن المعنى المؤسس الذي يمنح لحياته اتجاهها ولأفعاله غايتها. ومن هنا تظهر ما يمكن تسميته، استعاريًا، بـ «سكيزوفرينيا الإنسان»؛ لا بمعناها الطبي أو الإكلينيكي، وإنما باعتبارها وصفًا لحالة الانقسام بين مصادر متعددة للمعنى: بين ما يؤمن به وما يمارسه، وبين ما يقوله وما يفعله، وبين ما يريده وما يعرف، في أعماقه، أنه ينبغي أن يريده.

غير أن هذا الانقسام، حين يتجاوز الفرد ويتكرر داخل المجتمع، لا يبقى مجرد تناقض نفسي أو أخلاقي. إنه يتحول إلى بنية ثقافية ومؤسسية، ثم إلى مشكلة في تحديد الاتجاه، وفي تعريف المصلحة، وفي بناء السياسات، وفي تصور المستقبل نفسه.

وهنا ينتقل السؤال من الإنسان إلى الدولة.

فالدولة التي تمتلك القدرة دون غاية، والمعلومة دون رؤية، والمشاريع دون تصور جامع للمستقبل، قد تجد نفسها في صورة مؤسسية من الأزمة ذاتها: قدرة متزايدة، وأدوات أكثر، لكن معنى استراتيجي لم يتحول بعد إلى اتجاه جامع.

ومن هنا تنبثق الإشكالية المركزية لهذا المقال:

كيف ينتقل الإنسان من استهلاك المعاني إلى اكتشاف المعنى؟ وكيف يمكن لهذا الانتقال، حين يتحول إلى وعي جماعي، أن يساعد المغرب على الانتقال من مجرد إدارة التحولات إلى صناعة اتجاهه التاريخي؟ وهل يستطيع الذكاء الاستراتيجي أن يكون أداة لإعادة بناء العلاقة بين المعنى والغاية والقرار والمستقبل؟

للإجابة عن ذلك، لا بد من المرور عبر ثلاثة مستويات مترابطة: أزمة الإنسان ومعركة المعنى، ثم أزمة الاتجاه في المجتمع والدولة، وأخيرًا الانتقال من إدارة المستقبل إلى صناعته.

أولًا: أزمة الإنسان ليست في غياب المعنى، بل في فائض المعاني

الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معنى. حتى حين يرفض كل المعاني، فإنه يستبدلها بمعنى آخر. وحتى حين يعلن أنه لا يؤمن إلا بما هو مادي أو نفعي أو فردي، فإنه يكون قد تبنى، في الحقيقة، منظومة معنى تحدد له ما يعتبره مهمًا وما يعتبره ثانويًا.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك الإنسان معنى؟ بل: من أين يأتي هذا المعنى؟ ومن يحدده؟ ومن يملك القدرة على التأثير في الإنسان قبل أن يتخذ قراره؟

هنا تكمن إحدى التحولات الكبرى في عالم اليوم. فقد انتقل الصراع تدريجيًا من السيطرة على الموارد إلى التأثير في الإدراك، ومن التحكم في السلوك إلى تشكيل الرغبات التي تسبق السلوك. لم تعد القوة فقط أن تمنع الإنسان من اختيار شيء، بل أن تجعل بعض الخيارات تبدو له طبيعية، وبعضها مستحيلة، وبعضها غير جديرة حتى بأن تخطر في ذهنه.

السوق لا يحتاج دائمًا إلى إجبار الإنسان على الاستهلاك؛ يكفي أن يعيد تعريف النجاح في وعيه. والإعلام لا يحتاج بالضرورة إلى فرض موقف سياسي مباشر؛ يكفي أن يحدد ما الذي يستحق انتباهه وما الذي يمكن تجاهله. والخوارزمية لا تحتاج إلى أن تختار بدلًا منه؛ يكفي أن تضيق تدريجيًا مجال ما يراه ويسمعه ويعرفه، وبالتالي مجال ما يستطيع أن يريده.

وهنا نكتشف أن المعركة الاستراتيجية الأعمق هي معركة على مجال الرؤية قبل أن تكون معركة على القرار.

فالإنسان قد يكون حرًا في الاختيار، لكنه ليس بالضرورة حرًا في تحديد شروط اختياره. وقد يمتلك عشرات البدائل، لكنه لا يتساءل: أيّ هذه البدائل يستحق أصلًا أن أختاره؟ ولذلك فإن الحرية الحقيقية لا تبدأ عند لحظة الاختيار، وإنما تبدأ قبلها، عند القدرة على رؤية البدائل، وفهم مصادرها، واكتشاف المصالح التي تقف خلفها، وتمييز ما هو اختيار ذاتي عما تم زرعه في الوعي باعتباره اختيارًا.

ومن هنا يظهر مفهوم الاستلاب في صورته الأعمق: ليس فقط أن يُمنع الإنسان من الفعل، وإنما أن يُحجب عنه المعنى الذي يسمح له بأن يفهم لماذا يفعل، ولأجل ماذا يفعل، وما الذي ينبغي أن يرفضه حتى عندما يكون متاحًا أمامه.

وحين يحجب المعنى، تبدأ سلسلة متتابعة: حجب المعنى يولد تشوش الرؤية، وتشوش الرؤية يربك الاختيار، واضطراب الاختيار ينتج تناقض الفعل، ويتحول التناقض مع الزمن إلى عادة، وتتحول العادة إلى ثقافة، وتتحول الثقافة إلى مؤسسة، ثم تعود المؤسسة لتعيد إنتاج المعنى المحجوب من جديد.

وهنا تتحول «سكيزوفرينيا الإنسان» من حالة فردية إلى ظاهرة قابلة لإعادة الإنتاج.

فالإنسان قد يحمل قيمة في وعيه ونقيضها في سلوكه. وقد يدافع عن الحرية بينما يقبل شروطًا تستلب حريته، أو يبحث عن الحقيقة لكنه يختار المعنى الذي يوافق رغبته ومصلحته بدل المعنى الذي تكشفه له الحقيقة.

ولا يعني ذلك أن الإنسان ينبغي أن يكون كائنًا بلا تناقض. فالتوتر بين الواقع والمثال، وبين الرغبة والقيمة، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، جزء أصيل من التجربة الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التوتر من حالة مؤقتة إلى انقسام مستقر في الوعي، يفقد معه الإنسان القدرة على بناء مرجعية توحد رؤيته لذاته والعالم.

ومن هنا يصبح التحرر الحقيقي ليس تحررًا من المعنى، وإنما تحررًا من المعاني المنبثقة التي تحجب المعنى.

فالمعنى، في أعمق مستوياته، ليس مجرد منتج ذهني أو اتفاق نفعي قابل للتغيير مع تغير الظروف. هناك فرق بين معنى نصنعه لأنفسنا، ومعنى ينكشف لنا حين نرفع الحجب التي حالت بيننا وبينه. وفي هذا التصور، لا تكون مهمة الإنسان أن يفرض على العالم معنى من اختراعه ثم يبحث عن مبررات لتثبيته، وإنما أن يرفع الحجب، وأن يتبين المعنى المؤسس، ثم يختبر شجاعته وقدرته على أن يعيش وفق مقتضاه.

وهنا تبدأ ثورة المعنى.

ثانيًا: من الإنسان المنقسم إلى الدولة الباحثة عن الاتجاه

إذا كان الإنسان هو الوحدة الأولى التي يتشكل فيها المعنى، فإن المجتمع هو المجال الذي تتحول فيه المعاني إلى علاقات وقيم ومؤسسات. ولذلك فإن انقسام الإنسان لا يبقى داخل ذاته؛ إنه ينتقل إلى المجال العام، ويظهر في شكل تناقضات ثقافية واجتماعية وسياسية ومؤسسية.

وهنا يبدأ السؤال المغربي.

فمغرب اليوم لا يعيش فقط بين التقليد والحداثة، ولا بين الأصالة والمعاصرة، ولا بين الدين والعلمانية. فهذه كلها مظاهر لسؤال أعمق: ما المرجعية التي ينبغي أن تنتظم حولها معاني الحياة المغربية؟

قد يتبنى الإنسان معنى في المجال الخاص، ثم يتبنى نقيضه في المجال العام، ويستعمل لغة ثالثة في المجال المهني، ويتعامل مع منظومة رابعة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، دون أن يشعر دائمًا بأن وراء كل ذلك سؤالًا سابقًا ينبغي طرحه:

ما المعنى الذي نريد أن ينتظم حوله الإنسان المغربي، والمجتمع المغربي، والدولة المغربية؟

الأمر هنا لا يتعلق بإلغاء التعدد. فالمجتمع الحي لا يمكن أن يكون أحادي المعنى، كما أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تطابق كامل في القيم والتصورات. لكن الفرق كبير بين التعدد المنظم داخل رؤية جامعة وبين التعدد الذي يتحول إلى جزر منفصلة لا يجمعها تصور مشترك للمستقبل.

وهذا هو التحدي الاستراتيجي.

فالمغرب يعيش انتقالًا تاريخيًا تتقاطع فيه تحولات الدولة والمجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا والديموغرافيا والبيئة والجغرافيا السياسية. ولذلك لم يعد السؤال فقط: كيف ندبر هذه التحولات؟ وإنما أصبح: كيف نعطيها اتجاهًا ومعنى وغاية؟

لقد انتقل المغرب، بدرجات متفاوتة، من سؤال بناء الدولة إلى سؤال نوع الدولة التي يريد أن يصبحها؛ ومن تدبير الموارد إلى تعظيم القيمة؛ ومن استثمار الموقع إلى تحويل الموقع إلى نفوذ؛ ومن الاستجابة للتحولات إلى محاولة استباقها.

لكن هذا الانتقال لا يمكن أن يكتمل بمجرد الإصلاحات القطاعية أو المشاريع الكبرى.

فالقدرة الاقتصادية لا تكفي وحدها لتعريف الغاية، والتقدم التكنولوجي لا يجيب تلقائيًا عن السؤال الإنساني، والنفوذ الجيوسياسي لا يحدد بمفرده ما الذي ينبغي فعله بهذا النفوذ.

وهنا نصل إلى التمييز بين ثلاثة مستويات:

دولة الموقع تسأل: أين نحن؟

دولة القدرة تسأل: ماذا نملك؟

دولة النفوذ تسأل: ماذا نستطيع أن نؤثر فيه؟

أما دولة المعنى فتطرح السؤال الذي يسبق هذه الأسئلة كلها:

لماذا نريد كل ذلك؟ وأي مستقبل نريد أن نصنع به؟

وهنا يصبح الذكاء الاستراتيجي أكثر من مجرد جمع للمعلومات وتحليل للمخاطر. فالذكاء الاستراتيجي الحقيقي يبدأ قبل التحليل، من القدرة على تحديد المعنى الذي نريد أن نعطيه للتحولات.

فالدولة التي لا تحدد معنى المستقبل ستجد نفسها، عاجلًا أو آجلًا، تدير مستقبلًا صاغه الآخرون.

ومن هذه الزاوية، فإن التحدي المغربي ليس أن يختار بين الأصالة والحداثة، أو بين الداخل والخارج، أو بين الدولة والسوق، أو بين الحرية والمسؤولية. التحدي هو بناء تركيب تاريخي يجعل هذه العناصر تعمل داخل اتجاه واضح.

فالحداثة بلا معنى قد تتحول إلى مجرد استهلاك لنماذج جاهزة، والأصالة بلا قدرة على التجدد قد تتحول إلى حنين، والقوة بلا غاية قد تتحول إلى مجرد تراكم للقدرات، والحرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى انفلات، والتنمية بلا تصور للإنسان قد تتحول إلى أرقام ومؤشرات لا تجيب عن سؤال جودة الحياة ومعناها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: أي مغرب نريد؟ بمعنى الاختيار بين مجموعة جاهزة من النماذج، وإنما: ما المعنى الذي نريد أن يجعل من خيارات المغرب المختلفة مشروعًا تاريخيًا واحدًا؟

وهنا يتصل سؤال الإنسان بسؤال الدولة.

فالإنسان الذي لا يعرف لماذا يريد ما يريد قد يصبح أسيرًا لرغبات صنعتها بيئته. والدولة التي لا تعرف لماذا تريد ما تريد قد تصبح أسيرة للأجندات التي تفرضها التحولات الدولية.

وفي الحالتين، تكون المشكلة واحدة: القدرة على الفعل موجودة، لكن القدرة على تحديد الاتجاه لم تكتمل.

ثالثًا: من إدارة المستقبل إلى صناعته — الذكاء الاستراتيجي كثورة في معنى الدولة

إذا كان جوهر الأزمة هو انفصال القدرة عن الغاية، فإن تجاوزها لا يكون بإضافة مزيد من المعلومات فقط، ولا بتوسيع أدوات التحليل وحدها، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين المعنى والغاية والقرار والمستقبل.

وهنا تحديدًا يصبح الذكاء الاستراتيجي ضرورة.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد معرفة ما يحدث، وإنما القدرة على فهم ما وراء ما يحدث: لماذا يحدث؟ وما القوى التي تدفعه؟ وما السيناريوهات التي يمكن أن ينتجها؟ وما الذي يمكن فعله اليوم حتى لا يصبح المستقبل مجرد نتيجة تلقائية لقوى خارج السيطرة؟

إن الدولة التي تمتلك الذكاء الاستراتيجي لا تنتظر المستقبل حتى يصل إليها، بل تحاول بناء شروطه منذ الحاضر.

لكن الاستشراف نفسه لا يكفي.

يمكن أن نمتلك عشرات السيناريوهات للمستقبل، وأن نرصد جميع الاتجاهات الكبرى، وأن نحدد المخاطر والفرص، ثم نظل عاجزين عن الإجابة عن السؤال الأهم: أي مستقبل نريد؟

وهنا يظهر الفرق بين استشراف المستقبل وصناعة المستقبل.

الاستشراف يخبرنا بما قد يحدث.

أما الاستراتيجية فتحدد ما نريد أن يحدث.

والذكاء الاستراتيجي الحقيقي هو القدرة على بناء الجسر بين الاثنين: أن نعرف الممكن، ونفهم المحتمل، ونحدد المرغوب، ثم نعبئ القدرة والموارد والمؤسسات من أجل تحويل المرغوب إلى ممكن.

ومن هنا يمكن صياغة المعادلة على النحو الآتي:

المعنى يحدد الغاية، والغاية تنتج الرسالة، والرسالة تصنع الاتجاه، والاتجاه يحول القدرة إلى فعل، والفعل ينتج الأثر، والأثر يعيد تشكيل المستقبل.

هذه السلسلة هي التي تسمح بالانتقال من إنسان يستهلك المستقبل إلى إنسان يشارك في صناعته، ومن دولة تدير التحولات إلى دولة تصنع شروطها.

وعند هذه النقطة تظهر أهمية مفهوم الإنسان صاحب الرسالة.

فالرسالة ليست بالضرورة مشروعًا بطوليًا أو مهمة استثنائية. إنها إدراك عميق بأن ما يمتلكه الإنسان من معرفة ووقت وحرية وقدرة ليس ملكًا للاستهلاك، وإنما أمانة ينبغي توجيهها نحو غاية تتجاوز الذات.

حينها تصبح الموهبة مسؤولية، والمعرفة أمانة، والحرية تكليفًا، والقوة قدرة على البناء، والموقع الاجتماعي فرصة لخدمة معنى أكبر من المصلحة المباشرة.

وهذا التحول في الإنسان هو، في النهاية، شرط للتحول في الدولة.

فالدولة لا تصنع المستقبل وحدها. إنها تحتاج إلى إنسان قادر على فهمه، ومجتمع قادر على حمله، ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى سياسات، وثقافة قادرة على إعطاء هذه السياسات شرعيتها ومعناها.

ومن هنا فإن ثورة المعنى ليست مشروعًا فلسفيًا منفصلًا عن السياسة والاقتصاد والاستراتيجية. إنها، على العكس، بنية تحتية غير مرئية لكل مشروع طويل المدى.

فحين يفقد الإنسان معنى الرسالة، تتحول الحياة إلى سلسلة من الأهداف القصيرة التي لا يجمعها اتجاه: يعمل ليستهلك، ويستهلك ليبحث عن المتعة، ثم يعود إلى العمل، بينما تتسع قدرته على تحقيق الأشياء وتضيق قدرته على الإجابة عن السؤال الأهم: لماذا؟

وحين يفقد المجتمع المعنى المشترك، تتحول السياسة إلى إدارة للتوترات، ويتحول النقاش العام إلى صراع بين مصالح متجاورة، وتتحول الدولة إلى جهاز لإدارة التناقضات بدل تحويلها إلى طاقة تاريخية.

أما حين تمتلك الدولة تصورًا لمعنى المستقبل، فإنها تستطيع أن تعيد تعريف التنمية، والتعليم، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والثقافة، والدبلوماسية، لا باعتبارها قطاعات منفصلة، وإنما باعتبارها أدوات داخل مشروع حضاري واستراتيجي واحد.

ومن هنا يمكن أن يصبح السؤال المغربي أكثر نضجًا.

ليس فقط: كيف نحقق التنمية؟

بل: أي إنسان نريد أن تنتج هذه التنمية؟

وليس فقط: كيف نطور التكنولوجيا؟

بل: لأي غاية نريد هذه التكنولوجيا، وما الموقع الذي نريد للإنسان أن يحتله داخلها؟

وليس فقط: كيف نعزز النفوذ المغربي؟

بل: ما الذي نريد أن نفعله بهذا النفوذ؟

وليس فقط: كيف نواجه المخاطر؟

بل: أي مستقبل يستحق أن نتحمل المخاطر من أجل بنائه؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل الدولة من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة الاتجاه.

وهنا تحديدًا تتجاوز ثورة المعنى بعدها الفردي لتصبح مشروعًا استراتيجيًا.

خاتمة: من إنسان تحجبه المعاني إلى أمة تصنع معناها التاريخي

ربما يكون أحد أعمق أزمات الإنسان المعاصر أنه لم يفقد المعنى فقط، وإنما فقد أحيانًا الإحساس برسالته. وحين يفقد الإنسان رسالته، تصبح قدرته منفصلة عن غايته، ومعرفته منفصلة عن مسؤوليته، وحريته منفصلة عن معناها.

لكن استعادة المعنى لا تعني العودة إلى الماضي، ولا الهروب من تعقيد الحاضر، ولا رفض الحداثة، ولا الانغلاق عن العالم.

إنها تعني شيئًا أكثر عمقًا: أن نستعيد القدرة على تحديد الاتجاه.

ومن هنا فإن التحدي المغربي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في امتلاك المزيد من القدرات، وإنما في تحويل هذه القدرات إلى قوة استراتيجية موجهة بمعنى واضح.

فالمغرب يمتلك الموقع، لكنه يحتاج إلى تحويل الموقع إلى رؤية.

ويمتلك الموارد، لكنه يحتاج إلى تحويل الموارد إلى قيمة.

ويمتلك المؤسسات، لكنه يحتاج إلى جعل المؤسسات أدوات لصناعة المستقبل.

ويمتلك عناصر النفوذ، لكنه يحتاج إلى تحديد الغاية التي يريد أن يوظف هذا النفوذ من أجلها.

وهذا هو الانتقال الحقيقي من دولة الموقع إلى دولة المعنى.

دولة الموقع تعرف أين توجد.

دولة القدرة تعرف ماذا تملك.

دولة النفوذ تعرف ماذا تستطيع أن تفعل.

أما دولة المعنى فتعرف لماذا تفعل، ولأجل من، وإلى أي مستقبل تريد أن تصل.

وهنا يلتقي الإنسان بالدولة، ويلتقي المعنى بالاستراتيجية، ويلتقي الاستشراف بالفعل.

فالمستقبل لا تصنعه وفرة الوسائل وحدها، وإنما تصنعه أولًا القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يسبق كل وسيلة:

لماذا نريد المستقبل الذي نريده؟

ولأي إنسان؟

ولأي مجتمع؟

ولأي دولة؟

ولأي غاية؟

لذلك فإن ثورة المعنى، في جوهرها، ليست ثورة على الماضي ولا ثورة على الحاضر، وإنما هي ثورة على العيش بلا اتجاه.

إنها محاولة للانتقال من إنسان تحجبه المعاني إلى إنسان ينكشف له المعنى المؤسس، ومن مجتمع يستهلك الاتجاهات إلى مجتمع يمتلك القدرة على إنتاج اتجاهه، ومن دولة تدير التحولات إلى دولة تستشرفها وتستبقها وتصنع شروطها.

وحين يصبح المعنى واضحًا، تتحول الغاية إلى رسالة.

وحين تتحول الرسالة إلى اتجاه، تتحول القدرة إلى فعل.

وحين يتحول الفعل إلى أثر، يصبح المستقبل أقل شبهًا بما سيحدث لنا، وأكثر شبهًا بما اخترنا أن نصنعه.

وهنا، في النهاية، لا يعود السؤال: ماذا سيكون المغرب؟

بل يصبح السؤال الأكثر استراتيجية وعمقًا:

أي مغرب نريد أن نصنع، وأي إنسان نريد أن يكونه المغربي، وما المعنى الذي يستحق أن نحشد من أجله كل هذه القدرة؟

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

زر الذهاب إلى الأعلى