ما الذي يجب أن يتغير في العقل الإسباني قبل أن تتغير السياسة الإسبانية؟

الرهان ليس الانتقال من الخلاف إلى الاتفاق الكامل، وإنما من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

قد تتغير الحكومات، وتتبدل الأحزاب، وتتطور لغة الخطاب السياسي، وتتغير الظروف الإقليمية والدولية، لكن السياسة الخارجية لا تتغير دائماً بالسرعة نفسها؛ إذ تستند كثير من مواقفها إلى تصورات أعمق تتصل بصورة الدولة عن ذاتها، وقراءتها لمحيطها، ونظرتها إلى الآخرين، وذاكرتها التاريخية، وإدراكها لمصادر القوة والتهديد، وطريقة تعريفها لمصالحها وأولوياتها.

ومن هنا، فإن فهم السياسة الخارجية لا يبدأ دائماً من السياسة نفسها، وإنما من العقل الاستراتيجي الذي ينتجها. فالموقف السياسي ليس قراراً معزولاً، بل نتيجة لبنية من الإدراكات والمصالح والتجارب والحسابات. ولذلك، فإن السؤال عن السياسة الإسبانية تجاه المغرب لا ينبغي أن يقتصر على: ماذا تقول مدريد وماذا تفعل؟ بل يتعين أن يمتد إلى سؤال أعمق: لماذا ترى مدريد المغرب بهذه الطريقة؟ وما الذي يجعل بعض مواقفها تجاهه تبدو منطقية أو ضرورية من داخل التصور الإسباني نفسه؟

ومن هنا يأتي السؤال المركزي الذي يحكم هذه القراءة:

ما الذي يجب أن يتغير في العقل الإسباني قبل أن تتغير السياسة الإسبانية؟

لا يتعلق الأمر بتغيير إسبانيا أو التخلي عن مصالحها، ولا بفرض تصور مغربي على قرارها، وإنما بفهم البنية الفكرية والاستراتيجية التي تتشكل داخلها رؤيتها للمغرب، وتحديد التصورات التي قد تحتاج إلى مراجعة إذا كان المطلوب الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى أكثر نضجاً واستقراراً واستراتيجية.

فإذا كانت السياسة انعكاساً، جزئياً، للإدراك، فإن تغييرها قد يبدأ من تغيير الطريقة التي يُفهم بها الواقع وتُعرَّف بها المصلحة. وهنا تبرز أهمية الذكاء الاستراتيجي، الذي يتجاوز جمع المعلومات ورصد المواقف إلى فهم البيئة التي يتشكل فيها القرار، وتحليل المصالح والمخاوف ومصادر القوة والقيود، ورصد التحولات، ثم تحويل المعرفة إلى استشراف وسيناريوهات وخيارات.

ومن هذا المنظور، لا يكفي أن نعرف ما تفعله إسبانيا تجاه المغرب، بل ينبغي أن نفهم كيف تفكر فيه، وكيف تشكلت هذه الرؤية، وما الذي يعززها، وما الذي يمكن أن يغيرها، وأي مصالح وتحولات قد تجعل إعادة تعريفها ممكنة. فهناك فرق بين محاولة تغيير موقف وبين فهم شروط إنتاجه؛ في الأولى نتعامل مع النتيجة، وفي الثانية نقترب من جذورها.

وتتطلب هذه القراءة فهم إسبانيا باعتبارها دولة ذات ذاكرة تاريخية وهوية أوروبية وموقع متوسطي وأطلسي وإفريقي، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والطاقة والهجرة، وتشارك مؤسسات وفاعلون متعددون في تشكيل رؤيتها للعالم وللمغرب. ومن ثم تطرح أسئلة أساسية: كيف ترى إسبانيا موقعها داخل أوروبا؟ كيف تنظر إلى المتوسط؟ كيف تقرأ التحولات في شمال إفريقيا وإفريقيا؟ كيف تحدد مصادر أمنها ومصالحها؟ وكيف تنظر إلى موقع المغرب داخل هذه المعادلات؟ وهل ما تزال بعض التصورات التقليدية قادرة على تفسير المغرب الجديد؟

وهنا تبرز فرضية أساسية: قد لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا لا تتغير بعض السياسات الإسبانية تجاه المغرب، وإنما لماذا لا تزال بعض التصورات التي تنتج هذه السياسات قادرة على الصمود رغم تغير الواقع؟ فالمغرب الذي تتعامل معه إسبانيا اليوم ليس بالضرورة هو المغرب الذي تشكلت حوله التصورات القديمة، كما أن البيئة الاستراتيجية نفسها تغيرت؛ فقد أصبحت تحديات الأمن والطاقة والاقتصاد والهجرة والجغرافيا السياسية أكثر ترابطاً، واتسعت أدوار المغرب ومكانته في إفريقيا والمتوسط والأطلسي وأوروبا.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تطورت الصورة الإسبانية عن المغرب بالقدر نفسه الذي تطور فيه المغرب؟ وهل لا يزال يُختزل أساساً في الملفات التاريخية والترابية والأمنية والهجرية، أم أصبح يُنظر إليه باعتباره فاعلاً إقليمياً متنامي الأدوار، وشريكاً اقتصادياً وأمنياً، وعنصراً يمكن أن تزداد قيمته في المعادلة الأوروبية والإفريقية والمتوسطية والأطلسية؟

ولا يعني ذلك افتراض وجود «عقل إسباني» واحد؛ فالعقل الاستراتيجي للدولة فضاء تتفاعل داخله مؤسسات وتيارات ومصالح وإدراكات متعددة. لذلك، فإن السؤال عن «ما الذي يجب أن يتغير» لا يعني أن الرؤية الإسبانية للمغرب خاطئة في مجملها، وإنما يعني البحث عن التصورات التي لم تعد منسجمة مع التحولات الجديدة، والمساحات التي تحتاج إلى إعادة تعريف، وما يمكن أن ينتقل من منطق الحذر والاحتواء إلى منطق الشراكة والتكامل.

ولعل جوهر المراجعة يكمن في الطريقة التي يُختزل بها المغرب أحياناً في مجموعة من الملفات، بينما يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من الحل في عدد من القضايا التي تواجه إسبانيا وأوروبا والمنطقة. فحين يُنظر إليه باعتباره مجرد جار جنوبي، تنحصر العلاقة في إدارة الحدود والمخاطر والملفات الحساسة؛ أما حين يُنظر إليه باعتباره شريكاً استراتيجياً، فإن السؤال يصبح: ماذا يمكن أن يبني البلدان معاً؟

وهذا التحول لا يمكن أن يكون مسؤولية إسبانيا وحدها. فإذا كان السؤال هو ما الذي يجب أن يتغير في العقل الإسباني، فإن السؤال المقابل للمغرب هو: ماذا ينبغي أن يتغير في الطريقة التي يقدم بها نفسه إلى إسبانيا؟ فالتأثير الاستراتيجي لا يتحقق بالمطالبة بتغيير صورة الآخر، وإنما ببناء الوقائع والمصالح والمشاريع والشراكات التي تجعل الصورة الجديدة أكثر منطقية. والمغرب لا يستطيع أن يطلب أن يُنظر إليه كشريك استراتيجي دون أن يقدم عرضاً استراتيجياً يجعل قوته وموقعه وأدواره قيمة مضافة لإسبانيا وأوروبا.

وهنا يصبح العمل المشترك جزءاً من عملية التغيير نفسها، لا مجرد نتيجة لها. ففهم مصالح الآخر ومخاوفه وقيوده يساعد على بناء خيارات واقعية، لكن تحويل هذه الخيارات إلى مشاريع ومؤسسات وشراكات هو ما يسمح بتراكم تجربة جديدة في العلاقة. وكلما اتسعت المصالح المتبادلة وتكاملت القدرات، أصبحت التصورات الجديدة أكثر رسوخاً، وأصبحت العودة إلى منطق الجمود أقل عقلانية.

ومن هذه الزاوية، لا يكون الهدف تغيير العقل الإسباني من الخارج، وإنما فهمه بما يكفي لمخاطبته بواقعية وذكاء، والمساهمة في إعادة تشكيل بعض تصوراته من خلال وقائع ومصالح وتجارب مشتركة. فالتعاون في الأمن والاقتصاد والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا وإفريقيا والمتوسط والأطلسي يمكن أن يحول التقارب من خطاب إلى ممارسة، والممارسة المتراكمة إلى مصلحة، والمصلحة إلى أساس لإعادة تعريف العلاقة.

وهذا لا يعني تجاهل الملفات التاريخية والترابية أو التخلي عن المصالح الوطنية، وإنما وضعها داخل رؤية أوسع. فالرهان ليس الانتقال من الخلاف إلى الاتفاق الكامل، وإنما من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن تدبير الملفات إلى صناعة الرؤية. وعندها لا تصبح معالجة قضايا الماضي نهاية العلاقة، بل مدخلاً إلى ترتيب استراتيجي أوسع يتيح للطرفين بناء المستقبل دون أن يتخلى أي منهما عن حقوقه أو مصالحه.

وعليه، فإن السؤال الذي تفتتح به هذه الحلقة الرابعة من سلسلة » المغرب وإسبانيا: هندسة التحول الاستراتيجي« ، يختصر مساراً استراتيجياً كاملاً للتفكير في شروط التحول وإمكاناته:

ما الذي ينبغي أن تعيد إسبانيا النظر فيه في صورتها عن المغرب؟ وما التصورات التي أصبحت بحاجة إلى مراجعة؟ وما الذي ينبغي أن تنتقل فيه من منطق الجوار إلى منطق الشراكة؟ وكيف ينبغي أن تعيد قراءة موقع المغرب في المتوسط وإفريقيا وأوروبا؟ وما الذي يستطيع المغرب أن يفعله حتى يصبح هذا التغيير في الإدراك قائماً على المصالح والوقائع، لا على الخطاب وحده؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي قراءة إسبانيا باعتبارها عقلاً استراتيجياً ومؤسسات ومصالح وذاكرة واتجاهات مستقبلية، وقراءة المغرب في المقابل في ضوء قدراته وأدواره وموقعه في التحولات الإقليمية والدولية. وتنطلق هذه المقاربة من فرضية أن السياسة تتغير عندما تتغير بعض شروط إنتاجها، وهذه الشروط لا توجد كلها في مكاتب القرار، بل تتشكل أيضاً في المعرفة والإدراك وصورة الآخر وتعريف المصلحة وفهم التحولات.

لذلك، فإن التغيير المنشود ليس مجرد تغيير في موقف إسباني من ملف بعينه، وإنما تحول في الطريقة التي تُعرَّف بها العلاقة مع المغرب داخل العقل الاستراتيجي الإسباني. فإذا تغيرت صورة المغرب، تغيرت طريقة قراءة قوته؛ وإذا تغيرت قراءة قوته، تغيرت تقديرات المخاطر والفرص؛ وإذا تغيرت هذه التقديرات، أعيد احتساب الكلفة والمنفعة؛ وعندها يمكن أن تصبح بعض الخيارات التي كانت تبدو تنازلاً أقرب إلى الاستثمار، وبعض المخاطر أقرب إلى الفرص.

لكن هذا التحول لا يصنعه الإدراك وحده؛ بل يحتاج إلى واقع جديد يصنعه الطرفان معاً. فكل مشروع ناجح، وكل مصلحة متبادلة، وكل تجربة تعاون، وكل شبكة اقتصادية أو علمية أو مؤسساتية تتشكل بين البلدين، تسهم في بناء صورة جديدة للعلاقة وتمنحها أساساً عملياً. وهنا يلتقي الذكاء الاستراتيجي بالدبلوماسية: الرصد لفهم الواقع، والفهم لاكتشاف منطقه، والتحليل لكشف المصالح ومحددات الحركة، والاستشراف لمعرفة الاتجاهات، وبناء الخيارات، ثم تحويل المصالح المتقاطعة إلى عمل مشترك وشراكات قابلة للاستمرار.

ومن ثم، فإن السؤال في النهاية ليس: كيف نجعل إسبانيا تتبنى الرؤية المغربية؟ وإنما: كيف نجعل الرؤية المشتركة للمستقبل أقوى من التصورات التي ما تزال تفصل بين البلدين؟

فالشراكة الاستراتيجية لا تبدأ عندما تتطابق الرؤى، وإنما عندما يستطيع كل طرف فهم رؤية الآخر بما يكفي لإعادة تعريف بعض مصالحه، ثم العمل معه على بناء واقع يجعل الاختلاف قابلاً للإدارة، والتقاطع قابلاً للاستثمار، والمستقبل قابلاً للبناء المشترك.

وإذا كانت السياسة الإسبانية تجاه المغرب هي، جزئياً، نتيجة لطريقة معينة في رؤية المغرب، فإن السؤال الذي يفتح أفق المستقبل هو:

ما الذي ينبغي أن يتغير في هذه الرؤية حتى تصبح سياسة إسبانية جديدة تجاه المغرب ممكنة؟

ذلك هو السؤال الذي تحاول هذه القراءة الاقتراب من الإجابة عنه، انطلاقاً من قناعة بأن تغيير العلاقة لا يبدأ فقط بتغيير المواقف، وإنما ببناء معرفة أعمق، ومصالح مشتركة، وعمل مشترك، وواقع جديد يجعل السياسة الجديدة أكثر عقلانية وفائدة للطرفين.

أولاً: المشكلة ليست في السياسة الإسبانية وحدها، بل في النموذج الذهني الذي ينتجها

ليس كل تغيير في مدريد تغييراً في الاتجاه. فقد تتبدل الحكومات، وتتغير الأحزاب، وتتراجع نبرة الخطاب أو ترتفع، وتفرض التحولات الأوروبية والدولية أولويات جديدة؛ ومع ذلك قد تظل بعض الخيارات الأساسية ثابتة، لأنها لا ترتبط فقط بمن يحكم، وإنما بالطريقة التي تُقرأ بها المصالح والمخاطر والفرص.

ومن هنا، فإن فهم السياسة الإسبانية تجاه المغرب لا ينبغي أن يتوقف عند مواقف الحكومات وتصريحات المسؤولين، بل يجب أن يمتد إلى البحث في المنطق الذي يقف خلفها: كيف تُعرِّف مدريد مصالحها؟ كيف تزن المكاسب والمخاطر؟ كيف تقرأ صعود المغرب؟ وما الذي يجعل خياراً معيناً يبدو، في لحظة ما، أكثر أماناً أو عقلانية من خيار آخر؟

هذه الزاوية في التحليل تكشف أمراً بالغ الأهمية: السياسة لا تتغير بالضرورة عندما يتغير الموقف، وإنما تبدأ في التغير عندما تتغير الطريقة التي تُعرَّف بها المصلحة التي يستند إليها ذلك الموقف.

فقد تتغير الأدوات من دون أن يتغير الهدف، وقد تتغير اللغة من دون أن تتغير الرؤية، وقد تُراجع بعض المواقف التكتيكية بينما تبقى الافتراضات التي أنتجتها قائمة. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لماذا تتخذ إسبانيا هذا الموقف؟ وإنما: هل ما تزال المقدمات التي بُني عليها هذا الموقف تعكس البيئة الاستراتيجية الراهنة؟

وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف. فالمغرب الذي تتعامل معه إسبانيا اليوم ليس بالضرورة هو المغرب الذي تشكلت حوله بعض التصورات السابقة. لقد تغيرت مكانته الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والجيوسياسية، واتسعت أدواره في محيطه الإفريقي والمتوسطي والأطلسي، وأصبح أكثر حضوراً في عدد من الملفات التي تمس المصالح الأوروبية والإسبانية مباشرة.

ومع ذلك، قد تستمر بعض السياسات في النظر إلى هذه التحولات من زاوية الخطر أكثر مما تنظر إليها من زاوية الفرصة. وقد تستمر بعض الحسابات في التعامل مع قوة المغرب باعتبارها متغيراً ينبغي احتواؤه، بدل أن تسأل كيف يمكن توظيف هذه القوة ضمن ترتيبات تخدم المصالح المشتركة.

وهنا تحديداً يصبح التغيير المطلوب أعمق من مجرد مراجعة موقف أو تعديل خطاب. إنه يتعلق بإعادة النظر في معادلة الكلفة والمنفعة نفسها.

فإذا كان الحفاظ على بعض الترتيبات القائمة يحقق مكاسب قصيرة الأمد، فهل يظل هو الخيار الأفضل لإسبانيا إذا أخذنا في الاعتبار التحولات التي ستعيد تشكيل المتوسط وإفريقيا والأطلسي وأوروبا خلال العقود المقبلة؟ وإذا كان صعود المغرب حقيقة استراتيجية يصعب تجاهلها، فهل الأفضل لإسبانيا أن تتعامل معه باعتباره تحدياً ينبغي الحد من آثاره، أم باعتباره رصيداً يمكن أن يعزز موقعها هي في محيطها الإقليمي؟

من هنا ينبغي أن تتغير بعض الأسئلة التي تُبنى عليها السياسة نفسها.

فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية المحافظة على الوضع القائم، يصبح السؤال: هل يخدم هذا الوضع المصالح الإسبانية في البيئة الاستراتيجية الجديدة؟

وبدلاً من النظر إلى قوة المغرب واستقراره باعتبارهما عاملين ينبغي التحسب لهما، يصبح السؤال الأكثر واقعية: كيف يمكن تحويل هذه القوة والاستقرار إلى مصدر إضافي للقوة الإسبانية والأوروبية؟

وبدلاً من اختزال العلاقة في كيفية إدارة الملفات القائمة، يبرز سؤال أكثر طموحاً: ماذا يمكن لإسبانيا والمغرب أن يبنيا معاً، إذا أعيد النظر إلى العلاقة باعتبارها استثماراً في المستقبل لا مجرد إدارة للحاضر؟

إن الفرق بين هذه الأسئلة ليس فرقاً في الصياغة، بل في زاوية النظر إلى المصلحة. وعندما تتغير زاوية تعريف المصلحة، تتغير معها قراءة المخاطر، وتتسع دائرة الخيارات، وتصبح بعض البدائل التي كانت تبدو مكلفة أو غير واقعية قابلة للنقاش.

وهذا هو التحول الذهني الأول الذي ينبغي أن يبدأ منه أي نقاش جدي حول مستقبل العلاقة المغربية–الإسبانية: الانتقال من حماية ما هو قائم إلى التفكير فيما ينبغي بناؤه.

فالمسألة في نهاية المطاف ليست أن تتخلى إسبانيا عن مصالحها، وإنما أن تعيد اكتشافها في ضوء واقع جديد؛ وليست أن يُطلب منها أن تنظر إلى المغرب بعين مختلفة لمجرد الرغبة في تغيير موقفها، وإنما أن تُدفع إلى التساؤل عما إذا كانت رؤيتها الحالية للمغرب ما تزال هي الأكثر انسجاماً مع مصالحها المستقبلية.

وعندما يصبح المغرب، في الحساب الاستراتيجي الإسباني، جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، وعندما تصبح قوة المغرب عنصراً يمكن الاستثمار فيه بدلاً من أن تكون قوة يُنظر إليها فقط من منظور الاحتياط والتحسب، فإن تغيير السياسة لن يعود مجرد تنازل عن موقف سابق، بل سيصبح نتيجة طبيعية لإعادة تعريف المصلحة نفسها.

ثانياً: من مغرب الأمس إلى مغرب المستقبل — ومن الخوف من القوة إلى الاستثمار فيها

ربما يكون أكبر تحول يحتاج إليه العقل الاستراتيجي الإسباني هو أن يتعامل مع المغرب لا وفق الصورة التي تشكلت عنه في مراحل تاريخية سابقة، وإنما وفق اتجاه حركته وموقعه المحتمل في المستقبل.

فالمغرب الذي تتعامل معه إسبانيا اليوم ليس المغرب الذي عرفته قبل عقود.

لقد تغير اقتصادياً ومؤسساتياً ودبلوماسياً وأمنياً وجيوسياسياً. وتغير حضوره الإفريقي. وتوسعت علاقاته الدولية. وتطورت بنيته التحتية وموانئه وشبكاته التجارية. وتعززت أدواره في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار.

وأصبح أكثر حضوراً في عدد من المعادلات الإقليمية والدولية. لكن الأهم من ذلك أن المغرب لم يعد يتحرك فقط داخل المجال المغاربي أو المتوسطي الضيق، وإنما أصبح يبني لنفسه امتدادات متعددة في إفريقيا والأطلسي وأوروبا والعالم.

وهنا ينبغي أن يطرح العقل الاستراتيجي الإسباني سؤالاً بالغ الأهمية:

هل ما زالت بعض سياساتنا تجاه المغرب مبنية على صورة المغرب الذي كان، أم على حقيقة المغرب الذي أصبح، وعلى ما يمكن أن يصبح عليه؟

فالسياسة الذكية لا تقيس الدول فقط بما هي عليه الآن، وإنما بما يمكن أن تصبح عليه. وهذا مبدأ بالغ الأهمية في التفكير الاستراتيجي.

فالدولة التي تنظر إلى الآخر فقط من خلال حجمه الحالي قد تفاجأ بتحوله المستقبلي.

أما الدولة التي تقرأ اتجاه الحركة، فإنها تستطيع أن تحول التحول إلى فرصة.

ومن هنا، فإن صعود المغرب يمكن أن يُقرأ بطريقتين مختلفتين.

القراءة الأولى تعتبر القوة المغربية المتنامية عاملاً ينبغي مراقبته، والحد من مخاطره، والاحتياط من تداعياته.

والقراءة الثانية تنظر إلى القوة المغربية باعتبارها رصيداً استراتيجياً يمكن الاستثمار فيه.

والفارق بين القراءتين هائل.

فإذا اعتبرت مدريد أن قوة المغرب تهديد محتمل، فسوف تبحث عن أدوات الاحتواء.

أما إذا اعتبرت أن استقرار المغرب وقوته الاقتصادية وقدراته الإقليمية يمكن أن تخدم مصالح إسبانيا، فسوف تبحث عن أدوات الشراكة.

وهنا يظهر سؤال التفكير خارج الصندوق:

لماذا ينبغي أن تخشى إسبانيا بالضرورة من أن يصبح المغرب أقوى، إذا كان بالإمكان أن تصبح إسبانيا أقوى معه؟

هذه النقلة الفكرية تستحق أن تكون في قلب النقاش بيننا وبين الاسبان.

فالقوة ليست دائماً صفراً.

وقد تكون قوة الشريك جزءاً من قوة الدولة نفسها إذا استطاعت أن تبني معها شبكة من المصالح المتبادلة.

وفي عالم تتزايد فيه أهمية الشبكات والتحالفات والممرات التجارية والطاقة والبيانات والأسواق، لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بما تملكه منفردة، وإنما أيضاً بما تستطيع أن تبنيه مع الآخرين.

وهنا يصبح المغرب بالنسبة إلى إسبانيا أكثر من مجرد جار جغرافي؛ إذ يمثل نقطة اتصال استراتيجية بين فضاءات ومصالح متشابكة، تصل أوروبا بإفريقيا، والمتوسط بالأطلسي، والموانئ بالممرات التجارية، والاستثمار بالأسواق الإفريقية، والتكنولوجيا بالموارد، كما تربط الأمن الأوروبي بامتداده الإفريقي، بما يجعل موقع المغرب ليس مجرد معطى جغرافياً، وإنما رصيداً استراتيجياً يمكن أن تتأسس عليه قراءة جديدة للمصلحة الإسبانية.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون:

كيف نحد من صعود المغرب؟

بل:

كيف يمكن لإسبانيا أن تستثمر في صعود المغرب بحيث يتحول جزء من هذا الصعود إلى قيمة استراتيجية إسبانية وأوروبية؟

هذا التحول وحده كفيل بإعادة صياغة جزء كبير من العلاقة.لكن الانتقال من الخوف إلى الاستثمار يتطلب تحولاً آخر: إعادة تعريف موقع المغرب في الخريطة الذهنية الإسبانية.

فالمغرب ليس فقط «الجار الجنوبي».

الجوار وصف جغرافي، لكنه لا يكفي لبناء استراتيجية.

المغرب يقع عند نقطة التقاء أوروبا وإفريقيا والمتوسط والأطلسي، وهذه ليست مجرد حقيقة جغرافية، وإنما قيمة جيوسياسية. ومن هنا ينبغي أن تنتقل مدريد من منطق:

كيف ندير علاقتنا مع المغرب؟

إلى منطق أكثر طموحاً:

ماذا يمكن أن نبني مع المغرب؟

وهذه هي النقلة من إدارة العلاقة إلى صناعة العلاقة.

ثالثاً: من إدارة الملفات إلى إعادة تعريف المصلحة — ولماذا يحتاج الماضي إلى رؤية مستقبلية؟

إذا كان تغيير صورة المغرب هو أحد التحولات المطلوبة، فإن التحول الأكثر حساسية يرتبط بالطريقة التي تُعرَّف بها المصلحة الوطنية الإسبانية.

فعندما تُعرَّف المصلحة بطريقة ضيقة، تبدو القضايا وكأنها ملفات منفصلة، لكل واحد منها حساباته وأدواته وحدوده؛ فالأمن يُدار باعتباره ملفاً مستقلاً، والهجرة قضية أخرى، والطاقة مجالاً ثالثاً، والاقتصاد مساراً منفصلاً، فيما تُعامل إفريقيا باعتبارها فضاءً خاصاً، وتُختزل العلاقة مع المغرب في إطار ثنائي تحكمه مجموعة من الملفات التقليدية. غير أن التفكير الاستراتيجي ينظر إلى هذه العناصر من زاوية مختلفة، فيراها حلقات مترابطة داخل منظومة واحدة للمصالح، حيث يرتبط الأمن المتوسطي باستقرار شمال إفريقيا، وتتقاطع الهجرة مع التنمية والاستقرار والتعاون الأمني، وتتصل الطاقة بالممرات والبنى التحتية والشراكات طويلة الأمد، ويتداخل الاقتصاد مع سلاسل الإمداد والأسواق، ويتوقف الاستثمار إلى حد كبير على الاستقرار السياسي والجغرافي، بينما يرتبط الحضور الإسباني في إفريقيا بقدرتها على بناء شبكات اقتصادية وسياسية مستدامة، كما أن موقعها داخل الاتحاد الأوروبي يتأثر بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي وعلاقاتها في محيطها الجنوبي إلى قيمة استراتيجية مضافة لأوروبا.

ومن هذا المنظور، لا يعود المغرب مجرد ملف من ملفات السياسة الإسبانية، ولا مجرد طرف في علاقة ثنائية، بل يصبح جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والطاقية والجيوسياسية، ويتداخل فيها المتوسط مع إفريقيا والأطلسي، بما يجعل طريقة بناء العلاقة مع المغرب عاملاً مؤثراً في قدرة إسبانيا على صياغة موقعها ومصالحها في محيط إقليمي ودولي آخذ في التحول..

وهذا يقود إلى سؤال بالغ الأهمية:

هل ينبغي أن تُقاس بعض الخيارات الإسبانية تجاه المغرب فقط من خلال مكاسبها المباشرة، أم من خلال مجموع آثارها على الموقع الاستراتيجي الإسباني خلال العقود المقبلة؟

هذا السؤال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالملفات التاريخية والترابية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية والجزر.

فهذه القضية لا تعيش فقط في القانون أو الدبلوماسية، وإنما ترتبط أيضاً بالذاكرة السياسية والأمنية والنفسية الإسبانية.

ولهذا فإن أي تفكير جدي فيها يحتاج إلى الخروج من منطق الخسارة الفورية والمكسب الفوري.

فالسؤال الاستراتيجي ليس فقط:

ماذا سأخسر إذا تغير الوضع القائم؟

وإنما أيضاً:

ماذا يمكن أن أربح إذا أعدت تعريفه ضمن ترتيب أوسع؟

وهنا لا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية المصالح الإسبانية أو تجاهل حساسياتها، وإنما بإدخال هذه القضية ضمن منظومة أوسع من المصالح المتبادلة.

فمن الممكن، من حيث المبدأ الاستراتيجي، أن تتحول بعض القضايا التي تبدو اليوم عناصر خلاف إلى مكونات ضمن ترتيب أكبر للمصالح.

وهذا هو الفرق بين التفكير التكتيكي والتفكير الاستراتيجي.

التفكير التكتيكي يسأل: ماذا سيحدث غداً؟

أما التفكير الاستراتيجي فيسأل: ماذا سيحدث إذا استمر هذا المسار عشرين عاماً؟

التفكير التكتيكي يخشى تكلفة القرار.

أما التفكير الاستراتيجي فيقارن بين تكلفة التغيير وتكلفة عدم التغيير.

وهنا ينبغي التوقف عند وهم شائع في العلاقات الدولية: الاعتقاد بأن الجمود يحافظ على الوضع.

لكن عدم اتخاذ القرار هو في حد ذاته قرار. والزمن ليس محايداً.

فحين تتغير موازين القوة الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية والجيوسياسية، فإن المحافظة على ترتيب قديم لا تعني بالضرورة المحافظة على الوضع نفسه؛ وإنما قد تعني السماح للبيئة المحيطة به بأن تتغير إلى درجة يصبح معها الترتيب القديم أقل ملاءمة. ولهذا ينبغي أن يكون السؤال الإسباني:

هل الوضع القائم يخدم مصالح إسبانيا المستقبلية، أم أنه فقط يؤجل إعادة النظر؟

فقد يكون ممكناً الحفاظ على ترتيب معين اليوم. لكن هل سيكون ذلك الخيار الأكثر عقلانية بعد عشر سنوات؟

أو بعد عشرين سنة؟

الدول الذكية لا تبني استراتيجياتها فقط على ما تستطيع فعله اليوم، وإنما على ما قد يصبح ضرورياً غداً.

ومن هنا فإن إعادة التفكير في العلاقة مع المغرب لا ينبغي أن تُقدَّم داخل العقل الإسباني باعتبارها تنازلاً عن الماضي، وإنما باعتبارها استثماراً في المستقبل.

وهذا تحديداً ما يحتاج إلى إعادة تعريف.

فإذا ظل احترام الحقوق والمطالب المغربية يُنظر إليه حصراً من زاوية «ما الذي ستخسره إسبانيا؟»، فسيظل التغيير صعباً.

أما إذا أصبح السؤال:

ما الذي يمكن لإسبانيا أن تكسبه من إعادة بناء علاقتها مع المغرب؟

فإن المعادلة تبدأ في التحول. وهنا يمكن الانتقال من منطق «صفر مجموع» إلى منطق المكاسب المتبادلة.

ليس المطلوب أن يربح طرف على حساب الآخر. بل أن تصبح هناك إمكانية لبناء ترتيب تكون فيه مكاسب الطرفين أكبر من مكاسب استمرار الصراع أو الجمود.

وهذا هو المعنى الاستراتيجي لما يمكن تسميته بـ«الصفقة التاريخية»: فهي لا تعني صفقة على الحقوق أو السيادة، ولا تقوم على منطق المقايضة بين التنازلات والمكاسب، وإنما تشير إلى ترتيب استراتيجي أوسع يُمكّن الطرفين من معالجة إرث الماضي ضمن رؤية تتجاوز الماضي نفسه، وتضع في الوقت ذاته أسساً أكثر صلابة لمصالح المستقبل. ترتيب يجمع، ضمن رؤية متكاملة، قضايا السيادة والحقوق مع الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون في إفريقيا وأوروبا، ويؤسس لشراكات في البنية التحتية والمشروعات الاستراتيجية طويلة المدى.

وعندها لا يعود السؤال المركزي هو: ماذا سيخسر هذا الطرف أو ذاك؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا يمكن أن يبني الطرفان معاً إذا أعادا تعريف العلاقة على أساس المصالح المستقبلية المشتركة؟

بهذا المعنى، لا تكون معالجة ملفات الماضي غاية العلاقة ولا خاتمتها، وإنما تصبح مدخلاً إلى مشروع أكبر يعيد ترتيب المصالح، ويوسع مجالات التعاون، ويحوّل ما كان يُنظر إليه باعتباره مصدر خلاف إلى جزء من منظومة أوسع لصناعة المستقبل

رابعاً: من الجار إلى الشريك في صناعة المستقبل — ماذا يستطيع المغرب أن يفعل؟

لكن إعادة تشكيل العقل الاستراتيجي الإسباني لا يمكن أن تكون مسؤولية إسبانيا وحدها؛ فبقدر ما تواجه مدريد ضرورة مراجعة بعض تصوراتها وحساباتها تجاه المغرب، يواجه المغرب بدوره اختباراً لا يقل أهمية: ماذا يمكن أن يفعل هو حتى تصبح النظرة الجديدة إليه أكثر منطقية، وأكثر إقناعاً، وأكثر انسجاماً مع المصالح الإسبانية المستقبلية؟

فلا يكفي أن يطالب المغرب إسبانيا بأن تراه شريكاً استراتيجياً، بينما يظل هو نفسه أسير ردود الفعل تجاه المواقف الإسبانية. ولا يكفي أن يدعوها إلى النظر إلى المستقبل، إذا ظل جزء من الخطاب الثنائي مشدوداً إلى ملفات الماضي. كما لا يكفي أن يلفت انتباهها إلى القيمة الجيوسياسية للمغرب، من دون أن يقدم تصوراً واضحاً لكيف يمكن تحويل هذه القيمة إلى فرص ومصالح مشتركة تعود بالنفع على الطرفين.

ومن هنا، فإن قوة المغرب في إدارة هذه العلاقة لا ينبغي أن تُقاس فقط بقدرته على الدفاع عن مواقفه أو رفض ما لا ينسجم مع مصالحه، وإنما أيضاً بقدرته على تقديم بديل أكثر جاذبية من الوضع القائم. فالقوة التفاوضية لا تأتي من القدرة على الرفض وحدها، بل من القدرة على جعل الخيار الآخر يبدو أكثر فائدة واستدامة.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأكثر تأثيراً الذي ينبغي أن يوجهه المغرب إلى إسبانيا هو:» لماذا لا تغيرين موقفك؟ «، وإنما سؤال أكثر عمقاً : » ماذا يمكن أن تكسب إسبانيا إذا أعدنا بناء العلاقة على أسس جديدة؟«

هنا تحديداً تنتقل الدبلوماسية المغربية من دبلوماسية المواقف إلى دبلوماسية الخيارات؛ أي من الاكتفاء بالدفاع عن المصالح القائمة إلى صياغة بدائل تجعل المصالح المغربية والإسبانية أكثر ترابطاً، وتحوّل العلاقة من مساحة لتدبير الخلافات إلى مساحة لإنتاج القيمة المشتركة.

في الاقتصاد، لا يكفي توسيع حجم المبادلات، بل ينبغي التفكير في بناء سلاسل قيمة مشتركة، وفي مشاريع إنتاجية واستثمارية تجعل اقتصاد البلدين أكثر تكاملاً. وفي الطاقة، يمكن الانتقال من مجرد التبادل التجاري إلى بناء رؤية بعيدة المدى للتكامل في البنى التحتية والشبكات والطاقات الجديدة. وفي الأمن، يمكن تطوير مفهوم للأمن المشترك يتجاوز حماية الحدود إلى الإسهام في استقرار المجال المتوسطي وشمال إفريقيا. وفي الهجرة، يمكن تجاوز منطق إدارة التدفقات نحو مقاربة أوسع تربط التنقل بالتنمية والتكوين والتعاون البشري ومعالجة الأسباب البنيوية. وفي إفريقيا، يمكن تحويل الحضور المغربي والإسباني والأوروبي إلى مجال للتكامل في الاستثمار والبنية التحتية والأسواق، بدلاً من اختزاله في منطق المنافسة على النفوذ. وفي المجال البحري والأطلسي والمتوسطي، يمكن بناء رؤية مشتركة للموانئ والممرات التجارية واللوجستيك وسلاسل الإمداد. أما في المجال الأكاديمي والفكري، فإن الاستثمار في المعرفة المتبادلة حول البلدين والمنطقة يمكن أن يفتح مجالاً أكثر عمقاً لفهم المصالح والتحولات وصناعة السياسات.

وهذه المشاريع لا تؤدي وظيفتها الاقتصادية أو الأمنية أو التنموية فقط؛ بل تؤدي، على المدى الأبعد، وظيفة سياسية وفكرية بالغة الأهمية، لأنها تغيّر الإدراك من خلال تغيير الواقع نفسه.

فالتصورات لا تتغير بالخطاب وحده، وإنما تتغير أيضاً عندما تتراكم الوقائع التي تجعل التصور القديم أقل قدرة على تفسير الواقع الجديد. وكلما اتسعت المشاريع المشتركة، ظهر داخل المؤسسات والاقتصادات والمجتمعات عدد أكبر من الفاعلين الذين تصبح لهم مصلحة مباشرة في استقرار العلاقة وتطورها. وكلما تعمقت الروابط الاقتصادية، أصبح استمرار التعاون جزءاً من الحسابات اليومية لمصالح متعددة، لا مجرد خيار دبلوماسي يمكن تغييره بسهولة. وكلما توسع التعاون الأكاديمي والفكري، تراجعت مساحة الصور النمطية لصالح معرفة أكثر تركيباً وواقعية. وكلما أصبح المغرب حاضراً بصورة أكبر في مشاريع إسبانية وأوروبية مرتبطة بإفريقيا والمتوسط والأطلسي، أصبحت قيمته الاستراتيجية أكثر رسوخاً داخل عملية التفكير وصنع القرار.

غير أن بناء هذه المعادلة الجديدة يتطلب في المقابل استثماراً أكبر في إنتاج المعرفة عن إسبانيا نفسها. فإذا كان المغرب يريد أن يؤثر في علاقته مع مدريد، فعليه أن يمتلك فهماً أكثر عمقاً لكيفية تشكل القرار الإسباني: من هم الفاعلون المؤثرون؟ وكيف تتفاعل الحكومة والأحزاب والمؤسسات والقطاع الاقتصادي ومراكز التفكير والمجتمع مع قضايا السياسة الخارجية؟ وما الذي يمكن أن يغير حسابات صانع القرار؟ وما الاتجاهات التي تتشكل داخل المجتمع الإسباني؟ وكيف تتقاطع المصالح الإسبانية مع أولويات الاتحاد الأوروبي؟ وما السيناريوهات التي يمكن أن تواجهها إسبانيا خلال العقد المقبل؟ وأين تتقاطع هذه السيناريوهات مع المصالح المغربية، وأين يمكن للمغرب أن يقدم فيها قيمة مضافة؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً، وإنما تمثل جوهر العمل في الذكاء الاستراتيجي؛ لأن الغاية ليست مراقبة إسبانيا، ولا الاكتفاء بتوقع ما ستفعله مدريد، وإنما فهم البيئة السياسية والاقتصادية والفكرية التي يتشكل داخلها القرار، واكتشاف العوامل التي يمكن أن تدفعه إلى اتجاه دون آخر، ثم بناء خيارات مغربية قادرة على التأثير في هذه البيئة قبل أن تتحول اتجاهاتها إلى قرارات نهائية.

وهنا تحدث النقلة الأهم: من محاولة التأثير في القرار بعد صدوره إلى التأثير، بالمعرفة والشراكة والمصلحة، في البيئة التي يتشكل داخلها القرار.

فالمغرب الذي يريد أن يُفهم في مدريد، ينبغي أن يكون قادراً أولاً على فهم مدريد؛ والمغرب الذي يريد أن تصبح إسبانيا شريكاً في المستقبل، عليه أن يقدم تصوراً واضحاً لهذا المستقبل؛ والمغرب الذي يريد تغيير بعض الصور التي ما تزال عالقة في الإدراك الإسباني، عليه أن يجعل الوقائع الجديدة أقوى من الصور القديمة.

وعند هذه النقطة، لا تعود الغاية مجرد تحسين إدارة العلاقة القائمة، وإنما تصبح إعادة بناء منطقها نفسه. فلا يكون السؤال: كيف نحافظ على الوضع القائم؟، بل: كيف نبني أفضل ترتيب ممكن لمصالح المغرب وإسبانيا خلال العقود المقبلة؟

وعندما تصبح العلاقة محكومة بهذا السؤال، فإن الملفات الصعبة لا تختفي، لكنها تنتقل إلى إطار أوسع يمكن التعامل معها داخله؛ إذ لا تعود قضايا الماضي تقف وحدها في مواجهة المستقبل، وإنما تصبح جزءاً من عملية أشمل لإعادة ترتيب المصالح وبناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون.

وعندها فقط يمكن أن تنتقل العلاقة من مجرد جوار تفرضه الجغرافيا، إلى شراكة تصنعها الإرادة، ومن شراكة تقوم على المصالح المتبادلة إلى تكامل استراتيجي يضع البلدين في موقع أكثر قوة أمام التحولات التي تعيد تشكيل المتوسط وإفريقيا والأطلسي وأوروبا.

خاتمة: قبل أن تتغير السياسة، يجب أن تتغير طريقة تعريف المصلحة

في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت إسبانيا تريد تغيير سياستها تجاه المغرب، وإنما ما إذا كانت قد بدأت تدرك أن مصالحها المستقبلية نفسها قد تفرض عليها إعادة تعريف هذه العلاقة. فالدول لا تعيد توجيه سياساتها لمجرد أن الوقائع تبدلت، وإنما عندما تصبح الوقائع الجديدة قادرة على تغيير الطريقة التي تُقرأ بها المصالح، وتُقدَّر بها المخاطر، وتُبنى على أساسها الخيارات.

ومن هذا المنظور، فإن التحول المطلوب في التفكير الاستراتيجي الإسباني لا يتعلق بتغيير موقف منفرد، بقدر ما يتعلق بإعادة ترتيب مجموعة من التصورات التي تحكم قراءة المغرب وموقعه في الحسابات الإسبانية: الانتقال من قراءة مغرب تشكلت صورته في الماضي إلى فهم مغرب يتجه نحو المستقبل؛ ومن اختزاله في موقع الجار الجنوبي إلى إدراك قيمته كشريك جيوسياسي؛ ومن النظر إلى تنامي قوته باعتباره مصدراً محتملاً للقلق إلى التعامل معه باعتباره رصيداً يمكن الاستثمار فيه؛ ومن الاكتفاء بإدارة المخاطر إلى صناعة الفرص؛ ومن تدبير الملفات المتفرقة إلى إعادة بناء العلاقة ضمن رؤية أوسع؛ ومن منطق المكاسب الصفرية إلى البحث عن مصالح متبادلة؛ ومن حماية ترتيبات تشكلت في سياقات سابقة إلى بناء موقع إسباني أكثر قوة وقدرة على التأثير في مستقبل المتوسط وإفريقيا والأطلسي.

وهذه الانتقالات ليست مجرد تغيير في المفردات، وإنما تعكس تحولاً في النموذج الذي تُفهم من خلاله المصلحة. غير أن هذا التحول لا يمكن فرضه من الخارج، كما لا يستطيع المغرب أن يغير العقل الاستراتيجي الإسباني بمجرد المطالبة بذلك. ما يستطيع فعله، في المقابل، هو أن يساهم في صناعة شروط هذا التغيير من خلال العمل المشترك؛ لأن الإدراك الاستراتيجي لا يتغير بالخطاب وحده، وإنما يتغير أيضاً عندما تنتج التجربة المشتركة وقائع جديدة، وتتراكم المصالح المتبادلة، وتظهر قيمة الشراكة في الواقع.

ولهذا فإن التحدي المغربي لا يقتصر على إثبات أن المغرب قد تغير، بل يتمثل في جعل هذا التغير ذا قيمة واضحة في الحسابات الإسبانية؛ ولا يقتصر على إبراز أن المغرب أصبح أقوى، بل في إقناع مدريد بأن هذه القوة يمكن أن تكون جزءاً من قوة إسبانيا ومكانتها؛ ولا يقتصر على المطالبة بمعالجة ملفات الماضي، بل في تقديم رؤية تجعل هذه المعالجة مدخلاً إلى ترتيب استراتيجي أكثر فائدة للطرفين. والطريق إلى ذلك يمر، قبل كل شيء، عبر بناء مجالات عمل مشترك تُحوِّل المصالح المتقاطعة من فكرة إلى واقع، والتعاون من خيار ظرفي إلى مصلحة متبادلة، والثقة من خطاب دبلوماسي إلى تجربة تراكمية.

عندها يتغير السؤال نفسه. فبدلاً من الانشغال بكيفية الحفاظ على ما كان، يصبح التفكير موجهاً نحو كيفية بناء ما ينبغي أن يكون. وبدلاً من التساؤل عما سيخسره أحد الطرفين إذا تغير الوضع القائم، يصبح السؤال: ما الذي يمكن أن يكسبه الطرفان إذا أعادا بناء العلاقة على أساس جديد؟ وبدلاً من التفكير في كيفية احتواء صعود المغرب، يصبح التفكير في كيفية الاستثمار فيه، وبدلاً من الاقتصار على إدارة العلاقة، يصبح الأفق هو البحث عما تستطيع إسبانيا والمغرب أن يبنياه معاً.

وهنا يبدأ التفكير الاستراتيجي بمعناه الحقيقي؛ فالشراكة لا تحتاج إلى اختفاء الاختلافات حتى تصبح ممكنة، وإنما تحتاج إلى أن تصبح المصالح المشتركة أوسع من قدرة الخلافات على تعطيلها. وهي لا تتطلب تطابق الرؤى، بل قدرة كل طرف على فهم منطق الآخر بما يكفي لاكتشاف مساحات التقاطع، ثم تحويلها، من خلال العمل المشترك، إلى مشاريع ومؤسسات وترتيبات تستوعب الاختلاف وتمنح التعاون قدرة أكبر على الاستمرار.

ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة المغربية–الإسبانية أمام مسارين: إما الاستمرار داخل نموذج تشكلت ملامحه في الماضي، فتظل الملفات نفسها يعاد تدبيرها والمخاوف نفسها يعاد إنتاجها؛ وإما الانتقال إلى قراءة جديدة تضع الماضي في مكانه الطبيعي باعتباره مجموعة من القضايا التي تحتاج إلى معالجة، لا إطاراً دائماً يحكم تصور المستقبل.

والخيار الثاني لا يعني أن تتخلى إسبانيا عن مصالحها، ولا أن يتخلى المغرب عن حقوقه وثوابته، وإنما يعني أن يبحث الطرفان عن ترتيب جديد تصبح فيه حماية مصالح كل طرف جزءاً من تعزيز مصالح الطرف الآخر. وفي هذا الإطار، لا تكون التسويات مقايضة بين الخسارة والمكسب، بل مكونات ضمن منظومة أوسع من الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعاون الإفريقي والأوروبي، تُبنى عبر مشاريع مشتركة تجعل استمرار الشراكة في مصلحة الطرفين.

وهنا تكمن الفكرة المركزية للمقال: إن تغيير السياسة الإسبانية تجاه المغرب قد لا يبدأ من تغيير السياسة نفسها، وإنما من تغيير الطريقة التي تُعرَّف بها المصلحة الإسبانية تجاه المغرب. فإذا تغيرت صورة المغرب، تغيرت طريقة قراءة قوته؛ وإذا تغيرت قراءة قوته، تغيرت معها تقديرات المخاطر والفرص؛ وإذا تغيرت هذه التقديرات، أعيد احتساب الكلفة والمنفعة؛ وعندما تتغير معادلة الكلفة والمنفعة، تصبح بعض الخيارات التي كانت تبدو تنازلاً أقرب إلى الاستثمار، وبعض ما كان يُنظر إليه كمخاطرة أقرب إلى فرصة.

لكن هذه السلسلة لا تعمل في اتجاه واحد، ولا تنتجها إسبانيا أو المغرب منفردين. فالعمل المشترك نفسه يمكن أن يصبح أداة لإعادة تشكيل الإدراك: كل مشروع ناجح، وكل مصلحة متبادلة، وكل تجربة تعاون تتراكم، وكل شبكة اقتصادية أو علمية أو مؤسساتية تنشأ بين البلدين، تخلق واقعاً جديداً يجعل الشراكة أكثر منطقية، ويجعل العودة إلى التصورات القديمة أكثر كلفة وأقل تفسيراً للواقع. ومن هنا، فإن بناء المستقبل لا يأتي بعد تغيير الإدراك، بل يمكن أن يكون هو نفسه أحد أهم الوسائل التي تُغيّر الإدراك.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس أن ينتصر المغرب على إسبانيا، ولا أن تنتصر إسبانيا على المغرب، وإنما أن ينتصر منطق المستقبل على منطق الجمود. أن ينتقل البلدان من سؤال «من يملك ماذا؟» إلى سؤال أكثر اتساعاً: «ماذا يمكن أن نبني معاً؟» وأن يصبح هذا السؤال أساساً لعمل مشترك قادر، بمرور الوقت، على إعادة ترتيب الحسابات الاستراتيجية لدى الطرفين.

ومن هنا، فإن عنوان المقال ليس مجرد سؤال بلاغي، وإنما يلخص مساراً كاملاً للتفكير: ما الذي يجب أن يتغير في العقل الإسباني قبل أن تتغير السياسة الإسبانية؟

الجواب يبدأ من إعادة النظر في صورة المغرب، وفي تعريف المصلحة الإسبانية، وفي طريقة احتساب كلفة الجمود وقيمة الشراكة، وفي النظر إلى القوة المغربية باعتبارها إمكانية استراتيجية يمكن الاستثمار فيها، لا مجرد متغير ينبغي التحسب له. لكنه لا يكتمل إلا بتحول مغربي موازٍ: من انتظار تغير الآخر إلى بناء شروط التغير، ومن الدفاع عن الموقف إلى تقديم الرؤية، ومن إدارة الملفات إلى صناعة الخيارات، ومن معالجة الماضي باعتباره عبئاً دائماً إلى توظيفه ضمن مشروع لبناء المستقبل.

وفي هذا المسار، يصبح العمل المشترك بين المغرب وإسبانيا ليس نتيجة للتحول الاستراتيجي فحسب، وإنما وسيلة لصناعته أيضاً. فكلما اتسعت مجالات التعاون، وتداخلت المصالح، وتكاملت القدرات، وتراكمت المصالح الاقتصادية والعلمية والأمنية والطاقية، أصبح من الأسهل على الطرفين إعادة النظر في بعض التصورات التي كانت تحكم العلاقة. فالتغيير المستدام في الإدراك يحتاج إلى تجربة تثبته، والتجربة لا تُبنى إلا بالفعل المشترك.

وهنا يلتقي الذكاء الاستراتيجي بالدبلوماسية؛ إذ تبدأ العملية بالرصد لفهم الواقع، ثم بالفهم لاكتشاف منطقه، والتحليل لكشف المصالح ومحددات الحركة، والاستشراف لمعرفة الاتجاهات المحتملة، وبناء الخيارات للتأثير في مساراتها، ثم تحويل المصالح المتقاطعة إلى عمل مشترك وترتيبات وشراكات قابلة للاستمرار.

فإذا كان المطلوب في النهاية هو تغيير السياسة، فإن الطريق الأعمق إلى ذلك قد لا يمر مباشرة عبر السياسة، وإنما عبر ما يسبقها: تغيير السؤال الذي تُبنى عليه السياسة، وإعادة تعريف المصلحة التي تستند إليها، وإعادة قراءة الآخر في ضوء الواقع الجديد، ثم بناء وقائع ومصالح مشتركة تجعل السياسة الجديدة أكثر عقلانية من السياسة القديمة.

وعندما يحدث ذلك، لا تعود الشراكة مجرد خيار دبلوماسي، بل تصبح نتيجة طبيعية لتحول أعمق في الحسابات الاستراتيجية. وعندها لا يكون المطلوب أن يتخلى طرف عن رؤيته لصالح رؤية الطرف الآخر، وإنما أن يعمل الطرفان معاً على بناء واقع جديد يجعل مصالحهما أكثر ترابطاً، وثقتهما أكثر رسوخاً، وقدرتهما على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية أكبر.

فالمستقبل المشترك لا يُكتشف فقط، بل يُبنى؛ ولا يُبنى بمجرد التوافق في الخطاب، وإنما بالعمل المشترك الذي يحول المصالح المتقاطعة إلى مصالح مترابطة، والمصالح المترابطة إلى شراكات، والشراكات إلى واقع جديد يعيد تشكيل الإدراك والحسابات والسياسات.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى