لأول مرة امرأة ترأس الحكومة المغربية.. ماذا يمكن أن يتغير عند المغاربة؟

 سبعة دروس من جدات حكمن المغرب

بقلم: محمد أمطاط

أستاذ التعليم العالي-الرباط..

         لأول مرة في تاريخ المغرب منذ الاستقلال سنة 1956، ستجلس امرأة على كرسي رئاسة الحكومة.

         يوم 29 شتنبر 2026 عيّن الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بعد تصدر حزبها الانتخابات بـ97 مقعداً. إنها أول امرأة تصل إلى هذا المنصب. وهي تتوفر على مسار حافل: محامية منذ 2005، نائبة برلمانية من 2011، رئيسة المجلس الوطني للبام، عمدة لمدينة كبرى هي مراكش، وزيرة.

         الخبر تاريخي، لكنه ليس غريباً عن تاريخنا. المغرب حكمته النساء في الماضي … لكننا نسينا.

         انتهى زمن الاحتفال بالصورة…والآن يبدأ السؤال الذي يطرحه كل مواطن ومواطنة علما أن  62%  من الناخبين لم يشاركوا في الانتخابات: ماذا سيتغير في حياتي لأن من يحكمني امرأة؟

         أولا: المنصوري ليست البداية.. هي امتداد لتاريخ طويل

         حين نقول “أول امرأة ترأس الحكومة” نظن أن المرأة دخلت السياسة اليوم. وهذا وهم.

المنصوري لم تأت من الفراغ، بل جاءت من سلسلة ذهبية من النساء اللواتي بنين هذا الوطن عندما كان الرجال يحاربون.

         فاطمة الفهرية لم تطلب من الدولة أن تبني لها جامعة، بل بنت هي الدولة كلها عندما شيدت بمالها سنة 859 جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم، لتعلمنا أن المرأة تبني المؤسسات لا تطلب الدعم.

         كنزة الأوربية، زوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني، هي التي احتضنت الدولة الإدريسية وهي في المهد. وعندما اغتيل زوجها، لم تهرب، بل حمت ابنها ووحدت القبائل  حولها وتبتت عماد أول دولة مغربية. وعلمتنا أن المرأة تحمي الدولة عندما يضعف الرجال.

         زينب النفزاوية، المرأة التي حكمت مراكش من وراء الستار. هي التي أشارت على زوجها يوسف بن تاشفين ببناء مراكش عاصمة للمرابطين وقالت له جملتها الشهيرة: “ابنِ مدينة تُذكر بها”. كانت مستشارته السياسية والعسكرية، وكان لها دور في تدبير الملك. المنصوري اليوم عمدة لمراكش التي أسستها زينب، كأن التاريخ يعود.

         السيدة الحرة، حاكمة تطوان والأميرة المجاهدة التي حكمت شمال المغرب وحدها لسنوات طويلة، وخاضت حرباً بحرية ضد البرتغاليين والإسبان، وراسلت السلطان العثماني بندية. كانت دولة لوحدها عندما ضعفت دولة المركز. علمتنا أن المرأة المغربية يمكن أن تكون قائدة حرب وحرة في قراراتها.

         خناثة بنت بكار، المرأة التي حكمت المغرب فعلياً لسنوات بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل. كانت هي من تختار السلاطين وتخلعهم، وتدير شؤون الإمبراطورية من قصرها. كانت أول “رئيسة حكومة” في التاريخ المغربي بلا لقب.

         مليكة الفاسي، المرأة الوحيدة التي وقعت على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 مع 66 رجلاً. عندما خاف بعض الرجال أن يوقعوا، وقعت هي. كانت تؤمن أن استقلال الوطن لن يكتمل إلا بتحرير المرأة والرجل معاً.

         ثم جاء الاستقلال، وهناك وجدنا ثريا الشاوي، أول ربانة طائرة في المغرب والعالم العربي سنة 1956، قادت الطائرة في زمن كان فيه أغلب الرجال لا يملكون سيارة. اغتيلت لأنها كانت رمزاً لتحرر سابق لزمانه، لتعلمنا أن السماء ليست للرجال فقط.

         السيدة  المنصوري إذن ليست استثناءً، بل هي القاعدة التي نسيناها. 70 سنة من حكومات الرجال هي الاستثناء.

         ثانيا: ماذا يمكن أن يتغير عند المغاربة؟

         الجواب الصريح: لا شيء سيتغير تلقائياً لمجرد أن رئيس الحكومة امرأة. لكن كل شيء يمكن أن يتغير إذا استحضرت السيدة لمنصوري حكمة هؤلاء النساء السبع.

         1- من حكومة الأرقام إلى حكومة التفاصيل – درس فاطمة الفهرية وزينب النفزاوية

         حكومات الرجال كانت مهووسة بالمشاريع الكبيرة: أكبر ميناء وأطول برج. لكن فاطمة الفهرية علمتنا أن المؤسسة التي تبقى هي التي تخدم الإنسان، وزينب النفزاوية علمتنا أن المدينة لا تبنى بالحجر بل بالفكرة.

         ماذا يعني هذا اليوم؟ أن تدخل المرأة الحامل إلى مستشفى عمومي فتجد سريرا ولا يطلب منها شراء شيء. أن تدخل الأم إلى مدرسة فتجد ابنها مع 30 تلميذاً لا 45. حكومات الرجال بنت المستشفى والمدرسة ونسيت من فيهما. المنصوري يمكن أن تعيد منطق فاطمة الفهرية: ابنِ الإنسان أولاً.

         2- من حكومة الوصي إلى حكومة “اعتمد على نفسك” – درس كنزة والسيدة الحرة

         الرجل في السلطة من عادته يحب أن يكون وصياً: سأعطيك دعما واشكرني. كنزة الأوربية والسيدة الحرة لم تعطيا الناس دعما، بل أعطتاهم دولة وبحراً يحمونه.

         اليوم 13 مليون مغربي يأخذون دعماً. هذا ليس إنجازاً. حكومة المنصوري يمكن أن تقول ما كانت تقوله السيدة الحرة لبحارتها: لن أعطيك سمكة، سأعطيك سفينة تصطاد بها وتحارب بها. أي تكوين حقيقي ومقاولة وقرض بلا تعقيد.

3- من حكومة الكلام الخشبي إلى حكومة تسمع – درس مليكة الفاسي وثريا الشاوي

         مليكة الفاسي وقعت وثيقة الاستقلال لأنها سمعت أنين الشعب، وثريا الشاوي قادت الطائرة لأنها سمعت حلمها لا كلام الناس.

         أكبر مشكلة اليوم ليست الفقر بل “التهميش”. المنصوري كانت تستقبل الناس في جامع الفنا لا في مكتب مكيف. إذن حكومة امرأة يمكن أن تذهب للاستماع في زاكورة والحسيمة وقرى الأطلس.

         ثالثا: وماذا الذي لن يتغير إذا لم تنتبه السيدة فاطمة الزهراء المنصوري؟

         هناك خمسة أفخاخ قاتلة:

         1-فخ الواجهة النسائية لحكومة رجال: المنصوري عندها 97 مقعداً فقط وستتحالف مع عدد من الأحزاب. الخطر أن تتحول إلى صورة جميلة لواجهة يديرها الرجال من الخلف، كما حاول البعض أن يفعل مع خناثة بنت بكار في البداية قبل أن تفرض هي سلطتها. إذا حدث هذا سيقول الناس: “جربنا الرجل ففشل وجربنا المرأة ففشلت، إذن المشكل في المنظومة”.

         2- فخ حكومة التوافق: سيُطلب منها أن ترضي الجميع. لكن روح مليكة الفاسي لم تكن توافقية، كانت واضحة: نوقع على الاستقلال. إذا حاولت المنصوري إرضاء الجميع ستصفق لها الأحزاب ويقاطعها الشارع.

         3- فخ مراكش الكبرى: المنصوري نجحت في مراكش مدينة زينب النفزاوية. والإغراء أن تحول المغرب كله إلى مراكش للمهرجانات والسياحة. لكن المغرب ليس مراكش فقط، هو جرادة وزاكورة وازغنغان وحي شعبي في سلا.

         4- فخ لغة الخبراء: الخطر أن تخاطبنا بلغة “الانتقائية والبرنامج المندمج…”. المغربي يريد جملة واحدة: “سأنهي مهزلة تدبير المدرسة العمومية “. فاطمة الفهرية لم تكتب تقريراً عن القرويين، بل بنتها.

         5-فخ العداء المصطنع بينها وبين الرجال: لن تنجح كرئيسة للنساء فقط. ثريا الشاوي لم تكن تقود طائرة للنساء، بل للمغرب. إذا تحولت حكومة المنصوري إلى حكومة نسوية نخبوية لنساء الرباط ونسيت نساء الجبال، سيقول الرجل المقهور: “حتى هي ضدي”.

         الخلاصة

         ماذا يمكن أن يتغير لأن سيدة ترأس الحكومة؟

         لا شيء، إذا عملت بنفس عقلية الرجال.

         وكل شيء، إذا تذكرت أنها ليست أول امرأة تحكم المغرب، بل هي وريثة فاطمة الفهرية التي بنت، وكنزة التي حمت الدولة، وزينب التي خططت، والسيدة الحرة التي حاربت، وخناثة التي حكمت، ومليكة التي وقعت، وثريا التي حلقت.

         بعد 70 سنة من الاستقلال، المغاربة لا يريدون حكومة تبني لهم برجاً يصورونه. يريدون حكومة تعيد لهم كرامة علمتهم إياها نساء هذا الوطن قبل رجاله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;