المينورسو بعد 31 أكتوبر 2026: أما آن الأوان أن تتحول من بعثة تحرس استفتاء ميتا إلى بعثة لمواكبة تنزيل حكم ذاتي حي

الوداع الأخير لبعثة الاستفتاء: لماذا يجب أن تتحول المينورسو في 31 أكتوبر؟

بقلم: محمد أمطاط..

ثلاثة تواريخ تفصلنا عن قرار تاريخي: 23 شتنبر خطاب ناصر بوريطة أمام الجمعية العامة، 1 أكتوبر تقرير غوتيريش S/2026/781، 8 أكتوبر إحاطة دي ميستورا أمام مجلس الأمن. وكلها تصب في اتجاه تاريخ واحد: 31 أكتوبر 2026، موعد انتهاء أو تجديد ولاية المينورسو.

         سؤال واحد يفرض نفسه اليوم: هل ستمدد مرة أخرى بعثة اسمها “تنظيم الاستفتاء” لم تنظم استفتاء واحدا منذ 1991، أم ستتحول إلى بعثة تثبت حل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟

         أولا: بوريطة من نيويورك – قطار الحل انطلق

         في خطابه يوم 23 شتنبر أمام الدورة 81 للجمعية العامة، لم يأت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج للدفاع عن موقف، بل لإعلان نهاية مرحلة.       

         قال: “اعتماد القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025 شكل منعطفا تاريخيا”. ومنذ ذلك التاريخ دخل الملف “مسارا لا رجعة فيه للقطيعة مع الماضي والتطلع نحو تسوية نهائية”.   وحتى لا يترك مجالا للتأويل، حدد ستة مبادئ قال إنها تؤطر المرحلة الجديدة وفق الرؤية المغربية:

         1-الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الوحيد للحل، لا غير.

         2- المفاوضات السياسية يجب أن تتم حصريا تحت رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس المبادرة المغربية.

         3- مسؤولية الأطراف الأربعة – المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا – كما حددها القرار 2797، غير قابلة للتهرب.

         4-رفض استمرار الوضع القائم الذي تريد بعض الأطراف تكريسه.

         5- لا مصداقية لمن ينتهك وقف إطلاق النار ويرفض قرارات مجلس الأمن.

         6-لا يمكن قبول استمرار احتجاز سكان تندوف لنصف قرن في خرق للقانون الدولي.

         وزير الخارجية ناصر بوريطة لم يتحدث بلغة الماضي، بل تحدث بلغة المستقبل. وأكد على هامش الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أن الدينامية الدولية لصالح مغربية الصحراء ومخطط المغربي للحكم الذاتي انتقلت من الدعم الثنائي إلى مستوى متعدد الأطراف في إطار الأمم المتحدة.

         فكانت رسالة المغرب لمجلس الأمن واضحة: العالم لم يعد ينتظر، والمينورسو لا يمكن أن تبقى بعثة مراقبة لسراب تصرف سنويا 60 مليون دولار .

         ثانيا: تقرير غوتيريش  في 1 أكتوبر – وثيقة إدانة للمينورسو بوظيفتها الحالية

         يعتبر تقرير S/2026/781 أهم تقرير منذ 2007. لأنه لأول مرة يوثق أن المفاوضات خرجت من قاعة الاستماع إلى طاولة الحل.

         فالتقرير يكشف أن ثلاث جولات مفاوضات مباشرة عقدت في مدريد وواشنطن في يناير وفبراير 2026، برئاسة أممية-أمريكية مشتركة، وشاركت فيها الأطراف الأربعة، وأنها انطلقت على أساس واحد فقط: مقترح الحكم الذاتي المغربي وفق القرار 2797.

         وهنا التحول: المغرب قدم في يناير 2026 وثيقة جديدة هي “مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي” مفصل – عبارة عن دستور مصغر يحدد الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمالية – وتم تقاسمه مع الأطراف والولايات المتحدة. في المقابل قدمت جبهة البوليساريو الانفصالية في أكتوبر 2025 وثيقة حول “ضمانات ما بعد الاستفتاء”، أي أنها تفاوض على ما بعد شيء لن يحدث أبدا. فهذا الطرف الانفصالي ما زال يراهن على استفتاء مستحيل وفق تقرير الأمين العام، بينما يتفاوض العالم على تنزيل الحكم الذاتي الحقيقي.  

         لكن التقرير نفسه يوثق فشل المينورسو ميدانيا:

         –  البوليساريو منعت 4072 زيارة حاولت البعثة القيام بها لوحداتها شرق الجدار.

         – فرضت قيودا على الدوريات البرية والجوية.

         – قائد قوة المينورسو لم يعد قادرا على التواصل المباشر مع قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية إلا عبر رسائل مكتوبة.

غوتيريش يكتبها بصراحة: “بدون حرية حركة كاملة، قد تصبح المينورسو قريبا غير قادرة على الحفاظ على وجودها شرق الجدار”.

          بعثة تكلف 60 مليون دولار سنويا، اسمها “تنظيم الاستفتاء”، ولم تنظم استفتاء واحدا منذ 1991، مهمتها مراقبة وقف إطلاق نار ، ووقف إطلاق النار انهار في 2020، وممنوعة من التحرك شرق الجدار، وتطالب بتمديد ولايتها بنفس الصيغة: هذا هو تعريف العبث المؤسسي.

         في المقابل، التقرير نفسه يرصد تحولا ديمغرافيا واقتصاديا لا يمكن للمينورسو تجاهله: أقاليم الصحراء أصبحت تستقطب استثمارات بـ 8.8 مليار دولار، وميناء الداخلة الأطلسي ومشروع الهيدروجين الأخضر، وانتخابات محلية وجهوية منتظمة بنسبة مشاركة تفوق 65%، بينما ضفة المخيمات ترزح تحت إحصاء ممنوع منذ 1975. إذن الواقع تجاوز البعثة، والديمغرافيا حسمت الجدوى.

         ثالثا: إحاطة دي ميستورا 8 أكتوبر – من الاستفتاء إلى الحكم الذاتي الحقيقي

         هذه الإحاطة هي الأخطر. دي ميستورا لا يعتبر القرار 2797 حكما مسبقا يفرض النتيجة، لكنه يعتبره إطارا لا رجعة فيه، ويضع ثلاثة شروط لأي حل حتى يكون نهائيا ومقبولا دوليا:

   –الشرط الأول: أن يكون حكما ذاتيا حقيقيا وفق أعلى المعايير الدولية، لا حكما ذاتيا شكليا أو لامركزية إدارية.

                 – الشرط الثاني: أن يرتكز على ضمانات دولية قوية وملزمة من مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تضمن عدم التراجع عنه.

   – الشرط الثالث: أن يقترن بتشاور حقيقي وذي مغزى مع الساكنة بما يحترم إحدى مظاهر مبدأ تقرير المصير.

                   ولترجمة هذه الشروط، كشفت مفاوضات مدريد في 8 و9 فبراير 2026 عن أفكار عملية لم تطرح من قبل:

       – فكرة إنشاء “مجلس انتقالي” يدير المرحلة الانتقالية بصلاحيات حقيقية، وتحت السيادة المغربية.

  – مناقشة تفصيلية لتقاسم الموارد وتوزيع الثروات، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية، والنظام الانتخابي.

 – مقترح موريتاني بتشكيل لجنة لبحث “الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم”.

     – تكليف فرق الأمم المتحدة والولايات المتحدة بصياغة مسودة “اتفاق إطار” للمرحلة الانتقالية.

         نحن لم نعد في نقاش هل هناك استفتاء؟ بل في نقاش كيف ننزل الحكم الذاتي ببرلمانه وحكومته وضماناته؟

         رابعا: ما المطلوب في 31 أكتوبر 2026؟ تحويل لا تمديد

         مجلس الأمن سيناقش في عدة جلسات شهر أكتوبر برئاسة اليونان توصية تقنية بتمديد سنة إضافية حتى 31 أكتوبر 2027. لكن التمديد لنفس الولاية سيكون تكرارا للفشل.

         المنطق الذي فرضه ناصر بوريطة وغوتيريش ودي ميستورا يقول: آن الأوان لتحويل المينورسو (MINURSO) إلى بعثة جديدة تحمل اسما جديدا تكون لها ثلاث مهام:

          1-من مراقب وقف إطلاق نار إلى مراقب ضمانات دولية: مهمتها لم تعد عد الخروقات قرب المحبس، بل مراقبة مدى احترام معايير الحكم الذاتي الحقيقي بضماناته الثلاثة التي وضعها دي ميستورا.

          2-من بعثة عسكرية إلى أمانة للمجلس الانتقالي: لم يعد مقبولا أن تظل المينورسو بعثة عسكرية تستهلك 60 مليون دولار سنويا لمراقبة وقف إطلاق نار لم يعد قائما منذ 2020، واسمها “تنظيم الاستفتاء”، بينما تؤكد تقارير الأمين العام نفسه استحالة تنظيمه. آن الأوان لتحويلها من بعثة عسكرية عاجزة وممنوعة من التحرك شرق الجدار، إلى أمانة تقنية للمجلس الانتقالي للحكم الذاتي، مهمتها الإشراف على الإحصاء في تندوف، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، والتحضير للانتخابات المحلية، وضمان الحدود النهائية للإقليم تحت السيادة المغربية.

         وجذير بالتوضيح أن المجلس الانتقالي لا يمس بالسيادة المغربية، بل يثبتها ويجعلها قابلة للتنفيذ دوليا. فمشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في يناير 2026 ينص بوضوح أن السيادة، والعلم، والعملة، والدفاع، والخارجية، والدين، تبقى اختصاصات حصرية للملك والدولة المركزية. والمجلس الانتقالي لا يناقش السيادة، بل يناقش تدبير الصلاحيات المحلية داخل السيادة.  وهو على غرار المجالس الانتقالية التي أشرفت عليها الأمم المتحدة في حالات حكم ذاتي حقيقي (كاتالونيا، اسكتلندا، جنوب تيرول).

         3-من مراقبة فراغ إلى إشراف على واقعين مؤجلين: منذ 1991 والمينورسو تراقب فراغا: وقف إطلاق نار بلا سلام، واستفتاء بلا لوائح، ومخيمات بلا إحصاء، و4072 عرقلة لعملها الميداني. آن الأوان أن تنتقل من مراقبة هذا الفراغ، إلى الإشراف على واقعين مؤجلين: واقع الإحصاء الحقيقي لسكان تندوف المحتجزين منذ نصف قرن، وواقع التنزيل الفعلي للحكم الذاتي ببرلمانه وحكومته وعدالته الانتقالية، تحت ضمانة أممية وأمريكية.

         خلاصة

         المينورسو لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأن العالم الذي خلقها انتهى في 1991.

         35 سنة من بعثة تحرس استفتاء مستحيلا كافية. العالم في نيويورك قال “القطار انطلق”. غوتيريش قال “المينورسو عاجزة”. دي ميستورا قال “نريد حكما ذاتيا حقيقيا بضمانات”.

         31 أكتوبر 2026 يجب ألا يكون تاريخ تمديد روتيني للمينورسو، بل تاريخ ولادة بعثة أممية جديدة، مهمتها ليست حراسة سراب، بل مواكبة تنزيل حل واقعي تحت السيادة المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;