غزة بعد ثلاث سنوات.. جراح لم تندمل وأسئلة تُلاحِقُ العالم
العالم يعرف الكثير مما حدث ولكن لا أحد يتحرك بجدية

لبيب – قسم التحرير.. ثلاث سنوات مرّت على السابع من أكتوبر 2023، لكن جراح غزة لم تندمل، ولم تنتهِ الأسئلة التي تلاحق العالم؛ كم من الضحايا يحتاج المجتمع الدولي حتى يتحرك؟ وكم من الأدلة يحتاج القضاء الدولي حتى تتحول التحقيقات إلى محاكمات؟
ثلاث سنوات تبدو زمناً طويلاً في حياة الدول، لكنها بالنسبة إلى سكان غزة تحولت إلى زمن مفتوح من الموت والنزوح والدمار والخوف. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، عاش الفلسطينيون في القطاع على وقع القصف والتهجير وتدمير المنازل والمنشآت المدنية، فيما ظلت المساعدات الإنسانية تواجه قيوداً ونقصاً حاداً في الموارد.
وفي سبتمبر 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن استمرار استخراج رفات بشرية من تحت أنقاض المنازل، بعد نحو ثلاث سنوات من تدميرها، يثير مخاوف جدية بشأن احترام القانون الدولي ووقوع انتهاكات جسيمة، بينها جرائم حرب. وقال المفوض السامي فولكر تورك إن ما يتم العثور عليه قد لا يمثل سوى جزء من حجم المأساة المدفونة تحت الأنقاض.
أرقام لا تختصر المأساة
الأرقام القادمة من غزة لا تعكس وحدها حجم الكارثة الإنسانية. فخلف كل رقم عائلة فقدت أحد أفرادها، أو منزل دُمّر، أو طفل فقد والديه، أو جريح يعيش بإصابة سترافقه طوال حياته.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى استمرار سقوط ضحايا ونزوح السكان وتدهور الخدمات الأساسية خلال عام 2026، حتى بعد إعلان وقف لإطلاق النار في أكتوبر 2025. وفي تقرير سبتمبر 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن الغارات والهجمات استمرت في مناطق مأهولة، بينما ظلت الإمدادات الطبية والمياه والصرف الصحي شديدة الهشاشة.
كما أشار تقرير أممي آخر إلى أن نحو 2 في المائة من سكان غزة، وفق تقدير يستند إلى عدد السكان قبل تصعيد أكتوبر 2023، أصبحوا يعيشون مع إصابات خطيرة مرتبطة بالحرب، بينها البتر وإصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضّية.
ثلاث سنوات من العجز الدولي
المفارقة الأكثر إيلاماً أن العالم لم يكن يفتقر إلى المعلومات.
منذ الأيام الأولى للحرب، كانت صور الدمار تصل إلى شاشات العالم، وكانت المنظمات الدولية توثق الضحايا والنزوح وتدمير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس. وصدرت عشرات البيانات والنداءات والتحذيرات، وانعقدت جلسات في الأمم المتحدة، وفتحت تحقيقات، وبدأت إجراءات أمام المحاكم الدولية.
لكن المسافة بين معرفة الجريمة المحتملة ووقفها ومحاسبة المسؤولين عنها بقيت هائلة.
وقد أصدرت محكمة العدل الدولية منذ يناير 2024 تدابير مؤقتة ملزمة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، مطالبة إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع أفعال تقع ضمن نطاق الاتفاقية، وضمان وصول المساعدات الأساسية والحفاظ على الأدلة.
القضاء الدولي تحرك… لكن المحاكمة شيء آخر
في نوفمبر 2024، اتخذت المحكمة الجنائية الدولية خطوة غير مسبوقة عندما أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين، وفق ما ورد في قرار المحكمة.
وهنا تظهر إحدى أكبر مشكلات العدالة الدولية: كيف يمكن تحويل القرارات القضائية إلى إجراءات عملية عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية وعسكرية تتمتع بحماية سياسية أو بدعم دولي؟
إن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك جهاز شرطة خاصاً بها لتنفيذ مذكرات التوقيف، وتعتمد في تنفيذها على تعاون الدول.
أين تكمن قوة القانون الدولي؟
لقد أثبتت السنوات الثلاث أن القانون الدولي قادر على إنتاج الوثائق والقرارات والتحقيقات، لكنه يواجه اختباراً أصعب عندما يتعلق الأمر بفرض هذه القرارات على أرض الواقع.
فمحكمة العدل الدولية تستطيع إصدار أوامر وتدابير مؤقتة، والمحكمة الجنائية الدولية تستطيع إصدار مذكرات توقيف، ولجان التحقيق تستطيع جمع الأدلة، والمنظمات الدولية تستطيع توثيق الانتهاكات.
لكن السؤال يبقى: من ينفذ؟
وهذا السؤال لا يتعلق بغزة وحدها، بل بمستقبل النظام الدولي كله.
فإذا استطاعت دولة أو مسؤولون متهمون بارتكاب جرائم دولية أن يظلوا بمنأى عن المساءلة بسبب الحسابات السياسية والتحالفات الدولية، فإن ذلك يضعف ثقة الشعوب في مبدأ المساواة أمام القانون.
الضحية لا تنتظر البيانات
بالنسبة إلى سكان غزة، لا تكفي البيانات الدولية ولا المؤتمرات الصحافية ولا عبارات القلق.
العائلة التي فقدت بيتها تحتاج إلى مأوى. والمصاب يحتاج إلى علاج. والطفل الذي فقد والديه يحتاج إلى حماية وتعليم. والأسرة التي لا تجد ماءً نظيفاً تحتاج إلى الماء، وليس إلى بيان جديد.
وفي يوليو 2026، قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض تراكمت في غزة منذ أكتوبر 2023، ولم يكن قد أزيل منها سوى جزء محدود. كما ظلت الاحتياجات الإنسانية تتجاوز قدرة المنظمات على الاستجابة بسبب القيود ونقص التمويل.
هذه ليست مجرد أرقام عن إعادة الإعمار؛ إنها صورة لمدينة ومجتمع يحتاجان إلى سنوات طويلة لاستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
وماذا عن المسؤولية؟
لا يمكن أن تتحقق العدالة إذا اقتصرت على الضحايا.
العدالة الدولية تعني التحقيق في الجرائم المحتملة أياً كان مرتكبوها، وهنا تكمن قيمة العدالة الحقيقية؛ ألا يكون القانون أداة لمعاقبة طرف وحماية طرف آخر، بل وسيلة لمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الجرائم.
بعد ثلاث سنوات… ماذا بقي؟
بقيت غزة شاهدة على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تدميراً في العصر الحديث.
وبقي العالم أمام امتحان لم ينتهِ بعد، هل تستطيع المؤسسات الدولية تحويل الأدلة إلى عدالة؟ وهل تستطيع الدول تحويل القرارات إلى إجراءات؟ وهل يصبح القانون الدولي أقوى من الحسابات السياسية عندما يتعلق الأمر بحياة المدنيين؟
بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال فقط:، ماذا حدث في غزة؟
فقد بات العالم يعرف الكثير مما حدث، وتوجد تقارير وتحقيقات وملفات قضائية وأدلة كثيرة.
السؤال الأصعب هو؛ ماذا سيفعل العالم بكل ما عرفه؟
فالتاريخ لا يحاكم الدول والشعوب فقط على ما فعلته، وإنما يحاكمها أيضاً على ما كانت تعرفه، وعلى ما كان بإمكانها فعله ولم تفعله.
وغزة، بعد ثلاث سنوات من الحرب، لا تحتاج إلى ذاكرة العالم وحدها؛ إنها تحتاج إلى عدالة تضع حداً للإفلات من العقاب، وإلى حماية للمدنيين، وإلى إعادة بناء ما دُمّر، وإلى مسار سياسي وقانوني يضمن ألا تتحول الجرائم الكبرى إلى مجرد صفحات في تقارير المؤسسات الدولية.
ثلاث سنوات مرت. لكن ملف غزة لم يُغلق، وملف العدالة لم يُحسم.




