الصحراء المغربية بعد قرار 2797

من الدفاع عن المقترح إلى هندسة التسوية بمنهج المعنى ومنطق الذكاء الاستراتيجي

د. محمد السنوسي (*)..

مقدمة: حين يتغير السؤال الاستراتيجي

وأنا أكتب هذه السطور من باريس، لا أكتبها من موقع من يملك جوابًا نهائيًا، ولا من موقع من يريد أن يضيف رأيًا آخر إلى سجال امتد لعقود، وإنما أكتبها بوصفها مساهمة أضعها أمام من يهمه الأمر، لعلها تفتح نافذة على المعنى الكامن وراء التحولات، وتساعد على رؤية الطريق الممكن للخروج من إشكال طال أمده، واستنزف من الزمن أكثر مما ينبغي، ومن الأجيال أكثر مما تحتمل.

فبعض القضايا لا تحتاج، بعد طول الصراع، إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى اكتشاف المعنى الذي يجعل الحل ممكنًا، وإلى قراءة التحولات التي قد تفتح الطريق من واقع النزاع إلى أفق التسوية، ومن تسوية النزاع إلى بناء ما بعده.

بعد عقود من الصراع، تبدو قضية الصحراء المغربية وكأنها تقف عند عتبة مرحلة مختلفة عن كل ما سبقها. ليس لأن النزاع قد انتهى، ولا لأن التسوية أصبحت أمرًا محسومًا، وإنما لأن السؤال نفسه بدأ يتغير.

لم يعد السؤال، فقط، كيف يستمر النزاع أو كيف يُدار، وإنما بدأ يتقدم سؤال آخر أكثر عمقًا: ما الذي تغيّر في العالم، وفي المنطقة، وفي الإنسان، وفي موازين السياسة، بحيث أصبح من الممكن أن نعيد النظر في القضية من زاوية مختلفة؟

ففي مراحل طويلة، كان جوهر المعركة السياسية والدبلوماسية يتمثل في الدفاع عن الموقف المغربي، وإثبات وجاهة مقترح الحكم الذاتي، وتحصين الوحدة الترابية من محاولات التشكيك أو إعادة إنتاج النزاع داخل أطر جديدة. وكان ذلك مفهوماً في سياق دولي ظل يتعامل مع الملف باعتباره نزاعاً مفتوحاً يحتاج إلى مسار سياسي لم يكتمل.

لكن التحولات الأخيرة، وفي مقدمتها القرار 2797، تفتح مجالاً لقراءة مختلفة: لم يعد السؤال الاستراتيجي فقط هو كيف ندافع عن المقترح؟، وإنما أصبح تدريجياً: كيف نحول المقترح إلى تسوية؟ وكيف نبني حوله نظاماً سياسياً ومؤسساتياً واجتماعياً يستطيع أن يحمل السلام بعد التوصل إليه؟

وهذا التحول مهم لأنه ينقل المغرب من منطق الدفاع إلى منطق البناء، ومن إثبات شرعية الموقف إلى تصميم شروط نجاحه، ومن إدارة النزاع إلى التفكير في اليوم التالي للنزاع.

ومن هنا تأتي أهمية منهج المعنى ومنطق الذكاء الاستراتيجي.

فمنهج المعنى لا يكتفي بقراءة الأحداث كما تقع، وإنما يبحث عن الدلالة التي تنتج عنها: ماذا تغير؟ ولماذا تغير؟ وما الذي أصبح ممكناً بعد أن لم يكن ممكناً من قبل؟

أما الذكاء الاستراتيجي فلا يكتفي برصد مواقف الأطراف، وإنما يحاول فهم احتياجاتها، وحساباتها، ومخاوفها، ومصالحها، والهوامش التي يمكن أن تتحرك داخلها نحو تسوية.

وعلى هذا الأساس، فإن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون مرحلة دفاع إضافي عن الحكم الذاتي باعتباره مجرد مقترح، وإنما مرحلة هندسة سياسية ومؤسساتية للتسوية.

فالقرار قد يفتح نافذة، لكن النافذة ليست الحل. والفرصة الاستراتيجية لا تتحول إلى نتيجة إلا إذا امتلكت الدولة القدرة على تحويل التحول السياسي إلى بنية قابلة للحياة.

أولاً: القرار 2797 ليس نهاية النزاع، بل نقطة تحول في مسار التسوية

يحتاج القرار 2797 إلى قراءة هادئة، لا تبالغ في دلالته ولا تقلل من أهميته. فقد اعتمد بأغلبية 11 صوتاً، دون أصوات معارضة، مع امتناع ثلاثة أعضاء، من بينهم الجزائر والصين وروسيا، ومدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية إلى 31 أكتوبر 2026. لكن الأهم من ذلك أنه وضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في صلب المسار التفاوضي عندما دعا الأطراف إلى التفاوض على أساسه، وحثها على تقديم أفكار بناءة تفضي إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

ومن منظورنا، لا تكمن أهمية القرار في كونه حسم النزاع، وإنما في أنه غيّر موقع المقترح المغربي داخل معادلة التفاوض.

فلم يعد الحكم الذاتي مجرد مبادرة مغربية يجري الدفاع عن وجاهتها ومصداقيتها، بل أصبح إطاراً تنطلق منه العملية السياسية نفسها. وهذه نقلة مهمة، لأنها تنقل المغرب تدريجياً من موقع الدفاع عن المقترح إلى مسؤولية بناء شروط نجاحه.

لكن القرار، في الوقت نفسه، أبقى التسوية في إطار التوافق السياسي. فهو لا يمنح المغرب تفويضاً بفرض الحل، ولا يلغي الحاجة إلى التفاوض، وإنما يفتح الطريق أمامه.

ومن هنا يتغير التحدي الحقيقي. لم يعد المطلوب فقط إثبات أن الحكم الذاتي حل واقعي وذي مصداقية، وإنما إثبات أنه قابل للتحول إلى تسوية سياسية قابلة للحياة والاستمرار.

وهنا يتغير السؤال الاستراتيجي:

ليس فقط: كيف نقنع الآخرين بالحكم الذاتي؟

بل: كيف نبني حول الحكم الذاتي نظاماً سياسياً ومؤسساتياً يستطيع أن يحمل التسوية ويضمن استدامتها؟

وهذا يعني أن السياسة تعود إلى مركز الملف، لا باعتبارها مجرد تفاوض على المواقف، وإنما باعتبارها هندسة للمستقبل: من يحكم؟ وما المؤسسات؟ وما حدود الاختصاصات؟ وكيف توزع الموارد؟ وما الضمانات؟ وكيف تتم المشاركة؟ وكيف تتم المصالحة والعودة وإعادة الإدماج؟ وما طبيعة العلاقة بين مؤسسات الحكم الذاتي والدولة المركزية؟

إنها أسئلة تتجاوز منطق الشعارات إلى منطق بناء القدرة.

ومن هنا يكتسب القرار معناه الأعمق: فهو لا يقدم نهاية الطريق، وإنما يفتح نافذة استراتيجية للانتقال من إدارة النزاع إلى هندسة التسوية؛ ومن الدفاع عن المقترح إلى تطويره؛ ومن التفاوض حول المواقف إلى تصميم المؤسسات؛ ومن البحث عن اتفاق ينهي النزاع إلى بناء نظام سياسي واجتماعي يجعل السلام الذي سينتج عنه قابلاً للحياة.

ثانياً: من «المقترح» إلى «التسوية»

كان منطق المرحلة السابقة يقوم، في جوهره، على معادلة تفاوضية محدودة: المغرب يقدم مقترح الحكم الذاتي، والمجتمع الدولي يقيّم وجاهته، بينما تستمر الأطراف في قبول المقترح أو رفضه أو التحفظ عليه، فتظل العملية السياسية تدور حول المواقف أكثر مما تتقدم نحو بناء الحل.

أما المرحلة الجديدة فتسمح بإعادة تركيب هذه المعادلة:

إن هندسة التسوية تقتضي الانتقال من المقترح إلى التفاوض على تفاصيله، ومن التفاصيل إلى الضمانات والترتيبات الانتقالية، ومنهما إلى بناء المؤسسات والمشاركة والتنفيذ، بحيث تصبح التسوية النهائية ثمرةَ مسارٍ مؤسسي وسياسي متدرج وقابل للحياة.

وهنا يكمن الفرق الجوهري.

فالمقترح هو، في الأصل، رؤية يقدمها طرف. أما التسوية فهي هندسة توازن بين مصالح أطراف متعددة.

ولذلك فإن استثمار التحول الذي أحدثه القرار لا يقتضي فقط الدفاع عن الحكم الذاتي، وإنما تطوير بنيته السياسية والمؤسساتية، بحيث يصبح قابلاً للتحول من فكرة تفاوضية إلى نظام قابل للتنفيذ والاستمرار.

ومن ثم ينبغي أن يتغير السؤال:

إذا قبلت الأطراف غداً الدخول في التسوية، كيف سيعمل الحكم الذاتي عملياً؟

ما مؤسساته؟ كيف توزع اختصاصاته؟ كيف تنتخب؟ كيف تدار موارده؟ ما الضمانات؟ كيف تتم المشاركة السياسية؟ كيف تتم العودة وإعادة الإدماج؟ وما طبيعة العلاقة بين السلطة الذاتية والدولة المركزية؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الدولة المغربية قبل أن يطلب منها الآخرون الإجابة عنه.

لأن قوة المقترح، في المرحلة المقبلة، لن تقاس فقط بقدرته على الإقناع، وإنما بقدرته على حمل التسوية وإنتاج الاستقرار.

ثالثاً: المعنى قبل الموقف

في منهج المعنى، لا تبدأ الاستراتيجية بالسؤال: ماذا نريد؟ وإنما بالسؤال الأعمق: ما الذي يعنيه ما نريده؟

ومن هذا المنظور، لا تختزل الوحدة الترابية في قضية حدود أو في تثبيت مجال جغرافي داخل الدولة، وإنما تتصل بمعانٍ أوسع: الانتماء، والشرعية، والدولة، والتنمية، والمشاركة، والمصالحة، والمستقبل.

وهذا التحول في النظر يعيد تعريف الإنسان الصحراوي داخل معادلة التسوية. فهو ليس مجرد موضوع للنزاع أو رقماً في ترتيباته، بل هو جزء من الفاعل الاجتماعي والسياسي الذي سيحمل التسوية ويمنحها شرعيتها وقابليتها للاستمرار.

ومن هنا تبرز قاعدة استراتيجية أساسية:

لا يمكن بناء وحدة ترابية مستدامة من دون بناء انتماء سياسي مستدام، ولا يمكن بناء انتماء سياسي مستدام من دون تكوين قيادات وحدوية قادرة على منح هذا الانتماء معناه وتجسيده في مشروع سياسي جامع.

وعلى هذا الأساس، ينبغي ألا يقدم الحكم الذاتي باعتباره مجرد صيغة دستورية أو تقنية إدارية لتدبير إقليم، بل باعتباره إعادة تركيب للعلاقة بين الدولة والمجال والسكان؛ أي صيغة تجعل الوحدة الترابية قادرة على إنتاج المشاركة، وتحويل الانتماء إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية، وربط الشرعية بالتنمية والقدرة والمسؤولية.

وهذا هو المعنى الأعمق للحكم الذاتي: أن تتحول الوحدة من مجرد واقع جغرافي وقانوني إلى مشروع سياسي واجتماعي قابل للحياة.

رابعاً: الذكاء الاستراتيجي يقرأ ما وراء المواقف

المواقف المعلنة للأطراف معروفة، وهي جزء من المشهد وليست المشهد كله.

فالمغرب يتمسك بالسيادة والوحدة الترابية والحكم الذاتي، وجبهة البوليساريو تتمسك بتصورها لتقرير المصير وترفض التعامل مع الحكم الذاتي باعتباره حلاً مفروضاً مسبقاً، بينما تدعم الجزائر هذا الموقف، وتسعى الأمم المتحدة إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

لكن تحليلنا لا يتوقف عند ما تقوله الأطراف، بل يبحث عما تحتاج إليه كي تستطيع الانتقال من الموقف إلى التسوية.

فالمغرب يحتاج إلى ضمان سيادته ووحدته الترابية، وإلى ألا يتحول الحكم الذاتي إلى محطة نحو الانفصال، وإلى إنهاء النزاع وتأمين الاستقرار الإقليمي والحدودي.

ويحتاج الطرف الصحراوي إلى مؤسسات تمثيلية حقيقية، ومشاركة سياسية فعلية، وضمانات تحمي الخصوصية والهوية، وإلى أفق يسمح بالعودة والمشاركة وإعادة بناء المستقبل بعيداً عن منطق الإقصاء.

أما الجزائر، فإن أي تسوية قابلة للاستمرار تحتاج إلى أن توفر لها مخرجاً لا يجعلها تظهر باعتبارها قد قبلت بهزيمة استراتيجية، وأن تأخذ في الاعتبار مصالحها الأمنية والإقليمية.

ويحتاج المجتمع الدولي إلى حل يمكن تنفيذه والاستمرار فيه، ويحقق الاستقرار الإقليمي، ويمنع عودة النزاع المسلح، ويحافظ على الحقوق، ويمنح المنطقة أفقاً سياسياً جديداً.

وهنا يظهر مجال الذكاء الاستراتيجي:

التسوية لا تُبنى فقط حول ما يطلبه كل طرف، وإنما حول ما يحتاج إليه كل طرف لكي يستطيع قبولها وتحمل كلفتها السياسية.

وبقدر ما ننتقل من لغة المطالب إلى لغة الاحتياجات، تتسع مساحة الحركة، ويصبح ممكناً البحث عن نقطة التقاء لا تلغي اختلاف المواقف، لكنها تجعل التعايش بينها داخل تسوية واحدة أمراً ممكناً.

خامساً: الثابت المغربي ومساحة التفاوض

إن الانتقال إلى هندسة التسوية لا يعني فتح كل الملفات للتفاوض، بل يعني ممارسة تفاوض أكثر ذكاءً من خلال التمييز بين ما ينبغي أن يبقى ثابتاً وما يمكن أن يكون مجالاً للحوار والتطوير.

وفي هذا الإطار، تظل السيادة والوحدة الترابية في صلب الثابت المغربي.

أما داخل هذا الإطار، فتتسع مساحة البناء والتفاوض لتشمل شكل المؤسسات، وتوزيع الاختصاصات، وصلاحيات البرلمان والحكومة الجهوية، وآليات الانتخاب، والميزانية، والإدارة المحلية، والثقافة والتعليم، والتنمية، وتدبير الموارد، والعلاقة بين المؤسسات الجهوية والسلطة المركزية، فضلاً عن الضمانات والترتيبات الانتقالية.

وهنا تظهر إحدى قواعد التفاوض الاستراتيجي:

كلما كان الموقف أكثر وضوحاً وصلابة في الثوابت، أمكن أن يكون أكثر مرونة وابتكاراً في التفاصيل.

فالمرونة في هندسة المؤسسات لا تعني التراجع عن السيادة، كما أن الانفتاح على صيغ جديدة للمشاركة وتوزيع الاختصاصات لا يعني التنازل عن الوحدة الترابية.

بل يمكن أن تكون هذه المرونة نفسها أداة لحماية الثوابت، لأنها تجعل التسوية أكثر قابلية للحياة، وتمنح الأطراف مساحة للانخراط فيها دون أن يشعر أي منها بأنه مطالب بالتخلي عن كل مصالحه الأساسية.

ومن هنا، فالتفاوض الذكي لا يسأل فقط: ماذا يمكن أن نتنازل عنه؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن نعيد تصميمه بحيث تتحقق المصالح دون المساس بالثوابت؟

سادساً: من الحكم الذاتي إلى «الحكم الذاتي الجاذب»

قد تكون المرحلة المقبلة بحاجة إلى إعادة التفكير في الحكم الذاتي ليس فقط بوصفه مقترحاً سياسياً، وإنما بوصفه نموذجاً مؤسساتياً جاذباً.

فالتسوية المستدامة لا تقوم على إعلان الصلاحيات فقط، وإنما على قدرة المؤسسات على تحويل تلك الصلاحيات إلى ممارسة يشعر معها السكان بأن لهم سلطة حقيقية، ومسؤولية حقيقية، وموارد حقيقية، ومشاركة حقيقية في صناعة مستقبلهم.

ومن هنا يمكن أن يقوم النموذج على مؤسسات جهوية منتخبة وذات صلاحيات واسعة، وحكومة جهوية فاعلة، وميزانية قادرة على تنفيذ السياسات، واختصاصات واضحة في مجالات التنمية والتعليم والثقافة والصحة والسياحة والاقتصاد المحلي، إلى جانب آليات للمساءلة والشفافية، وحماية للخصوصية الثقافية، ومشاركة فعلية في تدبير الشأن العام.

وفي المقابل، تبقى الوظائف السيادية الأساسية للدولة، وفي مقدمتها الدفاع والخارجية والعملة والسيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي.

لكن الغاية ليست البحث عن «أكبر حكم ذاتي ممكن» بوصفه هدفاً مجرداً، وإنما بناء أكثر حكم ذاتي قابلية للحياة والاستقرار داخل الدولة المغربية.

وهذا فرق جوهري؛ لأن جاذبية الحكم الذاتي لا تأتي من اتساع صلاحياته على الورق فقط، وإنما من قدرته على إنتاج مؤسسات ذات مصداقية، ونخب مسؤولة، ومشاركة سياسية، وتنمية ملموسة، وشعور فعلي بأن المجال يملك أدوات تدبير مستقبله.

وبذلك يتحول الحكم الذاتي من مجرد صيغة لإنهاء النزاع إلى صيغة لبناء ما بعد النزاع.

سابعاً: المرحلة الانتقالية قد تكون مفتاح الخروج من المأزق

من أكبر الأخطاء الاستراتيجية افتراض أن نزاعاً امتد لعقود يمكن أن ينتقل مباشرة من حالة الخصومة إلى نظام سياسي نهائي مكتمل. فالتسويات الكبرى تحتاج في كثير من الأحيان إلى مراحل تتيح الانتقال التدريجي من منطق الصراع إلى منطق الاستقرار.

ومن هنا يمكن أن تصبح المرحلة الانتقالية جزءاً من هندسة الحل، لا مجرد مرحلة مؤقتة بين مرحلتين.

والمقصود بها ليس إضعاف السيادة أو خلق وضع قانوني غامض، وإنما توفير الزمن والمؤسسات والترتيبات اللازمة لبناء الثقة، وإنشاء المؤسسات، وتنفيذ الالتزامات، وتهيئة المجتمع للانتقال إلى النظام النهائي.

ويمكن تصور مسار يبدأ باتفاق إطار يحدد المبادئ والالتزامات، تليه مرحلة انتقالية تُبنى خلالها المؤسسات وتُهيأ شروط المشاركة، ثم إنشاء مؤسسات الحكم الذاتي، وتنظيم الانتخابات، وترسيخ الممارسة السياسية، وصولاً إلى تثبيت النظام النهائي.

وهكذا تصبح التسوية عملية تراكمية لا قفزة في المجهول. فكل مرحلة تنتج قدراً من الثقة والقدرة، وكل مؤسسة جديدة تختبر عملياً قابلية النظام للعمل، وكل ترتيب يتم تنفيذه يحول الاتفاق من نص سياسي إلى واقع مؤسساتي.

ثامناً: المصالحة ليست ملحقاً للحل، بل جزء من الحل

إذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء النزاع، فإن المصالحة لا يمكن أن تأتي في نهاية التسوية باعتبارها ملفاً اجتماعياً ثانوياً. إنها جزء من جوهرها، لأن النزاعات الطويلة لا تترك وراءها خلافاً سياسياً فقط، وإنما تترك أيضاً مسافات نفسية واجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد الاتفاق بين النخب.

ولهذا فإن عودة الأشخاص، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها. المطلوب هو:

عودة الإنسان، وعودة الكرامة، وعودة المشاركة، وعودة الدور السياسي.

ومن هنا يمكن أن يصبح مفهوم «العودة والمشاركة» أحد مداخل التسوية التاريخية؛ أي توفير إطار قانوني وسياسي يسمح لمن يرغب من الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف بالعودة، ضمن ضمانات قانونية واضحة، وبرامج لإعادة الإدماج، وترتيبات للعفو في إطار التسوية، وحماية للحقوق، وفرص اقتصادية، وإمكانات حقيقية للمشاركة السياسية والاستفادة من الكفاءات.

لكن المعنى الأعمق للمصالحة هو تغيير النظرة إلى العائدين أنفسهم. فلا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم طرفاً مهزوماً يحتاج إلى الاستيعاب، وإنما باعتبارهم رصيداً بشرياً يمكن أن يساهم في بناء المرحلة الجديدة.

وعند هذه النقطة تتحول المصالحة من تكلفة سياسية واجتماعية إلى أصل استراتيجي للوحدة الوطنية. فالوحدة الأقوى ليست التي تستوعب الاختلاف بالقوة، وإنما التي تستطيع تحويل الاختلاف السابق إلى مشاركة في بناء المستقبل.

تاسعاً: البوليساريو بين منطق الحركة ومنطق الدولة

وهنا سأكون أكثر صراحة، ولكن أيضًا أكثر صدقًا وإيمانًا عميقًا بمستقبل أبنائنا الموجودين في مخيمات تندوف: إن فرض أي تسوية سياسية على جبهة البوليساريو لن يكون مجرد نهاية لمسار سياسي، بل سيكون انتقالًا استراتيجيًا عميقًا؛ من منطق الحركة إلى منطق المؤسسة، ومن شرعية التعبئة إلى مسؤولية بناء الدولة.

فالحركة التي تستمر في منطق النزاع تستطيع أن تحافظ على هويتها التعبوية وعلى خطابها الاحتجاجي، أما عندما تدخل في مسار التسوية فإنها تواجه سؤالاً مختلفاً: كيف تتحول من التعبئة إلى المسؤولية، ومن المطالبة إلى المشاركة، ومن الخطاب السياسي إلى ممارسة السياسة العامة، ومن منطق المواجهة إلى منطق المؤسسات؟

وهذا التحول، رغم صعوبته، يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لإنهاء النزاع.

فبدلاً من أن يكون الهدف هو إلغاء الطرف الآخر أو نفي وجوده السياسي، يمكن أن يكون الرهان على تحويل طاقة الصراع إلى طاقة سياسية ومؤسساتية.

ولا يعني ذلك منح أي طرف شرعية مسبقة لمواقفه، وإنما يعني إدراك قاعدة أساسية في إدارة النزاعات: أن السلام يصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما يجد الخصم السابق مكاناً داخل النظام الجديد، ويجد لنفسه دوراً سياسياً ومؤسساتياً يمكن أن يمارسه عبر الوسائل السلمية.

عاشراً: الجزائر… الحلقة الإقليمية التي لا يمكن تجاوزها

حتى إذا تحقق تقدم كبير في التفاوض المباشر مع البوليساريو، فإن البعد الجزائري سيظل حاضراً في معادلة الاستقرار الإقليمي.

ولذلك فإن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون فقط: هل يمكن الوصول إلى اتفاق مع البوليساريو؟ بل أيضاً:

هل يمكن أن تكون التسوية مستقرة ومستدامة إذا ظل البعد الجزائري خارج هندستها؟

ومن الصعب تصور سلام مغاربي مستدام إذا بقيت التسوية تُقرأ في الجزائر باعتبارها انتصاراً مغربياً وهزيمة جزائرية. ولذلك يحتاج التفكير المغربي إلى فتح أفق مختلف:

ليس: كيف نجعل الجزائر تقبل بالحل؟

وإنما: كيف نجعل نهاية النزاع جزءاً من مصلحة الجزائر في الاستقرار الإقليمي؟

وهنا يمكن التفكير في مفهوم أوسع هو «صفقة الاستقرار المغاربي»؛ أي تحويل نهاية النزاع من نقطة صراع جديدة إلى مدخل لإعادة بناء العلاقة الإقليمية، من خلال تخفيف التوتر، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي، وإعادة تنشيط الروابط التجارية، وتطوير التعاون في أمن الحدود، ومواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وفتح مجالات للتعاون في الطاقة، وإعادة التفكير في مستقبل المغرب العربي.

وهذا لا يعني ربط السيادة المغربية بموافقة الجزائر، وإنما يعني الفصل بين أمرين: ثبات المبدأ، ومرونة البيئة الإقليمية التي ستحتضن التسوية.

فالهدف الاستراتيجي الأوسع ليس فقط أن تنتهي قضية الصحراء، وإنما أن يبدأ معها تفكيك البيئة الإقليمية التي ساهمت في استمرار النزاع.

الحادي عشر: أوروبا وإفريقيا والمتوسط جزء من هندسة الحل

لم يعد ملف الصحراء قضية مغربية–مغاربية بالمعنى الضيق. فقد أصبح يتحرك داخل فضاء جيوسياسي أوسع تتقاطع فيه مصالح المغرب مع إفريقيا والساحل والمتوسط وأوروبا والأمن الدولي.

ولهذا ينبغي توسيع معنى التسوية نفسها.

فالحكم الذاتي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره صيغة سياسية لإنهاء النزاع، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أوسع يعيد تعريف موقع الأقاليم الجنوبية داخل المجال المغربي والإفريقي والمتوسطي.

فالمجال يمكن أن يتحول إلى بوابة نحو إفريقيا، ومنصة للطاقة، وفضاء للاقتصاد الأزرق، ومركز لوجستي، ومجال للاستثمار، ونقطة وصل بين المغرب وأوروبا وغرب إفريقيا.

وهنا تتحول التنمية إلى أداة جيوسياسية للسلام.

وليس المقصود شراء الشرعية بالتنمية، لأن الشرعية السياسية لا تُشترى، وإنما بناء واقع اقتصادي ومؤسساتي يجعل التسوية قادرة على إنتاج قيمة مشتركة ومصالح متبادلة.

وكلما أصبحت الصحراء المغربية جزءاً من شبكات أوسع للتجارة والطاقة والاستثمار والربط الإفريقي والمتوسطي، أصبح استقرارها ليس مصلحة مغربية فقط، وإنما مصلحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة.

الثاني عشر: التنمية وحدها لا تكفي

ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال التسوية في التنمية.

فالتنمية ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة السياسية العميقة التي تطرحها مرحلة ما بعد النزاع.

فالتنمية لا تجيب بمفردها عن سؤال: من يحكم؟ ولا عن سؤال: من يشارك؟ ولا عن سؤال الهوية والانتماء، ولا عن سؤال المصالحة، ولا عن السؤال الأكثر عمقاً:

كيف يشعر الإنسان بأن النظام السياسي الجديد يمثله ويمنحه مكاناً في مستقبله؟

ولهذا فإن الحكم الذاتي المستدام يحتاج إلى معادلة أكثر تركيباً:

إن مشروع المستقبل ليس مجرد مشروع تنمية، ولا مجرد بناء مؤسسات، ولا مجرد توسيع للمشاركة أو صون للحقوق والهوية، بل هو مشروع متكامل تتكامل فيه هذه العناصر جميعًا لتأسيس دولة تتسع لجميع أبنائها، وتصون كرامتهم، وتحصّن وحدتهم، وتفتح أمامهم أفقًا مشتركًا للمستقبل. فالتنمية لا تستقيم من دون مؤسسات قوية وفاعلة، والمؤسسات لا تكتسب شرعيتها من دون مشاركة حقيقية، والمشاركة لا تصبح ذات معنى من دون حقوق مصونة، والحقوق لا تجد أساسها المستدام من دون شعور راسخ بالانتماء، والانتماء لا يترسخ إلا بمصالحة حقيقية تطوي صفحات الماضي من دون إنكارها، وتحوّل الذاكرة من مصدر للانقسام إلى قاعدة لبناء المستقبل. إنها، في النهاية، حلقات مترابطة في مشروع واحد: مشروع دولة تبني التنمية، وترسّخ المؤسسات، وتوسّع المشاركة، وتصون الحقوق، وتحمي الهوية، وتؤسس لمصالحة تجعل من الوحدة خيارًا حيًا ومستدامًا.

ومن هنا تصبح التنمية جزءاً من بناء التسوية، لا بديلاً عنها.

الثالث عشر: من الوحدة الترابية إلى الوحدة الاستراتيجية

الوحدة الترابية هي نقطة البداية، لكنها لا ينبغي أن تكون نقطة النهاية.

فالدولة التي تريد إنهاء نزاع طويل الأمد لا يكفيها أن تحمي الأرض؛ عليها أن تبني القدرة داخل الأرض.

وهذا يعني الانتقال من مفهوم الوحدة باعتبارها تثبيتاً للمجال إلى مفهوم أوسع يجعلها مشروعاً متكاملاً يقوم على أرض مستقرة، ومجتمع مندمج، واقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، ونخب جديدة، وشباب يمتلك أفقاً للمستقبل، وعلاقات إقليمية أكثر استقراراً.

وعند هذه النقطة تتحول الوحدة الترابية من موقف دفاعي إلى مشروع قوة وطنية.

فالأرض لا تصبح أكثر أمناً بمجرد حمايتها، وإنما تصبح أكثر استقراراً عندما تنتج مؤسسات قوية، واقتصاداً قادراً، ومجتمعاً يشعر بأن له مصلحة مباشرة في استقرارها ومستقبلها.

وهكذا تنتقل الوحدة من مجرد وحدة في المجال إلى وحدة في القدرة والمعنى والمصلحة والمستقبل.

الرابع عشر: الحاجة إلى «ذكاء صحراوي» وحدوي جديد

قد تكون إحدى أهم حاجات المرحلة المقبلة هي بناء قدرة مغربية متخصصة في الذكاء الاستراتيجي للصحراء، لا تكتفي برصد ما تقوله الأطراف، وإنما تعمل على فهم التحولات التي تصنع البيئة المستقبلية للملف.

ويشمل ذلك قراءة التحولات الديموغرافية، واتجاهات الرأي، وصعود النخب الوحدوية الجديدة، وتحولات الشباب، والاقتصاد، وشبكات التأثير، وديناميات إفريقيا والساحل، والعلاقات مع أوروبا، والتحولات الجزائرية، والتحولات داخل البوليساريو، فضلاً عن المتغيرات الدولية التي قد تعيد تشكيل البيئة السياسية للملف.

فالانتقال المطلوب هو الانتقال من دبلوماسية رد الفعل إلى ذكاء استراتيجي استباقي؛ من انتظار الأحداث إلى قراءة اتجاهاتها، ومن متابعة المواقف إلى فهم التحولات التي تنتج تلك المواقف.

وهنا يمكن لمنهج المعنى أن يؤدي وظيفة مركزية:

قراءة الإنسان قبل قراءة الأزمة.

لأن الاستراتيجية التي لا تفهم الإنسان، واحتياجاته، وتطلعاته، ومخاوفه، ونخبه الجديدة، ستظل مضطرة إلى التعامل مع الأزمة بعد أن تتحول إلى واقع سياسي.

أما الاستراتيجية التي تقرأ الإنسان مبكراً، فتستطيع أن تستبق كثيراً من الأزمات قبل أن تتشكل.

الخامس عشر: من «الدولة العميقة» إلى «الدولة القادرة على القراءة»

لا تتعلق المسألة فقط بالموقف الدبلوماسي أو بأدوات التفاوض، وإنما تتصل أيضاً بطريقة صناعة القرار داخل الدولة.

فالتحدي ليس في امتلاك المزيد من المعلومات أو المزيد من التقارير، وإنما في القدرة على تحويل المعرفة إلى قرار.

أي بناء منظومة متكاملة تجمع بين:

المعنى هو نقطة الانطلاق في صناعة القوة السياسية؛ فمن لا يمتلك القدرة على إنتاج المعنى، يبقى أسيرًا للمعلومات التي ينتجها الآخرون. ومن المعنى تُبنى المعرفة، وبالمعرفة يُصنع التحليل، ومن التحليل يتشكل الاستشراف، وبالاستشراف تُحدد الخيارات، وبالتنسيق تتحول الخيارات إلى سياسات، وبالقرار تتحول السياسات إلى قدرة على الفعل والتأثير. لذلك، فإن معركة القوة لا تبدأ عند لحظة القرار، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: عند القدرة على فهم الواقع، وتفسيره، وتحديد معناه، وصياغة الخيارات التي تحكم اتجاهه. فالمعلومات لا تصنع قوة بذاتها؛ القوة تبدأ حين نمتلك معنىً للواقع، ثم نحول هذا المعنى إلى ذكاء، والذكاء إلى خيار، والخيار إلى سياسة، والسياسة إلى قرار، والقرار إلى قدرة وطنية على الفعل.

وهذا هو جوهر المنهج الذي ندعو اليه.

فالمشكلة في الملفات المعقدة ليست دائماً نقص المعلومات؛ فقد تكون المعلومات متوفرة بكثافة، لكن القيمة الاستراتيجية تضيع عندما لا توجد القدرة على تركيبها وفهم دلالاتها وربطها بالتحولات المستقبلية.

ومن هنا تحتاج الدولة إلى الانتقال من مجرد امتلاك المعلومات إلى امتلاك القدرة على القراءة؛ قراءة البيئة، وقراءة الفاعلين، وقراءة الاتجاهات، وقراءة ما وراء الأحداث، ثم تحويل هذه القراءة إلى خيارات قابلة للفعل، وصناعة المسار الذي يحوّل التسوية من مجرد نهاية للصراع إلى بداية لترتيب سياسي جديد.

السادس عشر: هندسة التسوية في سبع طبقات

إذا أردنا اختزال الرؤية العملية في بنية واحدة، فإن التسوية يمكن أن تُبنى في سبع طبقات متراكبة، لا تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.

تبدأ الطبقة الأولى بالسيادة، باعتبارها الإطار الذي يثبت الوحدة الترابية ويحدد الثابت الوطني.

ثم تأتي طبقة الحكم الذاتي، باعتباره نظاماً سياسياً ومؤسساتياً واسع الصلاحيات وقادراً على إنتاج مشاركة حقيقية.

ثم طبقة الضمانات، التي توفر الإطار القانوني والسياسي اللازم لتنفيذ الاتفاق وحماية استمراره.

بعدها تأتي طبقة الانتقال، بما تتطلبه من ترتيبات مرحلية لبناء المؤسسات والثقة وتهيئة المجتمع للنظام النهائي.

ثم طبقة المصالحة، التي تشمل العودة وإعادة الإدماج والمشاركة وتحويل آثار النزاع إلى طاقة لبناء المستقبل.

ثم طبقة التنمية، التي تجعل الصحراء المغربية منصة اقتصادية وإفريقية ومتوسطية منتجة للقيمة والفرص.

وأخيراً تأتي الطبقة الإقليمية، التي تفتح أفقاً جديداً للعلاقات المغربية–الجزائرية والمغاربية.

وبذلك تصبح هندسة التسوية قائمة على معادلة مترابطة ذات قيمة حقيقية تجعل التسوية أكثر من مجرد اتفاق سياسي؛ تجعلها نظاماً متكاملاً لما بعد النزاع.

السابع عشر: ماذا ينبغي للمغرب أن يفعل الآن؟

إذا كان التحول الاستراتيجي يتمثل في الانتقال من الدفاع عن المقترح إلى هندسة التسوية، فإن ذلك يقتضي ترجمة هذا التحول إلى قدرة عملية.

أولاً، إعداد نسخة تفاوضية متقدمة من مبادرة الحكم الذاتي، لا تكتفي بالمبادئ العامة، وإنما توضح هندسة المؤسسات، وتوزيع الاختصاصات، والموارد، والانتخابات، والعلاقة مع الدولة، والقضاء، والأمن الداخلي، وآليات تسوية النزاعات.

ثانياً، بناء «كتاب أبيض للحكم الذاتي» يقدم النموذج بصورة متكاملة، ويشرح منطقه السياسي والمؤسساتي والاقتصادي، ويجعله قاعدة للحوار الدولي وللتفاوض المستقبلي.

ثالثاً، إنشاء فريق تفاوض متعدد الاختصاصات، يجمع القانون الدولي والدبلوماسية والاقتصاد وعلم الاجتماع والإدارة والأمن والاستشراف، لأن التسوية المقبلة لن تكون قانونية أو دبلوماسية فقط، وإنما ستكون في الوقت نفسه سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية.

رابعاً، إعداد سيناريوهات متعددة للتسوية، لا الاكتفاء بسيناريو واحد: السيناريو الأفضل، والسيناريو الواقعي، والسيناريو الصعب، وحتى سيناريو التعثر أو الفشل، حتى تكون الدولة مستعدة ليس فقط لما تأمل حدوثه، وإنما لما قد يحدث فعلاً.

خامساً، بناء قناة للمصالحة تتجاوز البيروقراطية التقليدية، وتستطيع أن تتعامل مع البعد الإنساني والسياسي والاجتماعي للملف.

سادساً، إعداد نموذج عملي للمرحلة الانتقالية، حتى لا تكون الدولة مستعدة للتفاوض فقط، وإنما مستعدة أيضاً لتنفيذ الاتفاق عندما يصبح التنفيذ هو التحدي الحقيقي.

سابعاً، إطلاق مبادرة دولية تربط بين الحكم الذاتي والتنمية، لتقديم النموذج باعتباره مشروعاً مؤسساتياً وتنموياً وليس مجرد صيغة سياسية لإنهاء النزاع.

ثامناً، ربط التسوية بالأفق المغاربي، بما يسمح بإيجاد مخرج سياسي للجزائر يحفظ مصالحها الأساسية ويجعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من مكاسب التسوية.

تاسعاً، الاستثمار في النخب الصحراوية الجديدة، خصوصاً الشباب والجامعة والأعمال والثقافة والمجتمع المدني، لأن بناء ما بعد النزاع يحتاج إلى نخب تستطيع أن تحمل المؤسسات الجديدة وتمنحها الحيوية والشرعية.

وعاشراً، بناء منظومة دائمة للذكاء الاستراتيجي، لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ في التفكير، وإنما ترصد التحولات وتستشرفها وتنتج الخيارات قبل أن تتحول المتغيرات إلى أزمات.

وبذلك تصبح الأولوية ليست فقط امتلاك استراتيجية للصحراء المغربية، وإنما امتلاك قدرة مستمرة على إعادة إنتاج الاستراتيجية كلما تغيرت البيئة.

الثامن عشر: الاختبار الحقيقي

الاختبار الحقيقي للمغرب بعد القرار 2797 ليس فقط: هل استطاع أن يقنع العالم بأن الحكم الذاتي مقترح واقعي وذي مصداقية؟

وليس أيضاً: هل أصبح الحكم الذاتي مقبولاً نهائياً باعتباره حلاً مكتمل الأركان؟

فالمرحلة الجديدة تضع سؤالاً أكثر عمقاً:

هل يستطيع المغرب أن يحول الحكم الذاتي إلى تسوية يستطيع الطرف الآخر أن يعيش معها، ويستطيع المغرب أن يحافظ من خلالها على سيادته، ويستطيع السكان أن يروا فيها مستقبلاً أفضل؟

هنا يوجد الاختبار الحقيقي.

لأن النجاح لن يقاس فقط بموقع الحكم الذاتي داخل الخطاب الدولي، وإنما بقدرته على الانتقال من مقترح تفاوضي إلى نظام سياسي قابل للحياة، ومن فكرة إلى مؤسسة، ومن اتفاق إلى استقرار.

خاتمة: من الدفاع عن الماضي إلى صناعة المستقبل

بعد عقود من النزاع، قد يكون من الخطأ الاستراتيجي أن يبقى التفكير المغربي محصوراً في الدفاع عن شرعية موقفه التاريخي. فالمواقف التاريخية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل.

فالدول لا تنتصر فقط عندما تثبت أن موقفها كان صحيحاً، وإنما عندما تستطيع تحويل صحة موقفها إلى نظام مستدام للمستقبل.

وهنا تكمن الفرصة التي يفتحها القرار 2797.

إنه لا يقدم للمغرب حلاً جاهزاً، ولا ينهي النزاع بقرار واحد، لكنه يفتح نافذة استراتيجية للانتقال من مرحلة إلى أخرى. وهذه النافذة قد تتحول إلى فرصة تاريخية إذا تغير معها منطق التفكير نفسه.

لذلك ينبغي الانتقال:

من المقترح إلى التسوية؛
من الدفاع إلى الهندسة؛
من الموقف إلى المؤسسة؛
من إدارة النزاع إلى صناعة السلام؛
من حماية الأرض إلى بناء القدرة داخل الأرض؛
ومن نهاية القضية إلى بناء ما بعد القضية.

والقاعدة الأعمق هي أن الحل لا يكفي أن يكون واقعياً؛ بل يجب أن يكون قابلاً للحياة.

ومن هذا المنظور، يمتلك الحكم الذاتي فرصة للانتقال من كونه مقترحاً سياسياً إلى كونه مشروع تسوية تاريخية. لكن هذا الانتقال يتطلب أن يُبنى حوله معنى جديد.

فالحكم الذاتي ليس تنازلاً عن الوحدة الترابية، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لإعطاء هذه الوحدة مضموناً سياسياً ومؤسساتياً وتنموياً يجعلها أكثر قوة واستدامة.

وهنا يصبح الذكاء الاستراتيجي أداة حاسمة.

فالذكاء لا يسأل فقط: كيف نربح التفاوض؟ بل يسأل: كيف نبني اتفاقاً يستطيع الجميع أن يعيش معه؟

والاستشراف لا يسأل فقط: ماذا سيحدث إذا قبل الآخرون؟ بل يسأل: ماذا سيحدث بعد القبول؟

ومنهج المعنى لا يسأل فقط: كيف نحافظ على الأرض؟ بل يسأل: ما الدولة والمجتمع والعلاقة السياسية التي نريد أن نبنيها فوق هذه الأرض؟

ومن هنا يمكن اختزال المرحلة الجديدة في مسار واحد:

من المعنى يبدأ فهم التحول، ومنه يتشكل الذكاء الاستراتيجي، ثم يأتي الاستشراف، فتُبنى الخيارات، ويُخاض التفاوض، وتُهندس التسوية، وتُبنى المؤسسات، وتُفتح الطريق أمام المصالحة، فتتولد القدرة ويُرسَّخ السلام المستدام. إنها سلسلة واحدة: المعنى يصنع الفهم، والفهم يصنع الخيار، والخيار يصنع التسوية، والتسوية تبني المؤسسات، والمؤسسات تفتح أفق المصالحة والسلام.

لقد كان التحدي المغربي، طوال عقود، إثبات أن الحكم الذاتي مقترح واقعي وذي مصداقية. أما تحدي المرحلة المقبلة، فهو أعمق: إثبات قدرته، في إطار تسوية توافقية، على أن يكون أساسًا لبناء السلام، وترسيخ الوحدة الترابية، وإعادة إدماج الإنسان، وفتح أفق جديد للصحراء وللمغرب العربي.

وهنا يقع التحول الحقيقي: من الدفاع عن المقترح إلى هندسة التسوية، ومن البحث عن حل إلى بناء ما بعد الحل. فالتسوية التاريخية لا تنجح لحظة توقيعها، بل بقدرتها على إنتاج واقع أفضل مما سبقها. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال النهائي: من ربح النزاع؟ بل: أي مستقبل أصبح ممكنًا بعده؟

وعندما يصبح المستقبل هو معيار التسوية، تنتقل قضية الصحراء المغربية من إدارة الماضي إلى صناعة المستقبل؛ ومن تثبيت ما تحقق إلى بناء ما يمكن أن يتحقق.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;