من سبتة إلى “أفق الجوار الاستراتيجي 2040: “هل يستطيع المغرب وإسبانيا إعادة تعريف معنى الجوار؟

زيارة الملك الإسباني إلى سبتة: الذاكرة والسيادة والرهان الاستراتيجي.

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

الحدث ليس هو المعنى

ليست كل الزيارات الملكية أحداثًا بروتوكولية عابرة؛ فبينما تبدو الزيارة، في ظاهرها، ممارسةً عادية لاختصاصات الدولة، قد تتحول في سياق تاريخي وسياسي معين إلى رسالة تتجاوز مضمونها الرسمي. ومن هنا، فإن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة، في 13 أكتوبر 2026، لا تُقرأ فقط من زاوية برنامجها المعلن، بل من خلال ما تستدعيه من سؤال جوهري في العلاقات المغربية–الإسبانية: كيف يمكن بناء جوار استراتيجي مستدام بين دولتين تجمعهما الجغرافيا والمصالح، فيما لا يزال الخلاف حول السيادة ومعنى المكان يلقي بظلاله على علاقتهما؟

قد يُقال إن الزيارة لا تعدو أن تكون تعبيرًا عن ممارسة إسبانيا لاختصاصاتها المؤسسية داخل مجال تعتبره تابعًا لها. غير أن هذا التفسير، وإن عبّر عن المنظور الإسباني، لا يستنفد المعنى السياسي للحدث؛ إذ يتجاهل أن المكان نفسه موضوع خلاف تاريخي وسيادي من المنظور المغربي. فهل تكفي النية المعلنة لتحديد دلالة الفعل السياسي، أم أن هذه الدلالة تتشكل أيضًا وفق السياق التاريخي، وموقع الحدث في الذاكرة الجماعية، وما يثيره لدى الطرف الآخر من تصورات بشأن السيادة والانتماء؟

من المنظور المغربي، لا يمكن فصل الزيارة عن قضية سبتة ومليلية والجزر التي يعتبرها المغرب جزءًا من ملفه السيادي، ولا عن الذاكرة التاريخية التي تمنح هذه الأماكن معنى يتجاوز حدودها الجغرافية. فالمكان ليس مجرد أرض تُمارَس عليها السلطة؛ إنه أيضًا حامل للذاكرة والرموز والتصورات المتعلقة بالسيادة والكرامة الوطنية. وعندما يزور رأس الدولة مكانًا تحيط به هذه الحساسية، فإن الفعل، بصرف النظر عن مبرراته الرسمية، يدخل في مجال التأويل السياسي، ويغدو جزءًا من الطريقة التي تعيد بها الدول تأكيد رواياتها عن المكان وموقعه في التاريخ والنظام السياسي.

لكن هل يعني ذلك أن كل فعل رمزي ينبغي أن يقود إلى تصعيد سياسي، وأن كل اختلاف حول السيادة يجعل بناء التعاون الاستراتيجي مستحيلًا؟ هنا تظهر حدود القراءة التي تختزل السياسة في الموقف والرد عليه. فالتأكيد على الموقف المغربي لا يستلزم تحويل كل حدث إلى مواجهة، مثلما أن الدعوة إلى التعاون لا تبرر تهميش القضايا السيادية أو التعامل معها بوصفها بقايا تاريخية قابلة للتجاوز بالصمت. إن وضع المسألة في هذه الثنائية يحجب السؤال الأهم: كيف يمكن تثبيت الموقف الوطني، وفي الوقت نفسه بناء قدرة استراتيجية على إدارة علاقة معقدة ومتشابكة المصالح؟

هنا تحديدًا يتمايز رد الفعل عن التحليل الاستراتيجي. فالأول ينشغل بما وقع وما أثاره من مواقف وانفعالات؛ أما الثاني فيسأل عن المعنى الذي ينتجه الحدث، والأنماط التي يعيد تثبيتها، والتأثيرات التي قد يتركها في الثقة المتبادلة، والخيارات التي يفتحها أو يغلقها أمام المستقبل. وهو لا يكتفي بتفسير الرسالة التي أراد الفاعل السياسي إرسالها، بل يدرس أيضًا كيف يستقبلها الطرف الآخر، وكيف تتراكم دلالاتها ضمن الذاكرة السياسية للعلاقة.

بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة الاستراتيجية في وجود اختلاف حول المكان فحسب، بل في الكيفية التي يتحول بها هذا الاختلاف إلى محدد دائم للعلاقة، فيطغى على إمكانات التعاون ويعيد إنتاج الشكوك مع كل مناسبة رمزية. وفي المقابل، لا يمكن تجاوز هذه المعضلة بمجرد توسيع المبادلات الاقتصادية أو إطلاق مشاريع مشتركة؛ فالمصالح المتبادلة قد تخفف كلفة الخلاف، لكنها لا تحسمه تلقائيًا. المطلوب، إذن، ليس الاختيار بين السيادة والتعاون، بل بناء تصور يسمح بالدفاع عن المصالح الوطنية من دون اختزال مستقبل الجوار في النزاع وحده.

ومن هنا، تصبح زيارة سبتة مناسبة لاختبار معنى الجوار نفسه: هل هو مجرد تعايش جغرافي تديره الدول عبر التفاهمات الظرفية، أم علاقة استراتيجية يجري بناء شروطها على المدى الطويل؟ إن الانتقال من الجوار الجغرافي إلى الجوار الاستراتيجي لا يعني محو التاريخ أو تعليق الملفات السيادية، بل تطوير القدرة على فهمها وإدارة آثارها، بالتوازي مع بناء مجالات مشتركة في الاقتصاد والطاقة والأمن البحري والمعرفة والفضاء الأورو–أفريقي. ولا تحل هذه المجالات محل المسؤولية السياسية والدبلوماسية للدولتين، لكنها قد تمنع الخلاف من احتكار العلاقة وتحديد سقفها النهائي.

وعليه، فإن السؤال المؤسس ليس فقط: ماذا تعني زيارة الملك الإسباني إلى سبتة بالنسبة إلى الموقف المغربي؟ بل: ما المعنى الذي ينبغي أن تنتجه العلاقة المغربية–الإسبانية في القرن الحادي والعشرين، وما الشروط اللازمة لتحويل الجوار الجغرافي إلى قدرة استراتيجية مشتركة، من دون إنكار الخلافات السيادية أو السماح لها باستنفاد أفق المستقبل؟

إن الحدث واقعة محددة في الزمن، أما المعنى فهو ما تنتجه الواقعة داخل الذاكرة السياسية، وما تتركه في الثقة، وما تفرضه من خيارات على المستقبل. ومن ثم، لا تُقاس قوة المقاربة الاستراتيجية بمجرد قدرتها على توصيف الحدث أو إعلان الموقف منه، بل بقدرتها على تحويل وضوح الموقف إلى معرفة، والمعرفة إلى خيارات، والخيارات إلى تراكم طويل الأمد. فالجغرافيا تفرض الجوار، لكنها لا تحدد وحدها مضمونه؛ وهذا المضمون هو ما ينبغي أن يصبح موضوعًا لصناعة استراتيجية واعية.

أولًا: منهج المعنى.. من قراءة الحدث إلى فهم البنية التي تنتجه

وفق المقاربة المؤسسة على منهج المعنى كما نصوغه، لا يبدأ التفكير الاستراتيجي من قائمة المصالح والملفات وحدها، بل من المعنى الذي ينظم العلاقة بين الفاعلين، ويحدد ما يرونه ممكنًا أو مستحيلًا، وما يعتبرونه تهديدًا أو فرصة، وما يتوقعونه من بعضهم بعضًا.

فالمعنى ليس غلافًا لغويًا يضاف إلى السياسة بعد اكتمالها؛ إنه عنصر مؤثر في إنتاجها. إذ يمكن للجغرافيا ذاتها أن تنتج، تبعًا للمعنى الذي يُمنح لها، حدودًا للمواجهة أو مجالًا للتكامل، ومصدرًا دائمًا للتوتر أو قاعدة لبناء المصالح المتبادلة.

ومن هذا المنطلق، لا تكمن المعضلة المغربية–الإسبانية في وجود اختلافات تاريخية وسياسية فحسب، بل في أن الجوار لا يزال محكومًا جزئيًا بتصورات متعارضة عن المكان والذاكرة والسيادة، تجعل كل حدث رمزي قابلًا لأن يعيد تنشيط التوتر، حتى عندما تستمر المصالح الاقتصادية والأمنية في دفع البلدين نحو التعاون.

إن زيارة سبتة، وفق هذه القراءة، لا تتيح الجزم بنوايا مدريد بقدر ما تكشف عن فجوة في المعنى السياسي للمكان. فما تعتبره الدولة الإسبانية ممارسةً مؤسساتية تنسجم مع تصورها للسيادة، يراه المغرب تأكيدًا رمزيًا لوضع ترابي يعترض عليه. ولا يتوقف الأثر الاستراتيجي لهذا التباين عند اختلاف الروايتين، بل يتحدد أيضًا بكيفية تلقي كل طرف لفعل الآخر، وبما قد تنشئه المسافة بين المعنى المقصود والمعنى المتلقّى من تداعيات تمس الثقة المتبادلة ومسار العلاقات الثنائية.

وهذه الفجوة ليست تفصيلًا اتصاليًا. إنها أحد مصادر سوء التقدير الاستراتيجي. فحين يكتفي كل طرف بإعادة إنتاج روايته الخاصة، تتحول الرموز إلى آليات لتثبيت الاختلاف بدل أن تصبح مدخلًا لفهمه. وحين يغيب الاستثمار المنهجي في المعرفة المتبادلة، قد تتحول المصالح المشتركة إلى مصالح ظرفية لا تمنع الأزمات من العودة.

لذلك، فإن إعادة تعريف الجوار لا تعني مطالبة المغرب بالتخلي عن موقفه من سبتة ومليلية والجزر، ولا مطالبة إسبانيا بالتخلي المسبق عن تصورها السياسي والقانوني. إنها تعني إدراك أن استمرار الاختلاف لا يعفي الطرفين من التفكير في كيفية منع هذا الاختلاف من التحكم في جميع أبعاد العلاقة، ولا من البحث عن شروط سياسية ومعرفية تسمح بمعالجته بجدية ومسؤولية.

والفرضية المؤسسة هنا واضحة: لا نغيّر الجغرافيا؛ نغيّر ما تنتجه الجغرافيا.

ثانيًا: التداعيات الاستراتيجية للزيارة: ما وراء الرسالة الرمزية

لا تُختزل زيارة الملك الإسباني إلى سبتة في حدث بروتوكولي، ولا يُستنفد معناها في التبريرات الرسمية المصاحبة لها. فالسؤال الاستراتيجي ليس ما الذي جرى فحسب، بل ما الذي تعيد الزيارة تثبيته في معادلة السيادة والثقة وموازين العلاقة المغربية–الإسبانية. ويمكن تفكيك تداعياتها عبر أربعة مستويات مترابطة.

المستوى الأول: معركة المعنى السياسي للمكان.

ليست السيادة مجرد وضع قانوني تعلنه الدولة؛ إنها أيضًا معنى سياسي تعيد الرموز والممارسات الرسمية إنتاجه وتكريسه. ومن هذا المنطلق، تتجاوز الزيارة دلالتها البروتوكولية لتغدو تأكيدًا إسبانيًا لتصورها للسيادة على سبتة، في مقابل موقف مغربي يعترض على هذا الوضع ويضعه ضمن قضية تاريخية وترابية لم تُحسم من منظوره. وهنا لا يجوز الخلط بين انتظام العلاقات الثنائية وتسوية الخلاف؛ فالتعاون لا يمحو النزاع، كما أن الاعتراض على الوضع القائم لا يفرض تحويل العلاقة برمتها إلى مواجهة مفتوحة.

إن جوهر التحدي هو منع الطرف الآخر من احتكار المعنى السياسي للمكان، من دون الوقوع في أسر رد الفعل. فالذكاء الاستراتيجي لا يكتفي برصد الرسالة الإسبانية، بل يفكك أثرها في الذاكرة الوطنية والثقة المتبادلة وتصورات الرأي العام، ويستخلص منها ما يلزم لصياغة خيارات بعيدة المدى. فالرموز ليست زينة للدبلوماسية؛ إنها أدوات لتثبيت الوقائع في الوعي، وقد تصبح، حين تُدار بلا تقدير لحساسيات الطرف الآخر، مصدرًا لتآكل الثقة. لذلك، فإن إعادة تثبيت المعنى المغربي للمكان تقتضي وضوحًا في الموقف وقدرةً على المبادرة، لا مجرد الاكتفاء بالاحتجاج، ولا التضحية بالقضية السيادية تحت شعار الشراكة.

المستوى الثاني: اختبار الثقة المتبادلة.

قد تستمر المصالح الاقتصادية والأمنية رغم الخلاف السياسي، لكن استمرار التعاون لا يعني بالضرورة رسوخ الثقة. فحين يشعر أحد الطرفين بأن حساسياته التاريخية والسيادية تُهمَّش، تصبح الشراكة عرضة للاهتزاز عند كل اختبار رمزي. والمشكلة، إذن، ليست في ردود الفعل الآنية وحدها، بل في تراكم الرسائل التي قد تجعل التعاون قائمًا على المنفعة المؤقتة، لا على فهم متبادل لمصادر القلق وحدود المناورة.

ولا تُبنى الشراكة الاستراتيجية بالمطالبة من طرف واحد بتجاوز الماضي، بل بقدرة الطرفين على إدراك أن ما يبدو ممارسة عادية لدى أحدهما قد يُقرأ لدى الآخر بوصفه تأكيدًا لوضع محل اعتراض. وهذا لا يمنح أي طرف حق فرض روايته على الآخر، لكنه يضع المسؤولية السياسية أمام اختبار واضح: هل تُدار الاختلافات بوعي يحمي الثقة، أم تُترك الرموز لتراكم الشكوك حتى يصبح كل تقدم في التعاون رهينة أزمة جديدة؟

المستوى الثالث: توطين الخلاف في سياقه الإقليمي والدولي.

لا تتحرك العلاقات المغربية–الإسبانية داخل فراغ ثنائي؛ إنها تتقاطع مع المجال الأوروبي والأطلسي والمتوسطي والأفريقي، حيث تتشابك المصالح في التجارة والطاقة والهجرة والأمن البحري واللوجستيك والتحول الرقمي. ولذلك، فإن اختزال العلاقة في ملف سبتة يُغفل حجم الاعتماد المتبادل، لكن استخدام هذه المصالح ذريعةً لتهميش الخلاف السيادي لا يقل قصورًا. فالمصالح المشتركة ليست دليلًا على زوال التناقضات، بل سبب إضافي لإدارتها بقدر أعلى من المسؤولية والاستشراف.

إن تراجع الثقة قد يتجاوز أثره حدود المدينة ليطال ملفات التعاون الأوسع، فيما يمكن لعلاقة أكثر استقرارًا أن تنتج قيمة تتخطى البلدين نحو فضاء أورو–أفريقي أوسع. والتحدي هنا هو تحويل التشابك الإقليمي من عامل ضغط متبادل إلى مصدر قوة مشتركة، من دون افتراض أن الجغرافيا الاقتصادية قادرة وحدها على حسم قضايا التاريخ والسيادة.

المستوى الرابع: الاختبار الحقيقي للذكاء الاستراتيجي.

لا يُقاس الذكاء الاستراتيجي بسرعة الرد، ولا بحدة الخطاب، ولا بمجرد توقع الخطوة التالية؛ بل بقدرته على كشف الأنماط التي تعيد إنتاج الأزمة، وتحديد الخيارات القادرة على تغيير مسارها. فالاستجابة التي تتوقف عند الإدانة قد تسجل موقفًا، لكنها لا تصنع بالضرورة أثرًا استراتيجيًا. والدعوة إلى تجاوز الخلاف، في المقابل، قد تبدو براغماتية، لكنها تفقد معناها إذا تحولت إلى مطالبة ضمنية بتعليق الحقوق والمطالب الوطنية.

المطلوب، إذن، ليس الاختيار بين التشبث بالموقف المغربي والانخراط في بناء الجوار، بل الجمع بينهما ضمن رؤية واحدة: موقف سيادي واضح، وقراءة دقيقة للحسابات الإسبانية والسياقين الأوروبي والأفريقي، وقدرة على بناء أدوات معرفية ودبلوماسية واقتصادية تجعل العلاقة أقل هشاشة أمام الأزمات. فالقضية ليست كيف نرد على زيارة بعينها فحسب، بل كيف نمنع تكرار الحلقة نفسها، حيث يعيد كل حدث رمزي إنتاج التوتر من دون أن يغير شيئًا في شروط العلاقة.

وهنا يتحدد الفارق بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل: الأولى تتعامل مع الحدث بعد وقوعه، أما الثانية فتعمل على فهم أسبابه وبناء الخيارات التي تحد من كلفته وتوسع هامش المناورة. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي ليس في احتواء تداعيات زيارة سبتة وحدها، بل في تحويلها إلى مناسبة لإعادة التفكير في شروط الجوار المغربي–الإسباني، بحيث لا يصبح التعاون غطاءً للخلاف، ولا يتحول الخلاف إلى قدر يحكم المستقبل.

ثالثًا: الذكاء الاستراتيجي.. من إدارة الأزمات إلى صناعة الخيارات

يختلف الذكاء الاستراتيجي عن جمع المعلومات أو إعداد التقديرات الظرفية. إنه قدرة مركبة على ربط المعرفة بالسياق، وفهم مصالح الفاعلين وتصوراتهم، واستشراف التحولات، وبناء خيارات قابلة للتنفيذ في ظل عدم اليقين.

وفي الحالة المغربية–الإسبانية، يقتضي هذا المنطق تجاوز القراءة الثنائية التي تحصر العلاقة بين التعاون والخلاف، وكأن أحدهما لا يمكن أن يوجد إلا على حساب الآخر. فالعلاقات الدولية أكثر تعقيدًا: قد يتعاون البلدان في التجارة والطاقة والأمن، بينما يختلفان في قضايا تاريخية وسيادية؛ وقد يتقدم التعاون في قطاع ما من دون أن يعني ذلك أن الملفات الأخرى قد حُسمت أو فقدت أهميتها.

المطلوب، إذن، ليس فرض وحدة مصطنعة على ملفات مختلفة، بل بناء قدرة على فهم ترابطها وإدارة آثارها المتبادلة.

ويتطلب ذلك خمس عمليات استراتيجية متتابعة:

1. تحديد المعنى المؤسس: تحديد ما يمثله الحدث أو الرمز لكل طرف، وما يعكسه من تصورات للسيادة والهوية والذاكرة والمصالح، وكيف يؤثر في فهم العلاقة وتحديد اتجاهها المستقبلي.

2.  إنتاج المعرفة الموجَّهة بالمعنى: تفكيك الوقائع والسياقات التاريخية والقانونية والسياسية، والتمييز بين الحدث كما وقع، والتأويلات التي تحيط به، والمعاني التي تمنحه دلالته لدى كل طرف.

3. الاستشراف الاستراتيجي: استكشاف المسارات المحتملة لتطور العلاقة انطلاقًا من المعاني القائمة، وبناء سيناريوهات تشمل استمرار إدارة الخلافات، أو تصاعد التوتر، أو نشوء تعاون أعمق، أو تطوير صيغ جديدة للحوار.

4.  توسيع الخيارات الاستراتيجية: تحويل المعرفة والاستشراف إلى بدائل عملية تجمع بين حماية المصالح الوطنية، وإدارة الملفات الحساسة، وتطوير مجالات التعاون ذات المنفعة المتبادلة، دون الخلط بين بناء الشراكة والتنازل عن المواقف السيادية.

5. بناء التراكم المؤسسي: ترجمة الخيارات إلى شبكات معرفية ومشاريع مشتركة وآليات متابعة وتقييم، بما يضمن استمرارية الفعل الاستراتيجي، وتراكم الخبرة، وعدم ارتهان العلاقة لتداعيات الأحداث الظرفية.

وبذلك، يصبح الذكاء الاستراتيجي أداة لتوسيع هامش الاختيار، لا وسيلة لتبرير موقف مسبق. وهو يتيح للمغرب أن يدافع عن مصالحه السيادية من موقع أكثر قدرة على التقدير والتأثير، كما يتيح للجانبين إدراك أن كلفة استمرار سوء الفهم قد تتجاوز أحيانًا كلفة الاستثمار في حوار منظم وطويل الأمد.

رابعًا: سبتة ومليلية والجزر.. لا تجاهل للذاكرة ولا اختزال للمستقبل فيها

تظل القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية والجزر جزءًا جوهريًا من المنظور المغربي إلى علاقته بإسبانيا. ولا يمكن بناء تصور جاد للمستقبل المشترك إذا انطلق من افتراض أن هذه الملفات ينبغي أن تُنسى أو أن تُبعد نهائيًا عن النقاش باسم المصالح الاقتصادية أو مقتضيات الاستقرار.

لكن إدراج هذه القضايا في رؤية استراتيجية لا يعني تحويل كل مبادرة للتعاون إلى مفاوضات سيادية، ولا اشتراط التوصل إلى حل نهائي قبل إمكان تطوير أي مجال آخر من العلاقة. فالخلط بين المسارات قد يجعل جميع الملفات رهينة أكثر القضايا تعقيدًا، ويحد من قدرة البلدين على بناء مصالح مشتركة قد تساعد لاحقًا في تحسين شروط الحوار.

المقاربة الأكثر واقعية تقوم على مسارين متوازيين ومتكاملين.

المسار الأول هو تثبيت الموقف المغربي بوضوح، والعمل على تطوير معرفة تاريخية وقانونية دقيقة بالملفات الترابية، وفتح نقاش جاد بشأن الإرث الاستعماري وما يثيره من أسئلة حول السيادة والذاكرة والإنصاف التاريخي. ويجب أن يتم ذلك في إطار سياسي سلمي ومسؤول، مع احترام حقيقة أن الطرفين لا يتبنيان القراءة نفسها للوضع القانوني والتاريخي لهذه المناطق.

أما المسار الثاني، فهو بناء قاعدة أوسع للتعاون في المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمنية والثقافية، بما يخلق مصالح مستدامة ويعزز القدرة على إدارة الخلافات دون السماح لها بتعطيل جميع مجالات العلاقة.

ولا يعني الفصل الوظيفي بين المسارين الفصل بينهما سياسيًا أو أخلاقيًا. فالتعاون ليس تنازلًا عن الحقوق، مثلما أن التمسك بالموقف السيادي لا يفرض إغلاق كل أبواب الحوار.

إن المطلوب هو الانتقال من منطق يضع الذاكرة والمستقبل في مواجهة دائمة، إلى منطق يعترف بثقل الذاكرة، ويعمل في الوقت نفسه على بناء شروط مستقبل يسمح بمعالجة القضايا التاريخية بصورة أكثر نضجًا وقدرة على الاستمرار.

خامسًا: «أفق الجوار الاستراتيجي 2040».. إعادة تصميم العلاقة انطلاقًا من معناها

انطلاقًا من هذه الفرضية، يقترح مركز مكين للذكاء الاستراتيجي إطلاق مشروع «أفق الجوار الاستراتيجي 2040»، بوصفه مبادرة فكرية واستشرافية موجّهة إلى نخبة الحكماء والمفكرين والمثقفين وصنّاع الرؤى في إسبانيا، لفتح حوار استراتيجي معمّق حول مستقبل العلاقات المغربية–الإسبانية، وإعادة تصوّر الجوار بين البلدين باعتباره فضاءً لصناعة المعنى المشترك، وإنتاج المعرفة، وبناء الثقة، واستشراف المصالح المتبادلة. ويتطلع المشروع إلى تجاوز التصورات التقليدية للجوار الثنائي، نحو أفق أورو–أفريقي أطلسي أوسع، تتكامل فيه الرؤى الحضارية والقدرات المعرفية والإمكانات الجيوسياسية، بما يتيح صياغة سردية استراتيجية مشتركة للمستقبل، قادرة على تحويل الجوار الجغرافي إلى شراكة في التفكير، واستثمار الفرص، وصناعة التأثير حتى عام 2040

هذا المشروع ليس اتفاقًا قائمًا بين الحكومتين، ولا بديلًا عن الدبلوماسية الرسمية، ولا منصة ضغط تسعى إلى فرض تسوية سياسية من خارج المؤسسات المعنية. إنه تصور مقترح لبناء قدرة استراتيجية مستقلة عن تقلبات الظرف السياسي، تساعد على إنتاج المعرفة، وربط الخبراء والمؤسسات، وتطوير مشاريع قابلة للتراكم، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار.

ويقوم المشروع على مبدأ أساسي: لا ينبغي أن يبدأ التفكير المشترك بسؤال محدود عن الملفات التي يستطيع البلدان التعاون بشأنها الآن، بل بسؤال أوسع عن طبيعة العلاقة التي يريدان بناءها بحلول عام 2040.

إن السؤال الأول هو: ماذا يستطيع المغرب وإسبانيا أن يفعلا معًا؟

أما السؤال المؤسس فهو: ما المعنى الذي نريد لعلاقتهما أن تنتجه في القرن الحادي والعشرين، وما المعرفة والشبكات والمشاريع اللازمة لجعل ذلك المعنى واقعًا؟

هذا التحول ينقل العلاقة من إدارة الملفات إلى التفكير في شروطها، ومن التعاون الذي تحكمه فرص اللحظة إلى بناء منظومة قادرة على إنتاج الفرص بصورة مستمرة.

ويستند «أفق الجوار الاستراتيجي 2040» إلى سلسلة مترابطة: المعنى، ثم الرؤية، فالمعرفة، فالذكاء الاستراتيجي، فالاستشراف، فالاختيار، ثم الشبكات والمشاريع والتراكم. وليس المقصود من هذه السلسلة إنتاج خطاب جديد فحسب، بل تحويل الرؤية إلى قدرة مؤسسية ومعرفية قابلة للاختبار والتقييم.

سادسًا: من جغرافيا الفصل إلى فضاء أورو–أفريقي أطلسي

إن القيمة الاستراتيجية للعلاقة المغربية–الإسبانية لا تتوقف عند حدود البلدين. فالموقع الجغرافي الذي يصل أوروبا بأفريقيا، والمتوسط بالأطلسي، يمنح الطرفين فرصة للمساهمة في بناء شبكات إقليمية أكثر تكاملًا، إذا استطاعا الانتقال من التعامل مع الجغرافيا باعتبارها خط تماس إلى التعامل معها باعتبارها بنية للاتصال والإنتاج.

ويتيح أفق 2040 التفكير في عدد من المجالات ذات القيمة المشتركة.

أولًا، الجيو-اقتصاد وسلاسل القيمة. يمكن تطوير التعاون من التبادل التجاري إلى بناء منظومات إنتاج عابرة للحدود، تربط الصناعة واللوجستيك والموانئ والاستثمار والبحث التطبيقي، مع زيادة القيمة المضافة وفرص العمل والقدرة التنافسية. والمطلوب ليس مجرد رفع حجم المبادلات، بل تحسين نوعيتها وتوسيع مساهمة المعرفة والتكنولوجيا فيها.

ثانيًا، الطاقة والتحول الأخضر. يتيح التكامل المحتمل في الطاقات المتجددة والبنية التحتية والطاقة النظيفة فرصًا لتطوير شراكات طويلة الأمد. لكن الانتقال من الإمكانات إلى النتائج يتطلب دراسات جدوى، وأطرًا تنظيمية مستقرة، وتحديدًا واضحًا للمنافع والمخاطر، بدل الاكتفاء بإعلانات عامة عن التعاون.

ثالثًا، التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. يمكن للتعاون بين الجامعات ومراكز التفكير والبحث والشركات الناشئة أن يخلق شبكات ابتكار مشتركة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والصناعة المتقدمة. وتزداد أهمية هذا المسار عندما يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في القدرة على إنتاج المعرفة، لا مجرد استيراد الحلول التقنية.

رابعًا، أفريقيا والفضاء الأطلسي. يملك المغرب روابط استراتيجية واقتصادية واسعة مع أفريقيا، فيما تتمتع إسبانيا بموقع داخل الاتحاد الأوروبي وشبكات متوسطية وأطلسية. ويمكن، عند توافر المصالح المتوافقة، تطوير مشاريع تربط الاستثمار واللوجستيك والطاقة والتكوين بين أوروبا وأفريقيا، مع تجنب اختزال القارة الأفريقية في دور السوق أو مجال التنافس الجيوسياسي.

خامسًا، الأمن والمرونة. يقتضي أمن الجوار تطوير القدرة على الاستباق وتبادل المعرفة والتنسيق في مواجهة المخاطر العابرة للحدود، بما فيها أزمات الهجرة والاضطرابات الاقتصادية والمخاطر البحرية والتهديدات السيبرانية. ويجب أن يقوم هذا التعاون على المسؤولية المشتركة، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والقانونية، لا على مقاربة أمنية ضيقة.

سادسًا، المدن والمعرفة والذاكرة. يمكن للجامعات والبلديات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية أن تسهم في بناء معرفة أكثر عمقًا بالمجالات الحدودية، وتاريخ التفاعل بين ضفتي المضيق، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية. فالجوار لا تصنعه الحكومات وحدها؛ بل تصنعه أيضًا المجتمعات التي تعيش آثاره يوميًا.

ولا تكمن قيمة هذه المجالات في كثرتها، بل في قدرتها على التحول إلى مشاريع محددة، ذات مسؤوليات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، تخلق تراكمًا لا ينهار مع كل أزمة سياسية.

سابعًا: كيف يتحول الأفق إلى قدرة فعلية؟

لا يكفي إطلاق مفهوم استراتيجي جذاب لكي يصبح واقعًا. فالفجوة بين الرؤية والتنفيذ هي أحد أبرز تحديات المبادرات العابرة للحدود. ولذلك، ينبغي أن يبدأ «أفق الجوار الاستراتيجي 2040» ببنية عملية محددة، تتدرج من المعنى الى  إنتاج المعرفة إلى بناء المشاريع.

يمكن أن تشمل هذه البنية مجلسًا للعقول والخبرات في الجوار الاستراتيجي، ومرصدًا يرصد التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومختبرات للمستقبل تختبر السيناريوهات، وأكاديمية لتكوين جيل من الباحثين والفاعلين القادرين على فهم الجوار من منظور متعدد التخصصات، إلى جانب منصة لتطوير المشاريع ومنتدى سنوي يجمع الأطراف المعنية.

ويجب أن تكون هذه البنية مفتوحة للنقد، ومتوازنة في تمثيل الخبرات المغربية والإسبانية، وقادرة على استيعاب وجهات نظر مختلفة. فالمبادرة التي تسعى إلى بناء معرفة استراتيجية لا يمكنها أن تبدأ بافتراض أن جميع الأطراف تتبنى المعنى نفسه، أو أن المطلوب منها هو المصادقة على تصور جاهز.

والأنسب هو اعتماد مسار تدريجي:

  • 2026- 2028: تأسيس النواة والمعنى. بلورة الوثيقة التأسيسية، واختبار المفاهيم مع خبراء من الجانبين، وتحديد الأسئلة الاستراتيجية الكبرى، وبناء شبكة أولية من المؤسسات والأفراد.
  • 2028-2032: بناء الجوار الشبكي. إطلاق مجموعات عمل قطاعية، وتطوير شراكات بحثية، وتحديد فرص تعاون قابلة للدراسة والتنفيذ.
  • 2032- 2036: بناء القدرة الاستراتيجية. توسيع المشاريع، وإنتاج تقارير استشرافية دورية، وتطوير آليات تقييم للنتائج والمخاطر.
  • 2036- 2040: صناعة المجال الجديد. قياس ما تحقق من تكامل معرفي واقتصادي ومؤسسي، وتحديد مدى تحول الجوار من علاقة تدار أزماتها إلى فضاء قادر على إنتاج قيمة استراتيجية مشتركة.

ولا ينبغي قياس النجاح بعدد اللقاءات أو البيانات أو المؤسسات المشاركة فقط، بل بقدرة المبادرة على إنتاج معرفة موثوقة، وفتح قنوات حوار مستمرة، وتطوير مشاريع ملموسة، وتحسين القدرة على استشراف الأزمات، وخلق بيئة تسمح بمناقشة القضايا الحساسة دون تحويلها إلى حواجز تمنع كل أشكال التعاون.

ثامنًا: دور الحكماء.. حوار لا يطلب نسيان التاريخ

إن الدعوة إلى جلوس حكماء المغرب وإسبانيا إلى طاولة المستقبل ليست دعوة إلى تجاوز القضايا السيادية أو إلى إنتاج توافق لفظي يخفي الخلافات الحقيقية. إنها دعوة إلى إخراج التفكير في الجوار من أسر ردود الفعل الظرفية، وإشراك الخبرة التاريخية والقانونية والاستراتيجية والاقتصادية في بناء رؤية طويلة الأمد.

ويحتاج هذا الحوار إلى مشاركين قادرين على التمييز بين الموقف الوطني المشروع وبين التقدير الاستراتيجي للخيارات الممكنة؛ وإلى باحثين يستطيعون عرض القراءات المختلفة للتاريخ والوضع القانوني بصرامة علمية؛ وإلى فاعلين اقتصاديين واجتماعيين يدركون أن المصالح المشتركة لا تلغي الخلافات، لكنها قد تساعد على خلق شروط أفضل لإدارتها.

كما يظل هذا المسار بحاجة إلى مؤسسات رسمية تضطلع بمسؤولياتها الكاملة في اتخاذ القرارات الدبلوماسية والسيادية. فالمبادرات المدنية والمعرفية، مهما بلغت قدرتها على الابتكار والتأثير، لا يمكن أن تحل محل الدول في معالجة القضايا الترابية أو تدبير الملفات السيادية؛ غير أنها تستطيع الإسهام في بناء المرجعيات الفكرية والمعرفية التي يستند إليها الفعل الاستراتيجي، من خلال الارتقاء بجودة المعرفة المتاحة، وتوسيع فضاءات الحوار، واختبار الأفكار والتصورات، واستكشاف مساحات التقاطع الممكنة بين الرؤى والمصالح، بما يساعد على تهيئة الشروط الفكرية والمدنية التي تتيح تحويل التوافقات الممكنة إلى مبادرات ملموسة ونتائج عملية، دون المساس باختصاص المؤسسات الرسمية أو أدوارها السيادية.

والشرط الأهم أن يكون الحوار صريحًا: لا مطالبة للمغرب بإسقاط قضاياه التاريخية من أجندته، ولا افتراض بأن الخلافات ستُحل تلقائيًا بفعل التجارة أو التعاون؛ بل اعتراف بأن الجوار المستدام يحتاج إلى إدارة المصالح المشتركة، وإلى معالجة القضايا العالقة ضمن مسارات سياسية مسؤولة.

خاتمة: لا ينبغي أن يكون المستقبل رهينة المعنى الذي ورثناه

تضع زيارة الملك الإسباني إلى سبتة في 13 أكتوبر 2026 العلاقات المغربية–الإسبانية أمام سؤال يتجاوز الحدث نفسه. فهي تذكّر بأن المكان يظل محمّلًا بالذاكرة والسيادة والرموز، وأن التعاون القائم لا يكفي وحده لإزالة مصادر التوتر، وأن المستقبل المشترك لا يمكن بناؤه على افتراض اختفاء الخلافات من تلقاء نفسها.

لكن القيمة الاستراتيجية للحظة لا تتحدد بما تثيره من ردود فعل فقط، بل بما تتيحه من فرصة لإعادة التفكير في شروط العلاقة. ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاختيار بين الذاكرة والمستقبل، ولا بين السيادة والتعاون، بل بناء مقاربة تستطيع الجمع بين وضوح الموقف الوطني والقدرة على التفكير بعيد المدى.

إن «أفق الجوار الاستراتيجي 2040» يقترح أن يبدأ هذا التحول من المعنى: من جغرافيا تفصل إلى جغرافيا تصل، ومن ذاكرة تُستدعى في لحظات التوتر إلى معرفة تساعد على فهم التاريخ، ومن إدارة العلاقة كما هي إلى صناعة شروط مستقبلها.

ولا يعني ذلك أن الجغرافيا ستتغير، أو أن القضايا الترابية ستفقد أهميتها، أو أن المصالح الاقتصادية ستنتج وحدها تسوية سياسية. بل يعني أن الجغرافيا يمكن أن تنتج، إلى جانب الخلاف، معرفةً ومصالحَ وشبكاتٍ وقدراتٍ مشتركة، وأن هذه العناصر قد تهيئ شروطًا أفضل لمعالجة الملفات الأكثر حساسية، من دون ضمان نتائج مسبقة أو فرض حل قبل نضج شروطه.

إن التحدي أمام الرباط ومدريد ليس أن تتفقا على كل شيء، بل أن تمتلكا القدرة على إدارة اختلافاتهما من دون أن تصبح هذه الاختلافات قدرًا يحكم كل جوانب العلاقة. وهذا يتطلب إرادة سياسية، ومعرفة دقيقة، وذكاءً استراتيجيًا، واستثمارًا مستمرًا في المؤسسات والشبكات والمشاريع.

لقد آن الأوان لكي يجلس حكماء البلدين إلى طاولة المستقبل، لا لكي ينسوا التاريخ، بل لكي يمنعوا التاريخ من مصادرة المستقبل.

فالقاسم المشترك ليس الاتفاق على الماضي، وإنما الاشتراك في صناعة المستقبل.

ومن هنا تتحدد الرسالة المؤسسة لأفق 2040:

من الجوار الجغرافي إلى الجوار الاستراتيجي؛ ومن إدارة العلاقة إلى صناعة شروط مستقبلها.

لا نغيّر الجغرافيا؛ نغيّر ما تنتجه الجغرافيا.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;