ماذا يعني سقوط المينورسو يوم 30 أكتوبر 2026؟

بلاغ ملكي من ثلاث جمل تنهي 35 سنة من العبث الأممي

بقلم:  محمد أمطاط ..

أستاذ التعليم العالي- الرباط

ليست كل القرارات التي لا تصدر، أقل أهمية من القرارات التي تصدر. ما حدث يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 في مجلس الأمن كان من النوع الأول. قرار لم يصدر، لكنه أنهى 35 سنة من تاريخ الأمم المتحدة في الصحراء المغربية.

بعثة جاءت سنة 1991 لتنظيم استفتاء لم تتوفر شروطه، وبقيت تراقب وقفا لإطلاق النار لم يحترم أبدا. 11 صوتا في المجموع  قالت كفى، و3 أصوات فقط مع روسيا قالت نريد العبث الأممي أن  يستمر.

 والبلاغ الملكي الذي صدر بعده من الرباط، هو الذي حول حدثا إجرائيا في نيويورك إلى لحظة تاريخية في المغرب. فبثلاث  جمل فقط،  جملة لكل 12 سنة من العبث  الأممي،  انتهت المينورسو، وانتهت معها أسطورة المنطقة العازلة والأراضي المحررة.

فما بعد 30 أكتوبر 2026  ليس كما قبله..

أولا: ماذا حدث يوم 30 أكتوبر؟ المينورسو بلا ولاية لأول مرة منذ 1991

للتذكير، ما حدث هو سابقة قانونية كاملة.

الولايات المتحدة قدمت مشروع قرار يمدد الولاية حتى 31 أكتوبر 2027، لكنه مشروع ثوري: يقلص المكون العسكري، ويجعل الحكم الذاتي هو الأساس الوحيد، ويحذف كلمة “الاستفتاء” من اسم البعثة ليحولها من MINURSO إلى MINUSO.

حصل المشروع على 11 صوتا، لكن روسيا استخدمت الفيتو ضده. وامتنعت الصين وباكستان والصومال.

روسيا قدمت نصا مضادا بتمديد تقني بنفس الاسم الأول والمهام. فاستخدمت أمريكا الفيتو ضده. حصل على 3 أصوات فقط وسقط  سقطة مدوية. فبدت روسيا معزولة دوليا.

النتيجة القانونية الصافية: المينورسو، التي تأسست بالقرار 690 سنة 1991، أصبحت منذ منتصف ليلة 31 أكتوبر بلا ولاية. 155 عسكريا وميزانية 62 مليون دولار بلا غطاء.

ثانيا: الوقوف على بلاغ الديوان الملكي: ثلاث جمل، ثلاث رسائل استراتيجية

هنا مربط الفرس. بلاغ الديوان الملكي لم يكن بلاغا بروتوكوليا للتعليق على خبر. كان بلاغا تأسيسيا. وجاءت صياغته بعناية فائقة، كل كلمة فيه محسوبة.

البلاغ حسب ما تم تعميمه، تضمن ثلاث فقرات مفصلية:

-الجملة الأولى: “خطوة ذات دلالة كبرى”.

الديوان الملكي لم يقل “قرار مهم” أو “مستجد”. قال ” خطوة ذات دلالة كبرى “. لماذا؟

لأن الدولة المغربية تعتبر أن ما حدث ليس فشلا تقنيا لمجلس الأمن، بل هو نهاية مسار. منذ 1991 والمغرب يتعامل مع بعثة فرضت عليه كآلية لوقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء. واليوم، الفشل في التجديد يعني أن الآلية نفسها فقدت شرعيتها الدولية.

فوصف الحدث بأنه “خطوة ذات دلالة كبرى” يعني أن الرباط لن تتعامل معه كأزمة عابرة تحتاج حلا ترقيعيا، بل كنقطة تحول نهائية. هو مثل سقوط جدار برلين: لا تعيد بناءه، بل تبني عليه.

-الجملة الثانية: “تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة. إنها صفحة دامت 35 سنة”.

هذه هي الجملة الأخطر والأوضح.

الديوان الملكي لم يطالب بـ “إعادة انتشار” أو “مراجعة”. طالب بـ “الانتهاء”. والانتهاء شمل ثلاث مستويات:

         – الطاقم: أي الأشخاص، العسكريون والمدنيون.

         -المركبات: أي اللوجستيك، سيارات الدفع الرباعي البيضاء التي تجوب المنطقة العازلة.

         -الرموز: أي العلم الأزرق، والشارات، واللوحات.

بمعنى آخر: لا تريد الرباط بقاء رمزيا للبعثة. تريد تفكيكا ماديا كاملا. لماذا؟

لأن بقاء الرمز يعني بقاء القضية مدولة. والمغرب يريد إنهاء التدويل. فوجود سيارة أممية في المنطقة العازلة يعني أن هناك نزاعا. وعدم وجودها يعني أن هناك سيادة عادية.

فعبارة “إنها صفحة دامت 35 سنة، تم طيها” هي عبارة سيادية بامتياز. جلالة الملك هو من يطوي الصفحة، وليس مجلس الأمن. وكأن الرباط تقول: نحن من نقرر أن هذه المرحلة انتهت، ومجلس الأمن بفشله أكد قرارنا فقط.

هذه اللغة تذكرنا بلغة بلاغات المسيرة الخضراء سنة 1975. نفس الحسم.

–الجملة الثالثة: ” يتعين أن يضع هذا حدا لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن وسحب هذه القضية من جدول أعماله”.  وهذه هي القنبلة الدبلوماسية الحقيقية.

المغرب لم يعد يطالب بحل داخل مجلس الأمن. المغرب يطالب بإخراج الملف من مجلس الأمن.

منذ 1988 والملف مدرج كبن “الحالة فيما يتعلق بالصحراء الغربية”. كل سنة، تقرير للأمين العام، وإحاطة للمبعوث الشخصي، وقرار.

الديوان الملكي يقول: هذا البند يجب أن يحذف. مثلما حذفت قضايا ناميبيا وتيمور الشرقية بعد حلها.

لماذا هذا المطلب الآن؟

لأن بقاء الملف في مجلس الأمن، حتى مع قرارات لصالح المغرب، يعني أن الصحراء ما زالت تعتبر “إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي” في قاموس الأمم المتحدة. وإخراجها يعني الاعتراف النهائي بأنها إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وانتهى النقاش.

البلاغ الملكي حول فشل تجديد المينورسو من فرصة تقنية إلى فرصة استراتيجية: إذا لم تستطيعوا الاتفاق على بعثة، فاتفقوا على إغلاق الملف.

ثالثا: لماذا البلاغ الملكي مهم أكثر من التصويت نفسه؟

التصويت في مجلس الأمن كان صراعا أمريكيا-روسيا. أمريكا تريد إنهاء الاستفتاء وتكريس الحكم الذاتي كحل وحيد، وروسيا تريد الحفاظ على الإطار القديم الذي يبقي الملف مفتوحا.

الفيتو الروسي أسقط النص الأمريكي الذي كان سيحول المينورسو إلى MINUSO، أي بعثة بلا استفتاء.

لكن بلاغ الديوان الملكي قلب المعادلة: قال إن الفيتو الروسي لم يسقط النص الأمريكي فقط، بل أسقط المينورسو نفسها. وبالتالي، لم يعد هناك ما نختلف عليه.

الذكاء في البلاغ هو أنه لم يهاجم روسيا، ولم يصطف مع أمريكا،  بل استثمر في الفراغ. قال بشكل غير مباشر: بما أنكم لم تتفقوا، نحن سنطبق الواقع على الأرض. وهذا الواقع هو السيادة. وهذا أسلوب مغربي راسخ  في الدبلوماسية الملكية: تحويل أزمة  دولية إلى موعد جديد مع السيادة وتأكيد للثوابت الوطنية. وللتاريخ ففي أبريل  2013 حين اقترحت الإدارة الأمريكية توسيه مهام المينورسو لتشمل حقوق الانسان، انتهت الأزمة بتحصينها من أي توسيع إلى الأبد، وأزمة الكركرات سنة 2020 انتهت باعتراف أمريكي بالسيادة، وأزمة بن بطوش سنة 2021 انتهت باعتراف إسباني بالحكم الذاتي. واليوم، أزمة سقوط المينورسو سنة 2026، ستنتهي بإنهاء المنطقة العازلة.

رابعا: ماذا بعد البلاغ الملكي ؟ ثلاثة سيناريوهات

         1-سيناريو السيادة الكاملة الذي يدفع به البلاغ الملكي: انسحاب أممي  كامل، والجيش المغربي يستعيد المنطقة العازلة شرق الجدار، التي كانت المينورسو تراقبها. وإغلاق ملف التدويل نهائيا. هذا هو منطوق البلاغ: “يجب أن ينتهي”.

         2-سيناريو الفراغ الذي تدفع به  الجزائر ومرتزقتها البوليساريو: بدون مراقب أممي، لا شاهد محايد. قد تعود مناوشات متقطعة. لكن هذا السيناريو يضعف الجزائر وصنيعتها البوليساريو لأنهما ستكونان بلا غطاء أممي.

فسقوط المينورسو لم ينزع فقط العلم الأزرق من الصحراء، بل نزع الغطاء القانوني عن الجزائر وصنيعتها. فقبل 30 أكتوبر، كانت البوليساريو تقول: نحن حركة تحرر نهاجم من الأراضي المحررة. بعد 30 أكتوبر، إذا هاجمت من تندوف، فالقانون الدولي سيقول: الجزائر تعتدي على المغرب.

         3-سيناريو البعثة الجديدة MINUSO الذي قد تدفع به أمريكا: إنشاء بعثة جديدة بلا كلمة استفتاء، مهمتها مواكبة مفاوضات الحكم الذاتي فقط. لكن بلاغ الديوان الملكي يرفع السقف أعلى من هذا: لا يريد بعثة جديدة بنفس العقلية، يريد بداية سحب الملف كله.

المغرب لن يقبل أبدا بعد 30 أكتوبر أن تعود سيارة بيضاء بعلم أزرق تجوب شوارع العيون. إذا أرادت الأمم المتحدة مواكبة مفاوضات الحكم الذاتي، فلتفتح مكتبا في الرباط، بجانب وزارة الخارجية كبعثة معتمدة لدى دولة ذات سيادة، مثل كل بعثات الأمم المتحدة في عواصم العالم.

الخلاصة:

قبل 1991 وبعد 2026

بلاغ الديوان الملكي اختصر 35 سنة في جملة: “صفحة طويت”.

قبل 1991 كانت الصحراء مغربية بلا أمم متحدة، وبعد 2026 ستظل مغربية بلا أمم متحدة. الفرق أن اليوم هناك اعتراف أمريكي-فرنسي-إسباني-ألماني- عربي  بالسيادة، و28 قنصلية في العيون والداخلة، وميناء أطلسي ضخم ينتظر الافتتاح في الداخلة.

المينورسو جاءت في 1991 لتنظيم استفتاء حال دونه الواقع. وكوفي أنان  أمين عام الأمم المتحدة  هو من أكدنفسه  سنة 2002  استحالة تنظيمه لاعتبارات متعددة. واليوم يتم تسجيل رسميا نهاية فكرة الاستفتاء في قاموس الأمم المتحدة. النص الذي أسقطه الفيتو الروسي كان ينص على حذف كلمة استفتاء.

البلاغ الملكي لم يعلق على الحدث، بل أعلن نهايته. وهذا هو الفرق بين دولة تنتظر قرارات مجلس الأمن، ودولة تصنع قراراتها وتطلب من مجلس الأمن أن يلحق بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;