هل يهمّ اللون السياسي للإدارة الأمريكية؟ أم أن صعود الديمقراطيين قد يعيد تشكيل اتجاهات القوة الأمريكية وموازين العالم؟
هل يهمّ اللون السياسي للإدارة الأمريكية؟ أم أن صعود الديمقراطيين قد يعيد تشكيل اتجاهات القوة الأمريكية وموازين العالم؟

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
مقدمة: ما وراء السؤال الحزبي
تكرر هذا السؤال، بصيغ مختلفة، في تفاعلات عدد من متابعي مقالاتي وتعليقاتهم، وهو سؤال يستحق التوقف عنده والتفكير في أبعاده: إلى أي حد يهم اللون السياسي للإدارة الأمريكية؟ وهل يمكن لصعود الديمقراطيين أن يحدث تحولاً فعلياً في توجهات واشنطن وسياساتها الدولية؟ قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، مرتبطاً بالتنافس الانتخابي والتداول الحزبي على السلطة، غير أن التعمق فيه يكشف أننا أمام إشكالية استراتيجية تتجاوز الحسابات الانتخابية بكثير؛ إذ تضعنا مباشرة أمام طبيعة القوة الأمريكية، وآليات اشتغال مؤسسات صنع القرار فيها، وحدود ما يمكن أن يتغير وما يصعب تغييره داخل دولة لا تزال تشكل أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الدولي، وتؤثر خياراتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في اتجاهات السياسة والاقتصاد وموازين القوى عبر العالم.
فهل الولايات المتحدة دولة تتغير سياستها الخارجية بتغير الحزب الذي يصل إلى البيت الأبيض؟ أم أن هناك ثوابت استراتيجية ومصالح بنيوية تجعل الاختلاف بين الإدارات المتعاقبة اختلافاً في الأسلوب والأدوات والإيقاع، أكثر منه اختلافاً في الغايات الكبرى؟
ثم، إذا كان التناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يلغي المصالح الأمريكية العليا، فهل يعني ذلك أن صعود الديمقراطيين أو عودتهم إلى مراكز التأثير لا يحمل أي دلالة بالنسبة إلى العالم؟ وهل يمكن اختزال المسألة في أن واشنطن ستظل واشنطن، أياً كان الحزب الحاكم؟
إن المقاربة الاستراتيجية تقتضي تجاوز ثنائية الجمهوريين والديمقراطيين، من دون التقليل من أهميتها. فاللون السياسي ليس تفصيلاً ثانوياً، كما أنه ليس العامل الحاسم الوحيد. إنه متغير يؤثر في طريقة تعريف المصالح، وترتيب الأولويات، وإدارة التحالفات، وتوظيف أدوات القوة، بينما تظل الجغرافيا السياسية والاقتصاد والأمن القومي وموازين القوى الدولية محددات أكثر عمقاً واستمرارية.
والفكرة المؤسسة التي ينبغي الانطلاق منها هي أن الولايات المتحدة لا تغير مصالحها الاستراتيجية بالضرورة عندما تتغير إدارتها، لكنها قد تغير بصورة ملموسة الطريقة التي تدافع بها عن تلك المصالح، والجهات التي تتحالف معها، والكلفة التي تقبل تحملها، والحدود التي ترسمها لاستخدام قوتها.
أولاً: التاريخ الأمريكي يكشف أن الاختلاف الحزبي حقيقي، لكن المصالح الاستراتيجية أكثر استمرارية
لفهم هذه المسألة، لا بد من العودة إلى تاريخ السياسة الأمريكية، لأن التجربة التاريخية تكشف أن التناوب الحزبي لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص، بل كان في مراحل عديدة انتقالاً بين تصورات مختلفة لدور الولايات المتحدة في العالم.
منذ الحرب العالمية الثانية، تبلورت داخل السياسة الأمريكية مجموعة من المصالح التي تجاوزت الانتماءات الحزبية، وفي مقدمتها:
- المحافظة على التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي.
- حماية مكانة الدولار والنفوذ المالي الأمريكي.
- ضمان أمن الممرات البحرية والتجارية ومصادر الطاقة.
- منع ظهور قوة دولية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية.
- المحافظة على شبكة التحالفات التي تمنح واشنطن امتداداً استراتيجياً يتجاوز حدودها الجغرافية.
- التأثير في قواعد النظام الاقتصادي والسياسي الدولي.
هذه المصالح لم تكن دائماً موضع إجماع في تفاصيلها، لكنها شكلت إطاراً عاماً للتحرك الأمريكي.
- من الحرب الباردة إلى النظام الدولي الأحادي القطبية
خلال الحرب الباردة، لم يكن هناك خلاف جوهري بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ضرورة احتواء الاتحاد السوفياتي. اختلفت الإدارات في وسائل المواجهة، وفي مستوى التصعيد أو الانفتاح الدبلوماسي، لكن الهدف الاستراتيجي ظل مشتركاً.
فإدارة الجمهوري دوايت أيزنهاور تعاملت مع الاحتواء باعتباره عقيدة استراتيجية، بينما طورت إدارة الديمقراطي جون كينيدي أدوات مختلفة لإدارة الصراع، خصوصاً خلال أزمة الصواريخ الكوبية.
وفي عهد الجمهوري رونالد ريغان، تصاعد الضغط العسكري والاقتصادي على الاتحاد السوفياتي، بينما اتجهت الإدارة الديمقراطية لبيل كلينتون، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى توسيع نطاق النفوذ الأمريكي من خلال العولمة الاقتصادية، وتوسيع حلف الناتو، وتعزيز المؤسسات الدولية التي تقودها واشنطن.
لكن وصول جورج بوش الابن إلى السلطة عام 2001، ثم هجمات 11 سبتمبر، أحدث تحولاً كبيراً في طبيعة التدخل الأمريكي، من خلال عقيدة الحرب الاستباقية وغزو أفغانستان والعراق.
وجاء باراك أوباما بخطاب يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، وتعزيز الدبلوماسية، وهو ما تجسد في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، دون أن يعني ذلك التخلي عن أدوات القوة الأمريكية أو عن التحالفات التقليدية.
ثم عاد دونالد ترامب في ولايته الأولى ليطرح شعار «أمريكا أولاً»، ويعيد النظر في العلاقة مع الحلفاء، ويستخدم التعريفات الجمركية باعتبارها أداة ضغط جيوسياسي، قبل أن يأتي جو بايدن ليعيد الاعتبار إلى التحالفات الغربية، ويقود تعبئة واسعة لدعم أوكرانيا، ويعيد الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ.
غير أن المفارقة أن إدارة بايدن لم تتخلَّ عن كثير من السياسات الاقتصادية الحمائية التي أطلقها ترامب، كما استمرت المنافسة التكنولوجية والتجارية مع الصين، بل تعززت في بعض المجالات.
وهذا يكشف أن التناوب الحزبي لا يؤدي بالضرورة إلى محو سياسات الإدارة السابقة، بل قد يتحول إلى عملية تعديل وإعادة توظيف لها.
وتدعم دراسة أكاديمية منشورة في مجلة غلوبال أفيرز (Global Affairs) هذا النقاش، إذ تبرز أن الاستراتيجية الأمريكية شهدت بالفعل تغيرات بين إدارات كلينتون وبوش وأوباما وترامب، وأن هذه التغيرات ارتبطت أيضاً بقيود النظام الدولي والتحولات داخل النخب والأجيال السياسية الأمريكية، وليس فقط بشخص الرئيس أو حزبه.
- الثوابت لا تعني الجمود
من الخطأ، مع ذلك، تحويل فكرة استمرارية المصالح إلى مقولة مفادها أن جميع الإدارات الأمريكية متشابهة.
فالاختلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين يظهر في قضايا جوهرية: لا يتجلى الاختلاف بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة في المرجعيات الأيديولوجية والخطابات السياسية فحسب، بل يمتد إلى طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير عدد من الملفات الداخلية والخارجية. فعلى مستوى التحالفات الدولية، يميل الديمقراطيون إلى إعطاء أهمية أكبر للمؤسسات متعددة الأطراف، وتعزيز التنسيق مع الحلفاء، والحفاظ على منظومة التحالفات التقليدية باعتبارها إحدى ركائز النفوذ الأمريكي في العالم. في المقابل، تتبنى القيادة الجمهورية الحالية مقاربة أكثر ارتباطاً بمنطق تقاسم الأعباء والمصالح المتبادلة، حيث يصبح حجم مساهمة الحلفاء في تحمل التكاليف الأمنية والاقتصادية عاملاً مؤثراً في طبيعة الالتزامات الأمريكية تجاههم.
وفي المجال التجاري والاقتصادي، يميل الديمقراطيون إلى الجمع بين حماية المصالح الصناعية الأمريكية وتوسيع تدخل الدولة في توجيه الاستثمار ودعم القطاعات الاستراتيجية، بينما تتجه المقاربة الجمهورية الحالية إلى توظيف الرسوم الجمركية وأدوات الضغط التجاري بصورة أكثر مباشرة، باعتبارها وسائل لحماية الإنتاج الوطني وإعادة التفاوض حول شروط المبادلات التجارية. غير أن التباين بين الطرفين لا يلغي وجود تقاطع واضح في مسألة حماية التفوق الصناعي والتكنولوجي الأمريكي، خصوصاً في مواجهة المنافسة الصينية.
أما في ملف المناخ والطاقة، فيمنح الديمقراطيون أولوية أكبر للسياسات المناخية، والانتقال نحو الطاقات النظيفة، وتشجيع الاستثمارات المرتبطة بالتحول الطاقي، في حين تميل الإدارة الجمهورية الحالية إلى إعطاء أهمية أكبر لتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري، وتخفيف بعض القيود البيئية، انطلاقاً من اعتبار أمن الطاقة وتكاليف الإنتاج والقدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي عناصر مركزية في تحديد الخيارات الوطنية.
ويظهر الاختلاف أيضاً في مقاربة قضية الهجرة؛ إذ يميل الديمقراطيون إلى تبني تصور يجمع بين ضرورة ضبط الحدود وتوسيع المسارات القانونية للهجرة، مع إيلاء اهتمام أكبر للاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، بينما تتبنى القيادة الجمهورية الحالية توجهاً أكثر تشدداً، يقوم على تعزيز الرقابة الحدودية، وتوسيع القيود على الدخول والإقامة، وتشديد إجراءات الترحيل. وفي مجال الدبلوماسية وإدارة العلاقات الدولية، يفضل الديمقراطيون، بوجه عام، توسيع مساحة التنسيق والتفاوض متعدد الأطراف، والاستناد إلى المؤسسات والتحالفات الدولية في معالجة الأزمات، في حين تميل المقاربة الجمهورية الحالية إلى إعطاء مساحة أكبر للصفقات الثنائية، والمفاوضات المباشرة، واستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي لتحقيق أهداف واشنطن.
أما على المستوى العسكري والأمني، فلا يتعلق الاختلاف بمدى أهمية القوة العسكرية الأمريكية، باعتبارها عنصراً ثابتاً في الاستراتيجية الأمريكية، وإنما بطبيعة توظيفها وحدود استخدامها. فالديمقراطيون يميلون إلى الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية والرقابة السياسية على التدخلات الخارجية، بينما تشدد المقاربة الجمهورية الحالية على القوة العسكرية والإنفاق الدفاعي وتعزيز الردع، مع إعطاء أهمية أكبر لمعادلة القوة في فرض شروط التفاوض وحماية المصالح الأمريكية.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الفوارق باعتبارها اتجاهات سياسية عامة وليست قواعد مطلقة أو حدوداً فاصلة بين الحزبين؛ فداخل كل منهما تيارات وتوجهات متعددة، كما أن المواقف تتغير تبعاً لطبيعة الأزمات، والضغوط الداخلية، وموازين القوى الدولية، ومتطلبات الأمن القومي. ولذلك، فإن الاختلاف الحزبي في الولايات المتحدة لا يعكس اختلافاً بين دولتين أو بين رؤيتين متناقضتين بالضرورة للمصالح الوطنية، بقدر ما يعبر عن اختلاف في تصورات إدارة الدولة نفسها، وترتيب أولوياتها، واختيار الأدوات والوسائل الكفيلة بالحفاظ على موقعها ومصالحها في بيئة دولية تتسم بتزايد التعقيد والتنافس.
لذلك، فإن الاختلاف الحزبي ليس اختلافاً بين دولتين، وإنما بين تصورين لإدارة الدولة نفسها ومصالحها في بيئة دولية متغيرة.
ثانياً: التحول الأهم ليس فقط في الحزب الحاكم، بل في المجتمع الأمريكي نفسه
ثمة متغير أكثر عمقاً ينبغي أخذه بعين الاعتبار؛ فالولايات المتحدة التي نعيش معها اليوم ليست بالضرورة الولايات المتحدة التي عرفها العالم خلال تسعينيات القرن الماضي أو العقد الأول من الألفية. وقد تأكد لي هذا التحول خلال زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة، وعلى إثر لقاءات جمعتني بعدد من الفعاليات الفكرية، حيث لمست حجم التحول في النقاشات الأمريكية بشأن علاقة البلاد بالعالم، ومفهوم القيادة الدولية، وكلفة التدخل العسكري، ومستقبل العولمة الاقتصادية. فقد شهد المجتمع الأمريكي تحولات عميقة، عمقتها تداعيات حرب العراق، والأزمة المالية لعام 2008، والانسحاب من أفغانستان عام 2021، والحروب المتعاقبة، فضلاً عن تصاعد الاستقطاب الداخلي. وأصبحت، تبعاً لذلك، مسألة حدود الدور الأمريكي في العالم أكثر حضوراً في النقاش السياسي والفكري الأمريكي، ولم يعد من الممكن افتراض وجود إجماع داخلي واسع حول ضرورة استمرار الولايات المتحدة في تحمل مسؤولية إدارة النظام الدولي، بصرف النظر عن الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية المترتبة على ذلك.
ويمكن رصد ثلاث تحولات أساسية:
التحول الأول: تراجع الإجماع حول العولمة.
لم تعد العولمة تُقدم في النقاش الأمريكي باعتبارها مكسباً مطلقاً. فقد أظهرت التحولات الصناعية والتجارية أن نقل الإنتاج إلى الخارج يمكن أن يحقق مكاسب للشركات والمستهلكين، لكنه قد يخلق أيضاً اختلالات اجتماعية ومناطق صناعية متضررة واعتماداً استراتيجياً على منافسين خارجيين.
لهذا أصبحت إعادة توطين الصناعات، وتأمين سلاسل الإمداد، والسيادة التكنولوجية، من القضايا التي تتجاوز الانقسام التقليدي بين الحزبين.
التحول الثاني: صعود النزعة القومية الاقتصادية.
لم يعد الاقتصاد مجرد مجال للتبادل التجاري، بل أصبح أداة من أدوات الصراع الجيوسياسي. وأصبح التحكم في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن الاستراتيجية وسلاسل التوريد جزءاً من تعريف الأمن القومي.
وهنا تتراجع الحدود التقليدية بين الاقتصاد والسياسة الخارجية.
التحول الثالث: تغير علاقة المواطن الأمريكي بالتدخل الخارجي.
أصبحت قطاعات من المجتمع الأمريكي أكثر حساسية تجاه الأموال التي تنفقها الولايات المتحدة في الخارج، خصوصاً عندما تتزامن الالتزامات الدولية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات الإسكان والصحة والتفاوت الاجتماعي.
لكن ذلك لا يعني اختفاء النزعة الدولية أو تراجع أهمية التحالفات لدى الأمريكيين جميعاً؛ بل يعني أن شرعية هذه الالتزامات باتت أكثر ارتباطاً بتبرير منافعها المباشرة وغير المباشرة للمجتمع الأمريكي.
وهنا تكمن نقطة استراتيجية مهمة: قد تختلف الإدارات في خطابها، لكن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تضغط عليها قد تدفعها إلى تقارب بعض سياساتها، حتى وإن اختلفت مرجعياتها الأيديولوجية.
ثالثاً: ماذا يعني صعود الديمقراطيين في المشهد الأمريكي الراهن؟
هنا نصل إلى جوهر السؤال، وخصوصاً في ضوء التطور السياسي الذي شهدته الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي يوم 3 نوفمبر 2026.
فقد تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة سياسية جديدة خلال السنتين الأخيرتين من ولايته.
هذا التطور لا يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الديمقراطيين، ولا يعني أن الحزب أصبح قادراً تلقائياً على فرض برنامج سياسي بديل. لكنه يعني انتقال مركز الثقل التشريعي والرقابي إلى خصوم الإدارة، بما يغير شروط ممارسة السلطة داخل واشنطن.
وتشير قراءات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن الديمقراطيين باتوا يمتلكون أدوات مؤثرة، تتعلق بالميزانية، والرقابة البرلمانية، وتأكيد التعيينات الدبلوماسية والأمنية، والتأثير في المساعدات الخارجية والتشريعات التجارية. وفي المقابل، يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والقيادة العسكرية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من التأثير:
أولاً: التأثير التشريعي.
سيصبح تمرير التشريعات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس أكثر تعقيداً، خصوصاً تلك المرتبطة بالميزانية والإنفاق الدفاعي والمساعدات الخارجية والتجارة.
كما ستصبح الإدارة مطالبة بالتعامل مع أغلبية برلمانية لا تتبنى بالضرورة أولوياتها.
ثانياً: التأثير الرقابي والسياسي.
امتلاك الديمقراطيين رئاسة اللجان البرلمانية يتيح لهم تنظيم جلسات استماع، وفتح تحقيقات، واستدعاء المسؤولين، وممارسة ضغط سياسي وإعلامي على الإدارة.
وهذا لا يغير السياسة الخارجية بصورة مباشرة بالضرورة، لكنه قد يرفع كلفة بعض القرارات ويحد من هامش المناورة السياسية.
ثالثاً: التأثير على مستقبل الخيارات الاستراتيجية.
الأكثر أهمية أن هذه الأغلبية قد تعيد فتح النقاش الأمريكي بشأن ملفات دولية ظلت موضع خلاف، مثل العلاقة مع أوروبا، والحرب في أوكرانيا، والسياسة تجاه إيران، والمساعدات العسكرية لإسرائيل، والعلاقة مع الصين.
لكن يجب الانتباه إلى أن القدرة على الاعتراض والمساءلة لا تعني بالضرورة القدرة على إلغاء قرارات الرئيس؛ فالأمر يتوقف على طبيعة القرار، والأساس القانوني الذي يستند إليه، ومدى الحاجة إلى تشريع أو تمويل جديد.
وبالتالي، فإن صعود الديمقراطيين في الكونغرس لا يعني نهاية توجهات الإدارة الحالية، بل يعني دخول هذه التوجهات مرحلة جديدة من التفاوض والرقابة والمواجهة المؤسسية.
رابعاً: انعكاسات الصعود الديمقراطي على خريطة الصراعات والتحالفات الدولية
إذا كان التغيير داخل الكونغرس الأمريكي يحمل دلالات مهمة، فإن أهميته الحقيقية تظهر عندما نضعه في سياق التحولات التي يعرفها النظام الدولي.
فنحن أمام عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة تتحرك في بيئة دولية خاضعة بالكامل لمنطق القطبية الأحادية. هناك صعود صيني متواصل، وعودة روسيا إلى توظيف القوة العسكرية والجيوسياسية، وتنامي أدوار قوى إقليمية، وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمات.
كما أن الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات المرتبطة بإيران، والتنافس على الممرات البحرية والطاقة والتكنولوجيا، تجعل السياسة الأمريكية ذات تأثير يتجاوز حدودها الوطنية.
في هذا السياق، يمكن تحديد خمس ملفات رئيسية لفهم انعكاسات صعود الديمقراطيين.
- أوروبا وحلف الناتو: هل يعود الاعتبار للتحالفات التقليدية؟
من أبرز الاختلافات بين التيار الديمقراطي والإدارة الجمهورية الحالية طريقة التعامل مع الحلفاء الأوروبيين.
فالديمقراطيون يميلون، في العموم، إلى اعتبار حلف الناتو والشراكة عبر الأطلسي والمؤسسات متعددة الأطراف مكونات أساسية من منظومة النفوذ الأمريكي.
أما إدارة ترامب فقد جعلت مسألة تقاسم الأعباء الدفاعية أكثر مركزية، وربطت جانباً من التزامات واشنطن بمقدار مساهمة الحلفاء في أمنهم.
غير أن المسألة أعمق من الاختلاف الأيديولوجي؛ فأوروبا نفسها بدأت تدرك أن الاعتماد الأمني الكامل على الولايات المتحدة قد لا يكون مضموناً على المدى الطويل.
وبالتالي، فإن عودة الديمقراطيين إلى مراكز التأثير التشريعي قد تمنح الأوروبيين مساحة أوسع للدفاع عن مقاربة تقوم على التنسيق الأطلسي، لكنها لن تعيد بالضرورة العلاقات الأمريكية الأوروبية إلى ما كانت عليه قبل التحولات الأخيرة.
لقد تغيرت حسابات الأمن الأوروبي، كما تغيرت حسابات واشنطن.
والأهم أن أوروبا لن تكون مجرد متلقٍ للسياسة الأمريكية، بل ستسعى إلى توسيع استقلاليتها الدفاعية والاقتصادية، سواء كانت الإدارة الأمريكية جمهورية أو ديمقراطية.
- الصين: المنافسة التي تتجاوز الخلاف الحزبي
من الصعب تصور أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى تراجع جوهري في المنافسة الأمريكية الصينية.
فالصين لم تعد مجرد منافس تجاري، وإنما أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية وعسكرية تسعى إلى توسيع مجال تأثيرها في آسيا والعالم.
وقد أدركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن الحفاظ على التفوق الأمريكي يتطلب التعامل مع المنافسة الصينية باعتبارها قضية استراتيجية طويلة الأمد.
صحيح أن الديمقراطيين قد يفضلون تنسيقاً أكبر مع الحلفاء في مواجهة بكين، واستخدام أدوات دبلوماسية ومؤسساتية أكثر اتساعاً، بينما تميل الإدارة الحالية إلى الضغط التجاري والتعريفات الجمركية بصورة أكثر مباشرة.
لكن الاتجاه العام نحو حماية التكنولوجيا الأمريكية، ومنافسة الصين في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الصناعي، لا يرتبط بحزب واحد.
وهذا يعني أن الدول التي تراهن على عودة الديمقراطيين باعتبارها مدخلاً إلى نهاية التوتر الأمريكي الصيني قد تكون بصدد قراءة غير مكتملة للمشهد.
المنافسة هنا بنيوية، وليست مجرد انعكاس لخيار انتخابي.
- الشرق الأوسط: تغير في أدوات إدارة النفوذ وليس بالضرورة في مركزية المنطقة
يمثل الشرق الأوسط أحد أكثر المجالات التي تظهر فيها الفوارق بين الإدارات الأمريكية، كما يمثل أحد المجالات التي تكشف حدود هذه الفوارق.
فالمصالح الأمريكية في المنطقة تتصل بأمن إسرائيل، والتوازنات الإقليمية، وأمن الطاقة والممرات البحرية، ومواجهة التهديدات الأمنية، والحفاظ على قدرة واشنطن على التأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي.
لكن هذه المصالح لا تفرض بالضرورة استخدام الأدوات نفسها.
فقد راهنت إدارة أوباما على التفاوض مع إيران، وتوصلت إلى الاتفاق النووي عام 2015، بينما انسحبت إدارة ترامب منه عام 2018، ثم عادت إدارة بايدن إلى محاولة إحياء المسار الدبلوماسي دون الوصول إلى اتفاق جديد.
هذه التجربة تقدم دليلاً واضحاً على أن اختلاف الحزب الحاكم قد ينتج تغيرات استراتيجية ملموسة، وليس مجرد اختلاف في الخطاب.
أما اليوم، فإن الحرب المرتبطة بإيران تجعل أي تحول في موازين القوى داخل واشنطن أكثر حساسية.
وقد رصدت تحليلات المؤسسات الأمريكية المتخصصة، عقب انتخابات نوفمبر 2026، أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة يمكن أن تزيد الضغط البرلماني على الإدارة بشأن الحرب، والإنفاق العسكري، وطبيعة العلاقة مع الحلفاء الإقليميين. لكن الرئيس يحتفظ بسلطات واسعة في إدارة العمليات العسكرية والسياسة الخارجية.
وهناك قضية أخرى تستحق التوقف عندها، وهي العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
تاريخياً، شكل الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد أبرز مجالات الاستمرارية بين الإدارات الديمقراطية والجمهورية. لكن البيئة السياسية الأمريكية لم تعد مطابقة لما كانت عليه في العقود السابقة.
فقد اتسع النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول المساعدات العسكرية وشروط استخدامها، بالتزامن مع تصاعد الجدل المجتمعي بشأن الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية.
وتشير تصريحات نقلتها صحيفة ذا جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post) عن فيل غوردون، المسؤول السابق في إدارة بايدن، إلى أن النقاش داخل الحزب الديمقراطي بشأن المساعدات المالية والعسكرية لإسرائيل يشهد تحولاً ملحوظاً. وينبغي التعامل مع هذه التصريحات بوصفها قراءة لمسؤول سابق، لا باعتبارها قراراً رسمياً للحزب أو موقفاً نهائياً للإدارة الأمريكية المقبلة.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين ثلاثة أمور:
- استمرار الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل.
- طبيعة المساعدات العسكرية والمالية المقدمة لها.
- مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي غير المشروط لسياسات حكومتها.
فهذه المستويات ليست متطابقة، وقد تشهد تغيرات متفاوتة.
ومن ثم، فإن صعود الديمقراطيين قد يعيد تشكيل النقاش حول شروط الدعم الأمريكي، دون أن يعني ذلك بالضرورة انقلاباً على الإطار التاريخي للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
- الحرب في أوكرانيا وروسيا: بين منطق الردع ومنطق التسوية
يمثل الملف الأوكراني مثالاً آخر على اختلاف الأولويات.
فالديمقراطيون، في توجهاتهم العامة، أعطوا أهمية أكبر لاستمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وللتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، ولمنع تحول الحرب إلى مكسب استراتيجي روسي.
في المقابل، جعلت إدارة ترامب التفاوض والضغط على الأطراف وتقاسم الأعباء مع أوروبا عناصر أكثر حضوراً في مقاربتها.
لكن عودة النفوذ الديمقراطي في الكونغرس قد تفتح المجال لمراجعة بعض ترتيبات الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، وتزيد الضغط من أجل الحفاظ على التنسيق مع أوروبا.
ومع ذلك، فإن المسألة ليست محسومة بمجرد تغير الأغلبية البرلمانية، لأن استمرار الدعم يحتاج إلى تمويل وتشريعات، كما أن القرارات التنفيذية والعسكرية تخضع لاعتبارات مختلفة.
والأهم أن الحرب الأوكرانية أصبحت جزءاً من معادلة أكبر تتصل بمستقبل الأمن الأوروبي، والعلاقة بين روسيا والصين، وحدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من مسرح استراتيجي في الوقت نفسه.
- المناخ والطاقة: اختلاف في المرجعيات وانعكاسات على الاقتصاد العالمي
هذا الملف من أكثر المجالات التي يمكن أن يظهر فيها الاختلاف الحزبي بصورة ملموسة.
فالديمقراطيون يضعون التحول الطاقي وخفض الانبعاثات والاستثمار في الطاقات النظيفة ضمن أولوياتهم السياسية والاقتصادية، بينما تمنح الإدارة الجمهورية الحالية مساحة أكبر للوقود الأحفوري وتوسيع الإنتاج المحلي.
لكن المسألة لا تقتصر على البيئة.
فالطاقة أصبحت عنصراً أساسياً في التنافس الصناعي والتكنولوجي، كما أن المعادن الاستراتيجية والبطاريات والسيارات الكهربائية وسلاسل إنتاج الطاقة النظيفة أصبحت جزءاً من معركة النفوذ الاقتصادي العالمي.
وبالتالي، فإن أي تغير في السياسة الأمريكية المتعلقة بالمناخ والطاقة يمكن أن ينعكس على الاستثمارات العالمية، وعلى تنافسية الصناعات، وعلى مستقبل الاقتصادات التي تراهن على التحول الطاقي.
وهذا مجال يمكن أن تتأثر به أوروبا وأفريقيا والعالم العربي بصورة مباشرة.
خامساً: ماذا تعني هذه التحولات بالنسبة إلى العالم العربي والمغرب؟
من الخطأ أن تنظر الدول العربية إلى التنافس الحزبي الأمريكي باعتباره شأناً داخلياً لا يعنيها، كما أنه من الخطأ أن تبني سياساتها على افتراض أن وصول حزب معين إلى السلطة سيؤدي تلقائياً إلى تغيير موازين العلاقات معها.
فالسياسة الأمريكية تجاه المنطقة تتشكل من تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية، والتحالفات التاريخية، وموازين القوى الإقليمية، ومصالح الطاقة، وموقع المنطقة في المنافسة الدولية.
لكن اختلاف الإدارات يؤثر في كيفية ترتيب هذه العناصر.
وقد تكون هناك اختلافات في مستوى الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي التعامل مع الصراعات الإقليمية، وفي شروط التعاون العسكري، وفي طبيعة المساعدات، وفي العلاقة مع المؤسسات الدولية.
وهذا يفرض على الدول العربية الانتقال من منطق انتظار التغير في واشنطن إلى منطق بناء القدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات السياسية الأمريكية.
- المغرب: من العلاقة الثنائية إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد
بالنسبة إلى المغرب، فإن قراءة التحولات الأمريكية ينبغي أن تنطلق من طبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين، والتي تتجاوز تغير الإدارات.
فالمغرب يمثل شريكاً مهماً للولايات المتحدة في شمال أفريقيا، وفي مجالات الأمن والاستقرار الإقليمي، والتعاون العسكري، ومكافحة الإرهاب، والتجارة والاستثمار.
كما أن قضية الصحراء تظل أحد الملفات المركزية في الحسابات المغربية تجاه واشنطن، خصوصاً في ضوء الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين مستويين:
المستوى الأول: الاستمرارية المؤسسية والاستراتيجية.
فالعلاقات الثنائية، والتعاون الأمني والعسكري، والمصالح الاقتصادية، والموقع الجيوسياسي للمغرب، كلها عناصر تمنح العلاقة الأمريكية المغربية عمقاً يتجاوز التناوب الحزبي.
المستوى الثاني: اختلاف المقاربات السياسية والدبلوماسية.
فالإدارات الديمقراطية قد تعطي وزناً أكبر للاعتبارات متعددة الأطراف، وللدبلوماسية الأممية، ولحقوق الإنسان، ولآليات التفاوض الدولي، وهو ما قد يؤثر في طبيعة النقاش حول بعض الملفات الإقليمية.
لكن لا ينبغي تحويل هذا الاختلاف إلى افتراض مسبق بوجود تراجع حتمي عن المواقف الأمريكية القائمة.
فالموقف الأمريكي من قضية الصحراء ينبغي تقييمه من خلال القرارات الرسمية والتصريحات المعتمدة والتحركات الدبلوماسية الفعلية، وليس من خلال الهوية الحزبية وحدها.
وهنا تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية المغربية: توسيع المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، وتعزيز الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وترسيخ الحضور المغربي في أفريقيا، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية، بما يجعل الشراكة مع واشنطن جزءاً من استراتيجية وطنية متعددة الشركاء وليست نقطة ارتكاز وحيدة.
- أفريقيا: مجال التنافس على المستقبل
هناك جانب آخر لا ينبغي إغفاله، وهو أن أفريقيا أصبحت ساحة متزايدة الأهمية في التنافس بين القوى الدولية.
فالصين وسعت حضورها الاقتصادي والبنيوي، وروسيا عززت بعض أدوارها الأمنية والسياسية، والاتحاد الأوروبي يسعى إلى الحفاظ على نفوذه، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغة مقاربتها تجاه القارة.
والاختلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين قد يظهر في طبيعة الأدوات المستخدمة: الاستثمار، والتعاون التنموي، والشراكات الأمنية، والتجارة، والمساعدات، والمقاربة الدبلوماسية.
بالنسبة إلى المغرب، فإن هذا التنافس يفتح مجالاً لتعزيز موقعه بوصفه فاعلاً إقليمياً يربط شمال أفريقيا بعمقها الأفريقي وبالفضاء الأطلسي.
لكن ذلك يتطلب تحويل الموقع الجغرافي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية واستثمارية ومؤسساتية ملموسة.
- الدرس الاستراتيجي للدول العربية
ينبغي للدول العربية أن تتوقف عن التعامل مع واشنطن من خلال ثنائية الجمهوريين والديمقراطيين فقط.
فالمطلوب هو فهم المؤسسات الأمريكية، ومراكز صنع القرار، والكونغرس، واللوبيات، ومراكز البحث، والرأي العام، والفاعلين الاقتصاديين، لأن السياسة الخارجية لا تصنعها إدارة البيت الأبيض وحدها.
كما أن بناء علاقات متوازنة مع الحزبين، وتطوير قنوات التواصل مع مختلف التيارات السياسية، وتوسيع الشراكات الدولية، كلها عناصر ترفع قدرة الدول على حماية مصالحها عندما تتغير التوازنات داخل الولايات المتحدة.
إن الدولة التي تبني علاقاتها على الأشخاص والأحزاب تكون أكثر عرضة لتقلبات السياسة الأمريكية من الدولة التي تبنيها على المصالح والمؤسسات والتشابكات الاقتصادية والاستراتيجية.
سادساً: هل نحن أمام تغيير في السياسة الأمريكية أم أمام إعادة توزيع لأدوات القوة؟
بعد تفكيك هذه الملفات، يصبح من الممكن الانتقال إلى مستوى أعمق من التحليل.
إن ما يجري في الولايات المتحدة لا يتعلق فقط بالتنافس بين حزبين، بل يعكس أزمة أوسع في النموذج الذي حكم الدور الأمريكي في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
فواشنطن تواجه اليوم معادلة صعبة: كيف تحافظ على موقعها القيادي في عالم متعدد مراكز القوة، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وتتراجع فيه قابلية المجتمع الأمريكي لتحمل التزامات خارجية مفتوحة؟
هذه المعادلة تفسر جانباً مهماً من التحولات التي نشهدها.
فالولايات المتحدة تريد المحافظة على تفوقها، لكنها تريد في الوقت نفسه تقليص كلفة هذا التفوق. تريد حماية تحالفاتها، لكنها تطالب حلفاءها بتحمل مسؤوليات أكبر. تريد استمرار النظام الدولي الذي أسهمت في بنائه، لكنها تريد إعادة صياغة قواعده بما يخدم مصالحها في مواجهة المنافسين.
وهنا يمكن فهم الاختلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين باعتباره اختلافاً في الإجابة عن سؤال مركزي:
كيف ينبغي للولايات المتحدة أن تمارس قيادتها للعالم في ظل تراجع قدرتها على فرض إرادتها بصورة منفردة؟
فالديمقراطيون يميلون إلى اعتبار التحالفات والمؤسسات الدولية وتنسيق المواقف أدوات أساسية للحفاظ على النفوذ الأمريكي. بينما تميل الإدارة الجمهورية الحالية إلى استخدام القوة الاقتصادية والتجارية والعسكرية بصورة أكثر مباشرة، وإلى إعادة التفاوض حول الالتزامات والتحالفات.
لكن كلا المقاربتين تتحركان داخل واقع دولي واحد: صعود المنافسين، وتراجع احتكار القرار الدولي، وارتفاع كلفة الهيمنة، وتزايد أهمية التكنولوجيا والاقتصاد والأمن الطاقي.
ومن ثم، فإن صعود الديمقراطيين لا ينبغي قراءته باعتباره عودة آلية إلى النظام الأمريكي الذي سبق ترامب، لأن ذلك النظام نفسه أصبح موضع مراجعة داخل المجتمع والنخب الأمريكية.
كما أن استمرار الجمهوريين في البيت الأبيض لا يعني أن جميع مؤسسات الدولة والمجتمع الأمريكي ستتحرك بالضرورة في اتجاه واحد.
نحن أمام الولايات المتحدة التي تعيد تعريف موقعها في العالم، وليس فقط أمام الولايات المتحدة التي تتناوب فيها الأحزاب على السلطة.
سابعاً: السيناريوهات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة
في ضوء التحولات التي شهدتها انتخابات نوفمبر 2026، يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية، لا باعتبارها تنبؤات بنتائج مستقبلية، وإنما باعتبارها احتمالات مؤسسية وسياسية تتوقف على طبيعة التفاعلات بين البيت الأبيض والكونغرس.
السيناريو الأول: التعايش السياسي المتوتر.
تستمر الإدارة في تنفيذ توجهاتها من خلال الصلاحيات التنفيذية، بينما يستخدم الديمقراطيون أغلبيتهم البرلمانية لفرض الرقابة، ومراجعة الميزانيات، ومساءلة المسؤولين، والاعتراض على بعض السياسات.
في هذه الحالة، لا يحدث تحول جذري في السياسة الأمريكية، لكن ترتفع كلفة اتخاذ القرار، وتتزايد احتمالات التعطيل التشريعي.
السيناريو الثاني: التفاوض والصفقات العابرة للحزبين.
قد تفرض طبيعة بعض الملفات، خصوصاً الميزانية والدفاع والأمن القومي والعلاقة مع الصين، تفاهمات محددة بين الحزبين.
وهذا يعني أن التنافس السياسي لا يمنع بالضرورة استمرار بعض التوجهات الاستراتيجية المشتركة.
السيناريو الثالث: توسيع الاعتماد على الصلاحيات التنفيذية.
في ظل صعوبة تمرير التشريعات، قد تتجه الإدارة إلى استخدام الأوامر التنفيذية والقرارات التنظيمية والصلاحيات القائمة بصورة أكبر.
وهذا المسار قد يزيد التوتر بين المؤسسات، ويجعل بعض السياسات أكثر عرضة للتغير مع تبدل الإدارات المقبلة.
وتنسجم هذه السيناريوهات مع التقديرات التي نشرتها مؤسسات بحثية أمريكية عقب انتخابات التجديد النصفي، والتي أشارت إلى أن تغير السيطرة على الكونغرس لا يلغي صلاحيات الرئيس، لكنه يغير بصورة جوهرية البيئة السياسية والتشريعية التي يعمل داخلها.
خاتمة: لا ينبغي أن نسأل فقط من يحكم أمريكا، بل أي أمريكا تتشكل؟
في نهاية المطاف، فإن السؤال عما إذا كان اللون السياسي للإدارة الأمريكية مهماً أم لا، لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا بصورة مطلقة.
نعم، اللون السياسي مهم، لأنه يؤثر في ترتيب الأولويات، وفي طبيعة التحالفات، وفي أساليب إدارة الصراعات، وفي مستوى الالتزام بالمؤسسات الدولية، وفي طبيعة العلاقة مع الحلفاء والخصوم.
لكنه لا يكفي وحده لفهم السياسة الأمريكية، لأن المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الاقتصادية والأمنية والتحولات المجتمعية وموازين القوى الدولية تفرض حدوداً على ما تستطيع أي إدارة تغييره.
وقد أثبت التاريخ الأمريكي أن بعض السياسات تستمر عبر إدارات متعاقبة، وأن بعضها الآخر يتعرض لتحولات عميقة عندما تتغير القيادة السياسية.
غير أن التطور الأهم في اللحظة الراهنة هو أن الولايات المتحدة نفسها تعيش مرحلة إعادة تعريف لدورها الدولي، وأن التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة القوة الأمريكية وحدودها وكلفة ممارستها.
ولعل صعود الديمقراطيين في الكونغرس يمثل تعبيراً عن هذا التوتر الداخلي، لكنه لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن مصالحها الكبرى، أو أن موازين القوى الدولية ستتغير بمجرد انتقال الأغلبية البرلمانية.
إن العالم لا ينتظر حزباً أمريكياً بعينه بقدر ما ينتظر وضوحاً في السياسات الأمريكية، واستقراراً في الالتزامات الدولية، وقدرة على إدارة الأزمات المتشابكة.
أما بالنسبة إلى الدول العربية، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على هوية الحزب الذي يحكم واشنطن، بل على القدرة على قراءة التحولات الأمريكية، وفهم مراكز القرار، وتنويع الشراكات الدولية، وتحصين المصالح الوطنية من تقلبات السياسة الداخلية للقوى الكبرى.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول هو أن تجعل استراتيجياتها رهينة لتبدل الإدارات الأمريكية، وأهم ما يمكن أن تحققه هو أن تحول علاقاتها مع واشنطن من علاقات مرتبطة بالأشخاص والحسابات الظرفية إلى شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والقدرة على التكيف مع التحولات.
ففي عالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً، لم يعد السؤال الاستراتيجي بالنسبة إلى الدول هو: من سيكون في البيت الأبيض؟
بل أصبح السؤال الأعمق: كيف يمكن بناء موقع وطني مستقل وفاعل في عالم تتغير فيه مراكز القوة، وتتبدل فيه التحالفات، وتعيد فيه الولايات المتحدة نفسها تحديد شروط حضورها الدولي؟
وهنا تحديداً يكمن المعنى المؤسس للقضية: اللون السياسي للإدارة الأمريكية مهم في فهم كيفية اشتغال القوة الأمريكية، لكن فهم التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل هذه القوة أهم من الاكتفاء بمتابعة التناوب الحزبي عليها.
ملاحظة مرجعية: يستند التحليل المتعلق بالوضع الأمريكي الراهن إلى نتائج انتخابات 3 نوفمبر 2026 والقراءات المنشورة في الأيام التالية لها. أما الاستنتاجات الاستراتيجية والسيناريوهات فهي تحليل للاتجاهات والقيود المؤسسية، وليست تنبؤات حتمية.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.
مراجع أساسية لإسناد المقال
- Council on Foreign Relations – أثر فوز الديمقراطيين بالكونغرس على السياسة الخارجية الأمريكية، 4 نوفمبر 2026.
- Reuters – الكونغرس يتغير وترامب يحتفظ بسلطات واسعة في السياسة الخارجية، 5 نوفمبر 2026.
- Atlantic Council – تداعيات فوز الديمقراطيين على النظام الدولي، 4 نوفمبر 2026.
- Stimson Center – مستقبل الدور الأمريكي في العالم بعد انتخابات التجديد النصفي.
- Nicholas Kitchen – Why American Grand Strategy Has Changed، دراسة أكاديمية في مجلة Global Affairs.
Carnegie Endowment – تحولات المقاربة الأمريكية للتعددية الدولية في عهد ترامب الثاني، يونيو 2026



