هل هي بداية تحول تاريخي في مكانة العرب داخل إسرائيل
المجتمع العربي في إسرائيل انتقل من موقع الدفاع السياسي إلى موقع التأثير المحتمل

لبيب/ قسم التحرير.. أفرزت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة تحولا لافتا في موقع ووزن المجموع العربية العربية داخل المعادلة السياسية الإسرائيلية. فقد حققت القوائم العربية تمثيلا غير مسبوق، بحصولها مجتمعة على 19 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست، مستفيدة من ارتفاع كبير في نسبة المشاركة داخل المجتمع العربي. ويمنح هذا التقدم المجموعة العربية ثقلا برلمانيا لا يمكن تجاهله، خصوصا في ظل عجز أي من المعسكرين الرئيسيين عن الحصول بمفرده على أغلبية الـ 61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة.
ولا تكمن أهمية هذه النتيجة في عدد المقاعد وحده، بل في الرسالة السياسية التي حملتها المشاركة العربية. فبعد سنوات من تراجع الإقبال على الانتخابات، شهدت المناطق العربية تعبئة استثنائية، إذ قاربت نسبة التصويت فيها 77%، مقابل نحو 53% في انتخابات 2022. ويعكس هذا التحول شعورا متزايدا لدى الناخب العربي بأن المقاطعة لم تعد وسيلة فعالة، وأن المشاركة السياسية قد تكون الطريق الأنجع للدفاع عن الحقوق والمصالح والتأثير في قرارات الدولة.
لقد أصبحت الأحزاب العربية، من الناحية الحسابية، في موقع أقرب إلى “صانع الملوك” ، فكتلة بنيامين نتنياهو حصلت على 53 مقعدا، في حين يمتلك معسكر التغيير بقيادة غادي آيزنكوت 48 مقعدا، ما يجعل المقاعد العربية التسعة عشر عاملا قادرا، نظريا، على ترجيح كفة تشكيل الحكومة. وقد دعمت القوائم العربية آيزنكوت في مشاورات تشكيل الحكومة، مما رفع عدد النواب الذين أوصوا به إلى 67 نائبا، في مؤشر واضح على الوزن الجديد الذي اكتسبه الصوت العربي.
لكن القوة العددية لا تعني بالضرورة انتقال العرب إلى مركز القرار. وهنا يظهر التناقض الأساسي في المشهد الإسرائيلي؛ فالقوى العربية أصبحت ضرورية حسابيا، لكن قطاعات واسعة من الطبقة السياسية اليهودية لا تزال مترددة في التعامل معها كشريك كامل في الحكم. وقد استبعد آيزنكوت خلال حملته الانتخابية التعاون مع الأحزاب العربية، رغم حاجته المحتملة إلى دعمها، وهو ما يكشف استمرار ما يمكن وصفه بـ”سقف القبول السياسي” المفروض على المواطنين العرب، حتى عندما يملكون القدرة على التأثير في مصير الحكومة.
وتبرز داخل المعسكر العربي نفسه رؤيتان مختلفتان لكيفية استثمار هذا الوزن الجديد. فحزب القائمة العربية الموحدة “راعم” بقيادة منصور عباس يبدو أكثر استعدادا للمشاركة المباشرة في الائتلاف الحكومي، انطلاقا من تجربة المشاركة السابقة في حكومة بينيت-لابيد. أما القائمة المشتركة فتبدو أكثر ميلا إلى تقديم دعم برلماني من الخارج، مع الاحتفاظ بمواقفها السياسية تجاه الحرب والقضية الفلسطينية. ويعكس هذا الاختلاف تنوع المجتمع العربي نفسه بين من يركز على المكاسب المدنية اليومية ومن يعطي الأولوية للبعد المحلي والسياسي الأوسع.
وتتجاوز مطالب الناخب العربي القضايا الرمزية إلى ملفات اجتماعية ومعيشية ملحة، في مقدمتها مكافحة الجريمة والعنف، وأزمة السكن، وهدم المنازل، وتحسين الخدمات وفرص التنمية في البلدات العربية. وتوضح الدراسات أن ارتفاع المشاركة الانتخابية ارتبط أيضا بتنامي الشعور بالقلق من تراجع مكانة المواطنين العرب ومن تصاعد الخطاب العنصري خلال السنوات الأخيرة. ولذلك يمكن قراءة التصويت المكثف باعتباره محاولة لاستخدام أدوات النظام السياسي للدفاع عن المواطنة المتساوية، وليس مجرد اختيار حزبي تقليدي.
الانتخابات الأخيرة وضعت إسرائيل أمام اختبار سياسي وديمقراطي حقيقي. فالمجموعة العربية أثبتت أنها ليست كتلة هامشية يمكن تجاوزها، بل قوة انتخابية وبرلمانية قادرة على تغيير موازين القوى. غير أن السؤال الأهم يبقى: هل ستتحول هذه القوة من وزن انتخابي إلى شراكة فعلية في صنع القرار؟ فالجواب عن هذا السؤال لن يحدد فقط مستقبل الأحزاب العربية، بل سيكشف أيضا حدود الديمقراطية الإسرائيلية وقدرتها على استيعاب مواطنيها العرب بوصفهم شركاء كاملين في تقرير مستقبل الدولة.
لقد أظهرت الانتخابات أن المجتمع العربي في إسرائيل انتقل من موقع الدفاع السياسي إلى موقع التأثير المحتمل. لكن المسافة لا تزال طويلة بين امتلاك 19 مقعدا وبين امتلاك نفوذ حقيقي داخل الحكومة ومؤسسات اتخاذ القرار. وستكون مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة اختبارا حاسما لمعرفة ما إذا كان هذا الصعود يمثل بداية تحول تاريخي في مكانة العرب داخل إسرائيل، أم مجرد انتصار انتخابي كبير تصطدم نتائجه بجدار الانقسامات والرفض السياسي التقليدي.



