لماذا يعود محمود درويش إلى الواجهة الثقافية العالمية؟

من باريس إلى بيروت والرباط ومونتريال.. شاعر فلسطين يتحول من جديد إلى لغة عالمية للمنفى والذاكرة والإنسان

لم يكن محمود درويش شاعراً فلسطينياً فحسب، ولم يكن حضوره الثقافي مرتبطاً حصراً بالقضية الفلسطينية. وربما تكمن إحدى أهم أسباب عودته المتجددة إلى الواجهة العالمية في أن قصيدته استطاعت، منذ وقت مبكر، أن تتجاوز حدود المكان الذي خرجت منه، لتصبح لغة للمنفى والاقتلاع والذاكرة والحب والموت والبحث عن الهوية.

ويبدو أن العالم الثقافي يعيد اكتشاف درويش في هذه الأيام على نحو لافت. فبين 25 و27 سبتمبر 2026، يحتضن معهد العالم العربي في باريس، بالتعاون مع مركز بومبيدو وشركاء ثقافيين متعددين، برنامجاً واسعاً تحت عنوان «يوم محمود درويش الشعري»، لا يقتصر على العاصمة الفرنسية، بل يمتد إلى نحو ثلاثين موقعاً في فرنسا وخارجها، بينها الرباط وبيروت والدوحة وعمّان ومونتريال وغيرها. ويشمل البرنامج قراءات شعرية ولقاءات وعروضاً سينمائية وموسيقية وأعمالاً فنية مستوحاة من تجربته.

شاعر فلسطيني في قلب المشهد الثقافي العالمي

اللافت في هذا الاحتفاء أنه يأتي بعد نحو عقدين من رحيل درويش، الذي توفي في الولايات المتحدة عام 2008. ومع ذلك، لم تتحول تجربته إلى مجرد إرث أدبي محفوظ في الكتب، بل ظلت قابلة لإعادة القراءة وإنتاج معانٍ جديدة.

مركز بومبيدو، الذي يشارك في تنظيم الفعالية، يقدم درويش باعتباره أحد أبرز أصوات الشعر العربي الحديث، وفي الوقت نفسه يضع أعماله ضمن التراث الأدبي العالمي. وهذه النقلة في توصيف تجربته مهمة؛ لأنها تعكس انتقال الشاعر من خانة «الأدب الفلسطيني» بالمعنى الجغرافي والسياسي الضيق إلى فضاء أدبي أوسع تتقاطع فيه قضايا المنفى والهوية والهجرة والذاكرة.

وهنا ربما يكمن سر استمرار درويش: كلما ابتعدت قصيدته عن ظرفها التاريخي المباشر، ظهرت فيها أبعاد إنسانية أكثر اتساعاً.

غزة أعادت قصائد قديمة إلى الحاضر

لا يمكن فصل عودة درويش إلى الواجهة عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب في غزة وما رافقها من عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الثقافي والإعلامي العالمي.

لكن اختزال درويش في السياسة وحدها قد يكون تقليلاً من قيمة تجربته.

ففي شعره، لا تظهر فلسطين باعتبارها مجرد قضية سياسية، وإنما باعتبارها مكاناً وذاكرة ولغة وهوية وتجربة إنسانية. ولهذا يستطيع القارئ غير العربي، وحتى من لا يعرف تفاصيل التاريخ الفلسطيني، أن يجد في قصيدته موضوعات تتصل بتجربة الإنسان في مواجهة الفقد والمنفى والغياب.

وفي برنامج بومبيدو، توصف تجربة درويش بأنها جعلت من المنفى فضاءً للكتابة تتقاطع فيه النوستالجيا والمقاومة والماضي والمستقبل، وأن تجربته تفتح على قضايا الهوية والهجرة وتداخل الثقافات.

من «شاعر القضية» إلى شاعر الإنسان

ربما يكون أهم تحول في صورة درويش اليوم هو محاولة قراءته بعيداً عن الصورة التقليدية التي تحصره في لقب «شاعر القضية الفلسطينية».

فالبرنامج الدولي المخصص له هذا العام يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا بقي من درويش بعد أن أصبح جزءاً من الذاكرة الفلسطينية والعربية؟

الإجابة التي تقدمها الفعاليات الحالية تبدو واضحة: بقي الشاعر.

ففي الرباط، على سبيل المثال، تتضمن الفعاليات قراءات وأعمالاً أدائية تستعيد جوانب مختلفة من تجربته، بينما تقدم بيروت عرضاً لفيلم «محمود درويش: والأرض كما اللغة»، إلى جانب قراءات موسيقية لنصوصه ونصوص شعراء فلسطينيين شباب. وفي مونتريال تقدم قراءات ثنائية اللغة بالعربية والفرنسية.

إن انتقال قصيدته بين العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات يجعلها تعيش حياة جديدة في كل ترجمة وقراءة.

الترجمة صنعت جسراً بين درويش والعالم

من أسباب استمرار الحضور العالمي لدرويش أن أعماله لم تبقَ أسيرة اللغة العربية.

لقد أصبحت قصائده مادة للترجمة والدراسة الأكاديمية والأداء المسرحي والموسيقى والفنون البصرية. والبرنامج الحالي نفسه يقدم نموذجاً لذلك: قصائد عربية تُقرأ بالفرنسية والإنجليزية، وموسيقى تستند إلى نصوصه، وأعمال فنية تستلهم صورته وكلماته.

وهذا يوضح أن العالم لا يكتفي بترجمة درويش، بل يعيد إنتاجه فنياً.

وهي مرحلة أكثر تقدماً من مجرد نقل النص من لغة إلى أخرى؛ فحين تتحول القصيدة إلى موسيقى أو عرض بصري أو مسرح أو فيلم، فإنها تدخل في حوار مع ثقافات وفنون أخرى.

لماذا الآن؟

السؤال الأكثر إثارة هو: لماذا يعود درويش إلى الواجهة بهذا الحجم في عام 2026؟

هناك أكثر من عامل.

أولها أن الأزمات المرتبطة بالحرب والهجرة والاقتلاع والمنفى جعلت موضوعات درويش أكثر قرباً من النقاش العالمي المعاصر.

وثانيها أن المؤسسات الثقافية الأوروبية باتت تبحث بصورة متزايدة عن جسور مع الثقافات المتوسطية والعربية. ويأتي الاحتفاء بدرويش ضمن موسم المتوسط 2026 الذي تشارك فيه مؤسسات ثقافية فرنسية وأوروبية.

وثالثها أن الأجيال الجديدة لا تتلقى درويش بالطريقة نفسها التي تلقته بها الأجيال السابقة. فالشاعر الذي كان يُقرأ في الكتب والمجلات والندوات أصبح اليوم حاضراً في العروض الأدائية والسينما والموسيقى والمنصات الرقمية.

درويش في زمن الصورة

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها.

درويش شاعر الكلمات في عصر أصبحت فيه الصورة والفيديو والوسائط الرقمية تهيمن على المشهد الثقافي. ومع ذلك، فإن المؤسسات التي تحتفي به اليوم لا تكتفي بقراءة قصائده، وإنما تحوّل شعره إلى صورة وموسيقى وفيلم وأداء حي.

وهذا يعني أن قوة تجربته لا تكمن فقط في جمال اللغة، وإنما في قابليتها لإنتاج صور وأفكار يمكن لفنون أخرى أن تستعيدها.

ولعل هذا ما يفسر حضور الفنان الفرنسي إرنست بيينيون-إرنست في المشروع الحالي، من خلال أعمال مرتبطة بصورة درويش ونصوصه. كما أن برنامج «يوم محمود درويش الشعري» موزع بين مؤسسات ثقافية متعددة، ما يحول الاحتفاء إلى شبكة دولية من القراءات والتجارب.

شاعر الأجيال الجديدة

ثمة سبب آخر للعودة: اكتشاف الأجيال الجديدة لدرويش.

فالشعراء لا يعيشون فقط من خلال القراء الذين عاصروهم، وإنما من خلال الأجيال التي تأتي بعدهم.

والبرنامج الحالي لا يكتفي باستعادة قصائد درويش، بل يربطها بشعراء فلسطينيين وعرب معاصرين، كما يحدث في بيروت والدوحة وغيرها. وهذا يضع الشاعر في حوار مع الأصوات الشعرية الجديدة بدلاً من وضعه داخل متحف أدبي مغلق.

إنها طريقة مختلفة في الحفاظ على التراث: ليس بتجميده، وإنما بإعادة استخدامه وإعادة تفسيره.

درويش.. عندما يصبح المنفى لغة مشتركة

كان المنفى واحداً من أهم المفاهيم التي شغلت تجربة محمود درويش. لكن المنفى لم يعد اليوم تجربة فلسطينية أو عربية فقط.

المهاجرون واللاجئون والنازحون وضحايا الحروب والحدود المغلقة يعيشون، في أماكن مختلفة من العالم، أسئلة المكان والهوية والذاكرة.

ومن هنا يمكن فهم قابلية شعر درويش للانتقال من فلسطين إلى العالم.

إنه لا يقول للقارئ الأجنبي بالضرورة: «كن فلسطينياً»، بل يفتح أمامه سؤالاً أوسع: ماذا يعني أن تفقد المكان الذي كان يمنحك تعريفك لنفسك؟

وهذا سؤال إنساني يتجاوز الجغرافيا.

عودة لا تعني الماضي

لذلك فإن عودة محمود درويش إلى الواجهة العالمية ليست مجرد موجة احتفالية عابرة، ولا مجرد مناسبة لإحياء ذكرى شاعر رحل.

فالفعاليات التي تنظم في باريس ومدن أخرى تقدم دليلاً على أن تجربته لا تزال قابلة لإنتاج قراءات جديدة. وقد اختار مركز بومبيدو أن يجعل فعالية 2026 شبكة دولية من المؤسسات والقراءات، بدلاً من الاقتصار على مناسبة محلية واحدة.

واللافت أن عنواناً مثل «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، وهو مستمد من آخر دواوين درويش المنشورة بعد وفاته، يلخص بطريقة رمزية طبيعة هذه العودة: القصيدة لا تنتهي عندما يموت شاعرها، بل تبدأ حياة أخرى عندما تجد قارئاً جديداً.

قد يكون محمود درويش اليوم أكثر حضوراً في العالم لأنه لم يكتب عن فلسطين وحدها، حتى عندما كانت فلسطين حاضرة في قلب شعره.

كتب عن الأرض، والمنفى، والحب، والغياب، والموت، والذاكرة، والهوية، والإنسان؛ ولذلك تستطيع قصيدته أن تعبر الحدود التي رسمها التاريخ والسياسة.

ومن باريس إلى الرباط وبيروت ومونتريال والدوحة، يبدو أن العالم الثقافي لا يعيد فقط قراءة محمود درويش، بل يعيد طرح سؤال أعمق: كيف يمكن لشاعر أن ينتمي إلى قضية محددة، ثم يتحول في الوقت نفسه إلى صوت إنساني يتجاوز حدود تلك القضية؟

ربما تكمن الإجابة في أن درويش لم يجعل فلسطين نهاية القصيدة، بل جعلها نقطة انطلاق نحو الإنسان.

وهذا، في النهاية، هو ما يجعل الشاعر قادراً على العودة كلما احتاج العالم إلى لغة جديدة للمنفى والذاكرة والأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;