حرب غزة في فيلم «نازا».. عندما تتحول السينما إلى شهادة على الإبادة

فوز الفيلم الوثائقي «نازا» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي لا يمثل مجرد نجاح فني لفيلم يتناول حرب غزة، بل يفتح نقاشاً أوسع حول قدرة السينما الوثائقية على مساءلة الروايات الرسمية، وإيصال شهادات الحرب إلى جمهور عالمي، وتحويل الصورة السينمائية إلى وثيقة سياسية وأخلاقية.

في الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي، التي اختتمت في 12 سبتمبر 2026، حصل الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA) للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وقد أكدت إدارة المهرجان رسمياً إدراج الفيلم ضمن المسابقة الرئيسية ومنحه الجائزة.

الفيلم، الذي تبلغ مدته 80 دقيقة، أنتجته صحيفة The Guardian بالتعاون مع JW Films، وصُوّر جزء كبير منه ليلاً فوق أسطح في تل أبيب، ويعتمد على شهادات مجهلة المصدر لأفراد من المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية بشأن العمليات العسكرية في غزة.

ما الذي يعنيه فوز «نازا»؟

تكمن أهمية الجائزة أولاً في أن الفيلم لم يُعرض في قسم جانبي أو خارج المنافسة، وإنما كان جزءاً من المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، أحد أقدم وأهم المهرجانات السينمائية الدولية.

وبالتالي، فإن منح لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم يمنحه اعترافاً مؤسساتياً داخل أحد أهم المحافل السينمائية العالمية.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الجائزة تمثل حكماً قضائياً على الوقائع التي يعرضها الفيلم، أو أنها تثبت بصورة مستقلة كل ادعاء يرد فيه. إنها، قبل كل شيء، تقدير من لجنة تحكيم لعمل سينمائي ووثائقي ضمن مسابقة فنية.

لكن أهمية الجائزة تتضاعف بسبب طبيعة الموضوع الذي اختار الفيلم تناوله.

من داخل إسرائيل.. رواية مختلفة للحرب

أحد أبرز عناصر «نازا» أن صانعيه إسرائيليان، وأن الفيلم يعتمد على شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

وهذا الخيار يمنح الفيلم زاوية مختلفة عن الأفلام التي تعتمد فقط على شهادات الضحايا أو الشهود الموجودين في غزة.

ويقول المخرجان في البيان المنشور على الموقع الرسمي لمهرجان البندقية إنهما صنعا الفيلم بدافع ما اعتبراه مسؤولية استخدام موقعهما كإسرائيليين لفحص الأنظمة المرتبطة بقتل المدنيين الفلسطينيين في غزة. كما يربطان الفيلم بأسئلة تاريخية حول كيفية تحول جماعة بشرية إلى النظر إلى جماعة أخرى باعتبارها أقل إنسانية.

وهنا تتجاوز أهمية الفيلم حدود جنسيتهما، لتصل إلى السؤال الأخلاقي حول مسؤولية الشاهد من داخل المؤسسة التي تشارك في الحرب.

عنوان الفيلم نفسه يحمل دلالة

عنوان NAZA ليس اختياراً اعتباطياً.

بحسب المصادر التي تناولت الفيلم، يشير العنوان إلى مصطلح يستخدم في سياق عسكري واستخباراتي لتقدير عدد المدنيين الذين يُتوقع سقوطهم باعتبارهم «خسائر جانبية» في عملية استهداف معينة.

وهذا يجعل العنوان جزءاً من بنية الفيلم الفكرية: تحويل رقم أو رمز تقني إلى سؤال إنساني.

فوراء كل تقدير رقمي للخسائر توجد حياة بشرية وأسرة ومدينة وذاكرة.

وهنا تستخدم السينما الوثائقية اللغة التقنية نفسها التي تصف الحرب لتطرح سؤالاً معاكساً: ماذا يحدث عندما يتحول الإنسان إلى رقم داخل منظومة عسكرية؟

غزة في شاشة البندقية

من الناحية الرمزية، يأتي الفيلم في وقت أصبحت فيه غزة حاضرة بقوة في المهرجانات والمؤسسات الثقافية العالمية.

غير أن «نازا» يضيف بعداً آخر إلى هذا الحضور؛ فهو لا يكتفي بعرض صور الدمار والضحايا، وإنما يحاول الدخول إلى المنظومة التي تنتج قرار الاستهداف نفسه.

وهذا يغير زاوية النظر.

فبدلاً من أن يكون السؤال فقط: ماذا حدث للمدنيين؟

يصبح أيضاً: كيف اتُخذت القرارات التي أدت إلى هذه النتائج؟ ومن يملك المعلومات؟ وكيف تعمل التكنولوجيا والاستخبارات والقرارات العسكرية داخل هذه المنظومة؟

الذكاء الاصطناعي يدخل قلب النقاش

من أبرز القضايا التي يثيرها الفيلم علاقة الحرب بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

ووفق الوصف الرسمي للمهرجان، يسعى «نازا» إلى الكشف عن الأنظمة التي يرى صانعاه أنها تقف وراء عمليات قتل واسعة للمدنيين الفلسطينيين في غزة.

وهذا يفتح قضية تتجاوز غزة نفسها:

ماذا يحدث عندما تدخل الخوارزميات والأنظمة الرقمية إلى عملية اتخاذ القرار العسكري؟

فإذا أصبحت التكنولوجيا قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات واقتراح أهداف عسكرية بسرعة غير مسبوقة، فإن السؤال الأخلاقي والقانوني يصبح أكثر تعقيداً: أين تبدأ مسؤولية الإنسان وأين تنتهي مسؤولية الآلة؟

وهذه قضية مرشحة لأن تصبح من أكبر الأسئلة السياسية والأخلاقية في الحروب المقبلة.

25 دقيقة من التصفيق

حظي الفيلم عند عرضه في البندقية باستقبال لافت، إذ تحدثت مصادر متعددة عن تصفيق استمر نحو 25 دقيقة بعد العرض.

لكن قيمة هذا الاستقبال لا تكمن فقط في طول التصفيق.

فالمهم أن موضوعاً شديد الحساسية سياسياً وجد مكانه داخل أحد أهم المهرجانات السينمائية العالمية، أمام جمهور دولي وصحافة دولية وصناعة سينمائية واسعة.

وهذا يوضح مرة أخرى أن المهرجانات الكبرى لا تعمل فقط باعتبارها ساحات لاختيار الأفلام الفائزة، بل أصبحت أيضاً فضاءات للنقاش حول الحروب والذاكرة والعدالة وحقوق الإنسان والسلطة.

الجائزة وسط جدل سياسي واسع

لم يمر الفيلم دون ردود فعل سياسية حادة في إسرائيل.

فقد تعرض المخرجان لانتقادات وتهديدات على خلفية الفيلم، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نيته الدفع باتجاه تشريعات تتعلق بسحب الجنسية ورفع العقوبات المرتبطة بما وصفه بتشويه سمعة الجنود الإسرائيليين، في سياق الجدل الذي أثاره «نازا». كما تحدثت تقارير عن إجراءات وتحقيقات مرتبطة بالفيلم.

في المقابل، أعلنت شخصيات ومؤسسات في الوسط السينمائي الإسرائيلي دعمها للمخرجين ورفضها التهديدات التي استهدفتهما.

وهنا تبرز قضية أوسع من الفيلم نفسه: ما حدود حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بنقد المؤسسة العسكرية أثناء الحرب؟

إنها مسألة تختلف الإجابات بشأنها باختلاف المواقف السياسية والقانونية، ولذلك ينبغي الفصل بين تقييم الفيلم فنياً وبين الخلافات السياسية التي أثارها.

لماذا يكتسب الفيلم أهمية عربية وفلسطينية؟

بالنسبة إلى الجمهور العربي، يكتسب «نازا» أهمية إضافية لأنه يقدم شهادات من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه حول حرب كانت آثارها الإنسانية موضوعاً واسعاً للتغطية الإعلامية والحقوقية الفلسطينية والعربية والدولية.

وهذا لا يعني أن الشهادات التي يقدمها الفيلم تحل محل شهادات الفلسطينيين أو توثق وحدها كل ما جرى.

بل إن أهميتها تكمن في أنها تضيف طبقة أخرى من الشهادة.

ففي الحروب، تتعدد الروايات: رواية الضحية، ورواية الجندي، ورواية الصحافي، ورواية المؤسسة الرسمية، ورواية الباحث، ورواية الصورة.

وقوة العمل الوثائقي تكمن في وضع بعض هذه الروايات أمام المشاهد وترك مساحة لفحصها ومقارنتها.

السينما كأرشيف للحظة التاريخية

قد تكون هذه واحدة من أهم دلالات «نازا».

فالسينما لا تسجل الحرب فقط عندما تصور الدمار، وإنما عندما تسجل كيف كان الناس يفكرون فيها أثناء حدوثها.

بعد عقود، لن يعود الباحث مهتماً فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، وإنما سيسأل أيضاً: كيف كانت المجتمعات تنظر إلى الحرب؟ ماذا كان يعرف الناس؟ ماذا كان الجنود يقولون؟ كيف كانت المؤسسات تتخذ قراراتها؟ وكيف تعامل الفن والإعلام مع الحدث؟

من هذه الزاوية، يمكن أن يتحول الفيلم الوثائقي إلى جزء من أرشيف الذاكرة الجماعية.

من «لا أرض أخرى» إلى «نازا»

المخرجان يوفال أبراهام وراشيل زور كانا من المشاركين في إخراج الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» (No Other Land)، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي في 2025.

و«نازا» يمثل استمراراً في استخدام السينما الوثائقية لفحص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من زوايا مختلفة، مع الانتقال في هذه المرة إلى شهادات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. وقد أشارت «لا بيينالي» إلى أن المخرجين كانا اثنين من أربعة مخرجين لفيلم «لا أرض أخرى».

وهذا يمنح تجربتهما السينمائية استمرارية واضحة في تناول القضية الفلسطينية من خلال الوثائقي.

جائزة فنية.. ودلالة تتجاوز الفن

لا ينبغي تحميل جائزة لجنة التحكيم الخاصة أكثر مما تحتمل.

فهي ليست قراراً سياسياً، وليست حكماً قضائياً، ولا تعني أن كل الوقائع الواردة في الفيلم أصبحت حقائق مثبتة بحكم الجائزة.

لكنها في الوقت نفسه ليست بلا دلالة.

فحين تمنح لجنة تحكيم في مهرجان دولي كبير جائزتها لفيلم يتناول قضية شديدة الحساسية، فإن ذلك يعني أن الفيلم نجح، وفق تقدير اللجنة، في فرض نفسه كعمل سينمائي يستحق الاعتراف داخل المسابقة.

وهنا تلتقي القيمة الفنية بالقيمة الثقافية.

البندقية.. حين تصبح الشاشة مساحة للذاكرة

لطالما كانت السينما أكثر من مجرد صناعة ترفيهية.

وفي اللحظات التاريخية الكبرى، تتحول الشاشة إلى مساحة للصراع على الذاكرة: من يروي؟ ماذا يظهر؟ ماذا يُخفى؟ ومن يملك حق تفسير الصورة؟

«نازا» يدخل هذا المجال بقوة.

فهو لا يقدم نفسه باعتباره تقريراً إخبارياً، وإنما كعمل وثائقي يبحث في البنية التي تقف وراء الأحداث، ويضع المشاهد أمام شهادات وأسئلة تتعلق بالحرب والتكنولوجيا والمسؤولية الأخلاقية.

ولهذا يمكن قراءة جائزة البندقية باعتبارها أيضاً اعترافاً بالدور الذي تستطيع السينما الوثائقية أن تلعبه في فتح الأسئلة التي قد يصعب طرحها في الخطاب السياسي التقليدي.

إن أهمية «نازا» لا تختصر في حصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية 2026، وإنما في طبيعة المساحة التي فتحها الفيلم للنقاش.

فهو يضع الحرب في غزة أمام الجمهور العالمي من زاوية مختلفة، ويجمع بين السينما الوثائقية، والشهادة من داخل المؤسسة العسكرية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن الجائزة تمنح الفيلم قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور عالمي، خصوصاً في ظل الجدل الذي أثاره داخل إسرائيل وخارجها.

وفي زمن أصبحت فيه الحروب تُخاض أيضاً عبر الصور والخوارزميات والروايات المتنافسة، ربما تكون الرسالة الأعمق لـ«نازا» أن الكاميرا لا تستطيع إيقاف الحرب، لكنها تستطيع أن تجعل السؤال عن الحرب أكثر صعوبة في تجاهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;