لم تعد المتاحف مجرد أماكن هادئة لعرض اللوحات والمنحوتات والمخطوطات والقطع الأثرية. ففي عالم يشهد حروباً متواصلة، وتغيراً مناخياً متسارعاً، وتطوراً في الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، أصبحت المتاحف نفسها جزءاً من معركة أوسع عنوانها حماية الذاكرة الإنسانية.
وفي سبتمبر 2026، أعاد حادث سرقة لوحتين للفنان الفرنسي بيير أوغست رينوار من متحفه في كاني سور مير بفرنسا قضية أمن المتاحف إلى الواجهة. واعتبر المجلس الدولي للمتاحف ICOM الحادث تذكيراً بالتحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه المؤسسات المتحفية في العالم، معلناً عن تعاون مع الإنتربول لتقييم حجم هذه المخاطر ووضع إرشادات دولية جديدة لأمن المتاحف.
المتحف لم يعد آمناً كما كان
لفترة طويلة، كان الخطر الأكبر الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المتاحف هو السرقة. لكن قائمة المخاطر أصبحت أطول بكثير.
فبحسب المجلس الدولي للمتاحف، تواجه المؤسسات المتحفية اليوم أخطاراً مرتبطة بالسرقة والتخريب والإرهاب والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والظواهر المناخية المتطرفة، فضلاً عن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وتضيف اليونسكو إلى هذه القائمة مخاطر أخرى، بينها الهجمات السيبرانية التي تستهدف الموارد الثقافية الرقمية، وهو ما يعني أن حماية التراث لم تعد مرتبطة فقط بالأبواب والخزائن وأنظمة الإنذار، وإنما أصبحت تشمل أيضاً حماية البيانات والسجلات الرقمية.
وهكذا انتقلت قضية أمن المتاحف من مسألة تقنية تخص العاملين فيها إلى قضية دولية تتعلق بحماية التراث الثقافي المشترك.
الحروب.. عندما تصبح الذاكرة هدفاً
ربما تكون الحروب أكبر اختبار لقدرة المجتمع الدولي على حماية التراث.
فالمتحف الواقع في منطقة نزاع لا يواجه فقط خطر القصف أو الدمار المباشر، بل يواجه أيضاً احتمال النهب والسرقة والاتجار بالقطع الموجودة داخله.
وقد حذر المجلس الدولي للمتاحف في أبريل 2026 من الأضرار الواسعة التي لحقت بالمواقع الثقافية في عدد من مناطق الصراع، مشيراً إلى أن مئات المواقع الثقافية في إيران وفلسطين وإسرائيل والسودان ولبنان وأوكرانيا تعرضت للأضرار أو الدمار خلال فترة قصيرة.
وهنا تصبح القطعة الأثرية أكثر من مجرد قطعة فنية.
فهي قد تكون وثيقة تاريخية، أو شاهداً على حضارة، أو رمزاً لهوية مجتمع بأكمله.
ولهذا تؤكد اليونسكو أن تدمير الممتلكات الثقافية لا يعني فقدان ممتلكات مادية فقط، وإنما يلحق ضرراً بالتراث الثقافي للإنسانية جمعاء.
لماذا تُسرق القطع الأثرية؟
السبب الاقتصادي حاضر بقوة.
فاللوحات والقطع الأثرية والمخطوطات يمكن أن تتحول إلى سلع مرتفعة القيمة في الأسواق غير المشروعة، خصوصاً عندما تأتي من مناطق تعاني من الحرب أو ضعف الرقابة.
وقد وثقت اليونسكو حالات نهب واسعة للمتاحف والمواقع الأثرية في العراق وسوريا واليمن وغيرها، مؤكدة أن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية يمكن أن يصبح جزءاً من اقتصاد الجريمة في مناطق النزاع.
المشكلة هنا أن القطعة المسروقة لا تختفي بالضرورة إلى الأبد، بل قد تنتقل بين دول وأسواق ووسطاء ومجموعات خاصة، ما يجعل استعادتها عملية قانونية ودبلوماسية معقدة.
ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين المتاحف وأجهزة الشرطة والجمارك والمؤسسات الدولية.
هل تكفي التكنولوجيا؟
أصبحت الكاميرات وأنظمة الإنذار وأجهزة التعرف الرقمي وقواعد البيانات أدوات أساسية لحماية المجموعات المتحفية.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
فالسرقة الحديثة يمكن أن تستفيد هي الأخرى من التكنولوجيا، كما أن المتاحف تواجه أخطاراً لا يمكن منعها بالكاميرات، مثل الحرائق والفيضانات والزلازل والحروب والهجمات الإلكترونية.
ولهذا يعمل ICOM والإنتربول حالياً على تقييم الإجراءات الأمنية المتبعة في المتاحف حول العالم، على أن تساهم النتائج في تطوير إجراءات عملية جديدة، فيما يستهدف المجلس الدولي للمتاحف إطلاق إرشادات عالمية لأمن المتاحف في عام 2028.
المطلوب إذن ليس فقط أن تصبح المتاحف أكثر ذكاءً من الناحية التقنية، وإنما أن تصبح أكثر استعداداً للأزمات.
اليونسكو.. القانون الدولي موجود
ليست حماية التراث فكرة جديدة في القانون الدولي.
فبعد الدمار الهائل الذي تعرض له التراث خلال الحرب العالمية الثانية، اعتمدت اليونسكو عام 1954 اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، وهي أول معاهدة دولية شاملة مخصصة لهذا الغرض. وتشمل الحماية المتاحف والمكتبات والمحفوظات والأعمال الفنية والمخطوطات والمواقع الأثرية وغيرها.
كما أن البروتوكول الثاني لعام 1999 أوجد نظام «الحماية المعززة» للممتلكات الثقافية ذات الأهمية الكبرى للإنسانية، بهدف توفير مستوى أعلى من الحماية أثناء النزاعات المسلحة.
لكن وجود القوانين لا يعني أن التراث أصبح محصناً.
فالمشكلة الأساسية تكمن دائماً في قدرة الدول والأطراف المتحاربة على احترام هذه القواعد وتنفيذها.
ماذا يحدث عندما تقع الكارثة؟
هنا تظهر أهمية الاستعداد قبل وقوع الخطر.
توصي الأطر الدولية بإعداد قوائم دقيقة بالمجموعات، ووضع خطط للطوارئ، وتحديد أماكن آمنة يمكن نقل القطع إليها عند الضرورة، والاستعداد لمواجهة الحرائق والانهيارات والكوارث الطبيعية.
وهذه الإجراءات تبدو بسيطة، لكنها قد تكون حاسمة.
فالمتحف الذي يعرف مسبقاً أين توجد كل قطعة، وكيف يمكن إخراجها، ومن المسؤول عن نقلها، وأين يمكن تخزينها، تكون قدرته على حماية مجموعته أكبر بكثير من مؤسسة لا تمتلك خطة للطوارئ.
ولهذا أطلق ICOM Europe في 2026 مشروعاً دولياً بعنوان «من الأزمة إلى القدرة» لتطوير إرشادات عملية للمتاحف قبل النزاعات المسلحة وأثناءها وبعدها، مع التركيز على حماية المجموعات وإجلائها عند الضرورة.
تغير المناخ يدخل المتحف
هناك خطر آخر يتقدم بهدوء: المناخ.
فالفيضانات والحرائق وارتفاع درجات الحرارة والعواصف الشديدة يمكن أن تهدد المباني التاريخية والمجموعات الموجودة داخلها.
وقد أصبحت الاستعدادات للكوارث الطبيعية جزءاً أساسياً من مفهوم حماية المتاحف، إلى جانب الحماية من النزاعات والسرقة. ويؤكد ICOM أن الكوارث المرتبطة بالمناخ تشكل تهديداً حقيقياً للمجموعات وللعاملين في المؤسسات الثقافية.
وهذا يطرح سؤالاً جديداً أمام المتاحف: هل صممت مبانيها القديمة لتواجه مناخ المستقبل؟
المتحف الرقمي ليس بمنأى عن الخطر
مع تحول جزء متزايد من التراث إلى ملفات رقمية، ظهرت جبهة جديدة لحماية الذاكرة.
فالمتاحف اليوم لا تخزن فقط لوحات وتماثيل ومخطوطات، وإنما تمتلك قواعد بيانات وصوراً رقمية وملفات بحثية وأرشيفات إلكترونية.
وتحذر اليونسكو من مخاطر الهجمات السيبرانية التي تستهدف الموارد الثقافية الرقمية.
وهذا يعني أن حماية التراث في القرن الحادي والعشرين أصبحت ذات مستويين:
حماية الشيء المادي، وحماية المعلومات التي توثق وجوده وتاريخه.
وفي بعض الحالات، قد يكون فقدان السجل الرقمي للقطعة ضربة خطيرة لجهود استعادتها إذا تعرضت للسرقة.
من يحمي ذاكرة الإنسانية؟
السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال لا يمكن أن تكون إجابته: «المتاحف وحدها».
المسؤولية موزعة بين الدول، واليونسكو، والمجلس الدولي للمتاحف، والإنتربول، وأجهزة الجمارك والشرطة، والمؤسسات الثقافية، والباحثين، وحتى سوق الفن والمؤسسات الخاصة.
فحماية التراث تتطلب تعاوناً عابراً للحدود، لأن القطعة المسروقة يمكن أن تغادر الدولة التي خرجت منها خلال ساعات.
ولهذا يمثل التعاون الدولي بين ICOM والإنتربول خطوة مهمة في مواجهة السرقة والاتجار غير المشروع، بينما توفر اتفاقية لاهاي إطاراً قانونياً لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات.
هل نحتاج إلى مفهوم جديد للأمن الثقافي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
فالأمن الثقافي لم يعد يعني فقط حراسة باب المتحف.
إنه يعني إدارة المخاطر، وتوثيق المجموعات، وتأمين البيانات، وتدريب الموظفين، ووضع خطط الإخلاء، والتعاون مع الشرطة والجمارك، وإعداد ملاجئ آمنة، والاستعداد للكوارث، وتوفير التمويل اللازم للصيانة والحماية.
وقد باتت هذه الرؤية جزءاً من النقاش الدولي حول مستقبل المتاحف.
لكن التحدي يبقى في كيفية تحويل الإرشادات والاتفاقيات الدولية إلى إجراءات عملية داخل آلاف المتاحف، الكبيرة منها والصغيرة.
ذاكرة لا تخص دولة واحدة
المتحف الوطني قد يكون ملكاً لدولة معينة، لكن القيمة الإنسانية لما يحتفظ به قد تتجاوز حدود تلك الدولة.
فمخطوطة قديمة، أو تمثال أثري، أو لوحة فنية، أو قطعة من حضارة منسية، يمكن أن تحمل جزءاً من قصة الإنسانية كلها.
ولهذا تنص اتفاقية لاهاي على فكرة أساسية مفادها أن الضرر الذي يلحق بالتراث الثقافي لأي شعب يمثل ضرراً للتراث الثقافي للإنسانية.
وهذه الفكرة هي التي تجعل حماية المتاحف قضية تتجاوز الملكية الوطنية.
المتاحف ليست مجرد مبانٍ مليئة بالأشياء القديمة؛ إنها خزائن للذاكرة الإنسانية.
وحين تُسرق لوحة، أو يدمر متحف، أو تضيع مخطوطة، فإن الخسارة لا تقاس بسعر القطعة في سوق الفن، وإنما بما تمثله من معرفة وتاريخ وهوية وذاكرة.
والتحدي اليوم أن المخاطر أصبحت متعددة: حروب، سرقة، اتجار غير مشروع، كوارث مناخية، حرائق، تخريب، وهجمات إلكترونية. وتؤكد المؤسسات الدولية أن الاستجابة تحتاج إلى استعداد مسبق وتعاون دولي مستمر.
لذلك فإن حماية المتاحف ليست ترفاً ثقافياً، ولا مسؤولية أمنية محلية فقط، بل جزء من حماية الذاكرة المشتركة للبشرية.




