سانشيز يتهم آلية مراقبة الحدود المغربية بالفشل.. هل تدخل العلاقات مع الرباط مرحلة جديدة؟

جاء التصريح في سياق أصبحت فيه الحكومة الإسبانية مطالبة بتفسير ما حدث

قاعة التحرير- هل يمثل تصريح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأن “آلية مراقبة الحدود المغربية فشلت” انتقالاً في صياغة الموقف الإسباني من الحديث عن أزمة حدودية إلى تحميل آلية المراقبة المغربية مسؤولية الإخفاق في منعها.

وقد أدلى سانشيز بهذا التصريح في مقابلة مع CNN في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026، على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال إن مدريد طلبت من الرباط «إجابات وإجراءات» بعد ما اعتبره فشلاً في مراقبة الحدود خلال الدخول الجماعي إلى سبتة يومي 30 و31 يوليو. وفي الوقت نفسه شدد على ضرورة استمرار العلاقة الإيجابية مع المغرب.

ماذا يقصد سانشيز تحديداً؟

المقصود، وفق تصريحاته، ليس أن المغرب تخلى عن مراقبة الحدود بصورة دائمة، وإنما أن منظومة المراقبة المغربية لم تمنع التدفق الجماعي الاستثنائي الذي حدث في نهاية يوليو.

وهذا فرق مهم جداً.

فسانشيز لم يقل إن الحكومة المغربية قررت رسمياً فتح الحدود أو أنها أمرت بتنظيم دخول المهاجرين. بل قال إن آلية المراقبة «فشلت في هذه الحالة»، وإن إسبانيا تريد من المغرب تفسير ما حدث واتخاذ إجراءات لمنع تكراره. كما أكد أن إسبانيا نفسها تحقق في الأحداث.

والأهم أن سانشيز كان قد قال في سبتمبر أمام البرلمان الإسباني إنه لا توجد أدلة قوية على أن الرباط خططت أو دبرت موجة الدخول، وإن التحقيق كان يحاول تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بخطأ أدى إلى إرهاق أجهزة المراقبة أم بقرار متعمد، وهو ما تنفيه الرباط، بحسب «إل باييس».

لماذا جاء التصريح الآن؟

هنا تكمن أهميته السياسية.

فالتصريح صدر بعد أسابيع من أزمة سبتة، وبعد تصاعد الضغوط داخل إسبانيا وأوروبا بشأن إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وتشير تقارير إسبانية إلى أن عدد الداخلين بصورة غير نظامية خلال يومي 30 و31 يوليو كان ضخماً للغاية؛ وتحدثت مصادر عن عشرات الآلاف، بينما أفادت وزارة الداخلية الإسبانية، وفق تقرير مالديتا، بأرقام وصلت إلى 72 ألف دخول غير نظامي خلال الأيام الأخيرة من يوليو.

كما أن تقريراً داخلياً للشرطة الإسبانية بتاريخ 28 يوليو كان قد تناول احتمال وجود تخفيف مؤقت للمراقبة المغربية خلال فترة الاحتفالات الوطنية، واعتبر ذلك أحد السيناريوهات التي ينبغي مراقبتها، لكن هذا التقرير كان تحليلاً استخباراتياً/شرطياً وليس إثباتاً علنياً على قرار مغربي متعمد.

لذلك جاء تصريح سانشيز في سياق أصبحت فيه الحكومة الإسبانية مطالبة بتفسير: كيف أمكن لهذا العدد الكبير من الأشخاص الوصول إلى حدود سبتة؟

ومع ذلك يمكن أن يحمل هذا التصريح بعض الأبعاد؛ البعد الأول: رسالة ضغط على الرباط، فعبارة «فشل آلية المراقبة المغربية» تعني عملياً أن مدريد تريد من الرباط رفع مستوى التحكم في الجانب المغربي من الحدود.

فإسبانيا تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون المغربي في مكافحة الهجرة غير النظامية، ولذلك فإن أي انهيار مفاجئ في هذا التعاون ستكون له نتائج مباشرة على سبتة ومليلية وعلى الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

سانشيز قال بوضوح إن مدريد طلبت من المغرب «إجابات وإجراءات»، أي أن الرسالة ليست مجرد توصيف لما حدث، بل مطالبة بتفسير وضمانات لمنع تكراره.

البعد الثاني: سبتة لم تعد قضية إسبانية فقط

من أهم ما قاله سانشيز أنه اعتبر سبتة ومليلية جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وهذا يرفع مستوى القضية من علاقة ثنائية مغربية-إسبانية إلى قضية ذات بعد أوروبي.

وهنا تصبح أي موجة دخول جماعي إلى سبتة قضية تتعلق أيضاً بمنظومة شنغن، وأمن الحدود الأوروبية، وسياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي.

وقد ظهر هذا البعد بوضوح خلال أزمة يوليو، عندما انتقدت عدة حكومات أوروبية طريقة تعامل إسبانيا مع الأزمة وطالبتها بتشديد حماية حدودها.

البعد الثالث: سانشيز يحاول حماية العلاقة مع المغرب

المثير في تصريح سانشيز أنه جمع بين رسالتين تبدوان متعارضتين:

انتقاد أداء المغرب في مراقبة الحدود، من جهة، والتأكيد على أهمية العلاقة مع الرباط، من جهة أخرى.

وهذا ليس تفصيلاً لغوياً.

فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة والتعاون الاقتصادي، كما أن مدريد لا تريد أن تتحول أزمة سبتة إلى أزمة استراتيجية طويلة المدى في العلاقات الثنائية.

ولهذا أكد سانشيز أن العلاقة بين البلدين كانت «إيجابية جداً» خلال فترة حكمه، وأن إسبانيا تحتاج إلى الحفاظ عليها.

البعد الرابع: هل تغير الموقف الإسباني من المغرب؟

هناك تغير في اللهجة، لكن لا توجد في التصريحات المتاحة مؤشرات كافية على تحول استراتيجي في السياسة الإسبانية تجاه المغرب.

وهذه نقطة مهمة.

فسانشيز لم يعلن إجراءات عقابية ضد الرباط، ولم يتحدث عن تعليق التعاون الأمني أو الحدودي. بل طالب بالتوضيحات والإجراءات، وأكد في الوقت نفسه ضرورة التعاون مع المغرب لإعادة غالبية المهاجرين الذين دخلوا سبتة.

كما أن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أكد، قبل تصريحات سانشيز مباشرة، أنه على اتصال بنظيره المغربي ناصر بوريطة، وأن الجانب المغربي أبلغه بأنه يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الوضع.

وهذا يعني أن التعاون لم يتوقف، وإنما دخل مرحلة مراجعة وضغط متبادل.

وماذا يعني ذلك للمغرب؟

بالنسبة إلى الرباط، يحمل التصريح ثلاث رسائل أساسية:

أولاً: إسبانيا تريد ضمانات بأن ما حدث في يوليو لن يتكرر.

ثانياً: مدريد أصبحت أكثر استعداداً للحديث علناً عن مسؤولية الجانب المغربي عن إخفاقات المراقبة، بعدما كانت حريصة خلال الأزمة على تجنب اتهام الرباط مباشرة بالتخطيط لها.

ثالثاً: استمرار التعاون المغربي الإسباني أصبح مرتبطاً بدرجة أكبر بقدرة الطرفين على إدارة ملف الهجرة دون أن يتحول إلى مصدر أزمة سياسية بينهما.

وفي المقابل، تستطيع الرباط التمسك بأن حدوث اختراق حدودي لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي بتسهيله، وأن مراقبة الحدود عملية أمنية معقدة يمكن أن تتعرض للاختراق حتى مع وجود تعاون مكثف.

ماذا عن احتمال وجود «رسالة سياسية»؟

هنا ينبغي التمييز بين المؤكد والتحليل.

هناك بالفعل تقرير للشرطة الإسبانية تحدث عن احتمال استخدام تخفيف مؤقت للمراقبة المغربية كـ«آلية ضغط سياسي»، لكن ذلك ورد في تحليل أمني داخلي باعتباره احتمالاً، وليس حكماً نهائياً على نية الدولة المغربية.

كما أن سانشيز نفسه، في تصريحاته الأخيرة، لم يتبنَّ علناً رواية تقول إن المغرب تعمد فتح الحدود.

لذلك فإن القول إن سانشيز اتهم المغرب باستخدام الهجرة كسلاح سياسي سيكون تجاوزاً لما تثبته التصريحات الحالية.

أزمة ثقة أم مجرد إنذار؟

الأقرب إلى المعطيات المتاحة أن تصريح سانشيز يمثل إنذاراً دبلوماسياً محسوباً أكثر منه قطيعة سياسية مع المغرب.

مدريد تقول للرباط، عملياً: التعاون الحدودي الذي نعتمد عليه يجب أن يكون قادراً على منع تكرار سيناريو يوليو.

والرباط، من جهتها، ستجد نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على التعاون الاستراتيجي مع إسبانيا، من دون قبول تلقائي بأن كل إخفاق أمني على الحدود يشكل مسؤولية سياسية مباشرة للدولة المغربية.

أما البعد الأوروبي فهو ربما الأكثر أهمية على المدى الطويل: كلما أصبحت سبتة ومليلية أكثر ارتباطاً بمفهوم الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، أصبحت إدارة المغرب لحدوده الشمالية جزءاً من الأمن الحدودي الأوروبي عملياً، حتى وإن ظلت الحدود نفسها موضع خلاف سياسي بين الرباط ومدريد.

وهذا يجعل تصريح سانشيز مهماً ليس فقط بسبب كلماته، وإنما لأنه يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الشراكة المغربية-الإسبانية: هل هي تعاون متبادل، أم أن ملف الهجرة أصبح أحد أهم أوراق القوة في هذه العلاقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;