إدارة أزمات المنطقة في صلب اجتماع ترامب مع المجموعة العربية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة

أهمية اللقاء أنه جمع الأطراف التي سيكون لها دور في أي ترتيبات مستقبلية

نيويورك – لم يكن الاجتماع الذي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع عدد من القادة والمسؤولين العرب والمسلمين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي بروتوكولي، بل جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الحرب والتصعيد في الشرق الأوسط، ومستقبل غزة، والعلاقات الأميركية مع إيران، وأمن الطاقة، ومستقبل الترتيبات الإقليمية.

وعقد الاجتماع في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026، بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس السوري أحمد الشرع، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ورئيس الوزراء العراقي علي الفيل، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ووزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، إلى جانب وزراء خارجية السعودية والبحرين وعُمان.

الشرق الأوسط في قلب الاجتماع

المبرر الأول للاجتماع يرتبط بطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة. فقد ركزت المحادثات على التطورات الأمنية في الشرق الأوسط وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، فضلاً عن تأثيراتها في إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي. كما تناولت الاستراتيجيات المقترحة للمرحلة التي تلي الحرب والترتيبات المرتبطة بها.

ويأتي ذلك بينما تستمر تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج وحركة الطاقة والملاحة، في وقت تحاول فيه واشنطن تحديد المسار الذي ستتبعه في المرحلة المقبلة.

وكانت تقارير إعلامية قد أشارت قبل الاجتماع إلى أن ترامب أراد التحدث مباشرة مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بشأن الحرب، فيما كانت الدول الخليجية معنية بصورة خاصة بتداعيات التصعيد على أمنها واقتصاداتها وإمدادات الطاقة.

هل كان الهدف البحث عن مخرج للأزمة مع إيران؟

من أبرز خلفيات الاجتماع محاولة فتح مساحة للتحرك الدبلوماسي في الملف الإيراني.

فالدول العربية الخليجية تجد نفسها في موقع حساس: فهي حليفة للولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تقع جغرافياً واقتصادياً في قلب أي مواجهة أميركية ـ إيرانية واسعة.

وتشير تقارير عن الاجتماع إلى أن موضوع خفض التصعيد وفتح الطريق أمام مسار دبلوماسي مع إيران كان حاضراً في النقاشات. ونقل تقرير لـ«ذي ناشيونال» عن المبعوث الأميركي إلى سوريا وسفير واشنطن لدى تركيا توم باراك أن المشاركين توصلوا إلى توافق بشأن الحاجة إلى خفض التصعيد وفتح المجال أمام مسار دبلوماسي أوسع مع إيران.

كما أفادت تقارير بأن دولاً عربية تقوم بجهود وساطة لتسهيل لقاء أميركي ـ إيراني في نيويورك، وهو ما يعكس أهمية الدور الذي تستطيع بعض العواصم العربية لعبه في الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

غزة.. الملف الذي لا يمكن تجاهله

السبب الثاني للاجتماع يتمثل في غزة ومستقبل القطاع.

ففي اليوم السابق للاجتماع الأميركي، اجتمع وزراء خارجية قطر ومصر والأردن والسعودية والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان في نيويورك، وأكدوا ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من خطة السلام، وإدخال المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وقف إطلاق النار، والانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتضمن ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي ونشر قوة دولية وتحضير عملية إعادة الإعمار.

وهنا تظهر أهمية اللقاء مع ترامب: الدول العربية والإسلامية تحتاج إلى الدور الأميركي لضمان تنفيذ الترتيبات، بينما تحتاج واشنطن إلى تعاون هذه الدول لإنجاح أي خطة تخص مستقبل غزة.

وقد أكد المشاركون في اجتماع ترامب، بحسب بيانات رسمية عربية، أهمية تنفيذ خطة غزة وفتح الطريق أمام التعافي المبكر وإعادة الإعمار، باعتبار ذلك مدخلاً إلى تسوية سياسية أوسع للقضية الفلسطينية.

واشنطن تحتاج إلى شركاء إقليميين

هناك أيضاً بعد أميركي واضح في الاجتماع.

فأي خطة أميركية للشرق الأوسط يصعب تنفيذها من دون تعاون الدول العربية الرئيسية، سواء تعلق الأمر بغزة أو بإيران أو بأمن الخليج أو بإعادة الإعمار.

وتملك دول عربية مثل السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن أدواراً مختلفة في ملفات الوساطة والتمويل وإعادة الإعمار والعلاقات الإقليمية. كما أن قطر ومصر كانتا من أبرز القنوات الدبلوماسية في الاتصالات المرتبطة بغزة.

لذلك يمكن فهم الاجتماع باعتباره محاولة أميركية لإبقاء العواصم العربية الرئيسية داخل دائرة القرار الإقليمي، بدلاً من تركها تتعامل بصورة منفردة مع تداعيات الأزمات المتلاحقة.

العرب يريدون شيئاً أيضاً

إذا كانت لدى واشنطن أهدافها من الاجتماع، فإن الطرف العربي لم يكن حاضراً للاستماع فقط.

فالمشاركون العرب يواجهون مخاطر مباشرة من استمرار الحروب والتصعيد. الأردن، على سبيل المثال، شدد خلال اللقاء على ضرورة ضبط النفس، وحذر من مخاطر توسيع الصراع في الضفة الغربية وغزة، بينما أكدت دول عربية أخرى أهمية خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية.

وتتقاطع المصالح العربية في نقاط أساسية: الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، منع اتساع الحرب، حماية أمن الطاقة والملاحة، والحصول على ضمانات أميركية بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة.

ومن هذه الزاوية، فإن الاجتماع كان أقرب إلى تبادل للمصالح والضغوط منه إلى لقاء مجاملة دبلوماسية.

أمن الطاقة حاضر بقوة

لا يمكن فصل الاجتماع عن العامل الاقتصادي.

فالحرب في المنطقة أثرت بصورة مباشرة على حركة النفط والغاز والتجارة العالمية، خصوصاً مع الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز.

وتشير تقارير إلى أن واشنطن تبحث مع حلفائها العرب أيضاً في ترتيبات استثمارية وبنى تحتية تهدف إلى تقليل هشاشة تدفقات الطاقة أمام أي إغلاق أو تعطيل للممرات الاستراتيجية.

وهذا يعني أن الحوار الأميركي ـ العربي لم يعد أمنياً فقط، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة وثيقة بـالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

لماذا اختار ترامب الأمم المتحدة؟

اختيار نيويورك ومناسبة الجمعية العامة يحملان أيضاً دلالة سياسية.

فوجود معظم القادة العرب والمسلمين في المدينة نفسها أتاح للرئيس الأميركي عقد اجتماع متعدد الأطراف في ظرف زمني قصير، وبعيداً عن ترتيبات القمم الثنائية التقليدية.

كما أن عقد الاجتماع على هامش الجمعية العامة يمنحه بعداً دولياً؛ فالشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً صرفاً، بعدما أصبحت تداعيات حروبه مرتبطة بأسعار الطاقة والملاحة الدولية والأمن العالمي.

لكن الاجتماع يعكس في الوقت نفسه مفارقة لافتة: في الوقت الذي تبدو فيه الأمم المتحدة عاجزة في بعض الملفات عن إنتاج حلول ملزمة، تتحول أروقتها إلى مكان مهم لعقد مفاوضات واتصالات مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية.

اجتماع للتنسيق أم لصناعة صفقة؟

يصعب، في ضوء المعطيات المتاحة، اعتبار الاجتماع اتفاقاً نهائياً أو صفقة سياسية مكتملة.

فالبيانات الرسمية ركزت على خفض التصعيد، والحوار، والاستقرار، وتنفيذ خطط السلام، وإعادة الإعمار، بينما تشير التقارير الإعلامية إلى وجود نقاشات حول إيران والحرب الإقليمية ومسارات التفاوض.

وبالتالي، تبدو أهمية اللقاء في أنه جمع الأطراف التي سيكون لها دور في أي ترتيبات مستقبلية، أكثر مما تكمن في قرار واحد خرج به الاجتماع.

إن اجتماع ترامب مع المجموعة العربية والإسلامية على هامش الجمعية العامة يعكس حقيقة جديدة في السياسة الشرق أوسطية: لا تستطيع واشنطن إدارة أزمات المنطقة من دون شركائها العرب، ولا تستطيع العواصم العربية التعامل مع تداعيات الحروب الكبرى من دون التواصل مع واشنطن.

ومن هنا تتقاطع المصالح: ترامب يبحث عن مخرج للأزمات الإقليمية يحفظ المصالح الأميركية ويمنع انفجاراً أوسع، بينما تبحث الدول العربية عن خفض التصعيد وحماية أمنها ودعم مسارات السلام وإعادة الإعمار.

ويبقى الاختبار الحقيقي لما بعد الاجتماع: هل يتحول هذا التنسيق إلى مسار تفاوضي فعلي بشأن إيران وغزة وأمن المنطقة، أم يظل اجتماعاً دبلوماسياً آخر على هامش الجمعية العامة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;