نيويورك – في كل شهر سبتمبر، تتجه أنظار العالم إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث يجتمع قادة الدول في واحدة من أكبر المناسبات الدبلوماسية السنوية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما تزال جلسات الجمعية العامة تمتلك الزخم السياسي نفسه الذي كانت تحظى به في العقود السابقة؟
المشهد الحالي لا يدل على غياب الاهتمام بالجمعية العامة؛ فالأمم المتحدة أعلنت أن نحو 130 رئيس دولة وحكومة سيحضرون أسبوع المناقشة العامة للدورة الـ81 في سبتمبر 2026. لكن الحضور الكثيف لا يعني بالضرورة التأثير السياسي نفسه، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين ما يصدر عن الجمعية العامة وما يمكن تنفيذه فعلياً على الأرض.
منبر عالمي فقد جزءاً من قدرته على صناعة القرار
كانت الجمعية العامة، ولا تزال، أهم فضاء عالمي تلتقي فيه الدول على قدم المساواة؛ فالدول الأعضاء الـ193 تمتلك صوتاً واحداً لكل دولة. وهذا يمنحها شرعية سياسية واسعة، ويجعل مناقشاتها مؤشراً مهماً على اتجاهات الرأي الدولي.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة للدول على غرار بعض قرارات مجلس الأمن. ولذلك يمكن أن تحصل قضية ما على تأييد واسع جداً داخل الجمعية، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير مباشر في السياسات أو في موازين القوى على الأرض.
وهنا بدأ يظهر الفرق بين الشرعية العددية والقدرة التنفيذية.
مجلس الأمن يظل مركز الثقل
رغم أن الجمعية العامة تضم جميع دول العالم، فإن مجلس الأمن يحتفظ بالدور الأساسي في مسائل السلم والأمن الدوليين، وهو مكوّن من 15 عضواً، بينهم خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض.
وعندما يعجز المجلس عن اتخاذ قرار بسبب الخلاف بين القوى الكبرى، تنتقل القضية أحياناً إلى الجمعية العامة، لكن هذه الأخيرة لا تستطيع ببساطة أن تحل محل مجلس الأمن.
وقد أشار رئيس الجمعية العامة في افتتاح الدورة الـ81 إلى هذه المعضلة تحديداً، مؤكداً أن فعالية الأمم المتحدة ككل تصبح موضع تساؤل عندما يعجز مجلس الأمن عن التحرك في القضايا الكبرى.
وهكذا أصبح أحد أسباب تراجع الزخم السياسي للجمعية العامة مرتبطاً ببنية النظام الدولي نفسه: القوة التنفيذية تتركز بدرجة أكبر في مجلس الأمن، بينما تتوزع الشرعية السياسية على الجمعية العامة.
الحروب أعادت طرح سؤال الفاعلية
الحروب في غزة وأوكرانيا والسودان وغيرها كشفت بصورة واضحة حدود قدرة المؤسسات الأممية على تحويل المواقف الدولية إلى إجراءات فعالة.
ففي حالة غزة مثلاً، شهد مجلس الأمن خلافات متكررة واستخداماً لحق النقض، بينما لجأت الدول إلى الجمعية العامة للتعبير عن مواقفها السياسية. وتملك الجمعية العامة أدوات مثل الجلسات الاستثنائية الطارئة، التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً عندما يتعذر على مجلس الأمن التحرك.
لكن المشكلة أن التصويت بأغلبية كبيرة داخل الجمعية لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب أو فرض وقف لإطلاق النار.
ومن هنا بدأ جزء من الرأي العام العالمي ينظر إلى اجتماعات الجمعية باعتبارها مساحة للتعبير عن المواقف أكثر منها مساحة لصناعة الحلول الملزمة.
تراجع الثقة في النظام متعدد الأطراف
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع الثقة في النظام متعدد الأطراف نفسه.
فالأمم المتحدة تعترف بأن المنظمة تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الانقسامات الجيوسياسية، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، والأزمة المالية، وتعدد الأزمات العالمية.
وفي يناير 2026، وصفت رئيسة الجمعية العامة آنذاك النظام متعدد الأطراف بأنه واقع تحت ضغط شديد، وربطت الإصلاح بالحاجة إلى معالجة البيروقراطية وتعدد الهيئات والبرامج والمهام المتداخلة.
وفي ختام الدورة الـ80، تحدثت رئاسة الجمعية العامة عن الحاجة إلى تقليص عدد الاجتماعات رفيعة المستوى، وتقليل بعض المهام والهياكل، معتبرة أن طريقة عمل المنظمة نفسها تحتاج إلى التغيير.
وهذا يعكس مفارقة واضحة: الجمعية العامة تعقد اجتماعات أكثر لمناقشة أزمات أكثر، لكن قدرتها على تحويل النقاش إلى نتائج ملموسة تواجه قيوداً متزايدة.
كثرة الخطب لا تعني بالضرورة قوة التأثير
من الأسباب الأخرى التي ساهمت في تغير صورة الجمعية العامة تحولها تدريجياً إلى مناسبة دبلوماسية وإعلامية ضخمة.
يأتي قادة الدول إلى نيويورك لإلقاء الخطب، وإجراء لقاءات ثنائية، وعقد اجتماعات جانبية، وتوجيه رسائل إلى الداخل والخارج.
لكن كثرة الخطابات قد تؤدي إلى تراجع أثرها. فعندما يلقي عشرات القادة مواقف متعارضة حول القضية نفسها، يصبح من الصعب أحياناً تحديد ما الذي تغير فعلياً بعد انتهاء الأسبوع رفيع المستوى.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الجمعية العامة في الخطب. فهي توفر منصة لا مثيل لها للدبلوماسية المتعددة الأطراف، كما أن لجانها وهيئاتها تعمل طوال العام في ملفات التنمية والميزانية وحقوق الإنسان والقانون الدولي وغيرها.
المشكلة ليست في الجمعية وحدها
ومن المهم عدم تحميل الجمعية العامة وحدها مسؤولية تراجع الزخم.
فالأمم المتحدة تعمل داخل نظام دولي تغير بصورة كبيرة منذ تأسيس المنظمة عام 1945. فقد ظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة، وتغير توزيع القوة العالمية، وأصبحت الأزمات أكثر تعقيداً، كما باتت بعض الملفات الكبرى، مثل الذكاء الاصطناعي والمناخ والأمن السيبراني، تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على التعامل معها.
ولهذا فإن الدعوات إلى إصلاح الأمم المتحدة لم تعد تقتصر على زيادة عدد الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بل تشمل أيضاً طريقة عمل المنظمة وآليات اتخاذ القرار والتمويل والعلاقة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن.
وفي كلمته أمام الدورة الـ81، دعا غوتيريش إلى إصلاح مجلس الأمن ليصبح أكثر تمثيلاً وشفافية وانعكاساً للتحولات الجيوسياسية الحالية، مشيراً بصورة خاصة إلى استمرار ضعف تمثيل أفريقيا.
الجمعية العامة لا تزال تملك ورقة مهمة
ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن الجمعية العامة فقدت أهميتها.
فوجود 193 دولة في قاعة واحدة، مع حق متساوٍ في التصويت، يظل أمراً فريداً في النظام الدولي. كما أن القرارات الصادرة عنها، حتى عندما لا تكون ملزمة قانونياً، يمكن أن تحمل وزناً سياسياً وأخلاقياً كبيراً بسبب اتساع قاعدة الدول المؤيدة لها.
كما أن الجمعية تستطيع التحرك عندما يتعذر على مجلس الأمن القيام بذلك، وقد استُخدمت آلية «الاتحاد من أجل السلام» تاريخياً لهذا الغرض، بينما أتاحت مبادرة الجمعية بشأن استخدام حق النقض مساحة أكبر للمساءلة السياسية عن اللجوء إليه.
وفي الدورة الـ80، أشارت رئاسة الجمعية إلى أن الجمعية عقدت مناقشات مرتبطة باستخدام الفيتو بشأن الشرق الأوسط وغزة، وواصلت جلساتها الاستثنائية الطارئة بشأن الحرب في أوكرانيا.
من «مسرح العالم» إلى اختبار للشرعية الدولية
ربما يكون الأدق القول إن الجمعية العامة لم تفقد أهميتها، لكنها فقدت جزءاً من الهالة التي كانت تحيط بها.
فالعالم الذي تأسست فيه الأمم المتحدة كان أكثر وضوحاً في بنيته الدولية، بينما أصبح العالم الحالي متعدد الأقطاب وأكثر تنافساً وأقل استعداداً للالتزام الجماعي عندما تتعارض القرارات الدولية مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ولهذا أصبحت جلسات الجمعية العامة اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة الدول على الاتفاق، واختباراً لقدرة الأمم المتحدة على تحويل هذا الاتفاق إلى نتائج.
وفي ظل الحروب والأزمات الحالية، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المنظمة لم يعد جمع العالم حول طاولة واحدة؛ فهذا لا يزال يحدث بالفعل، بل إن التحدي هو جعل ما يقال حول تلك الطاولة مؤثراً في ما يحدث خارجها.
إن تراجع الزخم الذي يلاحظه البعض في جلسات الجمعية العامة لا يعني أن الأمم المتحدة أصبحت بلا دور، وإنما يعكس أزمة أعمق في النظام متعدد الأطراف وفي العلاقة بين الشرعية الدولية وموازين القوة.
فالجمعية العامة تستطيع أن تمنح قضية ما شرعية سياسية واسعة، لكنها لا تمتلك دائماً الأدوات اللازمة لفرضها. ومجلس الأمن يمتلك أدوات أقوى، لكنه يعاني من الانقسامات وحق النقض.
وبين المؤسستين، يبقى السؤال المركزي للمستقبل: هل يمكن إصلاح منظومة الأمم المتحدة بحيث يتقارب حجم الشرعية التي تمثلها الجمعية العامة مع القدرة الفعلية على تنفيذ القرارات؟
هذا هو السؤال الذي يفسر، إلى حد كبير، لماذا تبدو قاعة الجمعية العامة اليوم أكثر ازدحاماً بالزعماء والخطب، وأقل قدرة على إنتاج اللحظات التاريخية التي كان العالم ينتظرها منها في الماضي.





