نيويورك – في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رسم الأمين العام أنطونيو غوتيريش صورة شديدة القلق لعالم تتسع فيه خطوط الانقسام، وتتداخل فيه الحروب والأزمات الإنسانية والتغير المناخي والتفاوتات الاقتصادية مع المخاطر المتسارعة للذكاء الاصطناعي. ودعا قادة العالم إلى إعادة بناء التعاون الدولي، مؤكداً أن مستقبل البشرية لا يمكن أن يقوم على منطق القوة والانقسام وانعدام الثقة.
وقال غوتيريش إن «خطوط الصدع في عالمنا تتسع»، معتبراً أن الحروب وارتفاع درجات الحرارة والتطور التكنولوجي السريع ليست أزمات منفصلة، وإنما مظاهر لتحولات عميقة في ميزان القوة العالمي. وفي مقابل ما وصفه بخطر الانقسام والتجزئة، دعا إلى بناء عالم قائم على الاعتماد المتبادل، تدعمه شبكة واسعة من الروابط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية.
الشرق الأوسط وفلسطين في صدارة التحذيرات
احتل الشرق الأوسط موقعاً بارزاً في خطاب غوتيريش، الذي دعا إلى خفض التصعيد والحوار والدبلوماسية، محذراً من استمرار الأعمال التي تؤدي إلى سقوط المدنيين أو تعيق وصول المساعدات الإنسانية.
وأكد مجدداً أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها في أي مسار نحو سلام دائم في المنطقة، داعياً إلى تنفيذ خطة السلام الخاصة بغزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، كما شدد على ضرورة وقف ما وصفه بالضم التدريجي للضفة الغربية.
وجدد غوتيريش تأكيده أن الحل القائم على دولتين، إسرائيلية وفلسطينية، يظل – وفق موقف الأمم المتحدة – الطريق نحو تسوية سياسية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. كما دعا إلى احترام حرية الملاحة وحقوق الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفقاً للقانون الدولي.
أوكرانيا والحروب المفتوحة
ولم يغفل الأمين العام الحرب الروسية الأوكرانية، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار باعتباره خطوة أولى نحو سلام «عادل ودائم وشامل»، على أساس ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات المنظمة الدولية.
وتأتي هذه الدعوة في وقت ما تزال فيه الحرب تلقي بتداعيات واسعة على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، فيما لا تزال الجهود الدبلوماسية عاجزة عن وضع حد نهائي للصراع.
الذكاء الاصطناعي: سباق تكنولوجي يحتاج إلى قواعد عالمية
من أبرز عناصر خطاب غوتيريش تحذيره من التطور السريع للذكاء الاصطناعي. فالأمين العام لا ينظر إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها خطراً فقط، بل يعترف أيضاً بإمكاناتها الكبيرة في تسريع التنمية وتحسين التعليم وتعزيز الأنظمة الصحية ومواجهة آثار التغير المناخي.
لكن المشكلة، في نظره، تكمن في أن سرعة التطور التكنولوجي قد تتجاوز قدرة المجتمع الدولي على فهم مخاطره وتنظيمها.
ولهذا دعا إلى إنشاء إطار متعدد الأطراف لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، مدعوم برقابة مستقلة وذات مصداقية، وإلى تعاون الدول والشركات الرائدة في هذا المجال بشأن اختبار الأنظمة الجديدة وتقييم مخاطرها ووضع ضمانات مشتركة.
المناخ: «على الملوثين أن يدفعوا»
ووضع غوتيريش أزمة المناخ ضمن الملفات التي تتطلب تحركاً عاجلاً، مؤكداً ضرورة تحميل الجهات الملوثة مسؤولية أكبر عن الأضرار الناجمة عن تغير المناخ.
ويأتي هذا الموقف في سياق تحذيرات الأمم المتحدة المتواصلة من أن آثار الاحتباس الحراري لم تعد قضية مستقبلية، بل أصبحت واقعاً يفرض أعباء متزايدة على المجتمعات والدول، خصوصاً الدول الأكثر هشاشة والأقل مساهمة تاريخياً في الانبعاثات. (ONU)
إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن
ولعل إحدى أهم رسائل غوتيريش تمثلت في انتقاده استمرار العمل بمؤسسات دولية تعكس، في جانب كبير منها، توازنات عالمية تعود إلى عقود مضت.
ودعا إلى إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن، معتبراً أن تركيبة المجلس الحالية لا تعكس العالم المعاصر. وكان غوتيريش قد قال قبل انعقاد الجمعية العامة إن إصلاح المؤسسات الدولية يجب ألا يعني التخلي عن مبادئها، وإنما تطبيق هذه المبادئ بمزيد من التصميم.
ويرتبط هذا الطرح خصوصاً بالمطالبة بتمثيل أكثر إنصافاً للقوى والمناطق التي لا تحظى بتمثيل دائم في مجلس الأمن، وفي مقدمتها أفريقيا.
منطق القوة أم منطق التعاون؟
الرسالة الأوسع في خطاب غوتيريش تبدو مرتبطة بسؤال أكبر من الملفات الفردية: أي نظام دولي يريد العالم أن يبني في السنوات المقبلة؟
فالأمين العام يرى أن التحولات الجارية في توزيع القوة الدولية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، كلها عوامل تدفع العالم نحو مزيد من التجزئة. وفي مواجهة ذلك، يطرح التعاون الدولي والاعتماد المتبادل باعتبارهما إطاراً ضرورياً للتعامل مع أزمات لا تستطيع دولة واحدة حلها بمفردها.
ومن هذه الزاوية، لم تكن كلمة غوتيريش مجرد جرد للأزمات الراهنة، بل كانت أيضاً رسالة سياسية ومؤسساتية في نهاية ولايته: الأمم المتحدة، رغم أوجه القصور والصعوبات التي تواجهها، لا تزال في نظره الإطار الذي يمكن من خلاله تنظيم الحوار الدولي ومواجهة الأزمات العابرة للحدود.
كلمة أخيرة قبل نهاية الولاية
تحمل كلمة غوتيريش أمام الجمعية العامة أهمية إضافية لأنها تأتي في نهاية مساره على رأس الأمم المتحدة. فولايتُه الثانية تنتهي في 31 ديسمبر 2026، ولذلك بدت كلمته أقرب إلى حصيلة سياسية لمرحلة اتسمت بالحروب والأزمات الإنسانية وتغير المناخ والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
وبين الدعوة إلى وقف الحروب، والدفاع عن حل الدولتين، والمطالبة بإصلاح مجلس الأمن، والتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، والتشديد على مواجهة تغير المناخ، حاول غوتيريش رسم ملامح أجندة دولية تقوم على التعاون بدلاً من الانقسام.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة الدول الأعضاء على تحويل هذه الدعوات إلى سياسات وقرارات وآليات تنفيذ. فالأمم المتحدة، كما أظهر خطاب أمينها العام نفسه، تواجه أزمة ثقة وأزمة قدرة على فرض قراراتها في عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
وفي نهاية المطاف، تختزل كلمة غوتيريش سؤال المرحلة المقبلة في معادلة واضحة: هل يستطيع المجتمع الدولي إعادة بناء التعاون قبل أن تتحول خطوط الانقسام الحالية إلى أزمات أكثر عمقاً واستدامة؟



