الشباب والسياسة في زمن التحول الرقمي: من عزوفٍ ظاهري إلى قطيعةٍ في المعنى

لم يعد الشباب مجرد متلقٍ للسياسة، بل أصبح منتجًا للمعنى السياسي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مدخل: حين يصبح العزوف نتيجة لا سببًا

لم يعد عزوف الشباب عن السياسة في المغرب ظاهرة يمكن اختزالها في ضعف المشاركة أو تراجع الاهتمام، بل تحوّل إلى مؤشر بنيوي يكشف عن خلل أعمق في العلاقة بين الوعي الفردي ومنظومات الفعل السياسي. إننا لا نواجه جيلاً غير مهتم، بل جيلاً لم يعد يجد نفسه داخل ما يُعرض عليه من أشكال التمثيل السياسي.

من هنا، لا ينبغي أن يكون العزوف نقطة انطلاق التحليل، بل مآله. فهو ليس السبب، بل النتيجة المركّبة لتحولات متداخلة في بنية الوعي، وفي طبيعة المجال العام، وفي قدرة السياسة على إنتاج المعنى.

أولًا: إعادة تشكّل الوعي — من المحلي إلى الكوني

لم يعد التحول الرقمي مجرد تطور تقني في وسائل الاتصال، بل أصبح لحظة مفصلية في إعادة تشكيل البنية العميقة للوعي، خصوصًا لدى الشباب. فالشاب المغربي اليوم ، لا يتحرك داخل أفق وطني محدود كما كان الحال في العقود السابقة، بل يعيش ضمن فضاء كوني مفتوح، حيث تتجاور التجارب، وتتنافس النماذج، وتُقاس المسافات بين الممكن والواقع بشكل يومي ومباشر.

هذا الانفتاح لا يقتصر على توسيع دائرة المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة المعايير التي يُقاس بها العالم. لم يعد الواقع يُقبل كما هو، بل يُقارن بغيره؛ ولم يعد الخطاب يُستقبل بوصفه معطًى نهائيًا، بل يُفكك ويُعاد تأويله؛ كما لم يعد الانخراط الجماعي يُمارس باعتباره قدرًا، بل أصبح مشروطًا ببحث فردي عن المعنى والجدوى.

في هذا السياق، يحدث التحول الأعمق: لم يعد الشباب يبحث عن خطاب سياسي يُلقَى عليه، بل عن موقع ذاتي داخل هذا الخطاب. إنه انتقال من وضعية “المتلقي” إلى وضعية “الفاعل الباحث عن تموقع”. وحين يعجز الخطاب السياسي عن استيعاب هذا الطلب الجديد، لا يكون الرد بالضرورة صداميًا أو احتجاجيًا، بل يتخذ شكلًا أكثر هدوءًا وأشد دلالة: انسحاب صامت، لكنه يعكس فجوة عميقة بين منطق العرض السياسي ومنطق التلقي المجتمعي الجديد.

ثانيًا: انقلاب المجال العام — من المؤسسات إلى المنصات

إذا كان التحول الأول قد طال بنية الوعي، فإن التحول الثاني مسّ قلب المجال العام ذاته. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بأدوات جديدة للتواصل، بل بإعادة توزيع السلطة الرمزية التي تحدد من ينتج المعنى ومن يمنحه الشرعية.

في النموذج التقليدي، كانت السياسة تُصاغ داخل المؤسسات، ثم تُبث إلى المجتمع عبر قنوات رسمية أو شبه رسمية. أما اليوم، فقد انقلب هذا الاتجاه: يُنتج الرأي داخل الفضاء الرقمي، داخل شبكات متداخلة من التفاعل اليومي، ثم يسعى لاحقًا إلى أن يجد له صدى داخل المؤسسات.

هذا التحول أفرز نتائج استراتيجية عميقة:

  • فقدت السياسة احتكارها لإنتاج الخطاب، وأصبحت واحدة من بين فاعلين متعددين يتنافسون على التأثير.
  • انتقل مركز الثقل من “الموقع” المؤسساتي إلى “الانتشار” الشبكي، حيث تقاس القوة بقدرة الفكرة على التداول لا بمصدرها الرسمي.
  • برز فاعلون جدد خارج الأطر التقليدية، يمتلكون القدرة على التأثير دون الحاجة إلى شرعية مؤسساتية كلاسيكية.

ضمن هذا السياق، لم يعد الشباب مجرد متلقٍ للسياسة، بل أصبح منتجًا للمعنى السياسي، لكن خارج القنوات الرسمية التي لا تزال تتحرك بمنطق مغاير. وهنا تتجلى المفارقة الحاسمة: سياسة تطلب من الشباب الانخراط، لكنها لا تتحرك داخل الفضاء الذي يُصنع فيه هذا الانخراط.

إنها فجوة ليست فقط في الأدوات، بل في فهم طبيعة المجال ذاته: بين من لا يزال يرى المجال العام كامتداد للمؤسسة، ومن يعيشُه كشبكة دينامية تُعاد فيها صياغة المعنى بشكل مستمر. وهذه الفجوة، إن لم تُدرك في عمقها، ستظل تُنتج نفس النتيجة: حضور رقمي كثيف… يقابله غياب سياسي فعلي.

ثالثًا: فجوة الزمن — حين تتسارع الخوارزميات وتتباطأ المؤسسات

لم يعد الزمن، في سياق التحول الرقمي، مجرد إطار محايد تتحرك داخله الفواعل، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الشباب والسياسة. فالشباب اليوم يعيش داخل زمن رقمي متسارع، تُنظّمه الخوارزميات وتُعيد تشكيل إيقاعه لحظة بلحظة، حيث تتدفق المعلومات، وتتغير القضايا، وتتبدل الأولويات في آنٍ واحد. في المقابل، لا تزال المؤسسات السياسية تتحرك داخل زمن مختلف، زمنٍ تراكمي بطيء، تحكمه الإجراءات، وتؤطره البيروقراطية، وتُقاس فيه الاستجابة بمنطق التأجيل لا الفورية.

غير أن هذه الفجوة ليست تقنية فحسب، بل هي في جوهرها فجوة معرفية وإدراكية. فالشباب لا ينتظر الخطاب، بل يفككه في لحظته، يعيد تركيبه، ويختبر صدقيته فورًا؛ بينما تستمر المؤسسات في إنتاج خطاب يصل متأخرًا عن سياقه، فاقدًا لجزء من أثره قبل أن يُتداول. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشباب أثرًا ملموسًا، قابلًا للرصد في الحاضر، تقدّم السياسة وعودًا مؤجلة، غالبًا ما تفقد معناها بفعل الزمن الذي يفصلها عن تحققها.

هنا يتكشف الاختلال الأعمق: ليس مجرد بطء في الأداء، بل بطء في إدراك طبيعة التحول ذاته. إننا لا نواجه فقط فجوة في الإيقاع، بل اختلافًا في بنية الزمن الذي يتحرك فيه كل طرف. شباب يعيش في زمن فوري، تفاعلي، متجدد باستمرار؛ ومؤسسات لا تزال تفكر ضمن زمن خطي، تراكمي، يتطلب وقتًا للاعتراف بما قد يكون قد تغيّر بالفعل.

بهذا المعنى، فإن ما يبدو ظاهريًا كضعف في المشاركة، يخفي في عمقه فجوة زمنية بين عالمين لا يلتقيان إلا نادرًا: عالم تُقاس فيه القيمة بسرعة الأثر، وآخر تُؤجَّل فيه القيمة إلى حين.

رابعًا: من فجوة المشاركة إلى فجوة المعنى

ضمن هذا التحول المركب، يتغير السؤال في جوهره. لم يعد السؤال المركزي هو: لماذا لا يشارك الشباب؟ بل أصبح أكثر عمقًا وإحراجًا: لماذا لم تعد المشاركة نفسها تحمل معنى؟

فالشاب اليوم لا يرفض السياسة كفكرة مجردة، ولا ينأى بنفسه عن الشأن العام بوصفه مجالًا للتأثير، بل يرفض الصيغة التي تُعرض بها عليه هذه السياسة. يرفض أن يكون مجرد رقم في معادلة جاهزة، أو عنصرًا في خطاب لا يعكس تعقيد تجربته ولا يتيح له موقعًا فاعلًا داخله.

وهنا تتجلى نقطة التحول الحاسمة: ما يُقرأ عادة كعزوف، ليس سلوكًا سلبيًا بقدر ما هو تقييم ضمني لقيمة معروضة لم تعد مقنعة. إنه حكم صامت على فجوة بين العرض السياسي وتوقعات جيل يعيد تعريف علاقته بالمعنى، لا بالمشاركة الشكلية.

إنه، في جوهره، شكل جديد من الاحتجاج—احتجاج لا يرفع شعارات، ولا يعلن قطيعة صاخبة، بل يمارس انسحابًا واعيًا، يعيد من خلاله تشكيل المجال العام من الداخل. فحين يفقد الفعل معناه، يصبح الامتناع عنه فعلًا بحد ذاته؛ وحين لا يجد الفرد موقعه في اللعبة، فإنه لا يطالب بتغيير قواعدها فقط، بل يعيد النظر في جدواها أصلًا.

بهذا المعنى، لا نكون أمام أزمة مشاركة، بل أمام أزمة معنى. وأي محاولة لاستعادة انخراط الشباب دون إعادة بناء هذا المعنى، ستظل تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج نفس السؤال… دون أن تقترب من جوابه الحقيقي.

خامسًا: العزوف كإشارة استراتيجية — حين يتحول الصمت إلى امتلاء بديل

لم يعد العزوف، في دلالته المعاصرة، مرادفًا للفراغ أو اللامبالاة، بل أصبح علامة على إعادة توزيع الاهتمام خارج الأطر التقليدية. فالشباب لا ينسحب من المجال العام بقدر ما يعيد تموضعه داخله، لكن عبر قنوات مغايرة: نقاشات رقمية كثيفة، أشكال تعبير غير نمطية، سخرية سياسية لاذعة، وأنماط احتجاج مرنة وغير مؤطرة تنظيميًا.

بهذا المعنى، لا نحن أمام فراغ، بل أمام امتلاء من نوع مختلف—امتلاء لا يُرى بالعين المؤسسية لأنه لا يتخذ أشكالها، ولا يخضع لقواعدها. إنه فضاء حيوي يعجّ بالتفاعل، لكنه يظل خارج قابلية الضبط والتأطير التقليدي.

غير أن هذا الامتلاء يحمل في طياته مخاطرة مزدوجة. فمن جهة، يفتقد إلى البنية المؤسسية التي تمنحه الاستمرارية والاتجاه، ومن جهة أخرى، يظل عرضة للانزلاق نحو خطابات غير مستقرة، قد تتأرجح بين التبسيط المخل والتطرف الرمزي. وهنا تحديدًا، يتحول العزوف من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى مؤشر استراتيجي عميق: ليس لأنه يعكس غيابًا، بل لأنه يكشف عن حضور غير مُدار، وعن طاقة كامنة لم تجد بعد مسارها المؤسسي القادر على توجيهها.

سادسًا: من امتلاك المعلومة إلى إنتاج المعنى — جوهر الذكاء الاستراتيجي

إن الخطأ الأكثر شيوعًا في مقاربة هذه التحولات يكمن في اختزالها إلى إشكاليات تقنية، يُظن أن حلها يكمن في تحسين أدوات التواصل، أو تكثيف الحملات، أو تحديث الخطاب في شكله دون مضمونه. غير أن هذه المعالجات، مهما بلغت من الإتقان، تظل سطحية أمام تحدٍ أعمق بكثير: كيف نعيد إنتاج المعنى داخل الفعل السياسي نفسه؟

هنا يتقدم منطق الذكاء الاستراتيجي بوصفه إطارًا مغايرًا للفهم والتدخل. فهو لا يقوم على تجميع المعطيات بقدر ما يرتكز على تفكيكها، ولا على عزل المؤشرات بل على ربطها ضمن نسق دلالي قادر على إنتاج الفهم. إنه انتقال من منطق “الوفرة المعلوماتية” إلى منطق “الكثافة المعنوية”، حيث لا تُقاس القيمة بما نملكه من بيانات، بل بما نستطيع أن نستخرجه منها من دلالات قابلة للتوظيف.

في هذا الأفق، لم تعد السياسة تُقاس بكمية ما تقوله، ولا بحجم حضورها الخطابي، بل بقدرتها على أن تُفهم، وأن تُصدّق، وأن تُعاش كتجربة ذات معنى. فالمعنى لم يعد مُعطى جاهزًا يُلقَّن، بل أصبح بناءً يُنتج داخل التفاعل، ويُختبر داخل الواقع، ويُكتسب عبر القدرة على الربط بين القول والأثر.

وهكذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة الصوت، بل في استعادة الدلالة؛ ولا في مضاعفة الخطاب، بل في إعادة تأسيس معناه ضمن عالم لم يعد يكتفي بما يُقال، بل يطالب بما يُبرهن.

سابعًا: نحو إعادة بناء العلاقة — من منطق التمثيل إلى أفق الإشراك

لم تعد مسألة استعادة الثقة قابلة للاختزال في دعوات متكررة إلى “مشاركة الشباب”، لأن الإشكال لم يعد في غياب المشاركة بقدر ما هو في تعريفها ذاته. فالمشاركة، بصيغتها التقليدية، لم تعد تستجيب لتحولات الوعي ولا لتوقعات جيل يبحث عن موقع فاعل لا عن دور رمزي.

من هنا، يصبح الرهان الحقيقي هو إعادة بناء العلاقة بين السياسة والشباب على أسس جديدة، تنتقل من منطق التفويض إلى منطق التفاعل، ومن التمثيل إلى الإشراك. وهذا التحول لا يُقاس بتعديلات شكلية، بل بإعادة هندسة عميقة لآليات الفعل السياسي:

  • من سياسة تُقرِّر ثم تسعى إلى شرح قراراتها، إلى سياسة تُنصت أولًا، وتبني قرارها داخل دينامية تفاعلية
  • من تمثيل شكلي يُنتج مسافة، إلى إشراك فعلي يُنتج انخراطًا
  • من خطاب عام موجَّه إلى جمهور مفترض، إلى تجربة ملموسة يعيشها الفرد كجزء من الفعل
  • من منطق إدارة المجتمع، إلى منطق التفاعل معه بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى

بهذا المعنى، لا يكمن جوهر التحول في تغيير الأدوات أو تجديد الخطاب، بل في إعادة تعريف طبيعة العلاقة نفسها: من علاقة عمودية تُمارَس فيها السلطة، إلى علاقة أفقية يُبنى فيها المعنى بشكل مشترك.

ثامنًا: المغرب الممكن — حين يصبح الشباب جزءًا من الحكاية لا موضوعًا لها

لا يمكن تصور أفق سياسي مستقبلي دون إعادة تموضع الشباب داخل قلب المعادلة، لا بوصفهم فئة مستهدفة بالسياسات، بل باعتبارهم فاعلين مشاركين في صياغتها. فالقضية لم تعد تتعلق بإدماج شكلي، بل ببناء شعور عميق بالانتماء إلى مشروع جماعي يحمل معنى.

وهنا يبرز السؤال المؤسس، لا في بعده الإجرائي، بل في عمقه الوجودي:
كيف يشعر الشاب أنه معني فعلًا؟
كيف يرى أثر صوته متجسدًا في الواقع؟
كيف يجد نفسه داخل السردية الوطنية، لا على هامشها؟

إن “المغرب الممكن” لا يُفهم كمشروع جاهز يُقدَّم، بل كعملية مستمرة لإعادة بناء المعنى المشترك، حيث تتقاطع الطموحات الفردية مع الأفق الجماعي، وحيث يصبح الانخراط نابعًا من الإحساس بالجدوى، لا من الامتثال.

خاتمة: إعادة تعريف السؤال السياسي

في المحصلة، لا تكمن الأزمة في الشباب، بل في قدرة السياسة على مواكبة التحولات العميقة التي أعادت تشكيل وعيهم وأدوات إدراكهم للعالم. فالتحول الرقمي لم يُنتج العزوف بقدر ما كشف حدوده، ووسّع دلالاته، وأبرز اختلالاته الكامنة.

من هنا، يتغير السؤال في جوهره. لم يعد السؤال: كيف نُعيد الشباب إلى السياسة؟
بل أصبح: كيف نعيد بناء سياسة تستحق أن يعود إليها الشباب؟

لأن المستقبل لا يُصنع فقط بمن يشاركون، بل بمن يؤمنون أن لمشاركتهم أثرًا حقيقيًا، وأن حضورهم داخل الفعل العام ليس مجرد إضافة عددية، بل إسهام يحمل معنى.

وحين تستعيد السياسة قدرتها على إنتاج هذا المعنى، لا يعود الانخراط مطلبًا يُدعى إليه، بل يصبح نتيجة طبيعية لمسار يستعيد فيه الفعل العام شرعيته… وضرورته.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى