كابوس غزة.. من إسرائيل إلى المجتمعات الأوروبية

محمد رضوان..

في الداخل الإسرائيلي تحولت إبادة غزة إلى كابوس حقيقي يؤرق السياسيين والعسكريين، وفي خارجها يتسبب لها في عزلة دولية متزايدة وتهديدات بملاحقات قضائية وتعاطف عالمي متصاعد مع القضية الفلسطينية.

لكن كابوس غزة يقف أيضا وراء تحول آخر كبير على مستوى النُّخب المؤثرة والطبقة اليهودية المثقفة، سواء منها ذات الميول الصهيونية المُعلنة أو تلك المتعاطفة مع الكيان الإسرائيلي وتدافع عنه في المحافل الأوروبية والدولية، وسواء في الداخل أو الخارج الإسرائيلي، فإن الجميع أصبح يدرك حجم الضرر الذي لحق بالكيان ومكانته الدولية وذلك بسبب الإبادة التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023.

لقد أصبحت غزة وفلسطين في العالم معيارا للالتزام الأخلاقي والفضيلة الإنسانية، وعلى أساس هذا المعيار تُتخذ قرارات منع الزيارات والوفود والمشاركات الإسرائيلية في التظاهرات الفنية والفكرية والثقافية العالمية، بل إن كثيرا من الشخصيات البارزة في عالم الرياضة والسينما والثقافة والسياسة أصبحوا يقرنون التزامهم وجديتهم بالتعبير عن تعاطفهم مع أطفال غزة أو حمل العلم الفلسطيني والتلويح به في الميادين والساحات والشوارع.

وحتى في الولايات المتحدة، الحليف والداعم الأكبر لإسرائيل، فإن هناك انقساما حادا وسط الطبقات السياسية والإعلامية والثقافية تجاه هذا الموضوع، أما في أوروبا وفرنسا تحديدا، فإن التعبيرات عن التضامن مع الفلسطينيين في الشوارع والساحات تكاد تُقسّم المجتمع في البيوت والجامعات والمؤسسة التشريعية أيضا.

وحتى على صعيد الصداقات الشخصية، فإن هذا الموضوع كثيرا ما هيمن على الأحاديث الجماعية والمناقشات الفردية في المقاهي وأثناء وجبات الأكل في المطاعم، وسرعان ما يتحول النقاش الذي يبدأ هادئا إلى مناوشات تتسم بتوتر واتهامات بعبارات شائنة ومبتذلة بسبب “دعم الإبادة” أو “معاداة السامية”، حتى إن أستاذة علم الاجتماع السياسي الفرنسية، لايتيسيا بوكاي” وصفت ما يجري بالقول إن “غزة أصبحت بؤرة تصدُّعٍ تُقوّض التماسك الاجتماعي والروح الديمقراطية”.

على مستوى النقاش النخبوي في الوسط اليهودي، أو إذا شئنا على صعيد الكتابات والسرديات اليهودية بفرنسا، هناك توجه نحو إعادة التموقع والتفكير في مفاهيم بديلة وتجديد المعنى بالنسبة للهوية اليهودية وعلاقتها بإسرائيل، ومفهوم الصهيونية وعلاقتها بجريمة إبادة غزة، ومعاداة السامية وعلاقتها بانتقاد الكيان الإسرائيلي.

في كتابه “العودة إلى اليهودية.. نهاية اتفاقية تبييض متبادلة”، يجادل الفيلسوف ميشيل فيهير(Michel Feher) بأن الصهيونية، بعد أن أصبحت مشروعًا للدولة، قد أدت تدريجيًا إلى هيمنة دائمة على الفلسطينيين، ويدعو إلى فصل الهوية اليهودية عن دعم دولة إسرائيل، ويعتقد أن الأمن اليهودي لم يعد يُفهم حصريًا من منظور المشروع الصهيوني.

أما سيلفين بول(Sylvaine Bulle) ، مؤلفة كتاب “إسرائيل بعد 7 أكتوبر”، الذي ينتقد المأزق الذي وصلت إليه الحركة المناهضة للصهيونية المتشددة، فإنها ترى أن الصهيونية حركة تاريخية وسياسية تعددية لا ينبغي اختزالها في سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية. وتعتقد أن معاداة الصهيونية المعاصرة تميل أحيانًا إلى تبسيط التاريخ وتحويل صراع سياسي معقد إلى مواجهة أخلاقية مطلقة. ووفقًا لها، فإن هذا الاستقطاب يحول دون فهم تنوع المواقف الإسرائيلية والفلسطينية، ويعيق النقاش الديمقراطي.

لكن المفارقة أن بعض المتعاطفين مع الكيان الإسرائيلي الذين هالهم هذا الانقسام في طبقة النخبة اليهودية بادروا إلى إقحام المؤسسة التشريعية في موضوع إعادة تعريف مفهوم أو معنى “معاداة السامية” كما فعلت النائبة (الماكرونية) كارولين يادان (Caroline Yadan)، التي تقدمت بمشروع قانون يحمل اسمها “قانون يادان”، يهدف إلى مكافحة أشكال جديدة من معاداة السامية من خلال توسيع نطاق جريمة تمجيد الإرهاب واستحداث جريمة جديدة هي التحريض على تدمير دولة. وقد وُجهت اتهامات للمشروع بخلط انتقاد إسرائيل بمعاداة السامية، ما أدى إلى سحبه من جدول أعمال الجمعية الوطنية بعد جدل واسع.

وأثارت هذه المبادرة التشريعية، التي قُدمت في أواخر عام 2024 ونوقشت في مطلع عام 2026، جدلاً حاداً. فقد اعتبرها مؤيدوها حصناً منيعاً ضد معاداة السامية المعاصرة، بينما رأى معارضوها (جمعيات ومنظمات غير حكومية وجزء من اليسار) أنها تهديد للحريات المدنية وخطيرة على حرية التعبير.

لكن حجة “مكافحة الأشكال المتجددة لمعاداة السامية” التي أريد لها إيقاف حملة انتقاد إسرائيل عقب إبادة غزة لاقت معارضة قوية على صعيد المجتمع الفرنسي، إذ تجاوز عدد التوقيعات على عريضة تحث النواب على معارضة مشروع هذا النص 500 ألف توقيع في يوم واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى