إعادة بناء الطبقة الوسطى في المغرب: من ترميم الدخل إلى استعادة المعنى

لفهم ما يجري، لا بد من تجاوز المقاربة الكمية، والاقتراب من البنية المعنوية التي كانت تؤسس الطبقة الوسطى

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

لم تعد أزمة الطبقة الوسطى في المغرب قابلة للاختزال في تراجع القدرة الشرائية أو ضغط تكاليف العيش. فهذه القراءة، رغم وجاهتها، تظل قاصرة عن ملامسة جوهر التحول الجاري. ما يحدث أعمق من ذلك: تآكل بنيوي صامت يصيب المعنى الذي يجعل هذه الطبقة ممكنة أصلًا.

تظهر المؤشرات استمرار وجود الطبقة الوسطى، بل وربما تحسنًا نسبيًا في بعض جوانبها. لكن خلف هذا الاستقرار الظاهري، تتشكل ثلاث فجوات حاسمة:
فقدان الثقة في الاستحقاق، هشاشة العلاقة مع المستقبل، وتآكل الإحساس بالاستقرار.
وبذلك، لم تعد المشكلة فيما تملكه هذه الطبقة، بل فيما يعنيه ما تملكه.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نحسن وضع الطبقة الوسطى؟
بل: كيف نعيد بناء المعنى الذي يجعل الانتماء إليها موثوقًا وقابلًا للاستمرار؟

تشخيص الأزمة: ثلاثة معانٍ مفقودة

لفهم ما يجري، لا بد من تجاوز المقاربة الكمية، والاقتراب من البنية المعنوية التي كانت تؤسس الطبقة الوسطى.

أول هذه المعاني هو الاستحقاق.
فالعلاقة التي كانت تربط الجهد بالنتيجة لم تعد واضحة. يمكن للفرد أن يستثمر في التعليم والعمل، دون أن يحصل على مسار مهني مستقر أو تصاعدي. وهنا لا تضيع الفرص فقط، بل يتآكل الإيمان بجدوى الاستثمار في الذات.

ثانيها هو الاستقرار.
ما يتحقق اليوم لا يبدو قابلًا للدوام غدًا. الدخل غير مضمون، الوظيفة قابلة للاهتزاز، والتقدم نفسه قد يتحول إلى عبء. بهذا المعنى، لم يعد الاستقرار حالة موضوعية، بل أصبح إدراكًا هشًا.

أما المعنى الثالث فهو المستقبل.
لم يعد المستقبل امتدادًا للحاضر، بل صار مجالًا للغموض. الزمن الذي كان أداة للتراكم، تحول إلى مصدر للقلق. وبدل أن تبني الطبقة الوسطى مستقبلها، أصبحت تدافع عن حاضرها.

وإذا كانت هذه هي طبيعة الأزمة، فإن أي استجابة تظل جزئية ما لم تستهدف إعادة بناء هذه المعاني الثلاثة بشكل متكامل.

من السياسات إلى هندسة المعنى

الخطأ الأكثر شيوعًا في السياسات العمومية هو الاكتفاء بإنتاج النتائج، دون الانتباه إلى ما إذا كانت هذه النتائج تُنتج ثقة في استمراريتها.
ذلك أن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى فقط على ما يتحقق، بل على ما يُعتقد أنه سيستمر.

ومن هذا المنطلق، تصبح الحاجة ملحة إلى إعادة تصميم السياسات كأدوات لإنتاج المعنى، لا مجرد أدوات للتوزيع. ويمكن بلورة ذلك عبر ثلاث حزم مترابطة.

إعادة بناء الاستحقاق: حين يستعيد الجهد معناه

لا يمكن لأي طبقة وسطى أن تستقر إذا لم تكن العلاقة بين الجهد والنتيجة واضحة.
ولهذا، يصبح من الضروري الانتقال من سوق عمل قائم على الاحتمال، إلى مسارات مهنية قابلة للتوقع.

يتطلب ذلك بناء عقود مسار مهني تربط التوظيف بتطور واضح ومؤطر زمنيًا، إلى جانب أنظمة ترقٍ أكثر شفافية تقلل من العشوائية، وربط التكوين بفرص فعلية لا محتملة.

فالهدف ليس فقط خلق فرص، بل إعادة بناء الثقة في أن الجهد يُترجم إلى مسار.

غير أن استعادة معنى الاستحقاق تظل محدودة الأثر إذا ظل الزمن نفسه غير مستقر، وهو ما يقودنا إلى البعد الثاني.

إعادة بناء الاستقرار: من زمن القلق إلى زمن الاستشراف—واستعادة الدور المؤسس للطبقة الوسطى

المعضلة اليوم لا تختزل في مستوى الدخل، بل في قابليته للاستمرار ومعناه عبر الزمن. غير أن هذا البعد الزمني، على أهميته، لا يكفي لفهم عمق الأزمة؛ إذ يغيب عنه عنصر مؤسس: الدور التاريخي للطبقة الوسطى بوصفها فاعلًا قياديًا في إنتاج التغيير داخل المجتمع والدولة.
فالطبقة الوسطى لم تكن يومًا مجرد مستفيد من الاستقرار، بل كانت منتِجًا له: تقود الإصلاح، توسّع مجال الحقوق، وتغذي دينامية التحديث. وحين تفقد قدرتها على استشراف المستقبل، لا يتآكل استقرارها فقط، بل يتعطل محرك التغيير نفسه.

من هنا، لا تعود إعادة الاستقرار مسألة حماية دخل أو تقليل مخاطر فحسب، بل تتحول إلى مشروع أوسع:

إعادة تمكين الطبقة الوسطى من استعادة دورها كفاعل استراتيجي قادر على التفكير في المستقبل وبنائه.

بناءً على ذلك، يصبح الهدف مزدوجًا:

  1. تحويل المستقبل من مجال للقلق إلى مجال قابل للاستشراف والتخطيط الاستراتيجي.
  2. إعادة ربط هذا الاستشراف بوظيفة قيادية داخل المجتمع والدولة

يتطلب ذلك حزمة أدوات لا تكتفي بتثبيت الوضع، بل تفتح أفق الفعل:

  • ضمانات جزئية لاستقرار الدخل لا بوصفها آلية حماية فقط، بل كشرط لتحرير الأفراد من منطق البقاء نحو منطق المبادرة
  • سياسات ضريبية وتنظيمية قابلة للتوقع تمكّن الفاعلين من اتخاذ قرارات طويلة الأمد، بما يعيد الاعتبار للتخطيط بدل رد الفعل
  • برامج ادخار واستثمار طويلة الأمد مدعومة لا تحصّن الأفراد فحسب، بل تُمكّنهم من لعب دور في تشكيل المستقبل الاقتصادي والاجتماعي

هذه الأدوات، في جوهرها، لا تعيد توزيع الموارد فقط، بل تعيد تعريف الزمن نفسه: من تهديد مستمر إلى أفق يمكن الوثوق به والعمل داخله.

لكن هذا التحول يظل ناقصًا إذا لم يُستكمل بشرط حاسم:

هل يثق الأفراد في النظام الذي لا يحميهم فقط، بل يتيح لهم أن يكونوا فاعلين في توجيهه؟

هنا تحديدًا يتحدد مصير الطبقة الوسطى:
إما أن تبقى في موقع دفاعي، تسعى إلى الحفاظ على ما تبقى،
أو تستعيد موقعها التاريخي كقوة اقتراح وقيادة—وهو ما يجعل إعادة الاستقرار مدخلًا لإعادة بناء المعنى والدور معًا.

إعادة بناء الثقة: حين تستعيد المؤسسات وظيفتها المعنوية

المؤسسات لا تنتج خدمات فقط، بل تنتج إحساسًا بالعدالة والاستمرارية.
وحين يتآكل هذا الإحساس، ينفصل الفرد عن النظام حتى لو ظل داخله.

إعادة بناء هذه الثقة تتطلب تعاقدًا واضحًا مع الطبقة الوسطى، يقوم على شفافية المسارات، وإتاحة المعلومات، وإشراك فعلي في تصميم السياسات.
فالهدف ليس فقط تحسين الأداء، بل إعادة إنتاج الإحساس بأن النظام يعمل بشكل يمكن التنبؤ به والاعتماد عليه.

وهنا نصل إلى السؤال الأعمق: كيف يمكن تأطير كل هذه التدخلات ضمن رؤية متماسكة؟

نموذج “مكين”: من إدارة الموارد إلى إدارة المعنى

يقدم نموذج “مكين” إطارًا مختلفًا للتدخل، يقوم على فكرة بسيطة لكنها حاسمة:

السياسات لا تُقاس فقط بما تنتجه، بل بما تعنيه.

ينطلق النموذج من ثلاث طبقات:

أولًا، التشخيص العميق، الذي لا يسأل فقط عن مستوى الدخل، بل عن معناه: هل يولد أمانًا أم قلقًا؟
ثانيًا، تصميم السياسات على أساس المعنى، بحيث يُقاس أثر كل تدخل ماديًا ومعنويًا في آن واحد.
وثالثًا، تقييم الأثر الاستراتيجي، عبر مؤشرات مثل الثقة في المستقبل وقابلية التخطيط الاستراتيجي.

بهذا المعنى، يتحول التدخل العمومي من إدارة أرقام، إلى إعادة بناء العلاقة بين الفرد والمستقبل.

نحو تنفيذ فعلي: إدماج المعنى في صلب القرار

لكي لا يظل هذا الإطار نظريًا، يتطلب الأمر إدماجه مؤسساتيًا، عبر:

  • إنشاء وحدات لتحليل المعنى داخل منظومة القرار
  • تجريب السياسات وقياس أثرها غير المرئي
  • اعتماد مؤشرات جديدة تعكس الثقة والاستقرار.

فما لا يُقاس، لا يمكن إدارته، وما لا يُفهم، لا يمكن إصلاحه.

الخلاصة: حيث يُستعاد المعنى ويُستأنف الدور

لا يمكن اختزال إعادة بناء الطبقة الوسطى في تحسين الدخل أو توسيع الخدمات، لأن هذه المقاربة—رغم ضرورتها—تبقى قاصرة ما لم تُصاحبها عملية أعمق: إعادة بناء المعنى الذي يجعل هذه التحسينات قابلة للثقة والاستمرار. غير أن هذا المعنى لا يتحدد فقط في الإحساس بالأمان الاقتصادي، بل يتجذر أساسًا في استعادة الدور التاريخي للطبقة الوسطى بوصفها فاعلًا قياديًا في إنتاج التغيير داخل المجتمع والدولة.

فالطبقة الوسطى لا تنهار حين تتراجع مواردها فحسب، بل حين تفقد الثقة في ما تعنيه هذه الموارد، والأخطر حين تفقد الثقة في قدرتها على التأثير، والاقتراح، وصياغة المستقبل. عندها، لا يتآكل موقعها الاجتماعي فقط، بل يتعطل أحد أهم محركات التوازن والتحديث داخل المجتمع.

من هنا، لا يبدأ الإصلاح الحقيقي من إعادة توزيع الثروة وحدها، بل من إعادة تمكين الطبقة الوسطى من استعادة وظيفتها القيادية:
أن ترى في نفسها قوة اقتراح، لا مجرد فئة مستفيدة؛
وأن تستعيد قدرتها على الربط بين الاستقرار والتغيير، بين الحاضر والمستقبل.

فحين يُستعاد هذا الدور، يُستعاد المعنى.
وحين يُستعاد المعنى، لا تعود الطبقة الوسطى مجرد طبقة… بل تصبح من جديد رافعة استراتيجية لصناعة المستقبل.

. (*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى