أزمة الثقة في العمل السياسي: الاستحقاقات القادمة ليست اختبار أصوات… بل اختبار وعي

الرهان الحقيقي ليس رفع نسبة المشاركة، بل إعادة المعنى إليها

بقلم د. محمد السنوسي (*)..

ليس أخطر ما نواجهه اليوم أن نختلف حول من سيفوز في الاستحقاقات القادمة، بل أن نتفق—بصمت مريب—على خوضها بنفس العقل الذي أنتج أزمة الثقة. هنا يكمن الخلل الجوهري: لا في نتائج لم تُحسم بعد، بل في طريقة تفكير حُسمت سلفًا. نحن لا نختلف بما يكفي… لأننا لم نراجع ما يجب مراجعته.

السؤال الذي يملأ الفضاء ساذج في عمقه: من سيتصدر؟ من سيقود؟ من سيفوز؟ كأن السياسة سباق مواقع، لا اختبار معنى. كأن تغيير الأسماء كافٍ لإقناعنا بأن شيئًا تغيّر. لكن السؤال الذي يُخيف—لأنه يكشف—هو: أي نموذج سياسي نُعيد انتخابه ونحن نُوهم أنفسنا أننا نُغيّره؟ هل نختار فعلاً، أم نُعيد الاصطفاف داخل نفس المنطق الذي فقد صلاحيته؟

ما يُحضَّر اليوم لا يتعلق فقط بتجديد النخب أو إعادة توزيع الكراسي. هذا تبسيط مريح، لكنه مضلل. ما يجري أعمق: إما أننا نُعيد إنتاج نفس التصور للسياسة—كخطاب منفصل عن الواقع، وكوعود تُرحَّل من استحقاق إلى آخر—أو أننا نكسر هذه الحلقة ونُعيد تعريف وظيفة السياسة نفسها. لا منطقة رمادية هنا. إما استمرار مُقنَّع… أو قطيعة حقيقية.

المفارقة التي يجب أن تُزعزعنا هي التالية: يمكن أن تنجح الانتخابات تنظيميًا إلى درجة الإبهار. يمكن أن تُحترم القواعد بدقة، وأن تُفرز أغلبية واضحة، وأن تُعلن الأرقام ما يشبه انتصارًا ديمقراطيًا. كل ذلك ممكن… بل متوقع. لكن السؤال الذي لا يريد أحد طرحه هو: ماذا لو كان هذا النجاح نفسه هو المشكلة؟

ماذا لو كنا نُحسن إدارة الشكل، ونُسيء فهم الجوهر؟ ماذا لو كنا نُتقن إعادة إنتاج نفس الأزمة، لكن بأدوات أكثر أناقة؟ عندها لن تكون الانتخابات حلًا، بل آلية لتجديد الأزمة. لن تكون مخرجًا من فقدان الثقة، بل طريقة هادئة لتمديد عمره.

الخطر الحقيقي ليس في أن نُخطئ الاختيار، بل في أن نظن أننا نختار بينما نحن نُكرر. أن نُعلن التغيير، بينما نُعيد نفس المسار. أن نُصدّق أن النتائج الجديدة تعني واقعًا جديدًا، بينما الواقع نفسه لم يتحرك.

عند هذه النقطة، لا تعود الأزمة في السياسة… بل في وعينا بها. لأننا قد نصل إلى النتيجة الأكثر خطورة: انتخابات ناجحة في كل شيء، إلا في الشيء الوحيد الذي يبرر وجودها—إعادة بناء الثقة.

لحظة حاسمة… لكن ليس كما نتصور

نحن لا نقف أمام استحقاق عادي، بل أمام لحظة يُفترض أنها فاصلة. ومع ذلك، نتصرف كأن شيئًا لم يتغير. نُعيد نفس الطقوس، بنفس الأدوات، بنفس الثقة في آليات لم تعد تُنتج إلا الوهم. برامج تُصاغ بإتقان، تحالفات تُرتّب بدقة، حملات تُدار باحتراف، وخطابات تُلمَّع لتبدو أكثر إقناعًا. كل شيء يبدو مثاليًا… إلى درجة تثير الشك: ماذا لو كان هذا الإتقان نفسه هو المشكلة؟ ماذا لو كنا نُحسن تشغيل أدوات فقدت صلاحيتها منذ زمن؟

المأزق لم يعد في ضعف العرض السياسي، بل في انفصاله عن الحياة. المواطن لم يعد يقرأ البرامج، بل يقرأ المسافة بينها وبين واقعه. لم يعد يسأل: من الأفضل؟ بل: من الأقرب؟ لأن الفجوة، كلما اتسعت، قلبت المعنى: الوعد يتحول إلى عبء، والخطاب إلى دليل إدانة. هنا لا يسقط الكلام لأنه ضعيف، بل لأنه لا يشبه ما يُعاش.

أي قيمة لحديث عن إصلاح التعليم، ومدرسة الحي تُعيد إنتاج نفس الأعطاب؟ أي معنى لوعود الصحة، والمواطن يفاوض الألم في ممرات الانتظار؟ ماذا تعني خطط التشغيل، وشباب يحملون الشهادات كعبء إضافي لا كمفتاح؟ في هذه اللحظة، لا يعود الخلل في الصياغة… بل في الصلة. السياسة تقول شيئًا، والواقع يقول نقيضه. وهذه هي القطيعة التي لا تُرمَّم بالبلاغة.

بل إن الشرخ تجاوز البرامج إلى صورة التمثيل نفسها. لم يعد مقبولًا أن تتحول المؤسسة التشريعية إلى مرآة باهتة لا تعكس حجم المسؤولية، ولا تترجم تعقيد اللحظة. حين يغيب الوعي بثقل الدور، يصبح السؤال أسبق من أي نقاش: من يمثل من؟ وبأي كفاءة؟ وبأي أهلية؟ هنا لا نتجادل حول السياسات، بل حول المصداقية ذاتها.

ثم تأتي الحملات لتفضح المفارقة بدل أن تعالجها. فجأة ترتفع الحرارة: حضور مكثف، وعود متدفقة، تواصل لا ينقطع. يبدو وكأن السياسة اقتربت أخيرًا. لكن ما إن تُغلق الصناديق حتى يبرد كل شيء. يتلاشى الحضور، ويعود الإيقاع إلى بطئه المعتاد. الرسالة الصامتة التي يلتقطها المواطن قاسية: القرب كان مؤقتًا، لا التزامًا؛ والحملة كانت عرضًا، لا بداية علاقة. ومع تكرار هذا النمط، لا تنهار الثقة فقط… بل ينهار معنى المشاركة نفسه.

حتى التحالفات، التي تُسوَّق بلغة التوازنات، تُقرأ اليوم بلغة الاتساق. حين يتحول التباعد الحاد قبل الانتخابات إلى تقارب سريع بعدها، لا ينشغل المواطن بالتعقيد، بل يسأل ببساطة مُحرجة: هل كان الخلاف حقيقيًا أم أداة؟ هذا السؤال، في حد ذاته، يهدم ما تبنيه مئات الخطب.

في هذا السياق، تغيّر الناخب جذريًا. لم يعد يطارد “الأفضل”، بل يبحث عن “الأصدق”. يقيس القرب من الواقع، لا جمال الصياغة. لذلك قد يسقط خطاب قوي لأنه بلا أثر، وقد ينجح فعل صغير لأنه ملموس: خدمة إدارية تحسنت، إجراء تبسّط، مشكل محلي حُلّ. التفاصيل اليومية أصبحت أقوى من أكبر الوعود، لأنها الوحيدة التي تُرى وتُلمس.

وهنا يكمن الخطر الذي لا يُقال: ليس في خسارة الانتخابات، بل في ربحها بنفس المنطق القديم. أن تتغير الأسماء، وتتبدل التحالفات، وتختلف الأرقام… بينما تبقى التجربة كما هي: وعود قبل الانتخابات، وفجوة بعدها. عندها لا نتقدم خطوة، بل نُعيد إنتاج الأزمة بصيغة أكثر أناقة.

المشكلة إذن ليست أن السياسة لا تعمل، بل أنها تعمل بعقلية انتهت صلاحيتها. مجتمع تغيرت انتظاراته، بينما ظلت أدوات مخاطبته ثابتة. المواطن لم يعد ينتظر من يعده بتغيير حياته، بل من يُريه أن التغيير بدأ—ولو في تفاصيل صغيرة. لأن الثقة اليوم لا تُبنى بالقفزات الكبرى، بل بالتراكمات اليومية.

إذا لم يُفهم هذا التحول، سنخرج بمشهد مكتمل الشكل: انتخابات منظمة، حملات قوية، نتائج واضحة. لكن في العمق، سيبقى الشعور نفسه يتكرر: ما يُقال شيء، وما يُعاش شيء آخر. وعندها لن يكون السؤال من فاز… بل لماذا لم يتغير شيء؟ ولماذا اتسعت الفجوة أكثر، ونحن نظن أننا نُصلحها؟

ليس سؤال المشاركة… بل سؤال المعنى

سننشغل، كما في كل مرة، بالسؤال الأسهل: كم بلغت نسبة المشاركة؟ سترتفع الأرقام أو تنخفض، وسنحوّلها إلى مادة للتأويل السياسي والإعلامي. لكن هذا الانشغال، في حد ذاته، يكشف اختزالًا مقلقًا: كأن الديمقراطية تختزل في رقم، وكأن الثقة يمكن قياسها بنسبة مئوية. والحقيقة أن الأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تقول إلا جزءًا ضيقًا من القصة… بل قد تُخفي الجزء الأهم منها.

المشاركة ليست مجرد سلوك انتخابي، بل موقف نفسي وسياسي عميق. هي تعبير عن إحساس المواطن بجدوى فعله: هل صوته يُحدث فرقًا؟ هل القرار الذي يُتخذ باسمه ينعكس على واقعه؟ إذا غاب هذا الإحساس، تتحول المشاركة إلى فعل بلا معنى، حتى لو كانت مرتفعة. عندها نكون أمام مفارقة خطيرة: حضور انتخابي واسع… لكنه خالٍ من القناعة. وهذا أخطر من العزوف نفسه، لأنه يوهم بوجود حيوية سياسية بينما العمق يعاني من فراغ.

هنا يصبح الرهان الحقيقي ليس رفع نسبة المشاركة، بل إعادة المعنى إليها. لأن الديمقراطية لا تُقاس بعدد المصوتين فقط، بل بمدى إيمانهم بأن مشاركتهم تُغيّر شيئًا. وإذا لم يُستعد هذا الإيمان، فإننا لا نبني ثقة، بل ندير شكلًا فارغًا منها.

من موسم انتخابي إلى حياة يومية

السياسة، كما تُمارَس اليوم، لا تزال أسيرة منطق “المواسم”: لحظة انتخابية ترتفع فيها الوعود، ثم فترة صمت طويلة. هذا الإيقاع قد يكون مفهومًا من زاوية تنظيمية، لكنه أصبح غير قابل للاستمرار اجتماعيًا. لأن المواطن لا يعيش السياسة كمحطة دورية، بل كتجربة يومية مستمرة.

حين يذهب المواطن إلى إدارة عمومية ويصطدم بالتعقيد، فهو يعيش السياسة. حين يجد صعوبة في تسجيل ابنه في مدرسة جيدة، فهو يعيش السياسة. حين ينتظر علاجًا أو يبحث عن عمل، فهو لا يفصل بين هذه التجارب وبين القرارات التي تُتخذ في الأعلى. هنا تتجسد السياسة في أبسط تفاصيل الحياة، لا في أكبر الخطابات.

لذلك، فإن أي خطاب انتخابي لا يمتد إلى هذه التفاصيل يُصبح بلا أثر. بل أكثر من ذلك، يتحول إلى عنصر إضافي في تكريس الشك. لأن المواطن يقارن، بشكل تلقائي، بين ما يُقال وما يُعاش. وإذا لم يجد رابطًا بينهما، يخلص إلى نتيجة بسيطة: السياسة لا تعنيه فعليًا.

التفكير بمنطق المعنى يفرض قلب هذا المنطق: السياسة لا يجب أن تظهر فقط في الحملات، بل أن تُمارَس يوميًا. الحملة الحقيقية ليست ما يسبق التصويت، بل ما يليه. لأن ما يمنح الثقة ليس الوعد، بل الاستمرارية في الفعل.

نتيجتان ممكنتان… وفرق واحد حاسم

إذا استمرت نفس المقاربة، فإن النتيجة، في جوهرها، معروفة مسبقًا، حتى لو تغيرت التفاصيل. سنحصل على مؤسسات قائمة، وعلى تمثيلية منتخبة، وعلى توازنات سياسية واضحة. لكن، في المقابل، ستظل الثقة معلّقة. وهذا يعني أننا سنكون أمام شرعية قانونية مكتملة، لكنها تفتقد إلى شرعية شعورية.

الشرعية القانونية تُبنى بالإجراءات، بالقوانين، وبالنتائج الرسمية. أما الشرعية بمفهوم المعنى فتُبنى بالإحساس: هل يشعر المواطن أن هذه المؤسسات تمثله فعلاً؟ هل يرى نفسه في قراراتها؟ هل يثق في قدرتها على التأثير في حياته؟ إذا كان الجواب ضعيفًا أو مترددًا، فإن الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة عميقة.

أما السيناريو الثاني، فيفترض حدوث تحول حقيقي في طريقة ممارسة السياسة. هنا لا تعود النتائج مجرد توزيع للمقاعد، بل بداية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة. الفرق الحاسم بين السيناريوهين ليس تقنيًا، بل معنوي: هل ننتج تمثيلًا شكليًا، أم ثقة فعلية؟

القطيعة الضرورية: نهاية سياسة الإقناع

طوال عقود، بُنيت السياسة على منطق الإقناع: خطاب أقوى، برنامج أفضل، تواصل أكثر تأثيرًا. لكن هذا المنطق يفقد اليوم فعاليته، لأن المشكلة لم تعد في ضعف الإقناع، بل في فقدان الثقة المسبقة. المواطن لم يعد يشك في مضمون الخطاب فقط، بل في علاقته بالواقع.

لذلك، فإن الرهان لم يعد أن تُقنع المواطن، بل أن تُنتج واقعًا يُقنعه دون خطاب. أن يصبح الفعل هو اللغة الأساسية، وأن يتحول الخطاب إلى مجرد تفسير لاحق لما هو قائم. السياسي الذي سينجح في هذا السياق لن يكون الأكثر حضورًا إعلاميًا، بل الأكثر قدرة على تقليص الفجوة بين ما يقوله وما يعيشه الناس.

هذا التحول يعكس تغيرًا عميقًا في وعي الناخب. لم يعد يسأل عن الوعود المستقبلية، بل عن مصداقية الحاضر. لم يعد يبحث عن “من سيُغير”، بل عن “من بدأ التغيير بالفعل”. وهذا يفرض على الفاعل السياسي إعادة تعريف دوره بالكامل.

ما الذي يجب أن يتغير… الآن؟

ما نحن أمامه ليس لحظة عادية يمكن التعامل معها بأدوات مألوفة. نحن أمام لحظة تفرض إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها. لأن الأدوات التي كانت كافية في الماضي لم تعد كذلك اليوم.

عرض البرامج لم يعد كافيًا، لأن المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في غياب ترجمتها. طلب الثقة لم يعد كافيًا، لأن الثقة لم تعد تُمنح مسبقًا، بل تُبنى تدريجيًا. تمثيل المواطن لم يعد كافيًا، لأن التمثيل، في حد ذاته، لم يعد يُقنع إذا لم يقترن بالمشاركة الفعلية.

هذا يعني أن المطلوب ليس تحسين الأداء داخل نفس الإطار، بل تغيير الإطار نفسه. الانتقال من سياسة تقوم على الوعود إلى سياسة تقوم على الإثبات. من علاقة عمودية إلى علاقة تفاعلية. من خطاب يُقال إلى واقع يُبنى.

الأمل الممكن… قبل أن يُغلق الباب

رغم حدة هذا التشخيص، هناك معطى إيجابي لا يجب تجاهله: أزمة الثقة لا تعني القطيعة النهائية. بل تعني أن هناك انتظارًا لم يُلبَّ بعد. المواطن لم ينسحب بالكامل من السياسة، بل أصبح أكثر تطلبًا تجاهها.

هذا يعني أن إمكانية التحول لا تزال قائمة. لكن هذه الإمكانية مرتبطة بالزمن. لأن الانتظار، مهما طال، ليس بلا نهاية. إذا لم يُقابل هذا الوعي الجديد بسياسة جديدة، فقد يتحول الانتظار إلى لامبالاة، والشك إلى انسحاب.

الرهان إذن هو استثمار هذه اللحظة كفرصة لإعادة التفكير، لا مجرد محطة لإعادة الترتيب. لأن الفرق بين المسارين كبير: الأول يفتح أفقًا، والثاني يُطيل الأزمة.

الخلاصة التي يجب أن تُقلقنا

الاستحقاقات القادمة لن تُحدد فقط من سيحكم، بل ستُحدد طبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع. هل ستظل علاقة شكلية قائمة على الإجراءات؟ أم ستتحول إلى علاقة قائمة على الثقة والمعنى؟

إذا لم نُغير طريقة تخيلنا للسياسة الآن، فإننا سنجد أنفسنا—بعد انتهاء كل شيء—أمام مفارقة قاسية: انتخابات ناجحة في شكلها، لكنها غير قادرة على إنهاء الأزمة التي أُجريت داخلها.

وعندها، لن يكون السؤال من فاز أو من خسر.
بل سيكون السؤال الأعمق: ماذا خسرنا… ونحن نظن أننا نربح؟

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى