
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
- بين وهم التغيير وإعادة إنتاج المنطق القديم
ليس السؤال هنا بريئًا كما يبدو، ولا هو تقني كما يُقدَّم. نحن لا نسأل فقط: هل ستتغير الخريطة السياسية؟ بل نسأل، دون أن نجرؤ على التصريح: هل نحن بصدد تصحيح مسار… أم بصدد إتقان إعادة إنتاجه؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نفشل في التغيير، بل أن نُقنع أنفسنا أننا نجحنا فيه بينما نحن نُعيد تدوير نفس المنطق.
في الظاهر، تبدو الحركة كثيفة إلى حد الإقناع: مشاورات لا تهدأ، اصطفافات يعاد رسمها، أوراق تُخلط بمهارة، وخطاب—على الأقل لدى بعض الفاعلين الذين يصطفون في الخط التحرري ويراهنون على المستقبل—يحاول أن يرتقي بنبرته ويستجيب لوعي جديد يتشكل. كل شيء يوحي بأن هناك دينامية حقيقية تتقدم إلى الأمام. غير أن ما يفرضه علينا الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والصرامة العلمية هو أن لا ننخدع بسهولة بهذا الإيقاع الظاهر؛ لأن ما يتحرك على السطح لا يعني بالضرورة أن ما في العمق قد تغير. بل على العكس، كل المؤشرات الخفية توحي بأن شيئًا أكثر ثباتًا—وأكثر إزعاجًا—ما يزال يحكم المشهد: نفس القواعد غير المعلنة التي تضبط التفاعلات، نفس البنية الذهنية التي تختزل السياسة في لعبة توازنات تُدار وتُحسَب، لا في مشروع معنى يُبنى ويُختبر. هنا تحديدًا ينشأ الالتباس الذي يهدد بجرّنا إلى استنتاجات متسرعة: هل نحن فعلًا أمام بداية تحول في العمق، أم أننا فقط أمام إعادة صياغة أكثر أناقة لنفس المنطق القديم؟
التصحيح السياسي، في جوهره، ليس تغيير مواقع بل تغيير منطق. ليس إعادة توزيع للأدوار، بل إعادة تعريف للوظائف. هو لحظة يُعاد فيها طرح الأسئلة التي تم تأجيلها طويلًا: لماذا فقدت السياسة قدرتها على الإقناع؟ لماذا اتسعت المسافة بين المؤسسات والمجتمع؟ ولماذا أصبح المواطن يتابع السياسة كما يتابع شيئًا لا يعنيه إلا بشكل عابر؟ إذا لم تُطرح هذه الأسئلة الآن، فمتى؟
2. صراع المنطقين: بين تكريس الغموض ومحاولة بناء الثقة
ما يجري اليوم لا يختبئ، بل يعيد تقديم نفسه في صيغة أكثر قابلية للتسويق، أكثر نعومة في الشكل، وأشد التباسًا في الجوهر. لكن خلف هذا الإخراج المتقن، تتضح معالم معركة حقيقية تُخاض داخل المجتمع، لا تُعلن صراحة لكنها تُمارس يوميًا: معركة بين قوى تُراهن على تكريس الغموض لأنه يخدم استمرارها، وقوى أخرى—أقل عددًا وأثقل مسؤولية—تحاول شق مسار تحرري يقف بوضوح إلى جانب مجتمع أنهكه فقدان الثقة في السياسة.
قوى تكريس الغموض لا تعمل بالصدفة، بل بمنطق محسوب بدقة. هي لا تسعى إلى التقدم بقدر ما تُتقن الهروب إلى الأمام. تُكثّف حضورها بدل أن تُسائل معناه، ترفع منسوب خطابها بدل أن تختبر صدقه، وتوسّع تحالفاتها بدل أن تُخضعها لمعيار الانسجام. كل شيء يُدار بمنطق الإغراق: إغراق الفضاء العام بالكلام، بالصور، بالوعود، حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصنّع. كأن الهدف لم يعد حل أزمة الثقة، بل تذويبها داخل ضجيج متواصل يمنعها من أن تُطرح بوضوح.
في المقابل، تقف قوى أخرى في موقع أكثر تعقيدًا، لأنها لا تملك ترف الغموض. هي مطالبة بأن تكون واضحة في زمن الالتباس، صريحة في سياق يُكافئ المواربة. هذه القوى لا تخوض معركتها فقط داخل المؤسسات، بل داخل الوعي العام نفسه: تحاول إعادة ربط السياسة بمعناها الأصلي كخدمة للمجتمع، لا كإدارة للتوازنات. وهي تدرك أن رهانها الحقيقي ليس كسب مواقع سريعة، بل استعادة ثقة تآكلت عبر سنوات من التراكمات السلبية.
لكن المفارقة أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بالحضور أو الموارد، بل أيضًا بطبيعة الرهان. قوى الغموض تستفيد من الوضع القائم، ولذلك تدافع عنه—حتى وهي تدّعي تغييره. أما قوى الخط التحرري، فهي تُجبر على المواجهة في ظروف أصعب، لأنها تصطدم بجدارين في آن واحد: جدار الشك الشعبي الذي لم يعد يمنح ثقته بسهولة، وجدار مصالح راسخة ترى في أي وضوح تهديدًا مباشرًا لها.
هنا تتخذ المعركة طابعها الحقيقي: ليست صراعًا بين برامج، بل بين منطقين. منطق يُعيد إنتاج الأزمة لأنه يعيش منها، ومنطق يسعى إلى كسرها لأنه يدفع كلفتها. الأول يُراهن على إطالة عمر الالتباس، والثاني يُراهن على كشفه. الأول يُدير الأزمة، والثاني يريد إنهاءها.
وفي قلب هذا الصراع، يُترك المواطن أمام اختبار قاسٍ: ليس فقط أن يختار بين عروض سياسية، بل أن يميّز بين خطاب يُحاول إقناعه، وخطاب يُحاول أن يكون صادقًا معه—حتى إن كان أقل بريقًا. لأن ما يُبنى على الغموض قد يربح جولة، لكنه لا يبني ثقة. وما يُبنى على الوضوح قد يواجه صعوبة في البداية، لكنه وحده القادر على إحداث تحول حقيقي.
لذلك، فإن ما نعيشه اليوم ليس مجرد لحظة سياسية عابرة، بل مفترق طرق فعلي: إما أن تنتصر قوى تكريس الغموض، فنواصل الدوران داخل نفس الحلقة، مع مزيد من الإتقان في الإخراج؛ أو أن تنجح قوى الخط التحرري في فرض منطق مختلف، يعيد للسياسة معناها، وللمجتمع ثقته. وما بين المسارين، لا يتعلق الأمر فقط بمن سيفوز… بل بأي مستقبل نختار أن نعيش فيه.
3. كلفة الوضوح وإمكانية التحول الحقيقي
في هذا السياق، لا يعود مقبولًا الاختباء خلف العموميات أو اللعب على الحواف. من يراهن فعلًا على المستقبل مطالب اليوم—لا غدًا—بأن يعلن بوضوح: ما هو خط المعنى الذي يسلكه؟ ما هي الفلسفة التي تحكم اختياراته؟ لأن الغموض لم يعد ذكاءً سياسيًا، بل صار شكلًا من أشكال التواطؤ مع الأزمة. غير أن هذا الإعلان ليس بلا ثمن؛ بل هو فعل مواجهة صريح على جبهتين متوازيتين: جبهة مجتمع فقد ثقته في السياسة ولم يعد يمنحها شرعية تلقائية، وجبهة أخرى أكثر تعقيدًا، تمثلها قوى لا يعنيها التغيير بقدر ما يعنيها الحفاظ على موقعها داخل “توازن” مصمم بعناية ليضمن لها التفوق الدائم. بين هاتين الجبهتين، يصبح الوضوح مخاطرة… لكنه أيضًا الشرط الوحيد لأي مصداقية ممكنة.
وهنا تحديدًا تنكشف المفارقة الأخطر: ما يُقدَّم باعتباره “توازنًا” ليس آلية لضمان الاستقرار، بل يتحول—في ممارسته الفعلية—إلى أداة لتعطيل التحول. إنه توازن لا يفتح المجال، بل يغلقه؛ لا يُنتج دينامية، بل يُجمّدها؛ لا يسمح ببروز بدائل حقيقية، بل يعيد تدوير نفس الفاعلين داخل صيغ تبدو جديدة وهي في جوهرها قديمة. وعند هذه النقطة، يفقد المفهوم براءته، ويتحول إلى سؤال صادم لا يمكن القفز عليه: هل نحن أمام توازن يحمي المسار… أم أمام توازن صُمم بدقة ليمنع تغيّره؟
في المقابل، انسحب المواطن—بهدوء لكن بحسم—من هذا النقاش كما يُدار اليوم. لم يعد ينتظر مآلات هذه التوازنات، لأنه لم يعد يرى فيها ما يمسه مباشرة. هو لا يعيش خرائط التحالفات، بل يعيش نتائجها—أو غياب هذه النتائج—في يومه العادي: في مدرسة لا تتحسن، في إدارة لا تتبسط، في فرص لا تتوسع. ومن هنا، فإن كل خطاب عن “تصحيح” لا يترجم نفسه إلى أثر ملموس داخل هذه التفاصيل، يُستقبل لا كأفق للتغيير، بل كخطاب موازٍ للواقع، يدور بجانبه دون أن يلامسه. وهذا أخطر أشكال الانفصال: أن تستمر السياسة في الكلام… بينما يتوقف الواقع عن الإصغاء.
هنا تحديدًا يتشكل أخطر أنواع الانفصال: ليست المشكلة أن السياسة لا تتحرك، بل أنها تتحرك خارج مدار الإحساس العام. هناك دينامية تُعرض، قرارات تُتخذ، ومؤسسات تشتغل بإيقاع يبدو منتظمًا، لكن دون أن تُنتج ذلك الشعور البسيط والحاسم لدى المواطن: أن شيئًا ما تغيّر فعلًا في حياته. وهذا أخطر من الجمود نفسه، لأن الجمود يُرى ويُسمّى، أما هذا الوضع فيُنتج وهم الحركة. نتحرك كثيرًا، نُعلن كثيرًا، نُخطط كثيرًا… لكننا، في العمق، نظل في نفس النقطة، ندور حولها دون أن نغادرها. وهنا تتحول السياسة من قوة تغيير إلى آلية لإدارة الإحساس بالتغيير، لا التغيير ذاته.
ما يجعل هذه اللحظة حاسمة ليس ما يُقال فيها، بل ما يُؤجَّل منها عمدًا أو خوفًا. لأن ما لا يُطرح الآن لن يختفي، بل سيتضخم. كل سؤال مؤجل يتحول إلى فجوة أوسع، وكل تناقض غير محسوم يتحول إلى عبء أثقل. وهنا تحديدًا تتضاعف مسؤولية الخط الذي يقدّم نفسه كبديل أو كأفق تحرري: لم يعد كافيًا أن يلمّح أو يناور، بل أصبح مطالبًا بالحسم، بالوضوح، وبالجرأة في تسمية الأشياء كما هي. لأن تفادي المواجهة مع جوهر الأزمة لا يحلها، بل يعيد إنتاجها في صيغ أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للمعالجة لاحقًا.
التصحيح الحقيقي—إذا كان هذا هو الرهان فعلًا—لن يأتي من إعادة ترتيب نفس العناصر داخل نفس القواعد، بل من كسر القاعدة نفسها. من تموقع جريء لا يكتفي بتدبير التوازنات، بل يعيد تعريفها أو يتجاوزها. من الانتقال من سياسة تُدار بمنطق “من يتحالف مع من” إلى سياسة تُقاس بمنطق “ماذا يجب أن يغيّر فعلًا في حياة الناس”. من هندسة مشهد سياسي مغلق على ذاته، إلى إعادة ربطه بنبض المجتمع الحقيقي. لأن هناك قضايا كبرى يُراد لها أن تبقى في منطقة التأجيل الدائم: تعليم لا يُحسم مساره، صحة لا تُبنى على أساس الكرامة، عدالة مجالية واجتماعية تُؤجل باسم التدرج، شباب يعيش بطالة مؤجلة أو هجرة صامتة، فلاح صغير وعامل بسيط خارج دوائر الأولوية الفعلية. هذه ليست ملفات تقنية… بل اختبارات مباشرة لصدق أي ادعاء بالتغيير.
لكن هذا التموقع ليس مجانيًا، بل له كلفة سياسية حقيقية. لأنه يعني مغادرة مناطق الراحة التي اعتادت عليها الفاعليات، والتخلي عن يقينيات قديمة كانت تمنح شعورًا بالتحكم، حتى إن كان محدود الأثر.
يعني أيضًا التخلي عن أدوات أثبتت قدرتها على ضمان نتائج محسوبة، لكنها لم تُنتج تحولًا حقيقيًا. هو دخول واعٍ إلى منطقة أقل قابلية للضبط، لكنها أكثر صدقًا مع الواقع. وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: هل هناك استعداد فعلي لتحمل هذه الكلفة؟ أم أن الإغراء بالاستمرار في نفس المنطق—مع بعض التعديلات الشكلية—سيكون أقوى؟
إذا لم يحدث هذا التحول، فالسيناريو لا يحتاج إلى كثير من التوقع. سنكون أمام إعادة إنتاج دقيقة للتوازنات نفسها، مع تحسينات تجميلية تمنح الانطباع بالجِدّة. سنرى وجوهًا تتحرك، وتحالفات تتبدل، وخطابات تتطور، لكن داخل نفس الشفرة التي تحكم اللعبة. وستُقدَّم النتائج كتحول سياسي، بينما هي في جوهرها استمرار مُحسَّن لنفس المنطق الذي أنتج الأزمة.
أما إذا حدث العكس—وهو احتمال صعب، لكنه ممكن، بل هو الوحيد ذو الأثر الحقيقي—فقد نكون أمام لحظة تأسيس مختلفة. لحظة لا تُقاس فيها السياسة بقدرتها على الإقناع الخطابي، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس. لحظة يُعاد فيها بناء العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس التجربة اليومية، لا على أساس الوعود الكبرى. عندها فقط، لن تكون النتائج مجرد أرقام أو مقاعد، بل مؤشرات على تقلص فعلي للفجوة بين ما يُقال وما يُعاش.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل نحن أمام انتخابات قادمة؟ بل: هل نحن أمام فرصة نادرة لإعادة مساءلة أنفسنا سياسيًا، أم أمام تمرين جديد في إدارة الاستمرارية بنفس الأدوات القديمة؟ لأن الفارق بين المسارين لا يُقاس بنتائج الصناديق، بل بجرأة الاعتراف بأن ما كان يُقنع بالأمس، لم يعد كافيًا اليوم… وأن الاستمرار في إنكار هذا التحول هو، في حد ذاته، أخطر أشكال الأزمة.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
ما قبل الانتخابات:
هل المغرب أمام لحظة تصحيح سياسي أم إعادة إنتاج التوازنات؟
بقلم: د. محمد السنوسي (*)
- بين وهم التغيير وإعادة إنتاج المنطق القديم
ليس السؤال هنا بريئًا كما يبدو، ولا هو تقني كما يُقدَّم. نحن لا نسأل فقط: هل ستتغير الخريطة السياسية؟ بل نسأل، دون أن نجرؤ على التصريح: هل نحن بصدد تصحيح مسار… أم بصدد إتقان إعادة إنتاجه؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نفشل في التغيير، بل أن نُقنع أنفسنا أننا نجحنا فيه بينما نحن نُعيد تدوير نفس المنطق.
في الظاهر، تبدو الحركة كثيفة إلى حد الإقناع: مشاورات لا تهدأ، اصطفافات يعاد رسمها، أوراق تُخلط بمهارة، وخطاب—على الأقل لدى بعض الفاعلين الذين يصطفون في الخط التحرري ويراهنون على المستقبل—يحاول أن يرتقي بنبرته ويستجيب لوعي جديد يتشكل. كل شيء يوحي بأن هناك دينامية حقيقية تتقدم إلى الأمام. غير أن ما يفرضه علينا الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والصرامة العلمية هو أن لا ننخدع بسهولة بهذا الإيقاع الظاهر؛ لأن ما يتحرك على السطح لا يعني بالضرورة أن ما في العمق قد تغير. بل على العكس، كل المؤشرات الخفية توحي بأن شيئًا أكثر ثباتًا—وأكثر إزعاجًا—ما يزال يحكم المشهد: نفس القواعد غير المعلنة التي تضبط التفاعلات، نفس البنية الذهنية التي تختزل السياسة في لعبة توازنات تُدار وتُحسَب، لا في مشروع معنى يُبنى ويُختبر. هنا تحديدًا ينشأ الالتباس الذي يهدد بجرّنا إلى استنتاجات متسرعة: هل نحن فعلًا أمام بداية تحول في العمق، أم أننا فقط أمام إعادة صياغة أكثر أناقة لنفس المنطق القديم؟
التصحيح السياسي، في جوهره، ليس تغيير مواقع بل تغيير منطق. ليس إعادة توزيع للأدوار، بل إعادة تعريف للوظائف. هو لحظة يُعاد فيها طرح الأسئلة التي تم تأجيلها طويلًا: لماذا فقدت السياسة قدرتها على الإقناع؟ لماذا اتسعت المسافة بين المؤسسات والمجتمع؟ ولماذا أصبح المواطن يتابع السياسة كما يتابع شيئًا لا يعنيه إلا بشكل عابر؟ إذا لم تُطرح هذه الأسئلة الآن، فمتى؟
2. صراع المنطقين: بين تكريس الغموض ومحاولة بناء الثقة
ما يجري اليوم لا يختبئ، بل يعيد تقديم نفسه في صيغة أكثر قابلية للتسويق، أكثر نعومة في الشكل، وأشد التباسًا في الجوهر. لكن خلف هذا الإخراج المتقن، تتضح معالم معركة حقيقية تُخاض داخل المجتمع، لا تُعلن صراحة لكنها تُمارس يوميًا: معركة بين قوى تُراهن على تكريس الغموض لأنه يخدم استمرارها، وقوى أخرى—أقل عددًا وأثقل مسؤولية—تحاول شق مسار تحرري يقف بوضوح إلى جانب مجتمع أنهكه فقدان الثقة في السياسة.
قوى تكريس الغموض لا تعمل بالصدفة، بل بمنطق محسوب بدقة. هي لا تسعى إلى التقدم بقدر ما تُتقن الهروب إلى الأمام. تُكثّف حضورها بدل أن تُسائل معناه، ترفع منسوب خطابها بدل أن تختبر صدقه، وتوسّع تحالفاتها بدل أن تُخضعها لمعيار الانسجام. كل شيء يُدار بمنطق الإغراق: إغراق الفضاء العام بالكلام، بالصور، بالوعود، حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصنّع. كأن الهدف لم يعد حل أزمة الثقة، بل تذويبها داخل ضجيج متواصل يمنعها من أن تُطرح بوضوح.
في المقابل، تقف قوى أخرى في موقع أكثر تعقيدًا، لأنها لا تملك ترف الغموض. هي مطالبة بأن تكون واضحة في زمن الالتباس، صريحة في سياق يُكافئ المواربة. هذه القوى لا تخوض معركتها فقط داخل المؤسسات، بل داخل الوعي العام نفسه: تحاول إعادة ربط السياسة بمعناها الأصلي كخدمة للمجتمع، لا كإدارة للتوازنات. وهي تدرك أن رهانها الحقيقي ليس كسب مواقع سريعة، بل استعادة ثقة تآكلت عبر سنوات من التراكمات السلبية.
لكن المفارقة أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بالحضور أو الموارد، بل أيضًا بطبيعة الرهان. قوى الغموض تستفيد من الوضع القائم، ولذلك تدافع عنه—حتى وهي تدّعي تغييره. أما قوى الخط التحرري، فهي تُجبر على المواجهة في ظروف أصعب، لأنها تصطدم بجدارين في آن واحد: جدار الشك الشعبي الذي لم يعد يمنح ثقته بسهولة، وجدار مصالح راسخة ترى في أي وضوح تهديدًا مباشرًا لها.
هنا تتخذ المعركة طابعها الحقيقي: ليست صراعًا بين برامج، بل بين منطقين. منطق يُعيد إنتاج الأزمة لأنه يعيش منها، ومنطق يسعى إلى كسرها لأنه يدفع كلفتها. الأول يُراهن على إطالة عمر الالتباس، والثاني يُراهن على كشفه. الأول يُدير الأزمة، والثاني يريد إنهاءها.
وفي قلب هذا الصراع، يُترك المواطن أمام اختبار قاسٍ: ليس فقط أن يختار بين عروض سياسية، بل أن يميّز بين خطاب يُحاول إقناعه، وخطاب يُحاول أن يكون صادقًا معه—حتى إن كان أقل بريقًا. لأن ما يُبنى على الغموض قد يربح جولة، لكنه لا يبني ثقة. وما يُبنى على الوضوح قد يواجه صعوبة في البداية، لكنه وحده القادر على إحداث تحول حقيقي.
لذلك، فإن ما نعيشه اليوم ليس مجرد لحظة سياسية عابرة، بل مفترق طرق فعلي: إما أن تنتصر قوى تكريس الغموض، فنواصل الدوران داخل نفس الحلقة، مع مزيد من الإتقان في الإخراج؛ أو أن تنجح قوى الخط التحرري في فرض منطق مختلف، يعيد للسياسة معناها، وللمجتمع ثقته. وما بين المسارين، لا يتعلق الأمر فقط بمن سيفوز… بل بأي مستقبل نختار أن نعيش فيه.
3. كلفة الوضوح وإمكانية التحول الحقيقي
في هذا السياق، لا يعود مقبولًا الاختباء خلف العموميات أو اللعب على الحواف. من يراهن فعلًا على المستقبل مطالب اليوم—لا غدًا—بأن يعلن بوضوح: ما هو خط المعنى الذي يسلكه؟ ما هي الفلسفة التي تحكم اختياراته؟ لأن الغموض لم يعد ذكاءً سياسيًا، بل صار شكلًا من أشكال التواطؤ مع الأزمة. غير أن هذا الإعلان ليس بلا ثمن؛ بل هو فعل مواجهة صريح على جبهتين متوازيتين: جبهة مجتمع فقد ثقته في السياسة ولم يعد يمنحها شرعية تلقائية، وجبهة أخرى أكثر تعقيدًا، تمثلها قوى لا يعنيها التغيير بقدر ما يعنيها الحفاظ على موقعها داخل “توازن” مصمم بعناية ليضمن لها التفوق الدائم. بين هاتين الجبهتين، يصبح الوضوح مخاطرة… لكنه أيضًا الشرط الوحيد لأي مصداقية ممكنة.
وهنا تحديدًا تنكشف المفارقة الأخطر: ما يُقدَّم باعتباره “توازنًا” ليس آلية لضمان الاستقرار، بل يتحول—في ممارسته الفعلية—إلى أداة لتعطيل التحول. إنه توازن لا يفتح المجال، بل يغلقه؛ لا يُنتج دينامية، بل يُجمّدها؛ لا يسمح ببروز بدائل حقيقية، بل يعيد تدوير نفس الفاعلين داخل صيغ تبدو جديدة وهي في جوهرها قديمة. وعند هذه النقطة، يفقد المفهوم براءته، ويتحول إلى سؤال صادم لا يمكن القفز عليه: هل نحن أمام توازن يحمي المسار… أم أمام توازن صُمم بدقة ليمنع تغيّره؟
في المقابل، انسحب المواطن—بهدوء لكن بحسم—من هذا النقاش كما يُدار اليوم. لم يعد ينتظر مآلات هذه التوازنات، لأنه لم يعد يرى فيها ما يمسه مباشرة. هو لا يعيش خرائط التحالفات، بل يعيش نتائجها—أو غياب هذه النتائج—في يومه العادي: في مدرسة لا تتحسن، في إدارة لا تتبسط، في فرص لا تتوسع. ومن هنا، فإن كل خطاب عن “تصحيح” لا يترجم نفسه إلى أثر ملموس داخل هذه التفاصيل، يُستقبل لا كأفق للتغيير، بل كخطاب موازٍ للواقع، يدور بجانبه دون أن يلامسه. وهذا أخطر أشكال الانفصال: أن تستمر السياسة في الكلام… بينما يتوقف الواقع عن الإصغاء.
هنا تحديدًا يتشكل أخطر أنواع الانفصال: ليست المشكلة أن السياسة لا تتحرك، بل أنها تتحرك خارج مدار الإحساس العام. هناك دينامية تُعرض، قرارات تُتخذ، ومؤسسات تشتغل بإيقاع يبدو منتظمًا، لكن دون أن تُنتج ذلك الشعور البسيط والحاسم لدى المواطن: أن شيئًا ما تغيّر فعلًا في حياته. وهذا أخطر من الجمود نفسه، لأن الجمود يُرى ويُسمّى، أما هذا الوضع فيُنتج وهم الحركة. نتحرك كثيرًا، نُعلن كثيرًا، نُخطط كثيرًا… لكننا، في العمق، نظل في نفس النقطة، ندور حولها دون أن نغادرها. وهنا تتحول السياسة من قوة تغيير إلى آلية لإدارة الإحساس بالتغيير، لا التغيير ذاته.
ما يجعل هذه اللحظة حاسمة ليس ما يُقال فيها، بل ما يُؤجَّل منها عمدًا أو خوفًا. لأن ما لا يُطرح الآن لن يختفي، بل سيتضخم. كل سؤال مؤجل يتحول إلى فجوة أوسع، وكل تناقض غير محسوم يتحول إلى عبء أثقل. وهنا تحديدًا تتضاعف مسؤولية الخط الذي يقدّم نفسه كبديل أو كأفق تحرري: لم يعد كافيًا أن يلمّح أو يناور، بل أصبح مطالبًا بالحسم، بالوضوح، وبالجرأة في تسمية الأشياء كما هي. لأن تفادي المواجهة مع جوهر الأزمة لا يحلها، بل يعيد إنتاجها في صيغ أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للمعالجة لاحقًا.
التصحيح الحقيقي—إذا كان هذا هو الرهان فعلًا—لن يأتي من إعادة ترتيب نفس العناصر داخل نفس القواعد، بل من كسر القاعدة نفسها. من تموقع جريء لا يكتفي بتدبير التوازنات، بل يعيد تعريفها أو يتجاوزها. من الانتقال من سياسة تُدار بمنطق “من يتحالف مع من” إلى سياسة تُقاس بمنطق “ماذا يجب أن يغيّر فعلًا في حياة الناس”. من هندسة مشهد سياسي مغلق على ذاته، إلى إعادة ربطه بنبض المجتمع الحقيقي. لأن هناك قضايا كبرى يُراد لها أن تبقى في منطقة التأجيل الدائم: تعليم لا يُحسم مساره، صحة لا تُبنى على أساس الكرامة، عدالة مجالية واجتماعية تُؤجل باسم التدرج، شباب يعيش بطالة مؤجلة أو هجرة صامتة، فلاح صغير وعامل بسيط خارج دوائر الأولوية الفعلية. هذه ليست ملفات تقنية… بل اختبارات مباشرة لصدق أي ادعاء بالتغيير.
لكن هذا التموقع ليس مجانيًا، بل له كلفة سياسية حقيقية. لأنه يعني مغادرة مناطق الراحة التي اعتادت عليها الفاعليات، والتخلي عن يقينيات قديمة كانت تمنح شعورًا بالتحكم، حتى إن كان محدود الأثر.
يعني أيضًا التخلي عن أدوات أثبتت قدرتها على ضمان نتائج محسوبة، لكنها لم تُنتج تحولًا حقيقيًا. هو دخول واعٍ إلى منطقة أقل قابلية للضبط، لكنها أكثر صدقًا مع الواقع. وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: هل هناك استعداد فعلي لتحمل هذه الكلفة؟ أم أن الإغراء بالاستمرار في نفس المنطق—مع بعض التعديلات الشكلية—سيكون أقوى؟
إذا لم يحدث هذا التحول، فالسيناريو لا يحتاج إلى كثير من التوقع. سنكون أمام إعادة إنتاج دقيقة للتوازنات نفسها، مع تحسينات تجميلية تمنح الانطباع بالجِدّة. سنرى وجوهًا تتحرك، وتحالفات تتبدل، وخطابات تتطور، لكن داخل نفس الشفرة التي تحكم اللعبة. وستُقدَّم النتائج كتحول سياسي، بينما هي في جوهرها استمرار مُحسَّن لنفس المنطق الذي أنتج الأزمة.
أما إذا حدث العكس—وهو احتمال صعب، لكنه ممكن، بل هو الوحيد ذو الأثر الحقيقي—فقد نكون أمام لحظة تأسيس مختلفة. لحظة لا تُقاس فيها السياسة بقدرتها على الإقناع الخطابي، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس. لحظة يُعاد فيها بناء العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس التجربة اليومية، لا على أساس الوعود الكبرى. عندها فقط، لن تكون النتائج مجرد أرقام أو مقاعد، بل مؤشرات على تقلص فعلي للفجوة بين ما يُقال وما يُعاش.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل نحن أمام انتخابات قادمة؟ بل: هل نحن أمام فرصة نادرة لإعادة مساءلة أنفسنا سياسيًا، أم أمام تمرين جديد في إدارة الاستمرارية بنفس الأدوات القديمة؟ لأن الفارق بين المسارين لا يُقاس بنتائج الصناديق، بل بجرأة الاعتراف بأن ما كان يُقنع بالأمس، لم يعد كافيًا اليوم… وأن الاستمرار في إنكار هذا التحول هو، في حد ذاته، أخطر أشكال الأزمة.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
