
بقلم: د. محمد السنوسي(*)
لم تعد التحديات التي يواجهها المغرب اليوم قابلة للاختزال في أرقام النمو أو مؤشرات الأداء، بقدر ما تعكس تحوّلًا أعمق يمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان والسياسة. فخلف دينامية المشاريع والإصلاحات، يتسلل سؤال أكثر هدوءًا وأكثر إلحاحًا: ما معنى كل هذا بالنسبة للمواطن؟
هذا التحول ليس عرضيًا، بل هو تعبير عن انتقال من مرحلة كانت فيها الدولة مطالبة بالإنجاز، إلى مرحلة أصبحت مطالبة فيها بتبرير معنى هذا الإنجاز. فالأرقام، مهما بلغت قوتها، تظل لغة تقنية، بينما يعيش الإنسان بلغة مختلفة، لغة التجربة اليومية: كلفة المعيشة، جودة الخدمات، الإحساس بالكرامة، وإمكانية الحلم.
وهنا يظهر التوتر: الدولة تتحدث بلغة المؤشرات، والمجتمع يستقبل بلغة الإحساس. وكلما اتسعت المسافة بين اللغتين، برزت أزمة المعنى.
أولًا: جدلية الثقة والمعنى — من منطق الإنجاز إلى منطق الإحساس
لم تعد الثقة تُشتقّ من حصيلة الإنجاز في ذاتها، بل من قدرتها على التحول إلى تجربة معيشة. فالفعل السياسي، مهما بلغت دقته ونجاعته، يظل معلقًا في الفراغ ما لم يجد امتداده داخل الوعي اليومي للمواطن. هنا تنكسر العلاقة التقليدية بين “ما يُنجز” و“ما يُصدَّق”، لأن الصدقية لم تعد نتيجة تلقائية للإنجاز، بل مشروطة بإنتاج معنى قابل للتملك.
المشكلة لا تكمن في نقص المشاريع، بل في المسافة التي تفصلها عن الإدراك الحي. الطريق التي تختصر الزمن بين المدن، تظل بالنسبة لمن هو خارج شروط الاستفادة منها مجرد خط إسفلتي لا يعبر حياته. الإنجاز قائم، لكنه لا يمر عبر تجربته، لا يلامس حاجته، ولا يعيد تشكيل أفقه. بذلك يفقد الإنجاز طاقته الرمزية، ويتحول إلى معطى تقني بلا أثر وجودي.
الأمر نفسه ينسحب على السياسات العمومية حين تُبنى كأنها مكتفية بذاتها. البرنامج الذي لا يُفهم، أو يُدرك كأنه موجه لغير من يعيشونه، لا يُستقبل كفرصة بل كإشارة على الإقصاء. هنا لا يعود الخلل في غياب الفعل، بل في انقطاع العلاقة بين الفعل وموضوعه. السياسة تشتغل، لكن خارج من يفترض أنها تشتغل لأجله.
الثقة، في هذا السياق، ليست حكمًا ذهنيًا بقدر ما هي حالة شعورية مركبة. إنها تتشكل حين يشعر الفرد أن ما يُبنى حوله يمر عبره، يعترف به، ويعيد إدراجه داخل المعادلة. وحين يغيب هذا الشعور، لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل يبدأ تآكل صامت: تتراجع القابلية للتصديق، ويتحول الإنجاز من عنصر طمأنة إلى عنصر حياد، وربما إلى مصدر نفور.
من هنا يتضح أن الرهان لم يعد في مضاعفة الإنتاج السياسي، بل في إعادة ربطه بأفق المعنى. أي في جعل كل فعل عمومي قابلًا لأن يُعاش، لا فقط أن يُعلن. فالمواطن لا يقيس السياسة بما تحققه في ذاتها، بل بما تفتحه داخله من إحساس بالمشاركة والاعتراف. وفي غياب هذا التحول، تظل السياسة تدور بكفاءة، لكنها تدور خارج الإنسان.
ثانيًا: جدلية الفعالية والشرعية — حين تتقدم الآلة ويتأخر الإنسان
لم تعد الفعالية، في معناها التقني، ضمانة كافية لإنتاج الأثر السياسي. فهي، وإن حققت أهدافها الإجرائية، قد تفشل في تحقيق وظيفتها الأعمق: بناء القبول والانخراط. ذلك أن الفعل العمومي لا يُقاس فقط بسرعة إنجازه، بل بمدى اندماجه في النسيج الحي للمجتمع.
حين تتسارع الإدارة، وتُختصر المساطر، وتُرقمن الخدمات، يبدو المشهد من زاوية المؤسسات ناجحًا ومُحكمًا. غير أن هذا التسارع نفسه قد يتحول، في مستوى آخر، إلى فجوة. فالمواطن الذي يقف خارج شروط هذا التحول—لضعف في الإمكانات أو في الوسائل—لا يعيش الفعالية كتيسير، بل كإزاحة غير مرئية. وهنا تتكشف مفارقة دقيقة: ما يُبنى كأداة إدماج قد يُنتج، في غياب الانتباه، أثرًا عكسيًا.
الأمر لا يرتبط فقط بالأدوات، بل بمنطق البناء ذاته. حين تُصاغ السياسات اعتمادًا على معطيات دقيقة ونماذج حسابية محكمة، لكنها تنفصل عن التجربة المعيشة، فإنها تظل معلقة في مستوى تجريدي. تبدو متماسكة في بنيتها، لكنها لا تجد امتدادها في الواقع. فتتشكل بذلك مسافة بين “سياسة تُفكَّر” و“حياة تُعاش”، مسافة تُضعف الأثر حتى وإن لم تُضعف التصميم.
في هذا السياق، تتجاوز الشرعية معناها الإجرائي لتغدو تجربة يومية. إنها لا تُختزل في لحظة انتخابية أو في نص قانوني، بل تتشكل في تفاصيل العلاقة بين المواطن والمؤسسة: في قدرته على الفهم، في إحساسه بأن صوته مُعتبر، وفي إدراكه أن القرار لا ينزل عليه جاهزًا، بل يتكوّن في أفق يشمله.
الفعالية، حين تنفصل عن هذه الشرعية، تفقد بعدها الإنساني. تتحول إلى نظام يعمل بدقة، لكنه لا يُنتج الانتماء. تُنجز الوظائف، لكن دون أن تُولد القناعة. وهنا لا يكون الخلل في نقص الأداء، بل في غياب الصلة. فالمؤسسات قد تتقدم في أدائها، بينما يتراجع حضورها في الوعي.
من ثم، لا يكفي أن تعمل الآلة بكفاءة، بل يجب أن يُعاد إدراج الإنسان داخل حركتها. لأن السياسة، في جوهرها، لا تُقاس فقط بما تحققه، بل بما تُقنع به. وإذا غابت القناعة، ظل الإنجاز قائمًا… لكنه معلق، بلا أثر مكتمل.
ثالثًا: جدلية العدالة والانتماء — حين يصبح الإنصاف شرط الوجود المشترك
لم يعد الاستقرار يُقاس بغياب التوتر فقط، بل بوجود شعور عميق بالإنصاف يسري داخل المجتمع. فالهدوء الظاهري قد يخفي تحته توترات صامتة، تتغذى من إحساس غير مُعلن بأن الفرص لا تتوزع بالقدر نفسه، وأن المستقبل لا يُفتح للجميع بالكيفية ذاتها. هنا تتحول العدالة من مبدأ قانوني إلى تجربة وجودية تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
لم تعد العدالة محصورة في إعادة توزيع الموارد، بل اتسعت لتشمل توزيع الإمكانات نفسها: إمكان التعلم، إمكان التقدم، إمكان الحلم. الفارق بين مسارين تعليميين داخل نفس الفضاء الوطني لا يُختزل في جودة البنية أو المناهج، بل يمتد ليصنع فجوة في الأفق. طفلان ينطلقان من نقطة اسمها “الوطن”، لكنهما لا يسيران نحو المستقبل بنفس السرعة ولا بنفس الحظوظ. في هذه اللحظة، لا يعود الاختلاف تقنيًا، بل يتحول إلى تفاوت في الحق في الممكن.
وفي مجال الشغل، لا يتجلى الخلل فقط في قلة الفرص، بل في غموض قواعد الوصول إليها. حين يُدرك الفرد أن الجهد لا يكفي وحده، وأن المسارات لا تخضع دائمًا لمنطق واضح، يتولد شعور أكثر تعقيدًا من مجرد الإحباط. إنه إحساس بأن النظام نفسه لا يضمن تكافؤ الانطلاق، وأن النتائج لا تعكس دائمًا الاستحقاق. هذا الإدراك، حين يتكرر، يعيد تشكيل نظرة الفرد إلى موقعه داخل الجماعة.
الانتماء، في هذا السياق، لا ينهار بشكل مباشر، بل يدخل في حالة تآكل تدريجي. لا يختفي الارتباط بالوطن، لكنه يفقد صلابته، لأن السؤال يصبح ضمنيًا: هل هذا الفضاء يتسع لي بشكل عادل؟ وحين يظل الجواب معلقًا، يتحول الانتماء من يقين إلى احتمال.
بهذا المعنى، لا تعود العدالة مطلبًا قطاعيًا أو شعارًا سياسيًا، بل تصبح شرطًا بنيويًا لاستمرار التماسك. إنها ما يمنح الأفراد الإحساس بأنهم جزء من قصة مشتركة، لا مجرد متجاورين داخل نفس المجال. وحين تضعف، لا يتأثر التوازن الاجتماعي فقط، بل يتصدع الإطار الرمزي الذي يمنح المجتمع معناه.
العدالة، إذن، ليست ترفًا يمكن تأجيله، بل ضرورة تُعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان ومحيطه. إنها ما يجعل الثقة ممكنة، والانتماء قابلًا للاستمرار، والمستقبل مفتوحًا كأفق مشترك لا كامتياز محدود.
الاستحقاقات المقبلة: لحظة وعي تكشف حدود السياسة ومعناها
في امتداد هذه الجدليات، تتغير طبيعة الاستحقاقات التشريعية المقبلة. لم تعد مجرد آلية دورية لإعادة توزيع المواقع، بل لحظة مكثفة ينكشف فيها عمق العلاقة بين السياسة والإنسان. إنها لحظة لا تختبر فقط القدرة على الحشد، بل القدرة على الفهم؛ لا تقيس حجم الأصوات بقدر ما تكشف نوعية الوعي الذي يحركها.
لم يعد الرهان محصورًا في كسب المقاعد، لأن الفوز في ذاته لم يعد كافيًا لإنتاج الشرعية. ما يُختبر اليوم هو شيء أكثر دقة: هل الفاعل السياسي قادر على قراءة التحولات الصامتة التي تعيد تشكيل المجتمع؟ هل يمتلك الحس الذي يمكنه من التقاط ما لا يُقال بوضوح، لكنه يُعاش يوميًا؟
الناخب لم يعد يتفاعل مع الخطاب في صيغته العامة والمجردة، لأنه لم يعد يعيش واقعه بهذه الطريقة. لقد أصبح أكثر التصاقًا بتفاصيل حياته، أكثر حساسية للفوارق الدقيقة التي تصنع يومه، وأكثر وعيًا بالمسافة بين القول والفعل. لذلك لم يعد السؤال الذي يطرحه سؤالًا برامجيًا خالصًا، بل سؤالًا وجوديًا في عمقه: هل يُفهم ما أعيشه، أم يُعاد الحديث عني دوني؟
في هذا السياق، يتخذ التحدي طابعًا مزدوجًا:
تحدي إدراك التحولات الاجتماعية في عمقها، لا في مظاهرها فقط،
وتحدي ترجمة هذا الإدراك إلى خطاب ومشروع لا يكتفي بالاقتراح، بل يحمل معنى قابلًا للتصديق.
هنا، لا يُختبر الذكاء السياسي فقط في قدرته على البناء النظري، بل في صدقه. لأن الفارق بين خطاب يُقنع وآخر يمر دون أثر، لم يعد في صياغته، بل في صدقيته. والسياسة، حين تفقد هذا البعد، تفقد قدرتها على النفاذ إلى الإنسان.
المغرب الممكن: إعادة طرح السؤال بدل الاكتفاء بالجواب
“المغرب الممكن” لا يتحدد بما يُعرض من برامج، بل بكيفية صياغة السؤال الذي يُنتج هذه البرامج. فالمشكلة لم تعد في نقص الحلول، بل في طبيعة العلاقة التي تُبنى حولها. كل تصور لا ينطلق من إعادة وصل الإنسان بالفعل السياسي، يظل معرضًا لأن يبقى خارجيًا عنه، مهما بلغت دقته.
إن إعادة بناء هذه العلاقة تقتضي تحولًا في المنهج، لا في الأدوات فقط. الانتقال من منطق يعتبر القرار لحظة مكتملة تُتخذ ثم تُشرح، إلى منطق يعتبره مسارًا يُبنى عبر الإنصات. لأن ما يُفقد السياسة معناها ليس غياب الإجابات، بل غياب المشاركة في صياغتها.
لم تعد السياسة مطالبة بأن تخاطب كتلًا متجانسة، بل بأن تنصت لأفراد يحمل كل منهم تجربته الخاصة، قلقه، وانتظاره. ومن هنا، يصبح “المغرب الممكن” هو ذاك الذي لا يشعر فيه المواطن أنه موضوع للسياسة، بل أحد صانعيها. حيث لا يُختزل صوته في لحظة تصويت، بل يمتد كأثر داخل مسار القرار، وحيث لا يبدو مستقبله مفصولًا عن ما يُقرر باسمه.
خاتمة: المعنى كشرط لإمكان المستقبل
في هذا الأفق، يتغير موقع السؤال السياسي ذاته. لم يعد السؤال المؤسس هو كيف نُدبّر؟ بل لماذا نُدبّر، ولمن، وكيف يُعاش هذا التدبير في وعي الإنسان؟
التحدي لم يعد تقنيًا في جوهره، بل دلاليًا. ليس فقط في تحسين الواقع، بل في جعله قابلًا لأن يُفهم ويُحسّ ويُؤمن به. لأن الإنسان قد يتكيف مع الصعوبات، وقد يتحمل اختلالات الواقع، لكنه لا يستطيع أن يستمر داخل فضاء لا يجد فيه انعكاسًا لذاته.
حين يغيب هذا الانعكاس، يتحول الواقع إلى شيء خارجي، يُحتمل لكنه لا يُحتضن. ومن هنا، تصبح استعادة المعنى ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية عميقة، لأنها وحدها ما يعيد إدماج الإنسان داخل ما يُبنى حوله.
المستقبل، في نهاية الأمر، لا يُقاس بما يُخطط له فقط،
بل بمدى شعور الإنسان بأنه معني به.
و“المغرب الممكن” يبدأ من هذه اللحظة تحديدًا:
حين يتوقف المواطن عن الإحساس بأنه على الهامش،
ويبدأ في إدراك أنه جزء من الحكاية… لا خارجها.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
