
بقلم: د: محمد السنوسي..
من موقع المسؤولية، لا من موقع الحياد، ومن منطلق الغيرة على هذا الوطن، لا من موقع المراقبة الباردة، أقولها بوضوح: نحن أمام لحظة حاسمة، لا تحتمل التردد ولا تبرر الصمت. الاستحقاقات التشريعية المقبلة ليست موعدًا عاديًا، بل اختبارًا جماعيًا: إما أن نعيد إنتاج نفس الفشل، أو نمتلك الجرأة لنكسره.
لقد تعوّدنا، للأسف، على مشهد انتخابي مملّ ومقلق في الآن نفسه: مشاركة ضعيفة، نفوذ قوي للمال والزبونية، ونتائج لا تعكس إرادة مجتمع بقدر ما تعكس ميزان قوى مختلّ. لكن الحقيقة التي نتهرب منها هي أن هذا المشهد لا يُفرض علينا فقط… بل نحن، بصمتنا، نُسهم في صناعته.
هنا يكمن منطق المأزق.
لكن هذا المأزق ليس أزمة انتخابات، ولا حتى أزمة تمثيلية بالمعنى الضيق للكلمة. ما نعيشه أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة في بنية العلاقة بين المجتمع والسياسة، بين المواطن والسلطة، بين الوعي والإرادة. إنها، في جوهرها، أزمة معنى سياسي: فقدان الإيمان بأن الفعل السياسي يمكن أن يُنتج أثرًا، وأن المشاركة يمكن أن تُعيد توزيع القوة داخل المجتمع.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيفوز؟ بل: من يملك شرعية أن يقرر من يفوز؟
هنا بالضبط، يبدأ الخلل… وهنا أيضًا يمكن أن يبدأ الإصلاح.
لقد تم اختزال النقاش العمومي، لسنوات، في نقد المال الانتخابي، وشبكات الزبونية، وضعف الأحزاب. وكلها عناصر حقيقية، لكنها لا تمثل إلا السطح الظاهر لبنية أعمق. لأن التركيز عليها وحدها يُنتج وهمًا مريحًا: أن السلطة تُصنع خارجنا، وأننا مجرد موضوع لها، لا فاعلون فيها.
بينما الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن السلطة في الأنظمة التمثيلية لا تقوم فقط على من يحكم، بل على من يُفوّض ومن ينسحب.
وهنا نصل إلى العقدة المركزية: ما يُسمى بـ”الكتلة الصامتة”.
الكتلة الصامتة: المفصل الخفي في معادلة السلطة
هذه الكتلة ليست مجرد فئة اجتماعية قابلة للتحديد الإحصائي أو التصنيف الديموغرافي، بل هي موقع بنيوي داخل المجال السياسي، يتشكل عند تقاطع الوعي المرتفع مع الانسحاب من الفعل. إنها تمثل ذلك الجزء من المجتمع الذي يمتلك أدوات الفهم النقدي، ويستوعب اختلالات التمثيل وآليات اشتغال السلطة، لكنه لا يحول هذا الإدراك إلى مشاركة سياسية فعلية.
وتتكون هذه الكتلة من طيف اجتماعي واسع وغير متجانس، يمكن رصده على الأقل في أربع دوائر كبرى:
- النخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية، التي تنتج خطاباً نقدياً عالياً حول السياسة، لكنها غالباً ما تختار موقع المراقب بدل موقع الفاعل.
- الشباب المتعلم، داخل الجامعات وسوق الشغل، الذين يمتلكون وعياً سياسياً رقمياً ونقدياً، لكنهم يفتقدون الثقة في قنوات التمثيل التقليدية.
- النساء الفاعلات اجتماعياً ومهنياً، اللواتي راكمْن حضوراً في التعليم والعمل والمجتمع المدني، دون أن ينعكس ذلك بشكل متناسب داخل المجال السياسي التمثيلي.
- الطبقة الوسطى الحضرية والفاعلون الاقتصاديون الصغار والمتوسطون، الذين يتأرجحون بين الوعي بمصالحهم المباشرة وبين فقدان الثقة في جدوى التأثير السياسي.
ورغم هذا التنوع، فإن ما يجمع هذه المكونات ليس الوضع الاجتماعي، بل نمط العلاقة مع السياسة: علاقة تقوم على المعرفة دون مشاركة، وعلى النقد دون انخراط، وعلى الإدراك دون تفويض.
وبهذا المعنى، فإن الكتلة الصامتة لا تقف خارج بنية السلطة، بل تحتل موقعًا داخليًا حساسًا فيها؛ لأنها عبر انسحابها من الفعل السياسي، تُساهم—من حيث لا تقصد—في إعادة إنتاج نفس موازين القوة التي تنتقدها. فالسلطة لا تُنتج فقط من داخل المؤسسات، بل أيضًا من خلال توزيع المشاركة أو الانسحاب منها، ومن خلال منطق الحضور والغياب داخل المجال الانتخابي نفسه.
إنها كتلة تعيش مفارقة حادة:
تفهم آليات الخلل… لكنها لا تدخل لتغييرها.
تنتقد التمثيل… لكنها لا تشارك في إعادة تشكيله.
وهنا نصل إلى مفهوم جوهري: التمثيل السياسي ليس انعكاسًا آليًا لإرادة المجتمع، بل هو نتيجة لتوازنات المشاركة داخله.
بمعنى آخر:
التمثيل لا يعكس من يفكر… بل من يشارك.
وهذا ما يُنتج ما يمكن تسميته بـ”الصندوق الخفي” للعملية السياسية. ليس صندوقًا مادياً، بل آلية غير مرئية لإعادة توزيع القوة قبل لحظة الاقتراع. حيث تتحول الشرعية من تعبير عن الإرادة العامة إلى نتيجة لغيابها.
فحين تنسحب الأغلبية، لا تُلغى الديمقراطية شكليًا، لكنها تُفرَّغ من مضمونها الفعلي. وتتحول من حكمٍ يُفترض أنه باسم الشعب، إلى حكمٍ لمن حضر بدل من يُفترض أن يُمثّل الشعب.
وهنا تحديدًا ينفتح المجال أمام سماسرة الانتخابات وفاعلي توظيف المال السياسي، لاستغلال هذا الفراغ وإعادة تشكيل النتائج خارج منطق التمثيل الحقيقي. فغياب الأغلبية الواعية لا يبقى حيادًا، بل يُنتج “شرعية” شكلية، لا تعكس المجتمع بقدر ما تعكس توازنات ضيقة لفائدة شبكات المصالح وقدرات التلاعب بمستقبل القرار العمومي.
من هنا، يجب إعادة التفكير في مفهوم العزوف.
العزوف ليس حيادًا.
وليس مجرد موقف احتجاجي.
بل هو، في التحليل الأخير، إعادة تفويض غير مباشر للسلطة القائمة.
إنه شكل سلبي من أشكال إنتاج الشرعية.
شرعية لا تقوم على القبول، بل على الغياب.
وهذا ما يجعل العزوف ليس فقط نتيجة للأزمة، بل أحد شروط استمرارها.
صحيح أن أسباب العزوف عميقة ومفهومة: أزمة ثقة، ضعف الوساطة، هشاشة الفاعلين السياسيين، شعور عام بانسداد الأفق. لكن تحويل هذه الأسباب إلى مبرر دائم للانسحاب، يُنتج مفارقة خطيرة:
وعي مرتفع يقود إلى شلل سياسي.
وهنا يتحول الوعي من أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج العجز.
التسجيل في اللوائح الانتخابية: لحظة تأسيس الفاعلية السياسية
لذلك، فإن المدخل الحقيقي للإصلاح لا يكمن فقط في إصلاح المؤسسات، بل في إعادة تأسيس الفاعلية السياسية داخل المجتمع. أي في إعادة ربط الوعي بالفعل، والنقد بالمشاركة، والرفض بالمبادرة.
وفي هذا السياق، تبرز لحظة غالبًا ما يُقلَّل من شأنها، رغم أنها تشكّل في العمق لحظة تأسيسية في بنية الشرعية السياسية: لحظة التسجيل في اللوائح الانتخابية.
فالتسجيل ليس مجرد إجراء إداري أو تقنية تنظيمية، بل هو في جوهره فعل إدماج في الحقل السياسي، وإعلان ضمني عن الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. إنه لحظة اعتراف بالذات كمكوّن داخل المعادلة السياسية، لا كعنصر خارجي يكتفي بالملاحظة أو النقد.
بهذا المعنى، يمثل التسجيل انتقالًا دقيقًا وحاسمًا:
من موقع “الموضوع” الذي تُمارس عليه السلطة، إلى موقع “الذات” التي تشارك—ولو بالحد الأدنى—في إنتاجها وتوزيعها.
ومن وضعية من يُحكَم باسمه، إلى وضعية من يملك جزءًا من حق تحديد من يحكمه.
ومن دون هذا الفعل الأولي، لا يمكن الحديث بشكل جدي لا عن تمثيل، ولا عن شرعية، ولا حتى عن نقد سياسي مكتمل الشروط؛ لأن النقد نفسه يفترض وجودًا داخل دائرة الفعل، لا خارجها.
ومن هنا تتضح الصلة العميقة بين هذا الفعل البسيط ظاهريًا وبين آلية إعادة إنتاج الشرعية.
فالشرعية في الأنظمة التمثيلية لا تستمد قوتها فقط من النصوص الدستورية أو من الخطاب المؤسساتي، بل من إحساس جماعي بأن النتائج السياسية هي امتداد لاختيار فعلي وواسع. لكن حين تتراجع الكتلة الصامتة عن المشاركة، فإن هذا الإحساس يُعاد تشكيله بشكل ناقص: شرعية تُبنى على مشاركة جزئية، ثم تُقدَّم باعتبارها تعبيرًا عن الكل.
هنا تحديدًا يحدث التحول الحاسم:
تتحول الشرعية من كونها تعبيرًا عن الإرادة العامة إلى كونها شرعية إجرائية مكتملة الشكل، لكنها منقوصة التمثيل.
إن من لا يسجل، لا ينسحب فقط من العملية الانتخابية، بل ينسحب—بشكل أعمق—من المجال الذي تُنتَج فيه الشرعية نفسها.
ومن ينسحب من هذا المجال، لا يترك فراغًا محايدًا، بل يتركه مفتوحًا أمام من يمتلك القدرة على التنظيم والتعبئة واغتنام غياب الآخرين، لا أمام من يمتلك بالضرورة أوسع شرعية تمثيلية.
وهكذا، يصبح التسجيل ليس مجرد خطوة أولى في مسار انتخابي، بل عتبة الدخول إلى فضاء إنتاج السلطة ذاتها
وهنا نفهم أن معركة الإصلاح ليست مجرد مواجهة مع الفساد بوصفه سلوكًا أو شبكات، بل هي في العمق مواجهة مع بنية الفراغ نفسها داخل المجال السياسي. لأن الفراغ في السياسة لا يبقى حيّزًا محايدًا أو معلقًا؛ بل هو فضاء دائم الامتلاء، إما بإرادة واعية ومنخرطة، أو بمصالح منظمة تتقن استثمار الغياب أكثر مما تتقن إقناع الحضور.
إن تغيير هذا الواقع لا يبدأ يوم التصويت، بل يسبق ذلك بكثير، في اللحظة التي تُعاد فيها صياغة علاقة الفرد بالفعل السياسي: حين تقرر الكتلة الصامتة أن تنتقل من حالة الكمون إلى حالة الفعل، ومن موقع المراقبة إلى موقع التأثير، ولو بالحد الأدنى.
غير أن الأهم هنا هو فهم البنية العميقة لهذا الصمت، لا الاكتفاء بوصفه عزوفًا أو لامبالاة. فبعبارة أدق، يمكن قراءة الكتلة الصامتة بوصفها شكلًا من “السلطة السلبية”؛ أي سلطة لا تمارس الفعل المباشر، بل تمارس أثرها عبر الامتناع نفسه، وعبر الانسحاب من دائرة القرار. إنها سلطة لا تُرى لأنها لا تُنتج خطابًا ولا تمارس ضغطًا مباشرًا، لكنها مع ذلك تُعيد تشكيل ميزان القوى عبر ترك المجال فارغًا لمن يملكه تنظيمًا وموارد وقدرة على الحضور المكثف.
ومن هنا، تتضح علاقتها العميقة بمنطق إعادة إنتاج الشرعية.
فالشرعية السياسية، في الأنظمة التمثيلية، لا تُبنى فقط على النصوص الدستورية أو على سلامة الإجراءات، بل على توازن دقيق بين المجتمع ومظاهر تمثيله. غير أن انسحاب جزء واسع من المجتمع من الفعل الانتخابي يؤدي إلى انزياح هذا التوازن، بحيث تُعاد صياغة الشرعية كأنها تعبير عن الكل، بينما هي في الواقع نتاج مشاركة جزئية ومكثفة في آن واحد.
هكذا تتحول الشرعية إلى ما يمكن تسميته بشرعية “مُنتجة بالغياب”: شرعية إجرائيًا سليمة، لكنها تمثيليًا منقوصة، لأن جزءًا حاسمًا من المجتمع اختار أن لا يكون حاضرًا في لحظة إنتاج القرار. وكلما اتسع هذا الغياب، أصبحت الشرعية أكثر قدرة على الاستمرار شكليًا، لكنها أقل قدرة على استيعاب التعدد الاجتماعي الحقيقي.
إن المفارقة هنا حاسمة:
كلما ازداد الصمت، لم تنهَر الشرعية، بل أعادت إنتاج نفسها بشكل أكثر استقرارًا، ولكن على أساس تمثيل غير مكتمل للمجتمع. وهكذا لا تضعف السلطة، بل تُعاد هندستها داخل حدود المشاركة المتاحة، لا المشاركة الممكنة.
إن الكتلة الصامتة، بهذا المعنى، ليست خارج السلطة، بل جزء من بنيتها غير المرئية. فهي التي تمنح، عبر انسحابها، مساحة الاشتغال للفاعلين المنظمين، وهي التي تسمح—من حيث لا تقصد—بإعادة إنتاج نفس خرائط القوة، وبالتالي نفس أنماط الشرعية السياسية. إن السلطة هنا لا تُنتج فقط من الفعل، بل أيضًا من اللا-فعل المنظم وغير المقصود.
وهنا تتضح خطورة هذا المستوى من التحليل: فالصمت ليس مجرد غياب سياسي بريء، بل هو عنصر فاعل في هندسة التوازنات، حتى حين لا يكون واعيًا بذاته. إنه جزء من آلية اشتغال النظام، لا مجرد هامش خارجه.
ومن ثم، فإن أي تفكير جاد في الإصلاح السياسي لا يمكن أن يظل محصورًا في نقد الفاعلين المباشرين أو المؤسسات القائمة، بل ينبغي أن ينتقل إلى مساءلة هذا الحقل الواسع من “اللا-فعل”، بوصفه أحد المفاتيح العميقة لفهم كيف تُستقر الأزمة وتُعاد إنتاجها في آن واحد.
حينها فقط يمكن للانتخابات أن تستعيد معناها كفعل تمثيلي،
ويمكن للشرعية أن تقترب من المجتمع بدل أن تُبنى فوق غيابه،
ويمكن للتمثيل أن يتحول من إجراء تقني إلى علاقة سياسية حقيقية.
إن مغرب القرن الحادي والعشرين لن يُبنى بإصلاحات تقنية معزولة، بل بإعادة تأسيس العلاقة بين المجتمع والسياسة على أساس المشاركة الواعية، أي على أساس تحويل الصمت من بنية سلبية إلى حضور فاعل.
وهذا يمر، في جوهره، عبر قرار بسيط في ظاهره، عميق في دلالته:
أن تكون موجودًا.
أن تُسجّل.
أن ترفض أن تُنتَج السلطة في غيابك.
في النهاية، لسنا أمام سؤال انتخابي تقني، بل أمام سؤال فلسفي-سياسي حول طبيعة الوجود داخل المجال العمومي:
هل نريد أن نكون موضوعًا تُدار عليه السياسة… أم ذاتًا تُعيد إنتاجها وتحديد شروطها؟
والجواب، في النهاية، لا يُقال… بل يُمارَس.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
