
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
في إطار أشغال المؤتمر الدولي الثاني لخبراء “جذور”، المنعقد منذ يومين في إسطنبول (تركيا)، والذي خُصّص لمناقشة قضايا كبرى تتعلق بالعقائد اليهودية بين التحريف والتنزيل، تقدّمتُ بطرح “المعنى” بوصفه مدخلًا تأسيسيًا لإعادة قراءة هذه الإشكالات وفهم بنياتها العميقة. ولم يُقدَّم “المعنى” في هذا السياق كمفهوم نظري مجرد، بل كمنهج مؤسِّس يُبنى عليه تحليل العقائد، وتفكيك آليات التحريف، والتمييز بينها وبين منطق التنزيل في مختلف تجلياته النصية والتاريخية.
وقد جاء هذا الطرح استجابة لحاجة علمية ومنهجية كشفت عنها النقاشات داخل جلسات المؤتمر، حيث تبيّن أن المقاربات التقليدية، على أهميتها، لم تكن كافية لبلوغ العمق الدلالي الذي يحكم تشكّل هذه العقائد وتحوّلاتها عبر الزمن. ومن هنا، برز “المعنى” كأداة مركزية قادرة على إعادة ترتيب الفهم، وربط الظواهر بمرجعياتها العميقة، وكشف المسارات التي أفضت إلى الانزياح والتحريف في تاريخ هذه العقائد.
وفي هذا الأفق، يتضح أن الإشكال لم يعد إشكال تدبير أو توصيف، بل أصبح في جوهره إشكال تأسيس؛ إذ لم يعد السؤال: كيف نُدبّر؟ بل: بأي معنى نُؤسِّس؟ وعلى أي تصور نبني؟ ولأي غاية نوجّه الفعل؟ وهنا يتدخل منطق الذكاء الاستراتيجي في صيغته المؤسِّسة، لينقل التفكير من مستوى إدارة الوسائل إلى مستوى بناء المعنى الذي يسبق الوسيلة ويمنحها قيمتها ووظيفتها.
وانطلاقًا من هذا التصور، ومع اختلاف السياقات والمرجعيات، يتبيّن أن الواقع المغربي يفرض بدوره إعادة نظر عميقة في عدد من القضايا المرتبطة ببنية الفكر، ودور الدولة، واتجاهات الاقتصاد، وتفاعلات المجتمع. ذلك أن الإشكال لم يعد يُختزل في بعده التقني، ولا يمكن معالجته عبر إصلاحات إجرائية أو تحسين مؤشرات كمية فحسب، بل أصبح مرتبطًا – في جوهره – بمدى حضور المعنى المؤسِّس الذي يؤطر الفعل العمومي ويحدد اتجاهه قبل تنزيله.
وعليه، لم تعد إشكالية السياسات العمومية في المغرب محصورة في ضعف الموارد أو محدودية التنفيذ، بل تحوّلت تدريجيًا إلى إشكالية تأسيس على المعنى. فعدد من البرامج الوطنية، رغم ما تحمله من طموح استراتيجي، يصطدم بصعوبات في التقبّل الاجتماعي أو في تحقيق الأثر المطلوب، ليس بسبب خلل تقني في تصميمها، بل نتيجة غياب معنى مؤسِّس مشترك يُبنى عليه الفعل العمومي ويُفهم في ضوئه من طرف المجتمع.
وبهذا المعنى، فإننا أمام لحظة مفصلية تفرض الانتقال من منطق “تدبير السياسات” إلى منطق أعمق يقوم على تأسيسها على المعنى قبل تدبيرها به، باعتباره المدخل الاستراتيجي الكفيل بضمان الاتساق، وتعزيز الاستمرارية، وتحقيق الفعالية.
ومن هذا المنطلق، يتبلور سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح، يتمحور حول تحديد موطن الخلل داخل بنية السياسات العمومية، وذلك من زاوية غياب أو ضعف المعنى المؤسِّس الذي يُفترض أن تقوم عليه. فالإشكال لا يتعلق فقط بمخرجات السياسات أو بآليات تنفيذها، بل يمتد إلى الأساس الذي تُبنى عليه منذ البداية، أي إلى ذلك المعنى الذي يمنحها تماسكها الداخلي ويوجّه مسارها ويحدد غاياتها.
أولًا: أين يكمن الخلل؟
إذا أردنا فهم أزمة السياسات العمومية في المغرب فهمًا استراتيجيًا، فلا يكفي الوقوف عند مظاهر التعثر أو ضعف النتائج، بل يجب النفاذ إلى البنية العميقة التي تُنتج هذه السياسات.
وهنا يتضح أن الخلل ليس أحاديًا، بل يتوزع على مستويات مترابطة، يجمعها قاسم مشترك واحد:
اختلال في إنتاج المعنى وتداوله بين الدولة والمجتمع.
- فجوة بين الخطاب والمجتمع: أزمة ترجمة المعنى
ومن هناك، تتجلّى إحدى أبرز إشكالات السياسات العمومية في تلك الفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي والمجتمع، وهي فجوة يمكن وصفها، في عمقها، بأنها أزمة في ترجمة المعنى. فالدولة تتداول مجموعة من المفاهيم التي تُعدّ ركائز أساسية في بناء سياساتها، مثل النموذج التنموي، والحكامة، والإدماج، والتحول الرقمي، غير أن الإشكال لا يكمن في هذه المفاهيم في ذاتها، بقدر ما يكمن في كيفية فهمها، وفي الجهة التي تمتلك حق تعريفها وتحديد دلالاتها.
ذلك أن الدولة تنتج خطابها ضمن إطار تقني دقيق، يستند إلى لغة الخبراء والمؤشرات، ويُصاغ وفق منطق التخطيط والتدبير، في حين يتلقى المجتمع هذا الخطاب من داخل تجربته اليومية، حيث تتداخل الحاجات المعيشية مع التمثلات الثقافية والتوقعات الاجتماعية. وهنا يحدث نوع من الانفصال بين مستوى إنتاج المعنى ومستوى تداوله، بحيث يُصاغ المفهوم في فضاء النخبة والخبرة، بينما يُستقبل في فضاء التجربة والعيش، دون وجود جسور كافية تضمن انتقال المعنى بشكل واضح ومشترك.
نتيجة لذلك، لا يتوقف الأمر عند حدود سوء الفهم، بل يتجاوز ذلك إلى ضعف في التفاعل وتراجع في منسوب الثقة، حيث تتحول السياسات العمومية إلى مجرد خطابات لا تُحدث أثرًا حقيقيًا في وعي المواطن أو في سلوكه. وبعبارة أخرى، تصبح السياسة في هذا السياق شيئًا يُقال ويُعلن، لكنها لا تتحول إلى تجربة معاشة داخل المجتمع، مما يحدّ من قدرتها على إحداث التغيير المنشود.
وإذا كان هذا الاختلال يرتبط في ظاهره بفجوة في التواصل، فإنه يكشف في عمقه عن إشكال أعمق يتعلّق بطبيعة المفاهيم نفسها التي تُبنى عليها السياسات، وهو ما يقودنا إلى مستوى آخر من التحليل يرتبط بكيفية استيراد هذه المفاهيم دون إعادة تأسيسها داخل السياق المحلي.
- استيراد المفاهيم دون إعادة تأسيسها: أزمة الأصل الدلالي
من الطبيعي أن تستفيد السياسات العمومية في المغرب من التجارب الدولية، بل إن هذا التفاعل مع النماذج العالمية يُعدّ في حد ذاته عنصرًا من عناصر التطور والانفتاح. غير أن الإشكال لا يظهر في الاستفادة ذاتها، وإنما في الكيفية التي يتم بها التعامل مع المفاهيم المصاحبة لهذه التجارب، حين تُقدَّم وتُستَخدم باعتبارها نماذج جاهزة قابلة للنقل المباشر، لا معاني تحتاج إلى إعادة بناء داخل سياق جديد.
فالكثير من المفاهيم المعتمدة في السياسات العمومية المغربية نشأت في بيئات فكرية وتاريخية مغايرة، سواء في سياقات ليبرالية، أو ضمن منظومات مؤسساتية غربية، أو في إطار تجارب تنموية لها خصوصياتها الثقافية والاجتماعية. غير أن نقل هذه المفاهيم إلى الواقع المغربي لا يواكبه دائمًا جهد كافٍ لتفكيك بنيتها الأصلية أو لإعادة صياغتها بما ينسجم مع المرجعية المحلية، مما يجعلها تدخل المجال التداولي وهي محمّلة بدلالات لا تنتمي كليًا إلى هذا السياق.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته، في إطار منهج المعنى، بـ”الانزياح الدلالي”، حيث يتحرك المفهوم بين مستويين مختلفين من الفهم. فمثلًا، قد تُقدَّم “الحكامة” في الخطاب الرسمي بوصفها آلية لتحقيق النجاعة في التدبير وتحسين الأداء المؤسسي، بينما يُدركها المجتمع في الغالب من زاوية العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص. وبذلك، تُبنى السياسة العمومية على معنى محدد، في حين يستقبلها المجتمع بمعنى آخر مختلف.
ولا تكمن خطورة هذا الوضع في الرفض الصريح، بل فيما ينتجه من توافق ظاهري يخفي في عمقه اختلافًا حقيقيًا في الفهم. إذ يبدو وكأن هناك اتفاقًا حول المفاهيم، بينما الواقع يكشف عن تباين في دلالاتها، وهو ما ينعكس لاحقًا على مستوى التفاعل مع السياسات وعلى مدى فعاليتها، حيث يُضعف هذا الاختلاف غير المعلن من قدرتها على تحقيق الأثر المطلوب.
وإذا كان هذا الاختلال يكشف عن أزمة في مستوى الدلالة والتلقي، فإنه يقودنا إلى بعد آخر أكثر عمقًا يتعلق بطريقة اشتغال السياسات نفسها، حيث لا يتوقف الإشكال عند المفاهيم، بل يمتد إلى طبيعة الأدوات المعتمدة في قياسها وتوجيهها، وهو ما يفتح المجال لتحليل هيمنة البعد التقني على حساب الرؤية والمعنى.
- هيمنة التقنية على الرؤية: أزمة اختزال المعنى في الأرقام
في السنوات الأخيرة، اتجهت السياسات العمومية في المغرب، كما هو الحال في العديد من الدول، نحو تكريس مقاربة تقوم على تعميم ثقافة المؤشرات، وتعزيز آليات التقييم، والتركيز على النتائج الكمية باعتبارها معيارًا أساسيًا لقياس الأداء. ولا شك أن هذا التوجه يمثل في ذاته تطورًا مهمًا يعكس إرادة تحديث آليات التدبير وتعزيز النجاعة، غير أن الإشكال يبرز عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل لقياس المعنى إلى بدائل عنه.
فعندما تُختزل السياسة في أرقام ومؤشرات، يصبح النجاح مرتبطًا بما يمكن عده وإحصاؤه، لا بما يمكن فهمه أو استيعاب أثره الحقيقي. وفي هذا السياق، تُقاس النتائج بما يظهر على مستوى التقارير، لا بما يُحدثه الفعل العمومي من تغيير فعلي في حياة الأفراد وفي تمثلاتهم. فارتفاع نسب التمدرس، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة تكوين إنسان مؤهل وقادر على الاندماج، كما أن تعدد المشاريع والاستثمارات لا يفضي بالضرورة إلى تحقيق كرامة اجتماعية ملموسة.
وهنا يتشكل نوع من المفارقة البنيوية، يمكن وصفها بالتضخم التقني مقابل الفراغ الدلالي؛ حيث تتطور الوسائل وتزداد دقة أدوات القياس، في حين تتراجع الرؤية التي تمنح لهذه الوسائل معناها واتجاهها. فتبدو السياسات متقدمة من حيث الشكل، لكنها تفتقر إلى العمق الذي يجعلها قادرة على إحداث تحول حقيقي.
وإذا جمعنا هذه المستويات الثلاثة – فجوة الخطاب، وانزياح المفاهيم، وهيمنة التقنية – يتضح أننا أمام بنية أزمة متكاملة، حيث نجد خطابًا لا يصل معناه إلى المجتمع، ومفاهيم لا تنتمي بالكامل إلى سياقها، وأدوات تقنية تغطي على غياب الرؤية. والنتيجة أن السياسات العمومية قد تبدو ناجحة على مستوى التصور أو التقارير، لكنها تظل محدودة الأثر في الواقع المعيش.
ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي الذي يواجه الفعل العمومي اليوم، وهو: كيف يمكن إعادة تأسيس السياسات العمومية على معنى واضح، مشترك، وقادر على التوجيه، بما يجعلها ليست فقط قابلة للتنفيذ، بل أيضًا قابلة للفهم والتبني من طرف المجتمع؟
ثانيًا: كيف يمكن للذكاء الاستراتيجي أن يعيد بناء المعنى داخل السياسات العمومية؟
إذا كان الخلل في السياسات العمومية يرتبط في عمقه بغياب المعنى أو ضعفه، فإن الدعوة إلى اعتماد منطق الذكاء الاستراتيجي لا تتجه نحو إضافة أدوات تقنية جديدة، بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل زاوية النظر التي ننطلق منها في فهم الفعل العمومي. فالمشكلة ليست، في جوهرها، مشكلة نقص في الوسائل، بل هي إشكال يتعلق بطبيعة الأسئلة التي نطرحها حول هذه الوسائل وحدودها.
ولهذا، بدل أن تنحصر المقاربة في السؤال التقليدي المرتبط بكيفية تنفيذ السياسات، يدفعنا هذا المنطق إلى الارتقاء بمستوى التفكير نحو أسئلة أكثر عمقًا وأثرًا، من قبيل: لماذا نُنفّذ؟ وبأي معنى نُوجّه هذا التنفيذ؟ ولصالح من يُبنى هذا الفعل العمومي؟
وبهذا التحول، لا يعود النقاش محصورًا في آليات الإنجاز، بل ينفتح على أفق أوسع يجعل من المعنى نقطة الانطلاق، ومنه تُشتق الغايات وتُحدَّد الاتجاهات.
هذا التحول لا يُعد مجرد تغيير في اللغة أو في طريقة التعبير، بل يعكس تحولًا بنيويًا في فهم السياسة ذاتها. فعندما يُستحضر سؤال المعنى، لا تعود السياسة مجرد مجموعة من الإجراءات أو التدابير الإدارية، بل تتحول إلى اختيار واعٍ لمسار مجتمعي محدد، وإلى عملية إنتاج لرؤية متكاملة تنظم العلاقة بين الدولة والمواطن وتعيد تعريفها. وفي هذا الإطار، يصبح الفعل العمومي محكومًا بغاية دلالية، لا فقط بمنطق الإنجاز التقني.
وفي السياق المغربي، يترجم هذا التحول إلى انتقال واضح من سياسة تُخاطب المؤشرات والأرقام إلى سياسة تُخاطب الإنسان في أبعاده المختلفة. فبدل أن يكون الهدف هو تحسين الأرقام فحسب، يصبح الرهان هو إحداث أثر حقيقي في وعي المواطن وفي تجربته اليومية. ومن هنا، تتبلور مجموعة من الوظائف الاستراتيجية التي ينبغي أن تضطلع بها السياسات العمومية إذا أرادت أن تكون مؤثرة ومستدامة.
أول هذه الوظائف يتمثل في ضرورة ربط السياسات بالبنية الثقافية للمجتمع، بحيث تنطلق كل سياسة من فهم عميق لتمثلات الناس وانتظاراتهم وقيمهم، لأن أي سياسة لا تجد صدى داخل الوعي الجماعي تظل خارج دائرة التأثير مهما بلغت دقتها التقنية. أما الوظيفة الثانية فتتعلق ببناء خطاب مشترك لا يقتصر على كونه خطابًا رسميًا موجّهًا من الأعلى، بل يتحول إلى لغة مشتركة قابلة للفهم والتداول والتبني داخل المجتمع، وهو ما يجعل اللغة السياسية أداة لتوحيد الرؤية بدل أن تكون مجرد وسيلة للإخبار.
أما الوظيفة الثالثة، فتتمثل في تحويل السياسات العمومية إلى رافعة لإنتاج الثقة، باعتبارها عنصرًا حاسمًا في نجاح أي إصلاح. فالثقة لا تُفرض بقرارات فوقية، بل تُبنى عبر وضوح المعنى، واتساق الخطاب مع الفعل، وإدراك المواطن لجدوى ما يُتخذ من قرارات. وعندما تتحقق هذه الشروط، لا تعود السياسة مجرد تدبير إداري للموارد والإجراءات، بل تتحول إلى عملية بناء للوعي الجماعي وإعادة تشكيل للعلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر توازنًا واستدامة.
وإذا كان منطق الذكاء الاستراتيجي قد رسم هذا الأفق التحويلي وحدّد وظائفه الكبرى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: بأي أداة عملية يمكن تحقيق هذا التحول داخل بنية السياسات العمومية؟ وهو ما يقودنا مباشرة إلى استحضار دور منهج المعنى باعتباره الإطار التطبيقي القادر على إعادة البناء من الداخل.
ثالثًا: دور منهج المعنى في إعادة البناء
إذا كان منطق الذكاء الاستراتيجي يقدّم الإطار العام لإعادة توجيه الفعل العمومي، فإن منهج المعنى يوفّر الأداة العملية التي تسمح بتحويل هذا الإطار إلى مسار فعلي لإعادة البناء. فالأمر هنا لا يتعلق بمجرد نقد للسياسات أو مساءلة لنتائجها، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة تأسيس المفاهيم التي تقوم عليها هذه السياسات من داخلها، بما يجعلها أكثر اتساقًا مع الواقع وأكثر قدرة على التأثير فيه.
ويتحقق هذا المسار من خلال ثلاث حركات متكاملة، تبدأ أولًا بمساءلة المفاهيم نفسها، باعتبارها نقطة الانطلاق في أي بناء فكري أو عملي. فالسؤال الذي يطرحه منهج المعنى، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في عمقه قوة تفكيكية كبيرة، وهو: ماذا نعني فعلًا بالمفاهيم التي نستخدمها؟ فحين نتحدث عن “التنمية”، مثلًا، هل نقصد بها مجرد تحقيق نمو اقتصادي وتراكم مادي، أم أننا نعني بها تحسين شروط العيش وضمان الكرامة الإنسانية؟ هذه المساءلة تكشف أن كثيرًا من المفاهيم تُستعمل بشكل واسع، لكنها لا تُفهم دائمًا بعمق، أو تُستعمل دون أن يكون لها معنى موحد ومتفق عليه، وهو ما يفتح الباب أمام الغموض والالتباس. ومن هنا تبدأ عملية تحرير المفهوم من سطحية التداول إلى عمق الفهم.
بعد هذه المرحلة التفكيكية، ينتقل منهج المعنى إلى لحظة البناء، غير أن هذا البناء لا يتم عبر استيراد المفاهيم أو إعادة إنتاجها كما هي، بل من خلال إعادة تعريفها من الداخل. ويعني ذلك إعادة ربط المفاهيم بالسياق المغربي، وإدماج القيم المركزية التي تشكل وعي المجتمع، مثل العدل والتضامن والكرامة، بحيث يتحول المفهوم من عنصر خارجي إلى مكوّن داخلي في البنية الفكرية المحلية. وبعبارة أخرى، لا يتم التعامل مع المفاهيم باعتبارها معطيات جاهزة، بل باعتبارها مواد أولية تُعاد صياغتها وإنتاجها بما يتلاءم مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية.
غير أن المعنى، في نهاية المطاف، لا يكتمل إلا إذا انتقل من مستوى التصور إلى مستوى الممارسة. ولهذا، تأتي المرحلة الثالثة التي تتمثل في ترجمة المفاهيم المعاد بناؤها إلى سياسات قابلة للعيش، أي سياسات تُعبّر عنها لغة واضحة ومباشرة، وتُجسّدها قرارات يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية، وتُربط فيها الإجراءات بمعانيها بشكل ملموس. وعند هذه النقطة، لا تعود السياسة مجرد تصور نظري أو خطاب رسمي، بل تتحول إلى تجربة معاشة، يعيشها المواطن ويدرك معناها من خلال أثرها المباشر في واقعه.
وهكذا، يشكّل منهج المعنى حلقة وصل حاسمة بين التفكير والتنفيذ، حيث يضمن أن لا تبقى السياسات حبيسة التصورات المجردة، بل تتحول إلى واقع يحمل معنى واضحًا، وقادرًا على إحداث التغيير المطلوب.
وإذا كان هذا المنهج يقدّم الأداة الكفيلة بإعادة بناء السياسات من الداخل، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في السياق المغربي هو: ما الذي يجعل الحاجة إلى هذا التحول أكثر إلحاحًا اليوم؟ وما هي العوامل التي تفرض تبنّي نموذج فكري جديد يعيد تأسيس الفعل العمومي على المعنى؟
رابعًا: لماذا يحتاج المغرب نموذجًا فكريًا جديدًا؟
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كنا في حاجة إلى نموذج فكري جديد في تدبير السياسات العمومية، بل انتقل النقاش إلى مستوى أكثر تقدمًا يتمثل في الكيفية التي يمكن من خلالها تأسيس هذا النموذج، والسياق الذي يجعل اعتماده ضرورة ملحّة في هذه اللحظة بالذات. فالسياق الراهن لا يتيح خيار التأجيل، بل يفرض تحولًا نوعيًا في طريقة التفكير، وذلك بالنظر إلى مجموعة من التحولات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل بنية الدولة والمجتمع معًا.
أول هذه التحولات يرتبط بمرحلة إعادة البناء العميق التي يعيشها المغرب، من خلال إطلاق مشاريع كبرى مثل النموذج التنموي الجديد، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، وتعزيز الإصلاحات الاجتماعية. غير أن هذه الديناميات، على أهميتها، لا يمكن اختزالها في بعدها التقني أو الإجرائي، لأنها في جوهرها تمثل مشاريع لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وصياغة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع. وإذا لم تُؤسس هذه المشاريع على معنى واضح وموجّه، فإنها قد تتحقق على مستوى التنفيذ، لكنها تظل عاجزة عن إحداث التحول العميق المنشود.
أما التحول الثاني، فيتعلق بتغير طبيعة المواطن المغربي، الذي لم يعد متلقيًا سلبيًا للسياسات والخطابات، بل أصبح فاعلًا واعيًا، يمتلك قدرة أكبر على النقد والتقييم، ويطالب بالفهم قبل القبول. هذا التحول يفرض على الدولة تجاوز منطق الشرح الأحادي، والانتقال إلى منطق الإقناع المبني على معنى واضح ومشترك، لأن الفعل العمومي لم يعد يُقاس فقط بقدرته على التنفيذ، بل بقدرته على بناء الثقة والتفاعل.
ويأتي التحول الثالث في سياق أوسع، يرتبط بطبيعة النظام العالمي المعاصر، الذي لم يعد يقوم فقط على صراع المصالح، بل أصبح، بشكل متزايد، صراعًا حول المعاني والمفاهيم، سواء تعلق الأمر بالحرية أو التنمية أو الهوية أو العدالة. وفي هذا الإطار، لا يمكن للمغرب أن يبقى على هامش هذا الصراع، لأن غياب القدرة على إنتاج المفاهيم يعني، في نهاية المطاف، الخضوع لمعانٍ تُنتج في سياقات أخرى. وهنا تبرز قاعدة استراتيجية واضحة: من لا يُنتج معناه، يُفرض عليه معنى غيره.
وإذا كان الخلل في السياسات العمومية يرتبط، في عمقه، بأزمة معنى، وإذا كان كل من منطق الذكاء الاستراتيجي ومنهج المعنى يقدّمان أدوات عملية لإعادة البناء، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرح نفسه اليوم هو: كيف يمكن تحويل هذا التصور النظري إلى نموذج مغربي متكامل قادر على توجيه السياسات العمومية وإعادة تأسيسها على أسس أكثر وضوحًا وفعالية؟
خامسًا: نحو نموذج مغربي للسياسات العمومية قائم على المعنى
إذا كانت التحليلات السابقة قد مكّنت من الكشف عن طبيعة الخلل وحدّدت مداخل الإصلاح الممكنة، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرح نفسه اليوم لا يقف عند حدود التشخيص، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة بناء نموذج فكري وعملي جديد يعيد تأسيس السياسات العمومية على المعنى، باعتباره عنصرًا مركزيًا في توجيه الفعل العمومي وضمان فعاليته. غير أن هذا النموذج لا يمكن أن يكون مجرد استنساخ لتجارب جاهزة أو نقلًا لنماذج خارجية، بل ينبغي أن ينبع من خصوصية المغرب، مستندًا إلى تاريخه، ومستوعبًا لتنوعه، ومتفاعلًا مع موقعه ضمن التحولات العالمية.
وفي هذا الإطار، يفرض النموذج المنشود انتقالًا نوعيًا من منطق تدبير السياسات كإجراءات وبرامج منفصلة، إلى منطق بنائها ضمن رؤية متكاملة وموجِّهة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتنفيذ قرارات أو تحقيق أهداف مرحلية، بل بطرح كل فعل عمومي ضمن سؤال مركزي: أي معنى نريد أن نبنيه من خلال هذه السياسة؟ فالرؤية هنا لا تختزل في شعارات عامة، بل تتحول إلى إطار استراتيجي يُنسّق بين مختلف الأبعاد، ويُحقق انسجامًا بين الاقتصادي والاجتماعي، كما يربط بين المحلي والوطني ضمن تصور متكامل.
ولكي لا يبقى المعنى في مستوى التنظير، يصبح من الضروري إدماجه في مختلف مراحل صناعة القرار العمومي، بدءًا من مرحلة التشخيص التي ينبغي أن تنطلق من فهم كيفية إدراك المجتمع للإشكالات المطروحة، مرورًا بمرحلة الصياغة التي تقتضي اختيار مفاهيم واضحة وقابلة للتداول، وصولًا إلى مرحلة التنفيذ التي يجب أن تُترجم فيها الإجراءات إلى دلالات اجتماعية ملموسة، ثم مرحلة التقييم التي لا ينبغي أن تقتصر على قياس النتائج بالأرقام، بل تمتد إلى تقييم أثر السياسات في الوعي والسلوك. وبهذا، تتحول السياسة العمومية من مجرد سلسلة إجراءات إلى عملية متكاملة لإنتاج المعنى وتداوله.
وفي سياق هذا التحول، تبرز ضرورة إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة، بحيث تنتقل من علاقة عمودية قائمة على إصدار القرار وتنفيذه، إلى علاقة تفاعلية تقوم على الفهم والتشارك والتبني. فالدولة لم تعد فاعلًا منفردًا يقرر من الأعلى، بل أصبحت مطالبة بأن تشرح معاني سياساتها، وأن تبني حولها توافقًا، وأن تُشرك المجتمع في إدراكها واستيعابها. وهنا تتحول الثقة من نتيجة عرضية إلى هدف استراتيجي يُبنى بشكل مقصود وممنهج.
ومن جهة أخرى، يفرض هذا النموذج على المغرب أن ينخرط في إنتاج مفاهيمه الخاصة، وأن يطوّر لغته في التعبير عن قضايا التنمية والعدالة والكرامة، ليس من باب الانغلاق أو الانفصال عن العالم، بل من موقع المشاركة الفاعلة في النقاش العالمي. فالعالم اليوم لا يعترف فقط بمن يملك الموارد، بل بمن يملك القدرة على إنتاج المعنى وتوجيهه.
غير أن نجاح هذا التحول يبقى رهينًا بالعنصر البشري، إذ لا يمكن لأي نموذج أن يتحقق دون تأهيل الفاعل العمومي، سواء كان مسؤولًا أو إداريًا أو خبيرًا، ليصبح قادرًا على تجاوز دور التنفيذ التقني إلى دور إنتاج المعنى وترجمته إلى سياسات قابلة للفهم والتطبيق. وهذا يقتضي تطوير تكوين جديد، وبناء ثقافة سياسية قائمة على الفهم العميق، لا على التدبير الإجرائي فقط.
وفي نهاية المطاف، يتضح أن الرهان الحقيقي في السياسات العمومية بالمغرب اليوم لا يقتصر على تحقيق نتائج آنية أو تحسين مؤشرات كمية، بل يتجسد في القدرة على بناء المعنى الذي يمنح لهذه السياسات شرعيتها واستمراريتها. فالسياسات التي تُنفذ دون أن تحمل معنى واضحًا قد تُنجز وتُقيَّم، لكنها تظل عاجزة عن إحداث التحول العميق في المجتمع. أما السياسات التي تنبني على معنى مشترك، فإنها لا تكتفي بأن تُفهم، بل تتحول إلى جزء من الوعي الجماعي، وتكتسب قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير.
وفي عالم يتسارع فيه التغيير، لم يعد امتلاك الوسائل كافيًا، بل أصبح من الضروري امتلاك المعنى الذي يوجّه هذه الوسائل ويمنحها اتجاهها. وهنا، تحديدًا، يتحدد مستقبل السياسات العمومية في المغرب، بين من يكتفي بالتدبير، ومن يملك القدرة على إعادة بناء المعنى وصناعته.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط




