الانتخابات التشريعية في سبتمبر: بين الآلية والمعنى… أي سياسة ننتظر؟

الانتخابات لم تعد وسيلة لتحقيق مشروع، بل أصبحت هي المشروع نفسه.

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في المغرب خلال شهر سبتمبر المقبل، لا يعود النقاش السياسي إلى الواجهة بوصفه مجرد استحقاق دوري تُستعاد فيه اللغة الحزبية وتقنيات التعبئة التقليدية، بل باعتباره لحظة مكثفة تكشف ما تراكم في عمق المشهد المغربي من توترات صامتة وأسئلة مؤجلة. فهذه الانتخابات تأتي في سياق يتسم بتداخل معقد بين تحولات اجتماعية متسارعة، وضغوط اقتصادية متزايدة، وانتظارات مجتمعية ارتفعت سقوفها بشكل غير مسبوق، مقابل شعور متنامٍ بأن الفعل السياسي لم يعد قادرًا بالقدر الكافي على مواكبة هذه التحولات أو تأطيرها ضمن أفق واضح.

لقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية مهمة على مستوى المشاريع الكبرى والسياسات العمومية، غير أن هذه الدينامية لم تُترجم دائمًا إلى إحساس عام بامتلاك المعنى أو المشاركة في صناعته. وهنا تتشكل إحدى أبرز مفارقات اللحظة: حضور قوي للدولة كمحرك للإصلاح، مقابل تراجع نسبي لدور الوساطة السياسية في تأطير المجتمع وإنتاج الثقة. لذلك، فإن انتخابات سبتمبر لا تُختزل في كونها تنافسًا انتخابيًا، بل تُقرأ كاختبار لقدرة الحقل السياسي على استعادة وظيفته الأصلية: أي إنتاج المعنى الذي يربط بين الدولة والمجتمع، وبين القرار العمومي وانتظارات المواطنين.

في هذا الإطار، يصبح من الضروري تجاوز القراءة الاختزالية التي تحصر الانتخابات في بعدها الإجرائي، إلى قراءة تستحضر البنية العميقة للمشهد السياسي المغربي. فالانتخابات، من منظور الذكاء الاستراتيجي، ليست مجرد آلية لتداول المواقع، بل هي نقطة تقاطع بين مستويات متعددة: بين الدولة كفاعل استراتيجي، والأحزاب كوسائط تمثيلية، والمجتمع كحامل للانتظارات والضغوط. ومن خلال هذا التقاطع، يُقاس مدى قدرة النظام السياسي على الانتقال من منطق إعادة الإنتاج—حيث تستمر نفس التوازنات بأشكال مختلفة—إلى منطق إعادة التعريف، حيث يُعاد بناء الأدوار، وتُصاغ اختيارات جديدة، ويُستعاد المعنى المؤسس للفعل السياسي.

وعلى هذا الأساس، يتحدد جوهر الرهان في انتخابات سبتمبر في سؤال أعمق من مجرد النتائج: هل نحن أمام محطة ستعيد فقط ترتيب المشهد وفق نفس المحددات، أم أمام فرصة تاريخية يمكن أن تعيد تعريف السياسة في المغرب، من حيث وظيفتها كأداة لتأطير المجتمع، لا فقط كآلية لتدبيره؟ بعبارة أدق، هل ستظل الانتخابات أداة لضبط الإيقاع داخل نسق قائم، أم يمكن أن تتحول إلى لحظة تأسيسية يُعاد فيها طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للفعل السياسي أن يستعيد معناه، ويصبح قادرًا على إنتاج الثقة، وتوجيه التحول، بدل الاكتفاء بمواكبته؟

  1. الانتخابات كآلية: حين تتحول الدقة التقنية إلى قناع لفراغ سياسي

إذا قرأنا المشهد المغربي من خارج سطحه المألوف، سنكتشف أن ما يبدو “نضجًا انتخابيًا” قد يخفي في العمق شكلًا أكثر تعقيدًا من الاختلال: ليس ضعف السياسة، بل استبدالها بالتقنية. فالمشكلة لم تعد في كيفية تنظيم الانتخابات، بل فيما إذا كانت هذه الانتخابات ما تزال تؤدي أي وظيفة سياسية حقيقية.

أولا: هندسة انتخابية متقدمة… وسياسة مؤجلة

الفاعلون السياسيون في المغرب لم يعودوا يشتغلون بعفوية أو ارتجال. نحن أمام حقل مُؤطر بمنطق حسابي دقيق:
خرائط انتخابية تُفكك سوسيولوجيًا، تحالفات تُبنى على أساس قابلية الربح لا قابلية الانسجام، وخطاب يُفصّل وفق مزاج انتخابي سريع التقلب.

لكن هذا “التقدم” يخفي انزياحًا خطيرًا:
لم تعد السياسة تُنتج الرؤية، بل أصبحت تُكيّف نفسها مع شروط الفوز. أي أن الفاعل السياسي لم يعد يسأل: ماذا نريد أن نكون؟ بل: كيف نصل؟

وهنا يقع التحول الحاسم:
الانتخابات لم تعد وسيلة لتحقيق مشروع، بل أصبحت هي المشروع نفسه.

ثانيا: الفراغ الدلالي: حين تُدار السياسة بلا أفق

الفراغ الدلالي في الحالة المغربية ليس فراغًا في الكلام، بل في المرجعية.
كل شيء يُقال، لكن لا شيء يُؤسس.

  • خطاب اجتماعي دون تصور واضح للدولة الاجتماعية
  • وعود اقتصادية دون تحديد لنموذج الإنتاج
  • حديث عن الشباب دون إعادة تعريف لدورهم السياسي

هذا لا يعني غياب النية، بل غياب الإطار الذي يمنح الفعل السياسي اتجاهًا.
وهنا تتحول الانتخابات إلى عملية “إعادة توزيع مواقع” داخل نفس النسق، لا إلى لحظة “إعادة بناء” لهذا النسق.

الأخطر من ذلك أن هذا الفراغ يُعاد إنتاجه بشكل هادئ:
المواطن يشارك أحيانًا، لكنه لا يرى أثرًا نوعيًا؛
الأحزاب تتنافس، لكنها لا تُحدث قطيعة؛
والنتيجة: استقرار شكلي يخفي جمودًا عميقًا.

ثالثا: من منطق التمثيل إلى منطق التدبير: انزياح صامت

في التجربة المغربية، حدث انزياح صامت لكنه عميق:
لم تعد السياسة فضاءً للتعبير عن الاختيارات المتعارضة وصياغة البدائل، بل تحوّلت تدريجيًا إلى ممارسة تدبيرية تتحرك داخل حدود مرسومة سلفًا، حيث يُدار الممكن أكثر مما يُعاد تعريفه.

بمعنى أدق:
لم يعد السؤال المطروح هو “أي سياسة نريد؟”
بل “كيف ندبر ما هو ممكن ضمن ما هو متاح؟”

هذا التحول يُنتج فاعلًا سياسيًا من نوع جديد:

  • براغماتي إلى حد التكيف الكامل
  • حذر إلى حد تجنب الرؤية
  • تقني في أدواته، لكنه محدود في أفقه.

وهنا يصبح الفوز في الانتخابات أشبه بالحصول على موقع داخل منظومة تدبير، لا تفويضًا لتغييرها.

رابعا: انتخابات سبتمبر: خطر النجاح الشكلي الكامل

السيناريو الأكثر إرباكًا ليس تعثر الانتخابات، بل نجاحها الكامل… ولكن في مستوى الشكل فقط.
أن تمر العملية بسلاسة لافتة، تُحكم فيها التفاصيل التنظيمية، تُحترم فيها القواعد، وتُفرز توازنات تبدو “منطقية” ومقبولة…

لكن دون أن يمسّ ذلك أي تحول حقيقي في جوهر اللعبة:

  • لا في طبيعة القرار العمومي وكيف يُصاغ
  • ولا في موقع المواطن داخل العملية السياسية
  • ولا في قدرة الأحزاب على التأطير وصناعة الاختيارات.

هنا يكمن الخطر العميق، لا في اختلال المسار، بل في إتقانه حدّ إخفاء فراغه.
أن تتحول الانتخابات إلى طقس مُحكم، يُعيد إنتاج نفس المعادلة بكفاءة أعلى، ويمنحها مظهر التجدد دون أن يغير بنيتها.

في هذه الحالة، لا تعود المشكلة في نقص الديمقراطية الإجرائية، بل في اكتمالها الشكلي مقابل غياب الديمقراطية كفعل مؤسس للمعنى.
أي حين تُدار السياسة بإتقان… دون أن تُعاد صياغتها.

خامسا: ما وراء الآلية: الحاجة إلى كسر الحلقة المغلقة

المشكل اليوم ليس في نقص الأدوات، بل في انغلاق الأفق.
فالآلية الانتخابية أصبحت تعمل بكفاءة، لكنها تعمل داخل دائرة مغلقة:

  • نفس المنطق ينتج نفس النخب
  • نفس النخب تعيد إنتاج نفس السياسات
  • نفس السياسات تعيد إنتاج نفس المسافة مع المجتمع

وكأننا أمام نظام يُحسن الاستمرار، لكنه لم يحسم بعد في كيفية التحول.

من هنا، لم تعد الانتخابات في المغرب تعاني من خلل في التنظيم، بل من اختلال في جوهر وظيفتها.
لم تعد تعاني من ضعف في التنفيذ، بل من غموض في الغاية.

والسؤال الحقيقي لم يعد:
هل الانتخابات نزيهة أو منظمة؟

بل أصبح السؤال أكثر حدّة وعمقًا:
هل ما تزال الانتخابات تُنتج سياسة فعلية، أم تحوّلت إلى مجرد تقنية لإدارة واقع لم يعد يُسمح أصلًا بإعادة طرحه للنقاش؟

وإذا استمر هذا المنطق دون مساءلة، فإن انتخابات سبتمبر قد تتحول إلى مفارقة كاملة: الأكثر انضباطًا على مستوى التنظيم… والأفقر من حيث الأثر والمعنى.

ومن هنا تحديدًا، لا يعود النقاش حول المشاركة أو نسبها كافيًا، بل ينتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة ما يُفترض أن تُعيده الانتخابات إلى الواجهة.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يشارك؟ بل: ما الذي تُعيد المشاركة إنتاجه أصلًا؟

وهذا ما يقود مباشرة إلى مستوى آخر من التحليل، أكثر جوهرية:


2. الانتخابات كمعنى: تفكيك العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع

إذا كان الخطاب السائد يختزل الانتخابات في لحظة تفويض عددي، فإن القراءة الأعمق تكشف أنها، في الحالة المغربية، لحظة اختبار لمدى وجود “عقد سياسي حي” من عدمه.
فالقضية لم تعد من يفوز، بل ما إذا كانت هناك أصلًا علاقة قابلة لإعادة البناء بين الدولة والمجتمع، أم أننا أمام تمثيل انتخابي يشتغل فوق فراغ تعاقدي غير مُعلن.

المشكلة لم تعد في ضعف الوساطة فقط، بل في تآكل معناها. الدولة تمضي بثقلها المؤسساتي واستمراريتها الاستراتيجية، بينما المجتمع يعيش إيقاعًا آخر، متشظيًا بين انتظارات اجتماعية متزايدة وشعور متراكم بأن السياسة لا تملك مفاتيح الحل. هنا تنشأ منطقة رمادية: لا قطيعة معلنة، ولا ثقة حقيقية.

في هذا السياق، تتحول الانتخابات إلى لحظة “إعادة تدوير العلاقة” بدل إعادة تأسيسها. يتم استدعاء المواطن كناخب، لا كشريك. يُطلب منه أن يشارك، دون أن يُقنع بأن مشاركته تُعيد ترتيب موازين القرار. وهنا يتشكل جوهر الأزمة: ليس عزوفًا تقنيًا، بل شكًّا عميقًا في الجدوى.

المطلوب العاجل الذي ينتظره المغاربة لا ينطلق من سؤال “كيف نرفع نسبة المشاركة؟”، بل من سؤال أكثر إزعاجًا:
هنا تحديدًا يتضح أن أزمة المعنى لا تُنتج فقط فراغًا في الاختيارات، بل تمتد لتقويض جدوى المشاركة نفسها، وهو ما يقودنا مباشرة إلى تفكيك مفارقة أعمق: لماذا لم تعد المشاركة تعني شيئًا حاسمًا في نظر فئات واسعة؟ الجواب لا يكمن في ضعف التعبئة، بل في بنية المعنى ذاتها، وهو ما يفتح النقاش حول:

3.  مفارقة الاستقرار المؤسسي: حين يتحول الثبات إلى سقف غير مرئي

القراءة السطحية ما تزال تُسوّق المغرب كحالة استقرار نموذجية: مؤسسات تعمل بانتظام، انتخابات تُحترم مواعيدها، وتناوب حكومي يتم دون ارتدادات حادة. غير أن هذه القراءة، في عمقها، تخفي ما هو أكثر إشكالية: الاستقرار لم يعد مجرد مكسب، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى قيد غير مرئي يُعيد ضبط الممكن السياسي داخل حدود مسبقة، ويُفرغ التنافس من جوهره التحويلي.

المفارقة هنا ليست في وجود الاستقرار، بل في طبيعته الوظيفية: هل ما يزال يفتح أفق الفعل، أم أصبح يُغلقه دون أن يبدو كذلك؟

كيف يحدث ذلك؟

لأن الحقل السياسي لم يعد فضاءً لصراع رؤى متعارضة بقدر ما أصبح مجالًا لإدارة اختلافات محسوبة داخل نفس الإطار. الأحزاب لا تتحرك انطلاقًا من مشاريع متباينة جذريًا، بل من داخل نفس المعمار التقريري الذي يحدد مسبقًا سقف القرار وحدود التأثير. النتيجة ليست فقط تقاربًا في البرامج، بل ما يمكن تسميته بـ:

  • تطابق بنيوي مقنّع بالتعدد: اختلاف في اللغة، وحدة في المنطق
  • تنويع في العرض مع ثبات في المضمون: نفس الوعود تُعاد صياغتها وفق السياق
  • تنافس بلا رهانات كبرى: صراع انتخابي لا يُنتج مفترقات استراتيجية حقيقية

في هذه الحالة، لا يعود الناخب أمام “اختيار” بالمعنى القوي، بل أمام تبديل تمثيلي داخل نفس النسق. ما يتغير هو الواجهة، أما البنية فتظل مستقرة إلى درجة الجمود.

لكن التحول الأخطر لا يقع على مستوى النتائج، بل على مستوى الوعي. إذ يتشكل تدريجيًا لدى فئات واسعة إدراك ضمني بأن السياسة فقدت قدرتها على المفاجأة، وأن مخرجاتها الكبرى شبه محسومة سلفًا بغض النظر عن هوية الفاعلين. هذا الوعي لا يُنتج فقط عزوفًا، بل يُنتج شيئًا أعمق: تفكك الإيمان بالسياسة كأداة لإعادة توزيع القوة والمعنى.

بعبارة أخرى، نحن لا أمام أزمة مشاركة، بل أمام تآكل في فكرة الرهان نفسه.

وهنا يصبح السؤال في أفق انتخابات سبتمبر أكثر حدة مما يبدو:

ليس من سيقود الحكومة…
بل ما إذا كانت القيادة نفسها ما تزال تُحدث فرقًا حقيقيًا.

هل نحن أمام تداول على السلطة؟
أم أمام تداول داخل نفس حدودها؟

4.  من التدبير إلى التأسيس: ما الذي يجب أن يتغير فعليًا؟

الخطاب التقليدي ما يزال يكرر نفس الوصفة: تحسين البرامج، تجديد النخب، ترميم الثقة. لكن هذا الخطاب، رغم وجاهته الظاهرية، أصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل، لأنه يفترض ضمنيًا أن الخلل يقع في “الأداء”، بينما الواقع يكشف أن الخلل أعمق: في المنطق الذي يُنتج هذا الأداء أصلًا.

المطلوب اليوم ليس تحسين ما هو قائم، بل مساءلته من جذوره. ليس تطوير أدوات السياسة، بل تفكيك البنية الذهنية التي اختزلتها في مجرد تدبير. لأن السياسة، حين تُختزل في التدبير، تفقد قدرتها على خلق الاختلاف، وتتحول إلى مجرد تقنية لضبط الواقع لا لتغييره.

أولًا: رهان الرؤية – ضد الفراغ المموّه

المشكل لم يعد أن البرامج ضعيفة، بل أنها بلا اتجاه.
المغاربة لم يعودوا ينتظرون لائحة إجراءات، بل بوصلة. لم يعد السؤال: ماذا ستفعلون؟ بل: أي مسار تريدون فرضه؟

الفراغ هنا ليس غيابًا تامًا، بل فراغ مموّه بالوفرة: كثرة في التفاصيل، مقابل غياب في المعنى الناظم.
كل برنامج يبدو مكتملًا تقنيًا، لكنه مفكك استراتيجيًا، كأنه تجميع حلول لمشاكل منفصلة، لا تعبير عن مشروع مجتمعي متكامل.

وهنا تحديدًا يفقد المواطن القدرة على “الاصطفاف”، لأنه لا يرى فرقًا في الاتجاه، بل فقط اختلافًا في السرعة أو الأسلوب.

ثانيًا: رهان المصداقية – تفكيك اقتصاد الوعود

لم يعد الكذب السياسي هو المشكلة الأساسية، بل ما يمكن تسميته بـتضخم الوعود.
الجميع يعد، والجميع يعرف أن جزءًا كبيرًا من هذه الوعود غير قابل للتحقق، ومع ذلك تستمر اللعبة.

نحن أمام ما يشبه “اقتصادًا رمزيًا للوعود”:

  • كلما زادت الوعود، ارتفع العرض السياسي
  • وكلما ارتفع العرض، انخفضت قيمته الفعلية

المصداقية اليوم لم تعد تعني فقط الوفاء، بل تعني القدرة على الاعتراف بالحدود.
أن تقول ما لا يمكنك فعله، بنفس الوضوح الذي تقول به ما يمكنك تحقيقه.
وهذا يتطلب شجاعة سياسية نادرة: شجاعة تقليص الخطاب بدل تضخيمه.

ثالثًا: رهان الأثر – السياسة كنتيجة لا كخطاب

في وعي المواطن، حدث تحول حاسم: لم يعد يقيس السياسة بما يُقال، بل بما يُغيّر فعليًا.

لم يعد الخطاب يُنتج الثقة، بل الأثر.
ولم تعد النوايا تُحسب، بل النتائج.

أي وعد لا يترك أثرًا في تفاصيل الحياة اليومية—في الشغل، في التعليم، في الكرامة المعيشية—يتحول تلقائيًا إلى ضجيج إضافي داخل ضجيج عام.

وهنا تتكشف أزمة أعمق:
السياسة ما تزال تُمارس كفن للخطاب، بينما المواطن أصبح يستقبلها كاختبار للنتائج.
هذا الانفصال هو ما يُنتج فجوة الثقة الحقيقية.

رابعًا: رهان المعنى – المعركة التي لا تُرى

وهذا هو الرهان الأكثر حساسية، والأكثر تجاهلًا في الآن نفسه.

المشكل لم يعد في من يدير، بل في ما إذا كانت السياسة ما تزال تملك سلطة الفعل أصلًا.

هل السياسة في المغرب:

  • مجرد وسيط لتكييف قرارات جاهزة؟
  • أم فضاء فعلي لإنتاج القرار وتحديد اتجاهه؟

هذا السؤال نادرًا ما يُطرح، لأنه يُحرج البنية ككل.
لكن بدونه، تبقى كل الإصلاحات سطحية، لأننا نُحسن الأداء داخل نفس التعريف الضيق للسياسة، بدل أن نُعيد تعريفها.

إذا لم تُسترجع السياسة كقوة اقتراح وتوجيه، ستظل الانتخابات لحظة:

  • عالية التنظيم
  • ضعيفة الأثر
  • ومحدودة المعنى

خاتمة: ماذا ينتظر المغاربة فعلًا؟

المغاربة لا ينتظرون فقط تغيير الوجوه، ولا حتى إعادة تشكيل التحالفات،

بل ينتظرون—ولو بصمت—إشارة نوعية:
أن السياسة استعادت قدرتها على الفعل، لا فقط على التبرير.

أنها لم تعد تشرح الواقع… بل تغيّره.

انتخابات سبتمبر، في عمقها، ليست اختبارًا للأحزاب، بل اختبار لجدوى السياسة نفسها.
وستكشف احتمالين لا ثالث لهما:

  • إما استمرار منطق: الإدارة” الذكية” لنفس الاختيارات
  • أو بداية تشكل أفق جديد: السياسة كفعل يؤسس لا كأداة تدبير

السؤال الحقيقي لم يعد: من سيفوز؟
بل:

هل سيبقى للفوز معنى مختلف أصلًا… أم سيغدو مجرد تبادلٍ للأدوار داخل نفس المسرح؟

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى