الانتخابات المقبلة: هل نحتاج إلى حكومة جديدة أم إلى طريقة جديدة في إدارة الدولة؟

المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة؛ بل إلى حكومة تعمل داخل دولة أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على التنفيذ

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

في لحظات التحول، لا يكون السؤال الأخطر هو من سيفوز بالانتخابات؟، بل ماذا سيفعل الفائز بالدولة بعد أن يفوز؟ فالدول لا تتغير بالضرورة لأن الحكومات تتغير، وقد تتبدل الوجوه والبرامج والأغلبيات بينما تظل طريقة إنتاج القرار وتنفيذه ومراقبته كما هي.

ومن هنا، فإن الاستحقاقات التشريعية المقبلة في المغرب تستحق قراءة تتجاوز منطق المنافسة الحزبية وحساب المقاعد. فالمغرب يدخل مرحلة تتقاطع فيها تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية وأمنية وتكنولوجية، ولم يعد كافيًا أن تقدم الأحزاب نفسها باعتبارها بدائل انتخابية؛ المطلوب أن تقدم بدائل في طريقة إدارة الدولة نفسها.

السؤال إذن ليس: من نريد أن يحكم؟
بل: أي دولة نريد أن تكون لدينا بعد الانتخابات؟

وهنا تتغير وظيفة الانتخابات. فهي لا تعود مجرد آلية لتغيير الأغلبية، وإنما تصبح فرصة لاختبار قدرة النظام السياسي على الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة التحولات، ومن إنتاج الوعود إلى إنتاج النتائج، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.

لذلك، قد يكون السؤال الأكثر واقعية وجرأة هو: هل يحتاج المغرب إلى حكومة جديدة فعلًا، أم إلى طريقة جديدة في إدارة الدولة؟

والإجابة لا يمكن أن تكون في شعار انتخابي، بل في أربع تحولات مترابطة: إعادة تعريف وظيفة الحكومة، تحويل الانتخابات من منافسة على الوعود إلى تعاقد على النتائج، بناء دولة استباقية قادرة على حماية مصالحها، ثم إنشاء قواعد سياسية تضمن استمرارية الإصلاح بدل ارتهانه بتعاقب الحكومات.

أولًا: المشكلة ليست دائمًا في الحكومة… بل في طريقة اشتغال الدولة

قد تأتي حكومة جديدة بأغلبية جديدة، وبرنامج جديد، ووجوه جديدة، ثم تجد نفسها تعمل داخل البنية الإدارية والسياسية نفسها، وتواجه البطء ذاته، ومشكلات التنسيق ذاتها، والفجوة ذاتها بين القرار والتنفيذ.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في إدارة الدولة: يمكن تغيير الحكومة من دون تغيير طريقة الحكم.

فالبرنامج السياسي مهما كان طموحًا لا يصنع النتائج بمجرد إعلانه. بين القرار والنتيجة توجد منظومة كاملة من المؤسسات والإدارات والموارد وآليات التنسيق والمساءلة والقدرة على التنفيذ.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش حول الحكومة المقبلة هو: أين تتعطل القدرة على الفعل؟

هل المشكلة في التشريع؟ أم في الإدارة؟ أم في ضعف التنسيق؟ أم في غياب المسؤولية الواضحة؟ أم في تعدد المتدخلين؟ أم في ضعف التقييم؟ أم في أن الدولة تكتشف المشكلات بعد أن تتحول إلى أزمات؟

الدولة الحديثة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تحويل القرار إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

وهنا ينبغي أن تنتقل السياسة المغربية من سؤال «ماذا سنفعل؟” إلى سؤال أكثر صرامة:

كيف سنفعله؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم إنجازه؟

هذه النقلة ليست تقنية؛ إنها سياسية بامتياز. لأنها تعني أن الحكومة المقبلة لن تكون مطالبة فقط بتحديد السياسات، بل ببناء قدرة تنفيذية تجعل تلك السياسات قابلة للتحقق.

ومن هنا يبدأ الطريق نحو الإجابة: المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة؛ بل إلى حكومة تعمل داخل دولة أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على التنفيذ.

ثانيًا: الانتخابات التي نحتاجها هي انتخابات النتائج لا انتخابات الوعود

إذا كانت المشكلة في جزء منها هي ضعف القدرة على التنفيذ، فإن الخطوة التالية تبدأ من الانتخابات نفسها.

فالانتخابات التقليدية تقيس شيئًا أساسيًا: من يملك ثقة الناخب؟ لكن الانتخابات في لحظات التحول ينبغي أن تقيس شيئًا إضافيًا: من يملك المشروع الأكثر قابلية للتنفيذ؟

وهنا يجب أن يتغير معيار المنافسة.

لا يكفي أن يقول حزب إنه سيصلح التعليم؛ بل عليه أن يوضح كيف سيقيس نجاح الإصلاح.

ولا يكفي أن يعد بتوفير فرص العمل؛ بل عليه أن يحدد القطاعات، والاستثمارات، والمهارات، والمدة الزمنية.

ولا يكفي الحديث عن العدالة المجالية؛ بل ينبغي أن يكون هناك تصور واضح لتقليص الفوارق بين الجهات.

ولا يكفي الحديث عن السيادة الاقتصادية؛ بل يجب تحديد كيف سيعزز المغرب أمنه الغذائي والمائي والطاقي، وكيف سيرفع إنتاجيته، وكيف سيطور قدرته التكنولوجية والصناعية.

وهكذا يمكن أن تتحول البرامج الانتخابية من وثائق سياسية إلى عقود أداء.

المواطن لا يحتاج إلى عشرات الوعود، بقدر حاجته إلى معرفة عدد محدود من الأولويات الوطنية الكبرى، وما الذي ستفعله الحكومة بشأنها، وكيف ستُقاس النتائج.

وهنا يمكن أن تصبح الانتخابات المقبلة فرصة لإعادة بناء علاقة مختلفة بين الناخب والحكومة:

الناخب يمنح التفويض، والحكومة تقدم النتائج، والمجتمع يراقب، والانتخابات التالية تصبح لحظة الحساب.

عندها تنتقل الديمقراطية من مجرد شرعية الصندوق إلى شرعية الأداء.

وهذا ربما يكون أحد أهم التحولات التي يحتاجها المغرب: ألا يكون السؤال بعد خمس سنوات «هل قدمت الحكومة برنامجًا جيدًا؟»، بل:

ماذا أنجزت بالفعل؟

ثالثًا: المغرب يحتاج دولة تستشرف الأزمات لا دولة تنتظرها

لكن تحسين الأداء الحكومي لن يكون كافيًا إذا بقيت الدولة تعمل بمنطق رد الفعل.

العالم الذي يدخل إليه المغرب أكثر تعقيدًا من عالم الأمس. الأمن لم يعد عسكريًا فقط، والاقتصاد لم يعد منفصلًا عن الجغرافيا السياسية، والتكنولوجيا أصبحت عنصرًا من عناصر السيادة، والماء والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد أصبحت كلها قضايا أمن وطني.

لهذا فإن الحكومة المقبلة ستواجه تحديًا يتجاوز إدارة الاقتصاد أو الخدمات الاجتماعية: كيف تجعل الدولة أكثر قدرة على استشراف المخاطر؟

الأمن المائي ليس ملفًا بيئيًا فقط.

والتعليم ليس ملفًا اجتماعيًا فقط.

والتحول الرقمي ليس ملفًا تقنيًا فقط.

والتشغيل ليس ملفًا اقتصاديًا فقط.

إنها جميعًا مكونات للقوة الوطنية.

ومن هنا ينبغي أن تنتقل الدولة من ثقافة إدارة الأزمة إلى ثقافة إدارة المخاطر.

أي أن تسأل قبل حدوث الأزمة:

ماذا لو تراجع النمو؟

ماذا لو تغيرت سلاسل الإمداد؟

ماذا لو اتسعت الفجوة المجالية؟

ماذا لو تفاقمت أزمة المياه؟

ماذا لو تسارعت التحولات التكنولوجية؟

ماذا لو ظهرت تهديدات جديدة في المجال السيبراني؟

استشرف قبل أن تُفاجأ، خطط قبل أن تُجبر، وابنِ قدرتك قبل أن تحتاج إليها. فالدولة الاستراتيجية لا تنتظر المستقبل؛ إنها تستعد له، ثم تدخل إليه وهي تملك خياراتها.

وهذا يتطلب حكومة تفكر في المستقبل بقدر ما تدير الحاضر، وتربط الاقتصاد بالأمن، والدبلوماسية بالتنمية، والتكنولوجيا بالسيادة، والتعليم بالقوة الوطنية.

هنا تحديدًا تتحول الحكومة من مديرٍ للملفات إلى قائدٍ للتحولات؛ ومن دولةٍ تكتفي بإدارة ما يحدث إلى دولةٍ تستبق ما سيحدث. وهنا أيضًا يستطيع المغرب أن يغادر مربع التأثر بموازين النفوذ إلى ساحة صناعة التأثير، فلا يكتفي بأن يكون طرفًا في معادلات الآخرين، بل يبدأ في بناء المعادلات التي يتحرك الآخرون داخلها.

رابعًا: المطلوب ليس تغيير الحكومة فقط… بل بناء استمرارية الدولة

إذا وصلنا إلى هذه النقطة، تصبح الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في البداية أكثر وضوحًا.

المغرب لا يحتاج إلى حكومة جديدة فقط، ولا يمكن أن يكون تغيير الحكومة وحده كافيًا.

ما يحتاجه المغرب ليس مجرد تغيير حكومة، بل تحرير الدولة من قِصر عمر الحكومات؛ أي بناء طريقة في إدارة الشأن العام تجعل الإصلاح أكبر من الولاية الانتخابية، والاستراتيجية أبعد من حسابات الأغلبية، والمصلحة الوطنية أسبق من إيقاع التنافس الحزبي.

فلا يعقل أن يُعاد بناء التعليم كل خمس سنوات، ثم يُهدم ما بُني ليبدأ مشروع جديد من الصفر. هذه ليست مشكلة حكومية عابرة؛ إنها واحدة من أعمق كلف الاستمرارية المفقودة التي رافقت المغرب منذ الاستقلال. أجيال تتخرج، والحكومات تتعاقب، والبرامج تتبدل، بينما تظل الدولة تدفع ثمن غياب النفس الاستراتيجي الطويل.

والماء لا ينتظر الانتخابات حتى ينضب، ولا الأمن المائي يملك ترف انتظار حكومة جديدة. والتحول الرقمي ليس مشروع وزير ينتهي بانتهاء ولايته، بل إعادة بناء لعلاقة الدولة بالمواطن. أما الصناعة والدبلوماسية والأمن والسيادة الاقتصادية، فهي تراكمات لا تُبنى بقرارات موسمية ولا تُدار بمنطق الدورة الانتخابية.

المطلوب إذن هو أن تُنقل بعض القضايا من ساحة التجاذب الحزبي إلى مستوى الاستمرارية الوطنية؛ لا بإلغاء التنافس السياسي، وإنما بمنع التنافس من تحويل المصالح الاستراتيجية للمغرب إلى رهائن لتغير الحكومات.

وهنا تقع المسؤولية التاريخية على الأحزاب والنخب والمؤسسات: أن تتفق على ما لا يجوز للمغرب أن يبدأه من الصفر كل خمس سنوات، وعلى ما يجب أن يستمر حتى لو تغيرت الحكومات والأغلبيات.

فالدولة التي تبدأ من الصفر مع كل حكومة لا تبني مستقبلًا؛ إنها تعيد إنتاج الماضي.

والمغرب لا يحتاج إلى حكومة تبدأ من جديد، بل إلى دولة تعرف إلى أين تريد أن تصل، وتُجبر الحكومات المتعاقبة على مواصلة الطريق.

هذا لا يعني إلغاء التعددية أو تقليص المنافسة؛ بل يعني أن تكون هناك مساحة للمنافسة حول كيفية تحقيق الأهداف الوطنية، لا حول الأهداف الوطنية نفسها.

فالاختلاف السياسي صحي، لكن الدولة تحتاج أيضًا إلى ذاكرة استراتيجية.

والمؤسسات تحتاج إلى القدرة على التعلم من التجربة.

والسياسات الناجحة تحتاج إلى الاستمرار حتى عندما تتغير الحكومات.

الخلاصة: الانتخابات المقبلة يجب أن تغيّر قدرة الدولة على الفعل

في النهاية، يتجاوز السؤال حدود المفاضلة بين حكومة جديدة وطريقة جديدة في إدارة الدولة. فالمغرب يحتاج إلى الاثنين معًا؛ لكن الحقيقة الأكثر حسمًا أن تغيير الحكومة لا يغير الدولة إذا بقيت فلسفة الحكم على حالها. قد تتبدل الوجوه، وتتغير الأغلبية، وتتعدد البرامج، بينما يبقى السؤال الأكبر بلا جواب: هل ازدادت قدرة الدولة على الفعل؟

ما يحتاجه المغرب، إذن، ليس مجرد تداول حكومي، بل تحول في فلسفة الحكم نفسها: أن تُبنى الدولة والحكومة على فلسفة المعنى؛ أن تعرف الدولة لماذا تفعل، وإلى أين تريد أن تصل، وأي مغرب تريد أن تصنع، وما القيمة التي تريد أن تضيفها إلى حياة مواطنيها وإلى موقعها بين الأمم.

ثم يتحول المعنى إلى رؤية، والرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى أثر، والأثر إلى نتيجة قابلة للقياس والمساءلة.

هنا فقط يصبح الحكم فعلًا في التاريخ، لا مجرد إدارة للحاضر.

فالمعنى ليس ترفًا فكريًا؛ إنه البوصلة التي تمنع الدولة من أن تنشغل بإدارة يومها بينما يكتب الآخرون ملامح غدها.

ولهذا لم يعد تأجيل هذا التحول ترفًا سياسيًا. المغرب يحتاج إلى وعي وطني جديد يدرك أن بناء الدولة لا يكون فقط بتراكم المؤسسات والمشاريع، وإنما ببناء اتجاه واضح وغاية مشتركة، وبمنهج يجعل الاستباق قبل الصدمة، والإنجاز قبل الخطاب، والنتيجة قبل التبرير، والمستقبل قبل الحسابات القصيرة.

نحن لا نحتاج فقط إلى حكومة جديدة تدير المغرب؛ نحتاج إلى دولة تعرف أي مغرب تريد أن تصنع، وحكومة تمتلك الجرأة والقدرة والمنهج لتحويل ذلك المعنى إلى واقع.

فالحكومة الجديدة قد تغيّر الأسماء، لكن طريقة إدارة الدولة هي التي تغيّر النتائج.

والمغرب لا يحتاج في المرحلة المقبلة إلى حكومة تستطيع أن تتحدث عن كل شيء، بل إلى حكومة تعرف ما الذي يجب أن تفعله أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وكيف ستنفذ، وكيف ستقيس، وكيف ستصحح، وكيف ستستبق المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.

لهذا يجب ألا تكون الانتخابات المقبلة مجرد منافسة بين أحزاب وبرامج، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطبقة السياسية على تقديم نموذج جديد للحكم؛ نموذج لا يقيس النجاح بعدد المشاريع المعلنة، بل بما تغيّره في حياة الناس؛ ولا يقيس قوة الدولة بعدد قراراتها، بل بسرعة تحويل القرار إلى أثر؛ ولا يحصر الأمن في الأجهزة، بل يراه حصيلة الاقتصاد والتعليم والماء والتكنولوجيا والتماسك الاجتماعي والدبلوماسية والسيادة الوطنية.

والدولة التي تنتظر الأزمة حتى تتحرك، تدفع ثمن تأخرها. أما الدولة التي تستشرف، فتدخل المستقبل وهي تملك خياراتها.

لذلك فالانتخابات التي يحتاجها المغرب في هذه اللحظة ليست انتخابات لتغيير الوجوه فقط؛ إنها انتخابات لتغيير قدرة الدولة على الفعل.

وهنا تكمن المهمة السياسية الكبرى: ألا يذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع فقط لاختيار من يحكم، بل لاختيار الطريقة التي يريدون أن تُدار بها دولتهم، والمستقبل الذي يريدون أن تصنعه.

فالمعركة الحقيقية ليست على من سيجلس في الحكومة؛ بل على أي دولة ستخرج من الانتخابات.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى