
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
في السياسة الدولية، لا تكمن أهمية بعض الاتفاقيات فيما تقوله صراحة، بل فيما تجبر الآخرين على إعادة التفكير فيه بعد التوقيع. فالوثيقة التي تستحق أن تُقرأ استراتيجيًا ليست بالضرورة تلك التي تعلن تحالفًا جديدًا، وإنما تلك التي تغيّر حسابات الخصوم والحلفاء، وتعيد توزيع المخاطر، وتفتح احتمالًا جديدًا لطريقة إدارة القوة.
من هذه الزاوية، تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، المبرمة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في 24 صفر 1448هـ الموافق 7 أغسطس 2026م، دلالة تتجاوز كونها اتفاقية أمنية ودفاعية متعددة الأطراف. فظاهرها اتفاق دفاعي ثلاثي، أما جوهرها فيتصل بسؤال أعمق يمس مستقبل النظام الإقليمي نفسه:
هل بدأت دول المنطقة تنتقل من استهلاك الأمن إلى صناعته؟
ليس السؤال هنا من هو المستهدف من الاتفاق، ولا كم عدد الجيوش التي يجمعها، وإنما ما الذي يقوله الاتفاق عن المرحلة المقبلة من أمن الشرق الأوسط؟
فإذا كان الأمن هو قدرة الدولة على منع التهديد، واحتواء الأزمة، وفرض تكلفة على الخصم، والحفاظ على حرية القرار، فإن القضية تتجاوز امتلاك السلاح إلى امتلاك هندسة أمنية مستقلة.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الشرق الأوسط المسلح… والفقير في هندسة أمنه
لم يكن الشرق الأوسط يومًا فقيرًا في عناصر القوة.
المال موجود، والطاقة موجودة، والجيوش موجودة، والموانئ والممرات البحرية موجودة، والموقع الجغرافي يجعل المنطقة إحدى أهم عقد النظام الدولي. كما أن دولها أنفقت خلال عقود مليارات الدولارات على شراء أحدث منظومات التسليح والدفاع.
لكن المفارقة كانت دائمًا في مكان آخر:
المنطقة امتلكت أدوات القوة أكثر مما امتلكت القدرة على إنتاج الأمن.
كانت الدول قادرة على شراء الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، لكنها لم تكن تملك دائمًا منظومة إقليمية قادرة على تحويل هذه القدرات المتفرقة إلى قوة جماعية.
كانت القوة محلية، بينما كانت المظلة الاستراتيجية خارجية.
وكانت الولايات المتحدة، وما تزال، اللاعب الخارجي الأكثر حضورًا في هذه المعادلة.
غير أن البيئة التي أنتجت هذه الصيغة لم تعد ثابتة.
الحروب الأخيرة، وتبدل أولويات القوى الكبرى، وتصاعد التنافس الدولي، وتعدد مراكز القوة، كلها دفعت دول المنطقة إلى السؤال الذي كان مؤجلًا:
ماذا يحدث إذا لم تعد القوة الخارجية مستعدة، في كل مرة، لتحمل الكلفة نفسها من أجل أمن المنطقة؟
وهنا يتحول الاعتماد من ضمانة إلى مخاطرة.
من «من يحمينا؟» إلى «كيف نحمي أنفسنا؟»
ربما تكون هذه هي النقلة الفكرية الأهم التي ينبغي أن تُقرأ من خلالها اتفاقية مكة.
فالمسألة ليست انتقال السعودية أو غيرها من الاعتماد على الولايات المتحدة إلى الاعتماد على تركيا وباكستان. لو كان الأمر كذلك، فلن نكون أمام تحول حقيقي، بل أمام استبدال مصدر اعتماد بمصدر آخر.
أما التحول الاستراتيجي الحقيقي فيبدأ عندما تنتقل الدولة من سؤال:
من يحميني؟
إلى سؤال:
كيف أبني منظومة تجعلني أقل حاجة إلى أن يحميني الآخر؟
وهذا هو الفارق بين الأمن بوصفه خدمة، والأمن بوصفه قدرة سيادية.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه جزءًا من مسار أوسع نحو تنويع مصادر القوة، وليس بالضرورة إعلانًا للقطيعة مع واشنطن أو مع النظام الأمني الغربي.
الدولة لا تصبح مستقلة لأنها تتخلى عن حلفائها، وإنما لأنها تصبح قادرة على اختيار حلفائها من موقع قوة.
وهنا تظهر السعودية في قلب التحول.
السعودية لا تبحث عن «حامٍ» جديد… بل عن هامش قرار أوسع
القراءة السطحية قد ترى في الاتفاق محاولة سعودية للحصول على ضمان أمني إضافي.
أما القراءة الاستراتيجية فترى شيئًا أكثر أهمية:
الرياض تحاول توسيع هامشها الاستراتيجي.
فكلما تعددت خيارات الدولة، ازدادت قدرتها على المناورة. وكلما تنوعت شراكاتها، انخفضت قدرت أي قوة منفردة على احتكار خياراتها.
وهذا لا يعني أن السعودية تريد الاستغناء عن الولايات المتحدة.
الأرجح أن المنطق أكثر براغماتية: أن تكون العلاقة مع واشنطن علاقة شراكة لا علاقة ضرورة وحيدة الجانب.
وهنا يصبح الاستقلال الاستراتيجي مفهومًا مختلفًا عن الانفصال.
فالاستقلال لا يعني إدارة الظهر للقوى الكبرى؛ بل يعني ألا يكون مستقبل الدولة الأمني متوقفًا على قرار عاصمة واحدة.
ثلاث دول… وثلاثة مصادر للقوة
قوة الاتفاق لا تأتي من تشابه السعودية وتركيا وباكستان، وإنما من اختلاف مصادر قوتها.
السعودية تمنح المعادلة وزنها الاقتصادي والجيوسياسي، وموقعها يجعل الخليج والبحر الأحمر جزءًا مباشرًا من أمنها الوطني ومن أمن الاقتصاد العالمي.
تركيا تضيف القوة العسكرية والخبرة العملياتية والصناعة الدفاعية، فضلًا عن موقع جغرافي يربط شرق المتوسط بالشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز وآسيا.
أما باكستان فتضيف العمق الآسيوي، والقوة العسكرية، والخبرة الاستراتيجية، إلى جانب كونها الدولة النووية الوحيدة بين الأطراف الثلاثة.
إذا جمعنا هذه العناصر على الورق، تبدو المعادلة قوية.
لكن الاستراتيجية لا تُبنى على الورق.
السؤال الأهم هو:
هل تستطيع هذه الدول تحويل اختلاف قدراتها إلى تكامل، وتحويل تكاملها إلى قوة مشتركة؟
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
القوة المجمعة ليست قوة مشتركة
أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو افتراض أن جمع ثلاث دول قوية ينتج تلقائيًا تحالفًا قويًا.
لا يحدث ذلك.
القوة المجمعة تصبح قوة استراتيجية فقط عندما تتحول إلى اعتماد متبادل مؤسسي.
أي عندما يصبح لكل طرف مصلحة حقيقية في استمرار قدرة الطرفين الآخرين، وعندما تكون تكلفة الانسحاب من المنظومة أعلى من تكلفة البقاء فيها.
لهذا فإن مستقبل اتفاق مكة لن تحدده البيانات السياسية، بل ما سيأتي بعدها:
هل ستنشأ آليات دائمة للتشاور في الأزمات؟
هل سيتطور التعاون إلى تكامل في الدفاع الجوي والصاروخي؟
هل يصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية مؤسسيًا؟
هل تنشأ مشاريع صناعات دفاعية مشتركة؟
هل يمتد التعاون البحري من الخليج إلى البحر الأحمر وبحر العرب؟
وهل تظهر آليات فعلية للتخطيط والاستجابة المشتركة؟
إذا حدث ذلك، فلن نكون أمام مجرد اتفاقية.
سنكون أمام بداية بنية أمنية.
تركيا: من «قوة إقليمية» إلى عقدة في شبكة أوسع
ربما يكون الدور التركي أحد أكثر عناصر الاتفاق إثارة للاهتمام.
فتركيا لا تدخل الترتيب باعتبارها مجرد قوة عسكرية إضافية، بل باعتبارها دولة تسعى إلى توسيع مجالها الاستراتيجي وربط مساحات جيوسياسية متعددة.
شرق المتوسط، والشرق الأوسط، والقوقاز، والبحر الأسود، وآسيا، ليست في الحساب التركي ساحات منفصلة بالكامل.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت تركيا ستقود هذا الترتيب.
السؤال الأذكى هو:
هل تريد أنقرة قيادة تحالف، أم بناء شبكة تكون إحدى عقدها المركزية؟
الفرق كبير.
القائد يتحمل أعباء التحالف.
أما العقدة المركزية في الشبكة فتستفيد من تعدد الروابط دون أن تصبح أسيرة لمحور واحد.
وإذا نجحت تركيا في ربط الخليج بالشرق الأوسط وجنوب آسيا عبر الدفاع والتكنولوجيا والصناعة والمعلومات، فإن وزنها لن يقاس فقط بحجم جيشها، بل بموقعها داخل شبكة القوة الجديدة.
باكستان: حين يدخل العمق الآسيوي إلى المعادلة
مع باكستان، يتغير نطاق الاتفاق.
لم يعد الأمر محصورًا في الخليج والشرق الأوسط، بل يمتد جغرافيًا نحو بحر العرب والمحيط الهندي وجنوب آسيا.
وهنا تصبح الجغرافيا عنصرًا في بناء الأمن نفسه.
الخليج والبحر الأحمر من جهة، وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، فيما تقع تركيا في موقع يصل بين فضاءات استراتيجية مختلفة.
إذا تطور التعاون البحري والاستخباراتي والصناعي، فقد يبدأ الاتفاق في إنتاج مجال أمني عابر للأقاليم.
وهذا أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد الشركاء.
البعد النووي: قوة لا تحتاج إلى أن تُستخدم كي تؤثر
وجود باكستان يضيف طبقة حساسة إلى الحسابات الاستراتيجية.
من الضروري هنا الفصل بين ما هو معلن وما هو استنتاج.
الاتفاق لا يعني انتقال الأسلحة النووية الباكستانية إلى السعودية، ولا يثبت قيام مظلة نووية رسمية.
لكن تجاهل العامل النووي سيكون خطأ تحليليًا.
فالردع لا يعتمد فقط على النصوص القانونية، بل على ما يعتقد الخصوم أن الأطراف تستطيع فعله في أسوأ الظروف.
ولهذا فإن وجود دولة نووية داخل ترتيب دفاعي جديد يغير، ولو بصورة غير مباشرة، البيئة الإدراكية للردع.
السؤال الذي سيظل مفتوحًا إذن هو:
إذا تطورت الاتفاقية إلى منظومة دفاع جماعي أكثر مؤسسية، فأين ينتهي التعاون التقليدي وتبدأ حسابات الردع الاستراتيجي؟
قد لا تكون هناك إجابة اليوم.
لكن العواصم الكبرى ستبني حساباتها على هذا السؤال قبل أن تجد له الدول الثلاث إجابة نهائية.
إيران: هل يغيّر الاتفاق حسابات الخصم أم يطلق سباقًا جديدًا؟
من السهل اختزال الاتفاق في أنه رسالة إلى إيران.
لكن هذه القراءة أضيق من أن تفسر الظاهرة.
فالردع الحقيقي لا يحتاج إلى تسمية الخصم.
إذا أصبح استهداف السعودية أكثر تكلفة بسبب احتمال اتساع نطاق الرد، فإن حسابات الخصم تتغير حتى لو لم تذكره الاتفاقية.
وهنا يكمن جوهر الردع:
التحالف الأقوى ليس الذي يخوض الحرب بكفاءة، وإنما الذي يجعل الحرب أقل جاذبية للخصم.
لكن الردع يمكن أن يعمل في الاتجاه المعاكس.
فإذا قرأت إيران الاتفاق باعتباره محاولة لتطويقها، فقد ترد بمزيد من بناء القوة، وتوسيع أدواتها غير المباشرة، وتعزيز شبكاتها الإقليمية.
أما إذا قرأته باعتباره بداية توازن أمني جديد، فقد تبحث عن قواعد تفاهم تقلل مخاطر الاصطدام.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي ليس:
هل سيردع اتفاق مكة إيران؟
بل:
أي سلوك إيراني سينتجه الردع الجديد؟
فقد يؤدي إلى سباق تسلح، وقد يؤدي إلى تفاوض.
والفارق بين النتيجتين هو الفارق بين نظام إقليمي أكثر استقرارًا ونظام أكثر قابلية للانفجار.
إسرائيل والولايات المتحدة: عندما يبدأ الداخل في إعادة تعريف الأمن
لا يمكن قراءة التحول من دون النظر إلى إسرائيل والولايات المتحدة.
فإذا بدأت دول المنطقة في بناء منظوماتها الأمنية بصورة أكبر من الداخل، فإن السؤال لن يكون فقط من يمتلك القوة، وإنما من يملك حق تعريف قواعد الأمن الإقليمي.
وهذا يمس موقع إسرائيل داخل أي هندسة أمنية مستقبلية، كما يمس موقع الولايات المتحدة بوصفها الضامن الخارجي الأبرز.
أما واشنطن، فتواجه مفارقة دقيقة.
هي تريد من حلفائها تحمل مزيد من أعباء الدفاع.
لكن الحليف الذي يتحمل أعباء أكبر يصبح، مع الوقت، أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
الحليف الأقوى يخفف العبء عن القوة الكبرى، لكنه يقلل أيضًا من قدرتها على احتكار الخيارات.
وهنا قد يكون التحول الأعمق الذي يمثله اتفاق مكة:
ليس إنهاء النفوذ الأمريكي، بل إنهاء احتكار البدائل.
الاختبار الأصعب: ماذا يحدث عندما تختلف المصالح؟
هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في الاتفاق.
السعودية وتركيا وباكستان ليست كتلة متجانسة.
لكل دولة تعريفها الخاص للتهديد، وأولوياتها، ومصالحها، وعلاقاتها الدولية.
السعودية تنظر إلى الخليج والبحر الأحمر.
تركيا تتحرك في شرق المتوسط والقوقاز والشرق الأوسط.
باكستان تضع جنوب آسيا وعلاقتها بالهند في صميم حساباتها الأمنية.
قد تتطابق هذه المصالح في لحظة.
لكن ماذا يحدث عندما لا تتطابق؟
ماذا لو تعرضت إحدى الدول الثلاث لهجوم محدود لا تعتبره الدولتان الأخريان تهديدًا وجوديًا؟
ماذا لو كان الهجوم عبر وكيل؟
ماذا لو كان سيبرانيًا؟
ماذا لو كان الرد العسكري سيجر دولة إلى حرب لا تريدها؟
وماذا لو كان المعتدي شريكًا استراتيجيًا لإحدى الدول الثلاث؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
إنها اللحظة التي تُختبر فيها قيمة أي تحالف.
فالتحالفات لا تُختبر عندما تتفق الدول، بل عندما تختلف وتظل مضطرة إلى اتخاذ قرار مشترك.
ولهذا فإن قدرة الاتفاق على إدارة الاختلاف قد تكون أهم من قدرته على إعلان التضامن.
من اتفاق دفاعي إلى مؤسسة… ومن مؤسسة إلى نظام
إذا أرادت الدول الثلاث تحويل الاتفاق إلى قوة استراتيجية حقيقية، فإن عليها أن تفعل شيئًا أكثر صعوبة من توقيع الوثائق: أن تبني مؤسسات تجعل التعاون مستمرًا حتى عندما تتغير الظروف السياسية.
هنا تبدأ العلامات الفارقة:
قيادة أو آليات تنسيق واضحة.
تبادل استخباراتي منتظم.
تدريبات عملياتية حقيقية.
تكامل في الدفاع الجوي والصاروخي.
تعاون بحري.
صناعات دفاعية مشتركة.
آليات لاتخاذ القرار أثناء الأزمات.
وقبل كل شيء، تعريف دقيق لما يعنيه «الهجوم» الذي يستوجب الدفاع المشترك.
عندها فقط ينتقل الاتفاق من السياسة إلى الاستراتيجية.
ومن الوثيقة إلى المؤسسة.
ومن المؤسسة إلى نظام أمني محتمل.
وهذه هي النقلة التي تستحق المراقبة.
ليس «ناتو إسلاميًا» … بل اختبار لنظام أمني جديد
وصف اتفاق مكة بأنه «ناتو إسلامي» قد يكون جذابًا إعلاميًا، لكنه لا يزال مبكرًا استراتيجيًا.
فالناتو ليس مجرد اتفاق دفاعي؛ إنه مؤسسة متكاملة ذات قيادة وهياكل عسكرية وآليات تشاور وعمليات مشتركة وتاريخ طويل من العمل الجماعي.
أما اتفاق مكة، في هذه المرحلة، فهو إمكان استراتيجي لم يتحول بعد إلى نظام مكتمل.
وهذا لا يقلل من أهميته.
بل يجعل السؤال أكثر إثارة.
فالاتفاقية لا تقدم نظامًا جاهزًا بقدر ما تفتح الباب أمام احتمال نشوء نظام.
والسؤال إذن ليس:
هل وُلد «ناتو إسلامي»؟
بل:
هل بدأت تتشكل الشروط التي يمكن أن تنتج نظامًا أمنيًا إقليميًا أكثر استقلالًا؟
وهذا سؤال أكبر بكثير.
اللحظة التأسيسية: من امتلاك القوة إلى صناعة قواعدها
في النهاية، قد لا تكون القيمة التاريخية لاتفاق مكة في الاتفاق نفسه.
قد تكون في المسار الذي يمكن أن يفتحه.
فالدولة التي تشتري السلاح تصبح أكثر تسلحًا.
لكن الدولة التي تبني منظومة أمنية تصبح أكثر قدرة على الفعل.
والدولة التي تستطيع التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بها تصبح أقل تعرضًا لأن تفرض عليها القوى الأخرى قواعدها.
وهنا يتغير معنى السيادة.
السيادة في عالم اليوم ليست فقط امتلاك الحدود والجيش، بل امتلاك القدرة على تعريف المخاطر، واختيار الشركاء، وتوزيع الأعباء، ورفع تكلفة الاعتداء، والمشاركة في وضع قواعد الأمن.
من هذه الزاوية، فإن اتفاق مكة قد يكون بداية انتقال من منطق مختلف تمامًا:
من الأمن بوصفه سلعة تُشترى من الخارج، إلى الأمن بوصفه قدرة تُبنى من الداخل.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الاتفاق جديرًا بالقراءة خارج لغة التحالفات التقليدية.
لأن السؤال الذي يخرج من مكة ليس:
من سيحمي المنطقة؟
بل:
من سيملك حق صناعة أمنها؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تنتظر أن تُحمى، ودولة تبدأ في بناء القدرة على حماية نفسها.
وبين الاثنين، يبدأ تاريخ جديد.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
