من اختلال المعنى إلى إعادة بناء الفعل: نحو مجتمع معرفي يعيد تشكيل النخبة والملأ في المغرب

تميل السياسات العمومية إلى اكتساب طابع تقني صرف، حيث تُقاس أساسًا بمؤشرات الإنجاز والإجراءات، أكثر مما تُقاس بقدرتها على إحداث تحول اجتماعي عميق أو إعادة تشكيل للمعنى الجمعي للفعل العمومي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مدخل: من تشخيص الوسائل إلى مساءلة المعنى

على إثر انعقاد مجلس قيادة مركز مكين للذكاء الاستراتيجي، وما عرفه من نقاشات معمّقة وغنية حول جملة من المفاهيم التي تشكل محور اهتمام المركز، وما يتفرع عنها من تصورات مرتبطة بالمجتمع المعرفي والكتلة المعرفية والنخبة والملأ، برزت الحاجة إلى تجاوز مستوى التعريفات الأولية لهذه المفاهيم، نحو مساءلة أعمق لوظائفها داخل الواقع، وكيفيات اشتغالها الفعلي، وتحولاتها في سياق يتسم بتسارع الأزمات وتعقد التحولات الراهنة.

وإلى حين تخصيص لقاء علمي معمق لتفكيك هذه البنية المفاهيمية وتحليل امتداداتها، يأتي هذا المقال كمحاولة أولية لاستقراء أحد أبرز اختلالات المرحلة: اختلال المعنى، باعتباره مدخلًا لفهم تعثر الفعل العمومي وحدوده.

ذلك أن المقاربة السائدة في تحليل التحولات الدولية والتحديات الوطنية، بما فيها الحالة المغربية، ما تزال أسيرة منطق الأدوات والوسائل، حيث يتم التركيز على كيفيات التدبير أكثر من مساءلة غايات الفعل. غير أن ما تكشفه ديناميات المرحلة هو أن الأزمة لم تعد مجرد اختلالات ظرفية أو تقنية قابلة للإصلاح الجزئي، بل تعبير عن خلل أعمق يمس البنية الدلالية التي تؤطر الفعل نفسه.

فالعالم اليوم، ومعه المغرب، لا يواجه فقط ضغوطًا اقتصادية أو تحولات جيوسياسية، بل يعيش حالة من التشوش في تحديد المعنى:

  • ما معنى الدولة في سياق التحولات المتسارعة؟
  • ما غاية التنمية خارج مؤشرات الإنجاز؟
  • ما وظيفة النخبة بين التمثيل والتأثير؟
  • وأي موقع للمعرفة بين الإنتاج والتوظيف؟

بهذا المعنى، تتحول الأزمة من مستوى التدبير إلى مستوى التأسيس، ومن سؤال الوسائل إلى سؤال الغايات.

وعليه، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا يجب أن نفعل؟
بل أصبح: لماذا نفعل؟ ولأي أفق؟ ووفق أي منظومة معنى نؤطر اختياراتنا؟

ومن هذا المنطلق، وكمقدمة تمهيدية لمحاولة الإجابة عن مختلف هذه الإشكالات، أرى أنه من الأجدر تقديم تعريف أولي، ولو بشكل مبسط، للعلاقة التفاعلية التي تربط بين هذه المفاهيم الأربعة المؤسسة لمنظومة المعرفة، والتي يمكن تحديدها على النحو التالي:

  • المجتمع المعرفي: هو الإطار العام الذي يُفترض أن تنتظم داخله عمليات إنتاج المعرفة وتداولها وتوظيفها داخل المجتمع، بما يجعل المعرفة عنصرًا بنيويًا في الفعل العمومي وليس مجرد نشاط متخصص.
  • الكتلة المعرفية: وهي مجموع الفاعلين والمؤسسات المنتجة للمعرفة (جامعات، مراكز بحث، خبرات تقنية ومهنية)، بما تمثله من رصيد معرفي وقدرات فكرية كامنة.
  • النخبة: وهي الفاعل الوسيط المفترض بين المعرفة والقرار، أي تلك الفئة التي يُنتظر منها تحويل المعرفة إلى رؤية، وإعادة ترجمة الرؤية إلى توجيه للنقاش العمومي وصناعة البدائل.
  • الملأ: وهو دائرة القرار والتوجيه الاستراتيجي، حيث تُحسم الخيارات الكبرى وتُحدد أولويات الفعل العمومي على المستوى الوطني.

وانطلاقًا من هذا التحديد، يتضح أن هذه المفاهيم لا تشتغل بشكل مستقل أو معزول، بل يفترض فيها أن تشكل منظومة تفاعلية متكاملة: حيث يُنتج المجتمع المعرفي الإطار العام، وتغذي الكتلة المعرفية هذا الإطار بالمعرفة والخبرة، وتقوم النخبة بترجمة هذه المعرفة إلى تصورات ورؤى، قبل أن يتولى الملأ تحويلها إلى سياسات وقرارات.

غير أن هذا المسار التفاعلي، في الواقع، لا يشتغل بالانسجام والتكامل المطلوبين، مما يجعل الاكتفاء بالتعريفات المفاهيمية غير كافٍ لفهم ديناميات الواقع الراهن. فالقيمة الحقيقية لهذه المفاهيم لا تتحدد في دلالاتها النظرية فقط، بل في وظائفها العملية داخل بنية المجتمع، وفي كيفية اشتغالها الفعلي ضمن سياق يتسم بتسارع الأزمات وتعقد التحولات.

وعليه، فإن الإشكال لم يعد إشكالًا معرفيًا صرفًا، بل تحول إلى إشكال وظيفي بالأساس، يرتبط بمدى قدرة هذه البنى على التفاعل فيما بينها بشكل منسجم، وإنتاج أثر ملموس في مسار الفعل العمومي وصناعة القرار.

وانطلاقًا من هذا التصور، يقترح هذا المقال إعادة بناء النظر إلى هذه المفاهيم من منظور استراتيجي، يتجاوز التفكيك النظري إلى مستوى أعمق يهدف إلى فهم شروط اشتغالها أو تعطلها داخل الواقع. فالمقصود ليس فقط تحليل كل مفهوم على حدة، بل إدراك علاقته بالمنظومة ككل، وكيف يمكن إعادة ربط المعرفة بالفعل، وربط المعنى بالقرار، بما يسمح بفتح أفق جديد للتفكير في إمكانات التحول وإعادة التأسيس.

غير أن هذا الأفق لا يمكن إدراكه في المجرد، بل يقتضي تنزيله على واقع ملموس تتجلى فيه هذه الاختلالات بشكل مركب. ويشكل النموذج المغربي حالة دالة في هذا السياق، حيث تتقاطع عناصر القوة مع مظاهر الغموض، وتتجاور الإمكانات الواعدة مع محدودية في وضوح الاتجاه.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من التشخيص العام إلى تحليل الحالة الوطنية، باعتبارها مدخلًا لفهم كيف تتجسد أزمة المعنى في سياق محدد، وكيف تؤثر على تموقع الفاعلين وتوجيه الاختيارات.

أولًا: المغرب بين تعدد الإمكانات وضبابية الاتجاه

إذا أعدنا قراءة الوضع المغربي من زاوية تتجاوز توصيف الموارد والمؤشرات، ونتبنى ما يمكن تسميته بـمنهج المعنى، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بكمّ الإمكانات المتوفرة، بل بمدى قدرتها على إنتاج معنى جامع للفعل العمومي، يمنح الاتجاه ويؤطر الإدراك الجماعي لما يجري.

في هذا الأفق، يبدو المغرب بلدًا تتراكم فيه الإمكانات بشكل واضح. فهو يتوفر على موقع جيو-استراتيجي حساس يجعله نقطة وصل بين فضاءات كبرى، وعلى استقرار مؤسساتي نسبي يشكل عنصر تميّز في محيط إقليمي مضطرب، إضافة إلى دينامية متصاعدة في البنيات التحتية، سواء في الموانئ أو الطرق أو الطاقات المتجددة. كما أن الرأسمال البشري، بما يحمله من تنوع وكفاءات، يمثل بدوره طاقة كامنة قابلة للتحول إلى قوة دفع تنموية ومعرفية.

غير أن الإشكال، وفق هذا المنظور، لا يكمن في وجود هذه الإمكانات أو في حجمها، بل في درجة تحولها إلى معنى مُدرَك ومشترك. فالملاحظ أن هناك فجوة متنامية بين منطق الإنجاز ومنطق الإدراك: فبينما تتقدم المشاريع والمؤشرات في مستويات متعددة، لا يتبلور دائمًا داخل المجتمع إدراك واضح لوجهتها النهائية، ولا للمنطق الذي يحكم تراكمها.

هنا بالضبط ينتقل التحليل من مستوى الوسائل إلى مستوى المعنى. إذ يصبح السؤال الجوهري ليس: ماذا تحقق؟ بل: ماذا يعني ما تحقق؟ وكيف يندرج داخل رؤية كلية تجعل من هذه الإنجازات أجزاء من قصة وطنية مفهومة وقابلة للانتماء؟

إن غياب هذا التمفصل بين الإنجاز والمعنى يؤدي إلى نوع من الانفصال الصامت بين الفعل العمومي وإدراكه المجتمعي. فالمشاريع، مهما كانت كبيرة، تفقد جزءًا من أثرها عندما لا تُترجم إلى دلالة مشتركة، وعندما لا تتحول إلى عناصر داخل سردية جامعة تفسر الاتجاه وتمنح الغاية.

ومن هنا يمكن القول إن الإشكال الأعمق لا يتعلق بندرة النتائج، بل بضعف ترجمة النتائج إلى معنى جماعي منظم. فحين يغيب هذا المعنى، تتحول السياسات العمومية إلى مسارات متوازية أكثر منها مشروعًا متكاملًا، ويصبح التراكم المادي أقل قدرة على إنتاج الأثر الرمزي والاجتماعي المنشود.

إن منهج المعنى يقترح، في هذا السياق، إعادة النظر في الإمكانات لا بوصفها معطيات تقنية، بل بوصفها عناصر ينبغي إدماجها داخل أفق دلالي جامع. فالقيمة الحقيقية لأي إنجاز لا تكمن فقط في وجوده، بل في قدرته على أن يكون مفهومًا، ومندمجًا في تصور كلي يجيب عن سؤال الوجهة والغاية.

وبهذا المعنى، يصبح التحدي المركزي أمام المغرب هو الانتقال من منطق “تجميع الإمكانات” إلى منطق “بناء المعنى”، أي من اقتصاد الإنجاز إلى هندسة الدلالة التي تجعل من هذه الإنجازات مسارًا واحدًا متماسكًا.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة الفاعلين الذين ينتجون هذا المعنى أو يفترض فيهم إنتاجه، وعلى رأسهم الكتلة المعرفية، باعتبارها الحلقة التي يفترض أن تصل بين الفعل والوعي، وبين الإنجاز وتأويله.

ثانيًا: الكتلة المعرفية… معرفة تنتج خارج المعنى

إذا كان المغرب، كما سبق بيانه، يواجه فجوة متنامية بين الإمكانات المتوفرة وبين القدرة على تحويلها إلى معنى جامع وموجه، فإن فهم هذه الفجوة يظل ناقصًا ما لم يتم التوقف عند أحد عناصرها البنيوية الأساسية: الكتلة المعرفية.

فمن منظور منهج المعنى، لا تُقاس قيمة المعرفة بكمّ حامليها أو بحجم إنتاجها، بقدر ما تُقاس بقدرتها على التحول إلى قوة موجهة للفعل العمومي، أي إلى معرفة فاعلة ومؤثرة، لا مجرد معرفة مُنتَجة أو مُكدَّسة. ومن هنا يبرز الإشكال الجوهري: فالمغرب لا يعاني في العمق من خصاص في الكفاءات أو من ضعف في الإنتاج الفكري، بقدر ما يعاني من تشتت هذا الإنتاج وانفصاله عن أفق جامع وهادف يمنحه الاتجاه والمعنى.

في هذا السياق، تبدو الكتلة المعرفية في وضعها الراهن أقرب إلى تجمعات متجاورة غير مترابطة، أكثر منها إلى بنية متفاعلة ومنتظمة داخل رؤية واحدة. إذ يلاحظ أن الفاعلين المعرفيين يتحركون داخل دوائر شبه منفصلة: الجامعة في مسارها الخاص، ومراكز القرار في مسار موازٍ، والفاعلون الاقتصاديون في مسار ثالث، في حين يبقى المجتمع في حالة تفاعل ضعيف أو شبه غياب عن هذه الديناميات، دون وجود جسور مؤسسية وفكرية كافية لربط هذه العوالم ضمن تصور موحد ومتكامل.

إن هذا التمفصل الضعيف بين مكونات الحقل المعرفي يؤدي إلى نتيجة بنيوية أساسية، تتمثل في تحول المعرفة من منظومة تفاعلية قادرة على التأثير، إلى جزر معرفية مغلقة تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بدل أن تتشكل في صورة شبكة ممتدة من التأثير والتغذية المتبادلة.

فعلى المستوى الأول، نلاحظ وجود إنتاج أكاديمي معتبر من حيث الكم، غير أنه يظل في الغالب محصورًا داخل دوائر النشر الأكاديمي الضيق وآليات التقييم العلمي، دون أن ينجح في التحول إلى معرفة مُفعّلة داخل المجتمع، سواء من خلال أدوات الفهم العمومي أو عبر الإسهام في توجيه السياسات العمومية وصناعة القرار.

وعلى المستوى الثاني، تتوفر داخل الإدارة والقطاع الخاص خبرات تقنية ومهنية معتبرة، لكنها تظل في الغالب ذات طابع وظيفي مجزأ، لا تستند إلى رؤية فكرية كلية، ولا تساهم في إنتاج معنى يتجاوز حدود المجال الذي تشتغل فيه، مما يجعل أثرها محدودًا في البنية العامة.

غير أن الأثر الأعمق لهذا الاختلال يتجلى، على مستوى ثالث، في المجتمع نفسه. فحين تنفصل المعرفة عن دوائر القرار، وتنعزل الخبرة عن الرؤية، يفقد المجتمع تدريجيًا قدرته على فهم التحولات التي يعيشها وعلى تأويلها داخل إطار معنوي جامع. ويتحول بذلك من مجتمع يتفاعل مع المعرفة إلى مجتمع يستهلك نتائجها بشكل غير مندمج، دون أن يمتلك أدوات تفسيرها أو إعادة إنتاج معناها.

وينتج عن ذلك نوع من القطيعة الصامتة بين المجتمع ومصادر إنتاج المعنى، حيث تتراكم المعلومات والمعطيات، لكن دون أن تتحول إلى وعي جمعي منظم أو إلى حس استراتيجي مشترك. فيضعف الإحساس بالانتماء إلى مشروع واضح، ويتراجع مستوى الثقة في الفعل العمومي، ليس بالضرورة بسبب فشل مباشر، بل بسبب غياب القدرة على تفسير هذا الفعل وإدماجه داخل سردية مفهومة.

وبهذا المعنى، لا تكمن الإشكالية في ندرة المعرفة أو ضعف إنتاجها، بل في تعطل مسار تحويلها من معرفة مُنتَجة إلى معرفة مُؤَطِّرة للفعل. فالمعرفة التي لا تنخرط في صلب القرار، ولا تساهم في تشكيل الوعي الجماعي، تفقد تدريجيًا وظيفتها الاستراتيجية، حتى وإن ظلت قوية من الناحية الأكاديمية أو التقنية.

وتتفاقم خطورة هذا الوضع حين لا يُنظر إليه باعتباره حالة مغربية معزولة أو اختلالًا مرتبطًا بسياق وطني محدد، بل كجزء من نمط أوسع يتكرر في معظم دول الفضاء العربي. فالملاحظة الأساسية هنا هي أن ما يُسجَّل في المغرب من فجوة بين إنتاج المعرفة وقدرتها على التأثير، ليس استثناءً، بل هو تعبير عن بنية إشكالية مشتركة.

ففي عدد كبير من الدول العربية، نلاحظ وفرة ملحوظة في الإنتاج المعرفي والأكاديمي، سواء داخل الجامعات أو مراكز البحث أو فضاءات الخبرة، غير أن هذا الإنتاج لا يجد في الغالب قنوات فعالة للانتقال إلى مستوى التأثير في القرار العمومي أو في تشكيل الوعي المجتمعي.

وبالتالي، تتكرر نفس المفارقة البنيوية: إنتاج معرفي معتبر من حيث الكم، يقابله ضعف واضح في التوجيه الاستراتيجي وفي القدرة على تحويل هذا الإنتاج إلى قوة مؤثرة داخل الدولة والمجتمع.

وهذا ما يجعل جزءًا كبيرًا من الجهود المعرفية في العالم العربي يشتغل دون بوصلة استراتيجية جامعة، أي دون إطار مرجعي واضح يحدد وجهة المعرفة ووظيفتها، ويضمن انتقالها من مستوى التكديس العلمي إلى مستوى الفعل والتأثير.

وهنا يتجلى جوهر الاختلال: المعرفة التي لا تجد مكانها داخل مشروع مجتمعي واضح، تتحول إلى معرفة بلا أثر، أي إلى إنتاج فكري أو تقني لا ينعكس على مستوى التوجيه ولا على مستوى البناء الجماعي للمعنى.

ومن زاوية منهج المعنى، فإن هذا الوضع يكشف أن الإشكال ليس فقط في تنظيم الكتلة المعرفية، بل في غياب البنية التي تمنحها وظيفة داخل السردية الوطنية. فالمعرفة لا تكتسب قوتها من ذاتها فقط، بل من علاقتها بمنظومة المعنى التي تدمجها وتعيد توجيهها.

وبذلك، يصبح السؤال أعمق من مجرد كيفية تنسيق الجهود المعرفية، ليصل إلى: كيف يمكن إعادة وصل المعرفة بوظيفتها الأصلية كوسيط بين الفهم والفعل؟ وكيف يمكن تحويل الكتلة المعرفية من فضاء متشتت إلى قوة تأطيرية قادرة على إنتاج المعنى وتوجيه القرار؟

إننا أمام وضع لا يقتصر على مجرد تجميع الكفاءات أو تراكم الخبرات، بل يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين المعرفة والمعنى، بحيث لا تبقى المعرفة طاقة كامنة أو خبرة معزولة، بل تتحول إلى قوة فاعلة داخل مشروع مجتمعي متكامل يعيد توجيه الفعل والفهم معًا.

ومن هنا تبرز إشكالية أعمق تتجاوز البعد التقني للكفاءات إلى البعد الوظيفي والرمزي للنخبة، وهو ما يفتح مباشرة على سؤال ازمة وظيفتها في غياب المعنى.

ثالثًا: النخبة… أزمة وظيفة داخل نظام المعنى

إذا كان اختلال العلاقة بين المعرفة والفعل يعكس أزمة في “الكتلة المعرفية”، فإن مستوى أكثر دقة من التحليل يقودنا إلى مساءلة موقع النخبة داخل هذا النسق، باعتبارها المفترض أن تكون الحلقة الوسيطة بين إنتاج المعرفة وتوجيه القرار وصياغة الوعي الجماعي.

في السياق المغربي، لا تبدو النخبة كتلة متجانسة بقدر ما تبدو بنية متشظية تعيش تعددًا في المواقع دون وحدة في الوظيفة. ويمكن تمييز، بشكل تقريبي، ثلاث ديناميات رئيسية داخلها.

هناك أولًا جزء من النخبة مندمج بشكل كامل في منطق التدبير اليومي، حيث ينشغل بتسيير الشأن العمومي في مستوياته التقنية والإدارية، وهو ما يجعله أقرب إلى منطق الإدارة منه إلى منطق إنتاج الرؤية أو إعادة مساءلة الاتجاه العام.

وهناك ثانيًا جزء آخر اختار، طوعًا أو قسرًا، الانسحاب إلى الهامش، إما بسبب فقدان قنوات التأثير، أو نتيجة تراجع الإحساس بجدوى الفعل داخل المجال العمومي، مما أدى إلى انكفاء على دوائر محدودة من التفكير أو الإنتاج المعرفي غير المتصل بمسار القرار.

أما الجزء الثالث، فهو فاعل حاضر شكليًا في الفضاء العمومي، لكنه يفتقد إلى أدوات التأثير الفعلي، سواء من حيث القدرة على التأطير الفكري أو من حيث امتلاك النفوذ داخل دوائر صناعة القرار، مما يجعله في وضعية حضور دون تأثير حقيقي.

إن هذه البنية المركبة تُنتج في النهاية نتيجة جوهرية: نخبة غير قادرة على أداء وظيفتها التاريخية كما يفترضها منطق المجتمعات الحديثة، أي وظيفة إنتاج المعنى، وتأطير النقاش العمومي، والمساهمة في صياغة البدائل الممكنة.

وبدل أن تضطلع النخبة بدورها الطبيعي كفاعل في هندسة الاتجاهات الكبرى وصياغة البدائل، تتوزع تدريجيًا على أربعة أنماط وظيفية بديلة: إما فاعل تقني محكوم بمنطق التدبير اليومي وإكراهاته، أو متفرج منسحب من المجال العمومي فاقد لآليات التأثير، أو عنصر يشتغل داخل حدود التبرير وإعادة إنتاج الوضع القائم بدل مساءلته، أو فاعل مستلب يتبنى مرجعيات خارجية بشكل غير نقدي، فيغرد خارج سياق مجتمعه دون قدرة على تحويل هذا التبني إلى مشروع معنى أو بديل قابل للتجذر محليًا.

وبهذا المعنى، تنتقل النخبة من موقعها الطبيعي كـمنتِجة للمعنى ومؤسسة للبدائل إلى موقع أكثر هشاشة، حيث تصبح إما مستهلكة للمعنى الذي يُنتَج في أماكن أخرى، أو مساهمة بشكل غير مباشر في إعادة إنتاجه دون القدرة على توجيهه أو إعادة صياغته.

غير أن هذا التحول لا يكتمل فهمه دون الانتقال إلى مستوى أعلى من تحليل بنية القرار، أي إلى دائرة الملأ باعتبارها الفضاء الذي تُصاغ فيه التوجهات الكبرى وتُحسم فيه الخيارات الاستراتيجية.

 رابعًا: الملأ… القرار المنفصل عن أفق المعنى

حين تتراجع فعالية النخبة في إنتاج المعنى، وتتشتت الكتلة المعرفية خارج أي إطار جامع، يتشكل تدريجيًا نمط من صناعة القرار يمكن وصفه بأنه قرار وظيفي أكثر منه قرارًا دلاليًا؛ أي قرار يتحرك داخل منطق التدبير، دون أن يكون مؤطرًا برؤية كلية واضحة للغايات.

في هذا السياق، تميل السياسات العمومية إلى اكتساب طابع تقني صرف، حيث تُقاس أساسًا بمؤشرات الإنجاز والإجراءات، أكثر مما تُقاس بقدرتها على إحداث تحول اجتماعي عميق أو إعادة تشكيل للمعنى الجمعي للفعل العمومي. وبالمثل، قد تتحقق منجزات مادية وبنية تحتية متقدمة، دون أن يواكبها أثر مجتمعي متناسب معها على مستوى الإدراك أو الاندماج أو الإحساس بالعدالة.

ويترتب عن هذا الوضع نوع من الانفصال بين الوسائل والغايات، حيث تُصبح الأدوات أكثر وضوحًا من الأهداف، وتتحول آليات التنفيذ إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون مجرد وسائط لتحقيق مشروع مجتمعي متكامل.

وفي هذا الإطار، يتجلى موقع “الملأ” كفضاء لاتخاذ القرار في صورة مزدوجة: فهو فاعل قوي على مستوى التدبير والتوجيه الإداري، لكنه في المقابل يظل محدود القدرة على إنتاج المعنى الاستراتيجي الذي يمنح لهذه القرارات أفقها العميق ودلالتها الشاملة.

ومن هنا تتبلور ملامح الأزمة في صورتها الأكثر دقة: قرارات قد تكون فعالة من حيث التنفيذ، لكنها محدودة من حيث المعنى؛ وفائض من التدبير يقابله نقص في التأطير الدلالي.

وبهذا المعنى، لا تعود الإشكالية مجرد خلل في السياسات أو في أدواتها، بل تصبح اختلالًا في العلاقة بين الفعل والمعنى نفسه، حيث يفقد القرار امتداده الرمزي والاجتماعي، ويتحول إلى ممارسة تقنية منفصلة عن أفقها المجتمعي.

انطلاقًا من هذا التشخيص، يمكن صياغة الفرضية المركزية لهذه المقاربة على النحو التالي:

لا يمكن تجاوز اختلالات التنمية، ولا بناء سيادة وطنية حقيقية ومستدامة، عبر تحسين الوسائل التقنية أو ترميم الآليات الإجرائية وحدها، بل يظل ذلك مشروطًا بإعادة بناء منظومة المعنى التي تؤطر العلاقة بين المعرفة والنخبة والقرار، وتعيد وصل الفعل العمومي بأفقه الاجتماعي والاستراتيجي الجامع، بما يمنح السياسات اتجاهها، ويعيد للأولويات ترتيبها داخل رؤية كلية متماسكة.

ومن هذا المنطلق، ينتقل التحليل إلى مساءلة كيفية تحويل هذا التصور من مستوى التشخيص إلى مستوى الفعل، أي إلى البحث في السبل العملية لتفعيل هذه المنظومة داخل الواقع، وهو ما يمكن بلورته ضمن إطار إجرائي وفكري نطلق عليه:

خامسًا: نحو حل بمنهج المعنى

في ضوء ما سبق من تشخيص للاختلالات التي تمس العلاقة بين المجتمع المعرفي والكتلة المعرفية والنخبة والملأ، يتضح أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بضعف الأداء أو محدودية الوسائل، بل بغياب منهج منظم لإنتاج المعنى وتوجيهه داخل الفعل العمومي. ومن هنا، فإن مدخل الحل لا يمكن أن يكون تقنيًا أو إجرائيًا صرفًا، بل ينبغي أن يُؤسس على ما يمكن تسميته بـمنهج المعنى، باعتباره الإطار القادر على إعادة ربط المعرفة بالقرار، والفعل بالغاية، والوسيلة بالاتجاه.

ويقوم هذا المنهج أولًا على إعادة الاعتبار لسؤال الغاية داخل الفعل العمومي، بما يعني الانتقال من منطق يركز على “تحقيق الإنجاز” إلى منطق أعمق يعيد طرح سؤال “لماذا يتم الإنجاز؟”. فإعادة ترتيب السياسات العمومية لا يمكن أن تتم بشكل فعال دون إطار دلالي جامع يحدد وجهة التنمية، ومعنى العدالة، وموقع الدولة داخل محيطها. فالتنمية هنا لا تُفهم فقط كمراكمة للنتائج، بل كمسار لإعادة تشكيل المجتمع، والعدالة كشرط لتماسكه، والموقع في العالم كاختيار استراتيجي يعكس رؤية وليس مجرد تفاعل مع معطيات خارجية.

وفي المستوى الثاني، يقتضي منهج المعنى إعادة توجيه الكتلة المعرفية نحو القيام بوظيفتها الأساسية باعتبارها قوة منتجة للفهم والتفسير والتأثير. فالمعرفة لا تُقاس قيمتها بمجرد حجم إنتاجها أو تراكمها، بل بقدرتها على التحول إلى أداة لقراءة الواقع واستيعاب تحولاته، ومن ثم توجيه الفعل العمومي على أسس أكثر وعيًا واتساقًا.

ويتطلب ذلك إعادة ربط البحث العلمي والتفكير الاستراتيجي بقضايا المجتمع الحقيقية، بما يحد من حالة الانفصال التي تعاني منها العديد من المؤسسات المعرفية، ويعيد إدماجها داخل دينامية الفعل الاجتماعي. كما يستدعي تشجيع أنماط من الإنتاج الفكري النقدي والتفسيري والاستشرافي، القادر على تجاوز الوصف السطحي للظواهر نحو تفكيك دلالاتها العميقة، وتحويلها إلى معانٍ قابلة للفهم والتوظيف داخل السياسات العمومية وصناعة القرار.

أما في المستوى الثالث، فإن تطبيق منهج المعنى يستدعي إعادة بناء موقع النخبة داخل المنظومة، بحيث تتحول من فاعل تقني أو وسيط جزئي إلى فاعل دلالي مسؤول عن إنتاج المعنى وتوجيهه. فالنخبة في هذا التصور ليست مجرد إطار إداري أو أكاديمي، بل هي مساحة تفكير في الأفق العام، تربط بين القيم والسياسات، وبين المعرفة والرؤية، وتشتغل على تحويل التشخيص إلى اختيارات استراتيجية قابلة للتنفيذ.

وفي المستوى الرابع، ينعكس هذا المنهج على دائرة القرار أو “الملأ”، التي ينبغي أن تنتقل من منطق القرار التقني المغلق إلى منطق القرار المؤسس على المعنى. أي إدماج المعرفة والخبرة الفكرية في عملية صناعة القرار، وفتح المجال أمام النقاشات التفسيرية داخل دوائر التوجيه الاستراتيجي، بما يسمح بإنتاج قرارات لا تكتفي بالنجاعة الإجرائية، بل تستند إلى أفق دلالي يضمن انسجامها الداخلي واتساقها مع الغايات الكبرى.

أما في مستواه المجتمعي، فإن منهج المعنى يهدف إلى بناء مجتمع معرفي لا يقتصر دوره على التلقي أو الاستهلاك، بل يشارك في الفهم والتفسير والتوجيه. مجتمع يتحول فيه الفعل المعرفي إلى ممارسة جماعية لإنتاج المعنى، بما يجعل المعرفة أداة لفهم الواقع، وآلية للمشاركة في تشكيله، وليس فقط مادة متخصصة منفصلة عن الحياة العامة.

وبهذا المعنى، لا يقتصر منهج المعنى على كونه إطارًا نظريًا، بل يتحول إلى تصور عملي ومنهج استراتيجي لإعادة تنظيم العلاقة بين مختلف مستويات الفعل داخل المجتمع والدولة. فهو يسعى إلى إعادة ربط الجامعة بالمجتمع، والكفاءة بالقرار، والإعلام بالتحليل، والنقاش العمومي بالقضايا الاستراتيجية، بما يعيد إنتاج المعنى بشكل جماعي ومؤسسي.

وفي أفق أوسع، يتبين أن هذا المنهج لا يجيب فقط عن إشكالات محلية، بل يتقاطع مع أزمة حضارية عامة تتمثل في تراجع القدرة على إنتاج معنى مشترك يوجه الفعل الإنساني. ومن هنا، فإن أهمية “منهج المعنى” لا تكمن فقط في قدرته على تفسير الاختلالات، بل في كونه يفتح إمكانية إعادة تأسيس الفعل العمومي على قاعدة جديدة، يكون فيها المعنى هو الأصل، والقرار هو الامتداد، والمعرفة هي الوسيط، والمجتمع هو الحاضن.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى